أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
الدماغ

عودة إلى الدماغ المشقوق


عودة إلى الدماغ المشقوق(*)

إن البحوث التي أدت إلى اختراق معارف كثيرة فيما يتعلق

بالدماغ والتي بدأت قبل ما ينوف على ربع قرن، قادت إلى

تبصرات متواصلة فيما يتعلق بالوعي وتنظيم الدماغ.

<S.M.گازانيگا>

 

قبل نحو ثلاثين سنة كَتَبْتُ في صفحات ساينتفيك أمريكان عن دراسات جديدة مثيرة حول الدماغ. فقد خضع ثلاثة مرضى كانوا يلتمسون الشفاء من الصرع لجراحة استهدفت قَطْع الجسم الثفني corpus callosum الذي يشكِّل الطريق العام الرئيسي للعصبونات الواصلة بين نصفي الدماغ. ومن خلال عملنا على هؤلاء المرضى راقبت مع زملائي (<W.R.سپيري> و<E.J.بوگن>و<J.P.ڤوگل>) ما حصل حينما لم يعد باستطاعة النصفين الدماغيين التواصل فيما بينهما.

 

لقد اتضح أن المعلومات الإبصارية لم تعد تنتقل بين الجانبين. فإذا أسقطنا صورة على الحقل الإبصاري الأيمن (أي على نصف الكرة المخية الأيسر الذي تتم فيه معالجة المعلومات الواردة من الحقل الأيمن) وجدنا أن بإمكان المرضى وصف ما يرون. ولكن حينما أُسقطت الصورة ذاتها على الحقل الإبصاري الأيسر لم يكتشف المرضى شيئا، وقالوا إنهم لم يروا أي شيء. ومع ذلك كنا إذا طلبنا إليهم الدلالة على شيء يشبه الصورة التي أسقطناها فإنهم كانوا يؤدون ذلك بسهولة، مما يعني أن الدماغ رأى الصورة وهيأ استجابة غير لفظية(1). وببساطة، لم يستطع المريض وصف ما رأى.

 

لقد صحَّت النتيجة ذاتها بالنسبة إلى اللّمس والشم والسمع. يضاف إلى ذلك أن كل نصف من نصفي الدماغ كان يقوى على التحكم في العضلات العليا لكلتا الذراعين، ولكن العضلات التي تحرك اليد والأصابع لا تتآلف وظائفُها إلا باشتراك نصفي الكرة المخية.

 

وفي نهاية الأمر، اكتشفنا أن نصفي الكرة المخية يشرفان على نواح واسعة الاختلاف من الفكر والفعل thought and action. فلكل نصف منهما تخصّصه، وبالتالي محدِّداته ومميزاته. فالدماغ الأيسر سيد الموقف بالنسبة إلى اللغة والكلام، في حين يتفوق الدماغ الأيمن في المهام الحركية الإبصارية. وهكذا صار مدلول هذه النتائج جزءا من ثقافتنا، بحيث يصف الكُتّاب أنفسهم بأنهم يساريو الدماغ left brained، ويعتبر الفنانون الإبصاريون أنفسهم يمينيي الدماغ right brained.

 

وخلال العقود الفائتة تابعتْ بحوثُ الدماغ المشقوق split brain إيضاح مجالات عديدة من العلوم العصبية. فلم تكتف بإعلامنا، وآخرين غيرنا، حول المزيد من الفوارق بين نصفي الكرة المخية، بل أفهمتنا أيضا كيف يتواصلان حين الفصل بينهما. وقد ألقت دراسات الدماغ المشقوق الضوء على وظائف اللغة وآليات الإدراك والانتباه وعلى تعضّي (تنظيم) الدماغ brain organizationوالمقر المحتمل للذاكرات الكاذبة. وربما كان الأكثر إثارة للاهتمام هو إسهام هذه الدراسات في فهمنا للوعي والتطوّر.

 

لقد أثارت الدراسات الأولية للدماغ المشقوق عدة أسئلة مهمة حول ما إذا كان النصفان المخِّيان المنفصل أحدهما عن الآخر يستمران في إمكانية «التحادث» معًا، وحول طبيعة الدور الذي يؤديه مثل هذا التواصل في الفكر والفعل. فهناك بضعة جسور من العصبونات تدعى الملتقيات commissures تربط النصفين المخيين أحدهما بالآخر، مع العلم بأن الجسم الثفني أضخمها، وهو الوحيد بينهما الذي يتم قطعه نمطيا في أثناء الجراحة الخاصة بالصرع epilespy. ولكن ماذا عن الملتقيات العديدة الأخرى الأصغر منه؟

 

الجسور الباقية

لقد استطاع الباحثون التصدي لهذا السؤال عن طريق دراسة منظومة الانتباه attentional system. فالانتباه يشمل عدة بنى في القشرة المخية والقشرة المخية التحتية subcortex التي هي الجزء الأقدم والأكثر بدائية في أدمغتنا. ففي الثمانينات وجد< D.J .هولزمان> [من كلية الطب في جامعة كورنل] أن كل نصف كرة مخية يستطيع توجيه الانتباه الحيزي (المكاني) spatial attention  إلى  النصف المخي الحسّي الخاص به وإلى نقاط معينة في النصف المخي الحسي للناحية المقابلة. ويوحي هذا الاكتشاف بأن جهاز الانتباه يشمل كلا النصفين المخيين ـ على الأقل فيما يخص المعلومات الحيزية ـ ويبقى شغَّالا عبر بعض الاتصالات الباقية بين النصفين المخيين.

 

لقد كان البحث الذي أجراه هولزمان مثيرا للاهتمام بشكل خاص؛ لأنه أثار إمكانية وجود موائل انتباه attentional resources محدودة؛ إذ افترض أن العمل  في نوع واحد من المهام إنما يستخدم موائل دماغية معينة، وكلما ازدادت صعوبة المهمة ازداد عدد الموائل التي تحتاج إليها المهمة وازداد ما يجب أن يستدعيه نصف الدماغ من القشرة المخية التحتية أو من النصف الآخر من الكرة المخية للاشتراك في المهمة. وفي عام 1982 طرق هولزمان الأمر مجددا واكتشف أنه كلما اشتد فعليا عمل أحد نصفي الدماغ المشقوق صعب على النصف الآخر أداء مهمة أخرى في الوقت نفسه.

 

تُبين البحوث الحديثة من قبل <J.S.لوك> [من جامعة أيوا] و<A.S. هيليارد> وزملائه [من جامعة كاليفورنيا في سان دييگو] و<.R مانگون> [من جامعة  كاليفورنيا في ديڤيز] أن جانبا آخر من الانتباه يبقى مصونا في الدماغ المشقوق. فقد بحثوا عما يحدث حينما يجوب شخص ما الحقل الإبصاري بحثا عن نموذج أو شيء ما، فوجدوا أن مرضى الدماغ المشقوق يحسنون الأداء أكثر من الناس العاديين في بعض مهام البحث الإبصاري، الأمر الذي يبدو معه أن الدماغ السليم يثبط آليات البحث التي يمتلكها بشكل طبيعي كل من النصفين المخيين.

 

وعلى وجه الخصوص فإن النصف المخي الأيسر يستطيع أن يمارس إشرافا قويا على مثل هذه المهام. وقد وجد <A.كينگستون> [من جامعة ألبرتا] أن النصف المخي الأيسر «حاذق» في استراتيجيات بحثه، في حين أن النصف المخي الأيمن ليس كذلك. ففي الاختبارات التي يستطيع فيها شخص ما أن يستقرئ كيفية البحث بشكل ناجح في تشكيلة متشابهة من المواد بحثا عن عنصر استثنائي غريب، يكون أداء النصف المخي الأيسر أفضل من الأيمن. وهكذا يبدو أن النصف المخي الأيسر الأكثر كفاءة يستطيع استحواذ منظومة الانتباه السليم.

 

ومع أن هذه الدراسات وغيرها تشير إلى بقاء بعض التواصل communicationبين النصفين المخيين المشقوقين فقد ثبت وَهْمُ ما تبدّى من وصلات links  أخرى  بين النصفين المخيين. فمثلا، قمتُ مع كنگستون بإجراء تجربة تكاد تكون أضلتنا في هذا الشأن. ففي هذه التجربة قمنا بإظهار كلمتين على مرأى من أحد المرضى وطلبنا إليه أن يرسم ما يرى. وكان ما أظهرناه الكلمة «قوس» بالنسبة إلى أحد النصفين المخيين والكلمة «سهم» بالنسبة إلى النصف الآخر. وهنا فوجئنا أن مريضنا رسم قوسا وسهما معا! وظهر لنا وكأنه كامَلَ (وحَّد)integrated المعلومتين في نصفٍ مخي واحد، ومن ثم قام ذلك النصف المخي  بدوره في توجيه استجابة الرسم.

 

لقد كنا على خطأ، فقد تبين لنا أخيرا أن مكاملة المعلومتين حدثت على الورق وليس في الدماغ. فقد قام أحد النصفين المخيين برسم ما يخصه (وهو القوس) ثم اكتسب النصف المخي الآخر التحكم في اليد التي تكتب فَرَسم ما وقع عليه من مُنَبّه (وهو السهم) فوق القوس. لقد بدا الرسم متناسقا وحسب. أما كيف اكتشفنا هذا الوهم فكان عن طريق إعطاء المريض أزواجا من كلمات أقل سهولة في المكاملة، مثال «سحاب» و«ناطحة». وهنا لم يرسم المفحوص بناية عالية (ناطحة سحاب)، بل رسم السحاب فوق صورة كاشطةٍ scraper.

 

حدود الاستقراء

هذا وإن دراسات التواصل بين نصفي الكرة المخية، إلى جانب مساعدتها المختصين بالعلوم العصبية على تحديد المنظومات التي تبقى عاملة والمنظومات التي تتقطع بعد شق الجسم الثفني، قادت إلى اكتشاف مهم في شأن محدودية الدراسات على غير البشر. فالناس غالبا ما يلتفتون إلى دراسة الحيوانات لِفَهْم أنفسهم. ولسنوات عديدة، عمد المختصون بالعلوم العصبية إلى تقصي أدمغة النسانيس ومخلوقات أخرى غير البشر بغية استكشاف الطرق التي يعمل بها الدماغ البشري. وفي الواقع، كان الاعتقاد السائد حتى الآن، والذي يلتزم بتعاليم شارلز دارون، يفيد بأن أدمغة أقرب أقربائنا هذه تتصف بترتيب بنيوي(2) ووظيفي يشبه إلى حد كبير، إن لم يطابق، الترتيب  البنيوي والوظيفي لأدمغتنا.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N12_H04_008388.jpg http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N12_H04_008389.jpg

 في حالات عديدة يكون تَشْبيك الدماغ brain wiring متضاد الجانبين (في الصفحة المقابلة). فبينما يعالج النصف المخي الأيمن المعلومات الواردة من المجال الإبصاري الأيسر يقوم النصف المخي الأيسر بمعالجة المعلومات الواردة من المجال الإبصاري الأيمن. وكذلك الأمر بالنسبة إلى حركات اليدين، حيث يتحكم النصف المخي الأيمن في اليد والأصابع التابعة للذراع اليمنى. ولكن النصفين المخيين كليهما يمليان حركات الجزء العلوي من الذراعين. هذا ويترابط النصفان المخيّان أحدهما بالآخر عبر جسور عصبونية تسمى الملتقيات commissures. ويُعَدُّ الجسم الثفني (الجاسئ) corpus callosum (في اليمين) أكبر هذه الملتقيات، وهو الملتقى الذي يتم قطعه خلال عمليات الدماغ المشقوق.

 

لقد بينت البحوث على الدماغ المشقوق أن هذا الادعاء قد يكون مضلِّلا. ومع أن بعض البنى والوظائف تتشابه إلى حد كبير، فهناك فوارق كثيرة، ويقدِّم الملتقى الأمامي anterior commissure مثالا مثيرا على ذلك. فهذه البنية الصغيرة تقع تحت الجسم الثفني بقليل، وعندما يُتْرَك هذا الملتقى سليما لدى نسانيس مشقوقة الدماغ، فإن تلك الحيوانات تحتفظ بمقدرتها على نقل المعلومات الإبصارية من النصف المخي الواحد إلى النصف المخي الآخر. أما البشر فلا يتم لديهم مثل هذا النقل للمعلومات الإبصارية بحال من الأحوال. ولهذا، فإن البنية ذاتها تقوم بوظائف مختلفة في الأنواع الحيوانية المختلفة، وفي هذا توضيح لحدود الاستقراء من نوع حيواني إلى آخر.

 

وحتى الاستقراء بين الناس أنفسهم قد يكون على درجة من الخطورة. ونذكر أن واحدا من أبرز مكتشفاتنا تَمَثَّل في أن الدماغ الأيسر يستطيع معالجةprocess اللغة والإفصاح عن خبراته بكل حرية. ومع أن الدماغ الأيمن لم يُبْدِ هذه الدرجة من الحرية، فقد وجدنا مع ذلك أنه يستطيع القيام بمعالجة بعض جوانب اللغة. ونذكر من بين المهارات الأخرى هذه أن النصف المخي الأيمن يستطيع المضاهاة بين الكلمات والصور والقيام بالتهجئة spelling والسجعrhyming وتبويب categorizing الأشياء. ومع أننا لم نجد البتة أي مقدرة رفيعة على تركيب الجمل syntax في ذلك النصف المخي الأيمن من الدماغ، فإننا نعتقد أن سعة معرفته بالمفردات تثير الإعجاب.

 

وعلى مر السنين اتضح أن مرضانا الثلاثة الأوائل لم يكونوا عاديين. فالنصف المخي الأيمن لدى معظم الناس لا يقوى على تعاطي حتى أبسط جوانب اللغة، وذلك خلافا لما كنا لاحظناه في البداية. وتتوافق هذه النتيجة مع البيانات (المعطيات) الأخرى للعلوم العصبية، ولا سيما تلك المأخوذة من ضحايا السكتة الدماغية. وإن الأذية التي تصيب النصف المخي الأيسر تُلْحِق بالوظيفة اللغوية ضررا يفوق بكثير ما تُلحقه الأذية التي تصيب النصف المخي الأيمن.

 

ولكن يبقى هناك قدر كبير من اللدونة plasticity والتباين الفردي. فأحد المرضى (الملقب ب«.W.J») تطورت لديه مقدرة الكلام انطلاقا من النصف المخي الأيمن بعد ثلاث عشرة سنة من الجراحة التي خضع لها. ويستطيع هذا الشخص الآن أن يتكلم عن المعلومة المقدَّمة للدماغ الأيسر أو للدماغ الأيمن على حد سواء.

 

اختبار العملية التركيبية

تنعدم المقدرة على تركيب المعلومات بعد جراحة الدماغ المشقوق حسبما تبيِّن هذه التجربة. فقد أُضيئت بطاقة تحمل كلمة «قوس» على أحد النصفين المخيين لأحد المرضى، في حين شاهد النصفُ المخي الآخر كلمة «سهم». وباعتبار أن المريض رسم قوسا وسهما، افترضتُ مع زملائي أن النصفين المخيين مازالا قادرين على التواصل فيما بينهما على الرغم من قطع (شق) الجسم الثفني، وأنهما حققا تكامل الكلمتين في تركيبةٍ ذات مغزى.

أما الاختبار التالي فقد أثبت أننا كنا على خطأ. فقد أضأنا كلمة «سحاب» على أحد النصفين المخيين وكلمة «ناطحة» أو «كاشطة» على النصف المخي الآخر. فكشفت الصورة التي رسمها المريض أنه لم يكن يركِّب المعلومتين، إذ رسم السحاب فوق كاشطة بدلا من أن يرسم بناية عالية (ناطحة سحاب). وهنا يكون أحد النصفين قد رسم الكلمة التي رآها، وبعدها رسم النصفُ المخي الآخر الكلمة التي تخصه. أما في حالة القوس والسهم، فإن تراكب الرسمين أوقعنا بالخطأ لكون الصورة بدت متكاملة. وأخيرا أجرينا اختبارا يهدف إلى معرفة ما إذا كان كل نصف مخي يستطيع بنفسه أن يكامل الكلمات. فقمنا بإضاءة كلمة «أَطْلِق النار» وبعدها كلمة «ذراع» على النصف المخي الأيمن، فرسمت اليد اليسرى بندقية بدلا من ذراع في حالة إطلاق نار. وبذلك اتضح أن كل نصف من الكرة المخية كان قادرا على تركيب معلوماته.

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N12_H04_008390.jpg

 

هذا وتَذْكر <B.K.باينيس> [من جامعة كاليفورنيا في ديفر] حالة فريدة أخرى تمثل مريضة عسراوية (يسارية اليد) left handed  استخدمت في كلامها الدماغ الأيسر بعدما خضعت لجراحة الدماغ المشقوق، الأمر الذي لا يُعَدُّ مستغربا في حد ذاته. ولكن المريضة لم تكن لتستطيع الكتابة إلا باستخدام النصف المخي الأيمن غير المعني بالكلام. وتؤكد هذه المفارقة فكرة كون المقدرة على الكتابة لا تلازم بالضرورة المقدرة على التمثيل الفونولوجي phonological representation. وبعبارة أخرى، يبدو أن الكتابة منظومة مستقلة أبدعها النوع البشري، وتستطيع أن تعمل مستقلة بذاتها من دون الحاجة إلى أن تكون جزءًا من منظومتنا اللغوية المحكية الموروثة.

 

مساقات(3) الدماغ

وعلى الرغم من الاستثناءات الوفيرة، فقد كشف الكم الكبير من بحوث الدماغ المشقوق عن درجة هائلة من التخصص الجانبي في كل من نصفي الكرتين المخيين. وبينما استمر نضال الباحثين لفهم الكيفية التي ينجز الدماغ بها أهدافه والتي يتعضى بها هذا الدماغ، فقد جرت صياغة هذا التخصص الجانبي الذي كشفته دراساتالدماغ المشقوق في نموذج مساقي modular model، وذلك بأن تَوَجَّهَ اهتمام البحوث في علم الاستعراف cognitive science والذكاء الصنعي وعلم النفس التطوري والعلوم العصبية نحو فكرة كون الدماغ والعقل مبنيَّيْن من وحدات مستقلة (أو مساقات modules) تؤدي وظائف نوعية. وحسب هذه النظرية، لا يُعَدُّ الدماغ جهازا عاما لحل المشكلات يَقْوى كلُّ جزء فيه على أداء أية وظيفة، بل إنه مجموعة أجهزة تلبي متطلبات المعالجة المعلوماتية للعقل.

 

وضمن جهاز المساقات هذا، أثبت نصف الكرة المخية الأيسر أنه المهيمن جدا فيما يخصّ الفعاليات (الأنشطة) الاستعرافية الرئيسية مثل حل المشكلاتproblem solving. ويبدو أن جراحة الدماغ المشقوق لا تؤثر في هذه الوظائف، وكأن النصف المخي الأيسر لا يحتاج من أجل قدراته الحسابية الواسعة إلى النصف المخي الآخر لأداء فعاليات رفيعة المستوى. وفي الوقت نفسه، فإن النصف المخي الأيمن قاصر إلى حد كبير عن حل المشكلات الصعبة.

 

لقد اكتشفتُ مع <E.J.لودكس> [من جامعة نيويورك] هذه الميزة للدماغ الأيسر قبل نحو عشرين سنة. وطرحنا السؤال البسيط التالي: كيف يستجيب النصف المخي الأيسر للسلوكيات التي يولِّدها الدماغ الأيمن الصامت؟ وهنا عرضنا على كل نصف كرة مخي صورة تنتمي إلى واحدة من أربع صور موضوعة أمام مفحوصٍ ذي دماغ مشقوق. فوجدنا أن النصفين المخيين الأيسر والأيمن التقطا البطاقة الصحيحة بسهولة، حيث أشارت اليد اليسرى إلى خيار النصف المخي الأيمن وأشارت اليد اليمنى إلى خيار النصف المخي الأيسر [انظر الشكل في هذه الصفحة].

 

وبعد ذلك سألنا النصف المخي الأيسر (الذي هو النصف المخي المتكلم الوحيد) عن سبب قيام اليد اليمنى بالدلالة على الشيء. إنه لم يعرف؛ لأن قرار الدلالة على البطاقة تم اتخاذه في النصف المخي الأيمن. ومع ذلك، ما هي إلا لحظة حتى قدّم تفسيرا لذلك. وقد أطلقنا على هذه الموهبة الإخبارية المبدعة اسم آلية التأويل interpreter mechanism.

 

لقد جرت حديثا دراسة هذه القابلية الرائعة لمعرفة الكيفية التي يؤثر بها النصف المخي الأيسر التأويلي في الذاكرة. وقد وجد كل من<A.E. فيليبس> [من جامعة ييل] و<J.ميتكالف> [من جامعة كولومبيا] و<M. فانيل> [التي تتمتع بمنحة زمالة لما بعد الدكتوراه في كلية دارتموث] أن النصفين المخيين يختلف أحدهما عن الآخر في مقدرتهما على معالجة البيانات الجديدة. فعندما تُعْرَض على الناس معلومات جديدة، فإنهم يتذكرون في العادة الشيء الكثير مما يقومون باختباره. ولدى استجوابهم، فإنهم كذلك يدَّعون عادة أنهم يتذكرون أشياء لم تكن حقيقة جزءا مما يختبرونه. أما بالنسبة إلى مرضى الدماغ المشقوق (إذا ما أخضعوا لمثل هذه الاختبارات)، فإن النصف المخي الأيسر لديهم يولّد العديد من التقارير الزائفة، في حين لا يفعل الدماغ الأيمن ذلك، بل يقدم وصفا أكثر مطابقة للواقع.

 

قد يفيد هذا الاكتشاف الباحثين في تحديد مكان وطريقة تكوين الذاكرات الزائفة. وهناك بضعة آراء حول الزمن الذي تتسجل فيه مثل هذه الذاكرات خلال دورة معالجة المعلومات. فبعض الباحثين يقترح أنها تتكون في وقت مبكر من تلك الدورة، حيث يجري في الواقع تكويد(4) روايات غير صحيحة في زمن الحدث(5). في حين يعتقد آخرون أن الذاكرات الزائفة تعكس خطأ في إعادة بناء الخبرة الفائتة؛ وبكلمات أخرى، يُنشئ الناس مخططا لما حدث واضعين فيه أحداثا غير صحيحة، ولكنها مع ذلك تتماشى مع المخطط، ويتم هذا أثناء تذكرهم للخبرة الأصلية.

 

العثور على الذاكرة الزائفة

تنشأ الذاكرات الزائفة في نصف الكرة المخية الأيسر. وحسبما تشير هذه الصورة المِرْنانيةMRI image، تَنْشُط منطقةٌ في كلا النصفين المخيين الأيمن والأيسر حينما تُستدعى ذاكرة زائفة (اللون الأصفر). أما أثناء الذاكرة الصحيحة (اللون الأحمر) فينشط النصف المخي الأيمن فقط. وقد قمتُ مع زملائي بدراسة هذه الظاهرة عن طريق اختبار القدرة الروائية للنصف المخي الأيسر، إذ عرضنا على كل نصف كرة مخية أربع صور صغيرة كانت إحداها جزءا من صورة أكبر عُرِضت هي نفسها أيضا على ذلك النصف المخي. وكان على المريض أن ينتقي الصورة الصغيرة الأنسب.

وكما يُشاهد أدناه، فإن نصف الكرة المخية الأيمن المختص باليد اليسرى التقط المجرفة بشكل صحيح من أجل العاصفة الثلجية. أما اليد اليمنى التي يتحكم فيها النصف المخي الأيسر فقد التقطت الفرّوج بشكل صحيح ليتناسب مع قدم الطائر. وبعد ذلك سألنا المريض عن سبب قيام اليد اليسرى (أو النصف المخي الأيمن) بالدلالة على المجرفة، فقال إن السبب يعود إلى أن النصف المخي الأيسر فقط هو الذي يحتفظ بالقدرة على الكلام. ولكن لمّا كان هذا النصف لا يعرف لماذا يفعلُ النصفُ المخي الأيمن ما يفعله، فإنه (أي النصف المخي الأيسر) أنشأ قصة عمّا يستطيع مشاهدته (أي الفروج)، فقال إن النصف المخي الأيمن انتقى المجرفة لتنظيف سقيفة الفروج من الريش وغيره.

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N12_H04_008391.jpg

 

لقد أبدى النصف المخي الأيسر خصائص معينة تدعم هذا الرأي الأخير. ففي المقام الأول، إن تكوين مثل هذه المخططات هو تماما ما يتميز به النصف المخي الأيسر التأويلي. ومن ناحية أخرى، اكتشفت <فانيل> أن النصف المخي الأيسر يتمتع بقدرة على تحديد مصدر الذاكرة استنادا إلى سياق الأحداث المحيطة. ويشير بحثها إلى أن النصف المخي الأيسر يضع خبراته فعليا في سياق أكثر اتساعا، في حين ينصرف النصف المخي الأيمن إلى النواحي الإدراكية الحسية للمنبه stimulus. وأخيرا أثبت <B.M.ميلّر> [وهو أحد طلبة الدراسات العليا في دارتماوث] أن المناطق أمام الجبهية prefrontal regions  للمفحوصين الأسوياء  تتنشط حينما يستدعون ذاكرات زائفة.

 

توحي هذه النتائج أن الآلية التأويلية للنصف المخي الأيسر تسعى دائما إلى البحث في مغزى الأحداث. إنها تفتّش بشكل دائم عن السبب والترتيب حتى لو لم يكن هناك أي منهما، الأمر الذي يقودها باستمرار إلى الوقوع في أخطاء. إنها تنزع إلى التعميم المفرط overgeneralize  والإنشاء المتكرر لماضٍ  محتمل في مقابل الماضي الحقيقي.

 

المنظور التطوري

لقد أولى<L.G.ولفورد> [من دارتماوث] مزيدا من التأييد لهذا الرأي حول نصف الكرة المخية الأيسر. ففي اختبار بسيط يتطلب من الشخص أن يخمن ما إذا كان ضوءٌ ما سيظهر في أعلى أو أسفل شاشة الحاسوب، وجد أن الناس يفلحون في ذلك بشكل مبدع حينما يشغّل المجرب المنبّهَ على نحو يظهر فيه الضوء في أعلى الشاشة طوال 80 في المئة من زمن الاختبار، ولكن في تتابع عشوائي. وبينما يتوضح بسرعة أن الزر العلوي يُضاء بتكرار أكبر، يحاول الناس بلا استثناء تصور النسق pattern الإجمالي أو التتابع ـ معتقدين بعمق أنهم قادرون على ذلك. ومع ذلك فإنهم باستخدام هذه الاستراتيجية لا ينجحون إلا في 68 في المئة من الزمن، علما بأنهم لو ضغطوا الزر العلوي دائما لنجحوا في 80 في المئة منه.

 

البحث عن مُضَللات

تكشف الكِفافات (الكنتورات) المضلِّلة illusory contours أن الدماغ البشري الأيمن يمكن أن يعالج أشياء لا يستطيع الدماغ الأيسر معالجتها. فكلا نصفي الكرة المخية يستطيع «رؤية» ما إذا كانت المستطيلات المضلِّلة في هذه التجربة ممتلئة (a) أو نحيلة (b)؛ ولكن حينما تضاف الخطوط المحدِّدة الخارجية يبقى الدماغ الأيمن وحده قادرا على معرفة الاختلاف (cو d).  أما لدى الفئران فإن كلا النصفين المخيين يستطيعان على الدوام إدراك هذه الفروق. وباعتبار أن هذا الحيوان القاضم يستطيع القيام بأداء أفضل منا في هذا المضمار، فإن ذلك يوحي بأن بعض القدرات قد تمّ فقدانها من هذا النصف المخي أو ذاك خلال مسيرة تطور الدماغ البشري. وربما أزاحت  القدرات الجديدة قدرات قديمة غيرها في سعيها إلى إيجاد حيز تشغله.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N12_H04_008392.jpg

 

ومن ناحية أخرى، تعتبر الجرذان وحيوانات أخرى غيرها أكثر ميلا «لتعلم التطرف باتجاه الحد الأقصى»(6) بحيث لا تضغط إلا على الزر العلوي. ويتبين أن النصف المخي الأيمن يسلك الأسلوب نفسه: فلا يحاول تأويل خبرته والتفتيش عن معنى أعمق، بل يستمر فقط في العيش لحظة الحاضر على ضآلتها بغية تحقيق النجاح في 80 في المئة من زمن الاختبار. ولكن النصف المخي الأيسر إذا ما طُلِبَ إليه تفسير سبب محاولته تصور التتابع الكلي، فإنه يخرج على الدوام بنظريةٍ ما مهما كانت غريبة.

 

إن أفضل ما يفسر هذه الظاهرة الروائية نجده في النظرية التطورية. فدماغ الإنسان، شأنه شأن أي دماغ آخر، يتألف من مجموعة من التكيفات العصبية ترسَّخت عبر الانتقاء (الانتخاب) الطبيعي. ولكل من هذه التكيفات صوره الخاصة به، بمعنى أنها يمكن أن تتمركز في مناطق أو شبكات نوعية في الدماغ. ولكن على امتداد المملكة الحيوانية، لا يجري تمركز القدرات العقلية في مناطق معينة؛ بل تنحو للتوضع في كلا النصفين المخيين بدرجات متساوية تقريبا. وعلى الرغم من أن النسانيس تبدي بعض علامات تخصص جانبيlateralization فإن هذه العلامات تبقى نادرة وغير متساوقة.

 

ولهذا السبب فقد بدا على الدوام أن ذلك التخصص الجانبي الذي نشهده في دماغ الإنسان لم يكن إلا آليات تطورية مضافة أو قابليات توضّعت في أحد النصفين المخيين فقط. لقد عثرنا مؤخرا على حالة انفكاك نصف مخية مذهلة تتحدى هذا الرأي؛ وقد أجبرتنا هذه الحالة على توقع إمكانية انبثاق ظواهر متخصصة جانبيا نتيجة خسارة أحد النصفين المخيين إحدى قابلياته الأصلية، وليس نتيجة كَسْبه ظاهرة جديدة.

 

وفي خضم ما كان لا بد منه من تنافس عنيف على استحواذ الحيِّز القشري المخي، فقد تعرض دماغ الرئيسيات أثناء تطوره إلى ضغط شديد لكسب ملكات عقلية جديدة من دون أن يفقد ملكاته القديمة. وربما كان في التخصص الجانبي طريق خلاصه؛ فبما أن النصفين المخيين أحدهما مرتبط بالآخر، فالسِّباكة التطفرية mutational tankering  مع منطقة قشرية متماثلة، يمكن أن تبعث وظيفة جديدة من دون أن تكلِّف الحيوان أي خسارة؛ لأن الجانب الآخر يبقى من دون تغيير.

 

لقد قمتُ مع< M.P.كورباليس> [المتمتع بمنحة زمالة لما بعد الدكتوراه في دارتماوث] و<R.فندريش> [من دارتماوث] و<M.R.شاپلي> [من جامعة نيويورك] بدراسة كيف يتم إدراك ما يسمى الكِفافات (الكونتورات) المضلِّلة illusory contours من قبل العديد من مرضى الدماغ المشقوق؟ وكان بحث سابق قد أوحى بأن رؤية الكفافات المضلِّلة التي ذكرها <G.كانيزا> [من جامعة تريستا] تعد من اختصاص النصف المخي الأيمن، ولكن تجاربنا كشفت موقفا مغايرا.

 

لقد اكتشفنا أن النصفين المخيين كليهما كانا يستطيعان إدراك الكِفافات المضللة، ولكن النصف المخي الأيمن كان قادرا على فَهْم تجمعات إدراكية معينة لم يستطع النصف الأيسر فهمها. وهكذا، فبينما يستطيع كلا النصفين المخيين لدى شخص مشقوق الدماغ، الحكم فيما إذا كانت المستطيلات المضللة ممتلئة أو نحيلة عندما لا تُرسم خطوط حول فتحات أشكال پاكمان Pacman figures، فإن النصف المخي الأيمن وحده يستطيع مواصلة الحكم بعد رسم تلك الخطوط [انظر الشكل في هاتين الصفحتين]. وتدعى هذه التركيبة النسخة اللامساقيةamodal version  للاختبار.

 

إن ما يدعو إلى الاهتمام هو أن كانيزا نفسه كان قد بيّن أن الفئران يمكن أن تكوِّن النسخة اللامساقية هذه. فإذا كان الفأر يستطيع فهم تجمعات إدراكية مع كونه من مرتبة دنيا، في حين لا يستطيع النصف المخي الأيسر البشري فِعْلَ ذلك، فإن الأمر يوحي بفقدان مقدرة ما. فهل يمكن أن يكون انبثاق مقدرة بشرية، مثل اللغة (أو آلية للتأويل)، قد أدى إلى نبذ تلك المهارة الإدراكية من الدماغ الأيسر للإنسان؟ إننا نعتقد ذلك، ويفسح هذا الرأي المجالَ لأسلوب جديد في التفكير حول التخصص الجانبي.

 

قد تتولد مهاراتنا البشرية الفريدة من شبكات عصبونية محصورة ودقيقة. ومع ذلك فإن دماغنا على الرغم من غزارة مساقاته يولِّد الشعور لدينا جميعا بأننا كل متكامل وموحَّد. فكيف يكون ذلك إذا ما اعتبرنا أنفسنا حشدا من المساقات المتخصصة؟

 

قد تكمن الإجابة في أن النصف المخي الأيسر يبحث في إيضاحات عن سبب وقوع الأحداث. وإن ميزة مثل هذه المنظومة أمر جلي. ففي الذهاب إلى ما هو أبعد من الملاحظة البسيطة للأحداث والاستفسار عن سبب حدوثها، يستطيع الدماغ مسايرة هذه الأحداث ذاتها على نحو أفضل إذا ما قُيض لها أن تحدث ثانية.

 

لقد حثَّنا تعرف نقاط القوة والضعف في كل من النصفين المخيين على التفكير بأساس العقل وبهذا التعضي الآسر. وبعد كل هذه السنوات العديدة من البحوث الرائعة على الدماغ المشقوق، يبدو أن النصف المخي الأيسر المبدع والتأويلي يمتلك خبرة واعية تختلف تماما عما يمتلكه الدماغ الأيمن الحَرْفي(7)الأمين. ومع أنه يمكن اعتبار كلا النصفين المخيين واعيين، فإن وعي الدماغ الأيسر يفوق كثيرا وعي الدماغ الأيمن، الأمرالذي يثير مجموعة أخرى من الأسئلة التي ينبغي أن تبقينا مشغولين خلال العقود الثلاثة القادمة أو نحو ذلك.

 

 المؤلف

Michael S. Gazzaniga

أستاذ العلوم العصبية الاستعرافية ومدير مركز العلوم العصبية الاستعرافية في كلية دارتماوث. حصل على الدكتوراه من معهد كاليفورنيا للتقانة؛ حيث استهل مع <W.R.سپيري> و<E.J.بوگن> دراسات الدماغ المشقوق. ومنذ ذلك الحين قام بالنشر العلمي في مجالات عديدة، ويعود إليه الفضل في استهلال مجال العلوم العصبية الاستعرافية وذلك في أوائل الثمانينات من هذا القرن.

 

مراجع للاستزادة 

HEMISPHERIC SPECIALIZATION AND INTERHEMISPHERIC INTEGRATION. M. J. Tramo, K. Baynes, R. Fendrich, G. R. Manqun, E. A. Phelps, P. A. Reuter-Lorenz and M. S. Gazzaniga in Epilepsy and the Corpus Callosum. Second edition. Plenum Press, 1995.

HOW THE MIND WORKS. Steven Pinker. W. W. Norton, 1997.

THE MIND’S PAST. Michael S. Crazzaniga. University of California Press, 1998.

THE TWO SIDES OF PERCEPTION. Richard B. Ivry and Lynn C. Robertson. MIT Press, 1998.

Scientific American, July 1998

 

(*) The Split Brain Revisited

 

(1) nonverbal

(2) organization

(3)modules

(4)encode

(5)event

(6)learn to snaximize

(7)literal

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

زر الذهاب إلى الأعلى