أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
الدماغعلم الأعصاب

خلايا عصبية جديدة لأدمغة البالغين

خلايا عصبية جديدة لأدمغة البالغين(*)

خلافا للاعتقاد السائد فإن دماغ الإنسان ينتج خلايا عصبية

جديدة في سن البلوغ. فهل يمكن لهذه المقدرة التي اكتشفناها

حديثا أن تقود إلى معالجات أفضل للأمراض العصبية؟

<G. كيمپرمان> ـ <H .F. گيج>

 

إذا جُرح جلدك فإن الجرح ينغلق عادة في غضون أيام. وإذا كُسرت رجلك يترمم الكسر بشكل عادي إذا أعيد وضع العظم بصورة صحيحة. وفي الواقع تستطيع جميع النسج البشرية تقريبا أن تصلح ذاتها إلى حد ما طوال حياة الإنسان. فهناك خلايا جذعية stem cells رائعة هي المسؤولة عن جانب كبير من هذه الفعالية activity. وتشبه هذه الخلايا المتعددة الاستعمالات versatile خلايا الجنين المتنامي في قابليتها للتكاثر إلى ما لانهاية تقريبا ولتوليد ليس نسخا طبق الأصل من ذواتها فحسب، بل وكذلك عدة أنواع مختلفة من الخلايا. وتقدم نماذجها الموجودة في نقي العظام مثالا مثيرا على ذلك. فهي تستطيع أن تنشئ جميع خلايا الدم: الخلايا الحمر والصفيحات الدموية ومجموعة كاملة من أنواع الخلايا البيض. هذا وتُعطي خلايا جذعية أخرى مختلف مكونات الجلد أو الكبد أو البطانة المعوية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N5-6_H05_001150.jpg

لقد تم توثيق ولادة خلايا عصبية (عصبونات) في الدماغ البالغ وذلك في الحُصَيْن البشري الذي يعد منطقة مهمة للذاكرة. أما خطوات تلك الولادة، التي تحدث في منطقة التلفيف المسنن من الحصين (انظر الأشكال في الصفحة المقابلة) فقد تم تتبعها أصلا في القوارض. ففي البداية تتقسم خلايا جذعية غير متخصصة (1 في الشكل التفصيلي أعلى الشرح) عند الحد الفاصل بين الطبقة الخلوية الحبيبية (التي تحتوي على الأجسام الخلوية الكروية للعصبونات الحبيبية) وبين النقيرhilus (وهو منطقة مجاورة تحتوي على المحاوير ـ أي الاستطالات التي تبث الإشارات العصبية ـ التابعة للعصبونات الحبيبية). وبعدئذ يهاجر (يرتحل) بعض من الخلايا الناتجة إلى داخل الطبقة الخلوية الحبيبية (2). وأخيرا يتمايز بعض تلك الخلايا إلى عصبونات حبيبية (3) ومعها كامل استطالاتها المميزة.

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N5-6_H05_001151.jpg

 

وفي بعض الأحيان يستطيع دماغ الإنسان البالغ أن يعوِّض الأذية تعويضا جيدا، وذلك بإنشاء اتصالات جديدة بين الخلايا العصبية (العصبونات) الناجية. بيد أنه لا يستطيع أن يرمم ذاته بسبب افتقاره إلى الخلايا الجذعية التي تسمح بتجديد العصبونات، وهذا ـ على أي حال ـ ما كان يعتقده اعتقادا ثابتا معظم المختصين بالبيولوجيا العصبية حتى زمن قريب جدا.

 

ففي الشهر 11/1998 نشر <S .P. إريكسون> [من مستشفى جامعة سالگرينسكا في السويد] وأحدنا (گيج) [في معهد سولك للدراسات البيولوجية في كاليفورنيا] وبضعة زملاء آخرين أخبارا مذهلة تفيد بأن الدماغ البشري الناضج ينتج روتينيا عصبونات في موقع واحد على الأقل وهو الحُصَيْنhippocampus الذي يعد منطقة مهمة للذاكرة والتعلم. (إن الحصين ليس المكان الذي يختزن الذواكر، بل إنه يساعد على تكوينها بعد تسلمه الدخل (المدخول)input من مناطق دماغية أخرى. فالناس المصابون بأذية حصينية يصعب عليهم اكتساب المعرفة، ولكنهم مع ذلك يستطيعون تذكر المعلومة التي عرفوها قبل الأذية).

 

يكون العدد المطلق للخلايا الجديدة قليلا بالنسبة إلى العدد الإجمالي للخلايا في الدماغ، ولكن اكتشاف الشهر 11/1998 هذا، أخذًا بالاعتبار الاكتشافات الحديثة لدى الحيوانات، إنما يفتح بعض الآفاق الطبية المثيرة. وتوحي البيانات (المعطيات) الحالية بأن الخلايا الجذعية ربما تصنع عصبونات جديدة في جزء آخر من دماغ الإنسان، كما تقيم (ولو بشكل هاجع) في مواقع إضافية. وهكذا فإن الدماغ البالغ، الذي يرمم نفسه بشكل ضعيف جدا، قد يحمل في الواقع إمكانات كبيرة لتجديد العصبونات. وإذا ما استطاع الباحثون أن يعرفوا كيف يحفزون الخلايا الجذعية الموجودة لإنتاج أعداد مفيدة من الخلايا العصبية العاملة (الوظيفية) في أجزاء مختارة من الدماغ، فإن مثل هذا الإنجاز قد يجعل بالإمكان التخفيف من آثار أي عدد من الاضطرابات التي تتضمن أذية أو موتا للعصبونات، ونذكر من هذه الاضطرابات داء ألزايمر وداء پاركنسون وأنواع الإعاقة التي تصاحب السكتة الدماغية والرضّ الدماغي.

 

ومع أن اكتشاف أن الدماغ البشري الناضج يستطيع توليد عصبونات كان أمرا مفاجئا، فقد سبق أن ظهرت في الواقع ولعدة سنين تلميحات توحي بذلك في دراسات على الثدييات البالغة الأخرى. فقبل عام 1965 على سبيل المثال وصف <J. التمان> و<G. داس> [من معهد ماساتشوستس للتقانة] قيام حصين الجرذان البالغة بإنتاج عصبونات (وهي عملية تعرف باسم تنشؤ النسيج العصبي neurogenesis) وكان ذلك بالتحديد في المنطقة الحصينية المعروفة باسم التلفيف المُسَنَّن dentate gyrus، وهي المنطقة نفسها التي وجدت فيها الآن لدى الإنسان.

 

تلميحات مبكرة… وشكوك

أكدت دراسات أخرى لاحقا ما جاء في تقرير ألتمان وداس، ولكن معظم الباحثين لم يروا في هذه المعلومات دليلا على حدوث تنشؤ مهم للنسيج العصبي في الثدييات البالغة أو إشارة إلى أنه حتى دماغ الإنسان قد يكون لديه إمكانات تجديدية. ويعود أحد أسباب ذلك إلى أن الوسائل التي كانت متاحة حينذاك لم تستطع تقدير عدد العصبونات التي تولدت تقديرا دقيقا، كما لم تستطع أن تثبت بصورة قطعية أن الخلايا الجديدة كانت عصبونات حقا. وعلاوة على ذلك، فإن مفهوم الخلايا الجذعية الدماغية لم يكن قد طرح حتى ذلك الوقت. ولذلك اعتقد الباحثون أن ظهور خلايا عصبية جديدة أمر يتطلب أن تقوم خلايا ناضجة تماما بالتنسخ ـ وهو أمر صعب إلى درجة لا تصدق. وكذلك قلل العلماء من أهمية علاقة هذه الاكتشافات بالدماغ البشري، وذلك (جزئيا) بسبب عدم توصل أحد ما حتى ذلك الوقت إلى الكشف عن دليل جلي على تنشؤ النسيج العصبي عند النسانيس والقرود التي هي من الرئيسيات وبالتالي فهي الأقرب للبشر جينيا وفيزيولوجيا من الثدييات الأخرى.

 

وتوقفت الأمور عند هذا الحد حتى منتصف الثمانينات من القرن العشرين حينما هلّل العاملون في هذا الحقل للنتائج المذهلة التي قدّمها <F. نوتيبوم> [من جامعة روكفلر] عن طيور الكناري البالغة. فقد اكتشف حدوث تنشؤ النسيج العصبي في المراكز الدماغية المسؤولة عن تعلم الغناء لديها، كما اكتشف علاوة على ذلك أن هذه السيرورة تتسارع أثناء الفصول التي تتعلم الطيور البالغة خلالها أغانيها. وكذلك أظهر نوتيبوم ومعاونوه أن تكوُّن العصبونات في حُصَين عصافير القُرْقُف (الأمريكي) chickadees ارتفع أثناء الفصول التي كانت تفرض على جهاز الذاكرة عند تلك الطيور متطلبات ملحة، ولا سيما حينما كان على هذه الطيور أن تتَتَبّع مواضع خزن الغذاء التي كان تشتتها يتزايد. وهكذا أدت نتائج نوتيبوم المثيرة إلى إيقاظ مجدد للاهتمام بتنشؤ النسيج العصبي لدى الثدييات البالغة، وجعلت الباحثين يفكرون مجددا فيما إذا كان الدماغ البشري الناضج يمتلك إمكانات تجديدية من أي نوع.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N5-6_H05_001152.jpghttp://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N5-6_H05_001153.jpg

يتضمن البرهان على تكون العصبونات في الدماغ البشري الناضج هذه الصور المكروية (المجهرية) لنسيج حُصيني مأخوذ من بالغين ماتوا بالسرطان. وتسم هذه الصور (الملتقطة بطرائق مختلفة) العصبونات بلون أحمر، أما اللون الأخضر البادي في عصبون في الصورة اليسرى، وكذلك الظل الأسود الظاهر في عصبون في الصورة اليمنى، فإنهما يكشفان عن أن صبغيات الخلايا تؤوي مادة (هي البرومو دي أوكسي يوريدين BrdU) التي كانت قد حقنت في المرضى لتقدير النمو الورمي. فهذه المادة تم اندماجها داخل دنا DNA الخلايا المنقسمة (مثل الخلايا الجذعية)، في حين لا تحتفظ بها العصبونات التي كانت قد تمايزت مسبقا. ولذلك، فإن وجودها ينم عن أن الخلايا الموسومة لم تتمايز إلى عصبونات إلا بعد إعطاء المادة BrdU في مرحلة متأخرة من حياة المرضى.

 

ولكن التفاؤل في شأن إمكانية تنشؤ النسيج العصبي البشري لم يدم طويلا. ففي الوقت نفسه تقريبا تصدى <P. راكيك> وشركاؤه [في جامعة ييل] لدراسة تنشؤ النسيج العصبي في الرئيسيات البالغة. ومع أن هذا العمل قد أجري بشكل جيد، أخذا في الاعتبار الإمكانات المحدودة حينذاك، فإنه أخفق في العثور على عصبونات دماغية جديدة في نسانيس الريسوس النامية.

 

وكذلك كان للمنطق باع في الجدل ضد تولد العصبونات في الدماغ البشري البالغ. فقد عرف البيولوجيون أن مدى تنشؤ النسيج العصبي تزايدت محدوديته خلال عملية التطور حين ازداد الدماغ تعقيدا. فبينما تتمتع العظايا والحيوانات الدنيا الأخرى بخاصية تجديد العصبونات على نطاق واسع حينما تتأذى أدمغتها، نجد الثدييات تفتقد هذه الاستجابة القوية. وقد بدا من المعقول الافتراض بأن إضافة عصبونات جديدة إلى الدماغ البشري ذي التشبيك المعقد من شأنه أن يهدد التدفق المنتظم للإشارات على طول المساراتpathways الراسخة.

 

لم تظهر علامات تشير إلى إمكانية وجود خلل في هذا المنطق إلا منذ سنوات قلائل. ففي عام 1997 كشف فريق برئاسة <E. گولد> و<S .B. ماك إيوين> [من روكفلر] وكذلك <E. فوكس> [من المركز الألماني لدراسة الرئيسيات في گوتنگن] حدوث بعض من تنشؤ النسيج العصبي في «حصين» زَبّابَة الشجر(1) treeshrew التي تشبه الرئيسيات. وبعد ذلك، في الشهر 3/19988، وجدوا الظاهرة نفسها في حيوان القِشَّة(2) marmoset. ونشير هنا إلى أن نسانيس القِشة أكثر بُعدا (من الناحية التطورية) عن الإنسان من نسانيس الريسوس، ولكنها مع ذلك تنتمي إلى الرئيسيات.

 

ودلَّنا مرضى السرطان على الطريق

من الواضح أن مسألة امتلاك البشر مقدرة على تنشؤ النسيج العصبي بعد البلوغ لا يمكن حلها إلا بإجراء دراسات على الناس مباشرة. ولكن مثل هذه الدراسات تبدو مستحيلة؛ لأن الطرائق المستخدمة في تبيان تكوّن عصبونات جديدة عند الحيوانات تبدو غير قابلة للتطبيق على البشر.

 

وتتباين تلك التقانات، ولكنها تستند عادة إلى حقيقة كون الخلايا قبل انقسامها تُضاعف صبغياتها (كروموزوماتها) مما يمكّن الخلية الوليدةdaughter cell من استقبال طاقم كامل من تلك الصبغيات. وفي التجارب على الحيوانات يحقن (يزرق) الباحثون الأفرادَ على نحو نمطي بمادة يمكن اقتفاؤها (يصطلح على تسميتها واسمة marker) من شأنها أن تندمج فقط في دنا DNA الخلايا التي تستعد للانقسام. وتغدو هذه الواسمة جزءا من الدنا في الخلايا الوليدة الناتجة، ومن ثم ترث تلك الواسمة بنات هذه الخلايا الوليدة وجميع الخلايا المتحدرة من الخلايا الأصلية المتقسمة.

 

وبعد برهة من الزمن، تتمايز بعض الخلايا الموسومة ـ بمعنى أنها تتخصص وتصبح أنواعا محددة من العصبونات أو دِبْقا عصبيا glia  (والدبق هو الطائفة الأخرى الرئيسية من الخلايا الموجودة في الدماغ). وبعد إتاحة الوقت الكافي لحدوث التمايز يعمد الباحثون إلى استئصال الدماغ وتقطيعه إلى شرائح رقيقة، ومن ثم يتم صَبْغُ هذه المقاطع لتوضيح العصبونات والدِّبق عند فحصها تحت عدسة المجهر. فالخلايا التي تستبقي الواسمة (كعلامة عن اشتقاقها من الخلايا الأصلية المنقسمة)، والتي تمتلك أيضا نفس خصائص العصبونات التشريحية والكيميائية، يمكن الافتراض بأنها تمايزت إلى خلايا عصبية بعد إدخال الواسمة إلى الجسم. ونشير هنا إلى أن العصبونات المكتملة التمايز لا تنقسم ولا تستطيع دمج الواسمة، ومن ثم فإنها لا تُبدي أية علامات تشير إلى هذه الواسمة.

 

من الواضح أن البشر الأحياء لا يمكن فحصهم بهذه الطريقة. وقد بقيت هذه العقبة مستعصية لا تقهر إلى أن وفق إريكسون إلى حل بعد إتمامه إجازة تفرغ للبحث قضاها مع مجموعتنا في معهد سولك. وباعتباره طبيبا سريريا، فقد وجد نفسه في يوم من الأيام مناوبا يستقبل المرضى مع مختص بالسرطان. وفيما كان الاثنان يتجاذبان أطراف الحديث، عرف أريكسون أن المادة التي كنا نستعملها كواسمة للخلايا المنقسمة عند الحيوانات (وهي برومو دي أوكسي يوريدين ـ BrdU) كانت تُعطى ـ مصادفة ـ لبعض مرضى سرطان اللسان أو الحنجرة الذين يقضون أيامهم الأخيرة. وقد شكل هؤلاء المرضى جزءا من دراسة كانت تحقن ذلك المركب بغية رصد النمو الورمي.

 

تحقق إريكسون من أنه إذا استطاع الحصول على حُصَين مرضى تلك الدراسة الذين قضوا نحبهم في النهاية، فإن التحاليل التي تتم في معهد سولك  تستطيع تحديد العصبونات ورؤية ما إذا كان أي منها يُظهِر واسمة الدنا. وسيعني وجود المادة BrdU أن العصبونات المصابة قد تكونت بعد إعطاء تلك المادة. وبكلمات أخرى، يمكن لهذه الدراسة أن تبرهن على أن تنشؤ النسيج العصبي ربما يكون قد حدث عبر تكاثر خلايا جذعية وتمايزها أثناء الحياة البالغة للمرضى.

 

لقد حصل إريكسون على موافقة المرضى لاستقصاء أدمغتهم بعد الموت. ففي الفترة ما بين أوائل عام 1996 والشهر2/1998 أسرع إلى المستشفى وأُعطي أنسجة دماغية لخمسة من هؤلاء المرضى الذين ماتوا عن أعمار تراوحت بين 57 و 72 سنة. وكما كان الأمل، فقد أظهرت الأدمغة الخمسة عصبونات جديدة (ولا سيما تلك التي تُعرف باسم الخلايا الحبيبيةgranule cells ) في التلفيف المسنن. لقد تبرع هؤلاء المرضى بأدمغتهم لتلك الغاية، ونحن ندين لكرمهم هذا بحصولنا على ذلك الدليل الذي يشير إلى تنشؤ النسيج العصبي في الإنسان البالغ. (توافق أن نشرت مجموعتا گولد وراكيك إفادة بأن إنتاج خلايا عصبية يحدث بالفعل في حصين نسانيس الريسوس البالغة، في الوقت نفسه الذي نشر فيه إريكسون دراسته).

 

وهل تعمل العصبونات الجديدة؟

لا يكفي بالطبع مجرد إثبات حدوث تنشؤ في النسيج العصبي لدى البشر. فإذا كان الهدف النهائي يتمثل في التنشيط المنضبط للتجديد العصبوني في الأدمغة البشرية المريضة، فإن العلماء سيرغبون في تحديد مواقع الخلايا الجذعية القابلة للتطور إلى عصبونات، وسيحتاجون أيضا إلى التأكد من أن العصبونات المشتقة من مثل هذه الخلايا سوف تمارس وظيفتها وتستطيع إرسال الرسائل واستقبالها بشكل مناسب. ولحسن الحظ، فإن اكتشاف كون تنشؤ النسيج العصبي في حصين القوارض يعكس صورة الفعالية التي تحدث في دماغ الإنسان، إنما يعني إمكانية التفات الباحثين إلى الجرذان والفئران في البحث عن دالات clues.

 

لقد كشف بحث سابق على القوارض أن جانبا من تنشؤ النسيج العصبي يحدث طوال الحياة، ليس فقط في الحصين بل في الجملة (المنظومة) الشمية الدماغية كذلك. هذا وتوجد الخلايا الجذعية أيضا في مناطق دماغية مثل الحاجز septum (ذي الشأن في الانفعال والتعلم) والجسم المخطط (ذي الشأن في الضبط الدقيق للنشاط الحركي) وكذلك في النخاع الشوكي. أما الخلايا الموجودة خارج الحصين والجملة الشمية فلا يبدو أنها تولد عصبونات في الظروف العادية.

 

لو كان القسم الأمامي من دماغ الحيوان شفافا لظهر جزء التلفيف المسنن من الحصين جزئيا في صورة طبقة رقيقة قاتمة ذات شكل يشبه حرف V مائلا على جانبه. ويتألف هذا الشكل V من الأجسام الخلوية لعصبونات حبيبية granuleneurons (وهي الأجزاء الكروية التي تحتوي على النواة). وتوجد طبقة مجاورة لباطن الشكل V تدعى النقير hilus، وتتألف بشكل رئيسي من المحاوير axons التي هي استطالات حاملة للإشارة تنقل الخلايا الحبيبية عبرها الإشارات إلى محطة ترحيل relay station حصينية تدعىCA3 .

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N5-6_H05_001154.jpg

يُعتقد أن تشكل الخلايا الحبيبية في جنين ما يتم وفق الخطوات التي تبدو في هذا الشكل باللون الأخضر، حيث تُعطي خلية جذعية شاملة القدرة totipotent (بمعنى أنها قادرة على تكوين أي خلية في الجسم) ذرية مبكرة تتضمن خلايا جذعية غير متخصصة موكولا إليها إنتاج خلايا الدماغ (1). وهذه الخلايا الملتزمة بذلك، تعطي فيما بعد خلايا سليفة progenitor مخصصة لصنع عصبونات فقط (2) أو خلايا دبقية فقط (وهي خلايا تعمل على تعزيز بُقيا العصبونات). وأخيرا «تفرخ» السليفات العصبونية خلايا حبيبية في الحصين (3) أو أنواعا أخرى من العصبونات في مواقع أخرى من الدماغ. ويبدو الآن أن الخطوتين (2) و (3) يتكرر حدوثهما طوال الحياة في الحصين البشري.

 

تقع الخلايا الجذعية التي تُنشئ الخلايا الحبيبية الحديثة الولادة عند الحد الفاصل بين التلفيف المسنن والنقير. وتتقسم هذه الخلايا بشكل متواصل فتعطي ذرية يشبه العديد منها الخلايا التي ولدتها؛ ويموت عدد لا بأس به من هذه الذرية فورا بعد تكونه، ولكن بعضها يهاجر إلى الأعماق في الطبقة الخلوية الحبيبية حيث يتخذ مظهر الخلايا الحبيبية المحيطة متزودا باستطالات عديدة لاستقبال الإشارات وإرسالها. وتمد هذه الخلايا محاويرها كذلك على طول المسالك tracts نفسها التي تستعملها جاراتها التي كانت قد  تأسست مسبقا.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N5-6_H05_001155.jpg

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N5-6_H05_001156.jpghttp://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N5-6_H05_001157.jpg

تُعد البيئة الحياتية الغنية (في الصفحة المقابلة) أفضل بكثير من الظروف المختبرية المعيارية (في الأعلى) فيما يخص تنشيط تنشؤ النسيج العصبي في التلفيف المسنن لحصين الفأر (الصورة). ويحاول العلماء تحديد عوامل البيئة التي تمارس التأثير الأقوى في هذا الصدد. وتوحي المكتشفات الجديدة التي تقارن بين الحيوانات التي تعيش في أقفاص معيارية مزودة بدولاب دوار (عجلة دوارة) وبين الحيوانات التي تعيش في أقفاص تخلو من مثل ذلك الدولاب، بأن الجري الزائد يمكن أن يكون ذا دور مهم.

 

ونذكر هنا أن الخلايا الجذعية التي تعطي عصبونات جديدة في الجملة الشمّية تبطن جدران جَوْفَيْ الدماغ المملوءين سائلا واللذين يدعيان البُطَيْنَيْن الجانبيين. وقد أثبت <A. الڤاريز-بويلا> ومعاونوه [من روكفلر] أن بعض الخلايا المتحدرة من هذه الخلايا الجذعية تهاجر مرتحلة مسافة لا بأس بها داخل البصلة الشمية حيث تكتسب الملامح المميزة لعصبونات تلك المنطقة.

 

وباعتبار أن العصبونات الجديدة في هاتين المنطقتين الدماغيتين كلتيهما تشبه نظائرها التي وُلدت قبلها، فإن فرص تشابه سلوكها مع سلوك تلك العصبونات تكون كبيرة. ولكن كيف يمكن البرهان على هذا الحدس؟ لقد كانت الدراسات التي تحلل تأثيرات البيئة على تشريح الدماغ وعلى التعلم مرشدة لنا.

 

ففي أوائل الستينات من القرن الحالي انتزع <R .M. روزنشڤايگ> وزملاؤه [في جامعة كاليفورنيا ببركلي] قوارض من بيئتها المختبرية ذات الشروط المعيارية الصارمة، ووضعوها في بيئة غنية نعموا فيها بأقفاص بالغة الكبر وبصحبة العديد من القوارض الأخرى. وكان بإمكانها أيضا استكشاف محيطها الذي كان يتبدل باستمرار على يد القائمين على رعايتها، وكذلك باللهو بتدوير الدواليب واللعب بتشكيلة من اللّعب.

 

لقد وصفت مجموعة روزنشڤايگ وبعدها مجموعة <T .W. گرينوف> [من جامعة إيلينوي] عواقب مذهلة للعيش في ظل مثل هذه الظروف المحسنة. فالحيوانات التي كانت تتمتع بمستوى معيشي عال، إذا ما قورنت بالحيوانات التي استُبقيت في الأقفاص المعيارية، انتهى بها الأمر إلى امتلاكها أدمغة أثقل قليلا وأكثر سمكا في بعض بناها، إضافة إلى فوارق في مستويات بعض النواقل العصبية (وهي الجزيئات التي تحمل رسائل الاستثارة والتثبيط من عصبون إلى آخر) وإلى مزيد من الاتصالات بين الخلايا العصبية ومزيد من التشعب في النتوءات (البروزات) العصبونية. وإضافة إلى ذلك، كان أداء هذه الحيوانات أفضل في اختبارات التعلم. فعلى سبيل المثال، كانت هذه الحيوانات أكثر نجاحا في تعلم اجتياز المتاهات.

 

لقد دلت شتى النتائج ضمنا على أن التبدلات البيئية أفضت إلى تحسن الوظيفة الدماغية، واقتنع الباحثون من حينها بأن إغناء بيئة القوارض الناضجة يؤثر في تشبيك wiring الدماغ على نحو يحسن القوة الدماغية. ولكنهم بقوا سنوات عديدة ينكرون فكرة أن يسهم إنتاج خلايا عصبية جديدة في الدماغ البالغ في مثل هذا التحسّن، وذلك على الرغم مما أوحى به <ألتمان> منذ عام 1964 من ضرورة أخذ مثل هذه السيرورة في الحسبان.

 

والآن أكدت اكتشافات جديدة بأن المنابلات manipulations البيئية تؤثر فعلا في تنشؤ النسيج العصبي لدى البالغين. ففي عام 19977 بينت مجموعتنا، بعد تطبيقها تقانة لم تكن متاحة في الستينات، أن الفئران البالغة التي عاشت في ظروف حياتية مرفهة نما لديها خلايا حبيبية جديدة في التلفيف المسنن يفوق تعدادها بمقدار 60 في المئة ما نما لدى الحيوانات الضابطة (الشاهدة) المماثلة لها من الناحية الجينية. وكذلك كان أداؤها أحسن في اختبار للتعلم تضمّن اكتشاف طريق الخروج من بركة ماء. هذا وقد حسن إغناء البيئة من تنشؤ النسيج العصبي وأداء التعلم في فئران كبيرة السن جدا امتلكت معدلا قاعدياbase rate من التوليد العصبوني يقل كثيرا عن نظيره لدى الفئران البالغة الأصغر منها.

 

إننا لا ندَّعي أن العصبونات الجديدة هي الوحيدة المسؤولة عن صور التحسن السلوكي؛ لأن التبدلات في البنيان التشبيكي وفي البيئة الكيميائية الدقيقة للمناطق الدماغية ذات الصلة تؤدي دورا مهما بكل تأكيد. ومن جهة أخرى سيكون مستغربا جدا أن تكون مثل هذه القفزة المثيرة في تشكيل العصبونات، وكذلك الحفاظ على تنشؤ النسيج العصبي لدى البالغين طوال مسيرة التطور، أمرين لا يؤديان وظيفة ما.

 

التفتيش عن الضوابط

إذا صدق حدسنا بأن العصبونات المولدة بشكل روتيني في دماغ الإنسان البالغ نشطة وظيفيا، فإن التوصل إلى فهم ضوابط تشكيلها يمكن أن يعلِّم المختصين بالبيولوجيا العصبية في نهاية الأمر طريقة حث مثل هذا التولّد العصبوني حيثما يلزم ذلك. وإضافة إلى الاغتناء البيئي، فقد جرى في الدراسات الحيوانية على مدى الأعوام القليلة الماضية تحديد عوامل متنوعة أخرى تؤثر في تنشؤ النسيج العصبي.

 

سيكون لهذه النتائج مغزى كبير إذا ما تذكر القراء أن تنشؤ النسيج العصبي يمر بعدة خطوات بدءا من تكاثر الخلايا الجذعية، ومرورا بالبقياsurvival الانتقائية (الانتخابية) لبعض ذريتها، وانتهاء بالهجرة والتمايز. ويتبين لنا أن العوامل التي تؤثر في إحدى الخطوات خلال المسيرة قد لا تؤثر في الخطوات الأخرى. فالزيادة في تكاثر الخلايا الجذعية يمكن أن تسبب زيادة صافية في العصبونات الجديدة إذا ظلت معدلات بُقيا الخلايا الوليدة وتمايزها على وتيرة ثابتة؛ بيد أن عدد العصبونات قد لا يزيد إذا تغيرت معدلات البُقيا والتمايز في اتجاهين متعاكسين. وبالمثل، ستزداد العصبونات إذا ما حافظ التكاثر على ثباته شريطة تزايد البقيا والتمايز.

 

ومن بين المؤثرات الناظمة التي تم اكتشافها، مؤثرات تبدو في العادة معيقة لتنشؤ النسيج العصبي. ففي السنوات القليلة الماضية على سبيل المثال، ذكرت گولد وماك إيوين أن مدخولات يومية معينة إلى التلفيف المسنن يمكن أن تحجب في الواقع إنتاج الخلايا العصبية. وعلى وجه الخصوص، فإن النواقل العصبية التي تحض الخلايا الحبيبية على الاضطرام firing تقوم أيضا بتثبيط تكاثر الخلايا الجذعية في الحصين. وكذلك هو شأن المستويات العالية من الهرمونات القشرانية السكرية glucocorticoid hormones في الدم، إذ تثبط تنشؤ النسيج العصبي في الفرد البالغ.

 

فإذا ما أخذت هذه الاكتشافات بالحسبان، فلربما لا يكون من المستغرب ما أظهره الفريق من أن الكرب (الإجهاد) stress يقلل تكاثر الخلايا الجذعية في المنطقة ذاتها. فالكرب يؤدي إلى إطلاق نواقل عصبية استثارية excitatory في الدماغ وإلى إفراز هرمونات قشرانية سكرية من الكظرين. ويعد فهم التثبيطinhibition شأنا مهما لمعرفة كيفية التغلب عليه. ولكن ذلك الجانب من الصورة  لايزال بعيدا عن الوضوح. فاكتشاف أن المستويات العالية من النواقل الاستثارية ومن بعض الهرمونات (على سبيل المثال) تستطيع كبح تنشؤ النسيج العصبي لا يعني بالضرورة اعتبار المستويات المنخفضة شيئا ضارا، بل ربما تكون في الحقيقة مفيدة.

 

أما بالنسبة إلى العوامل التي تعزز تنشؤ النسيج العصبي في الحصين فقد كنا (وآخرون غيرنا) نحاول تحديد أي من معالم البيئة الغنية يمتلك التأثير الأكبر في هذا الشأن. وقد أظهرت گولد [الموجودة في جامعة پرنستون] ومرافقوها مؤخرا أن المشاركة في اختبار التعلم، وحتى في غياب الحياة المرفهة، تزيد فرص بُقيا الخلايا المتولدة من انقسام الخلايا الجذعية، الأمر الذي ينجم عنه ازدياد صاف في عدد العصبونات الجديدة.

 

في هذه الأثناء قام فريقنا البحثي بالمقارنة بين تنشؤ النسيج العصبي في مجموعتين من الفئران المستبقاة في قفصين معياريين: أحدهما فيه دولاب دوّار (عَجَلة دوارة)، في حين خلا الآخر من مثل هذا الدولاب. فالفئران التي أُتيح لها الوصول الحر إلى الدولاب أكثرت من استخدامه، وانتهى بها الأمر إلى امتلاكها ضعف عدد الخلايا العصبية الجديدة التي امتلكتها نظائرها الساكنة؛ وهذا رقم يوازي الرقم الذي وُجِد لدى الفئران التي جرى تربيتها في بيئة غنية. ولكن استقراء النتائج بدقة أظهر فرقا بين الحالتين. ففي الفئران الراكضة (التي حظيت بالدولاب في قفصها) كانت زيادة عدد الخلايا ترجع إلى معدلات عالية لانقسام الخلايا الجذعية، أما في الفئران التي نعمت بالعيش في بيئة غنية فلم يحدث ذلك، وإنما يبدو أن الظروف المواتية زادت من بقيا الخلايا الوليدة (نسل الخلايا الجذعية) بحيث بقيت منها أعداد أكبر وعاشت لتصبح عصبونات. وهكذا يؤكد هذا الاكتشاف مرة أخرى أن السيرورات التي تنظِّم تنشؤ النسيج العصبي لدى البالغين سيرورات معقدة وتحدث في عدة مستويات.

 

هناك جزيئات معينة يعرف عنها أنها تؤثر في تنشؤ النسيج العصبي. فقد أجرينا نحن ومعاونونا تقييما لعامل النمو الخاص بالبشرة وعامل النمو الخاص بالأرومات الليفية (فيبروبلاست) اللذين تبين أنهما، على الرغم من اسميهما، يؤثران في نماء الخلايا العصبية داخل المستنبتات الخلوية. فبالتعاون مع <G .H. كون> [من معهد سولك] وجJ. ونكلر> [من جامعة كاليفونيا في سان دييگو] قمنا بتسريب هذين المركبين إلى داخل البطينين الجانبيين لجرذان بالغة، فوجدناهما يثيران تكاثرا لافتا للنظر في الخلايا الجذعية المقيمة resident. وقد سهَّل عامل النمو الخاص بالبشرة تمايز الخلايا الناتجة إلى دبق عصبي في البصلة الشمية، أما عامل النمو الخاص بالأرومات الليفية فقد عزز الإنتاج العصبوني.

 

ومن اللافت للنظر أن تحريض بعض الحالات الپاثولوجية (الإمراضية) مثل نوبات الصرع أو السكتة الدماغية في الحيوانات البالغة يمكن أن يحدث انقسامات مثيرة في الخلايا الجذعية بل وحتى تنشؤ النسيج العصبي. ولا نعرف ما إذا كان الدماغ يستطيع الاستفادة من هذه الاستجابة في تعويض العصبونات اللازمة. ففي حالة النوبات الصرعية قد تكون الاتصالات الشاذة التي تشكلها العصبونات الحديثة الولادة جزءا من المشكلة. ويعد انقسام الخلايا الجذعية وتنشؤ النسيج العصبي دليلين إضافيين على امتلاك الدماغ إمكانا لترميم ذاته. ويبقى السؤال هو: لماذا يبقى ذلك الإمكان عادة من دون استخدام؟

 

لقد تفحصنا نحن وآخرون (في التجارب التي أشرنا إليها) أحداثا ناظمة عن طريق إبقائنا الجينات ثابتة constant؛ إذ درسنا الاستجابات العصبية لحيوانات متطابقة من الناحية الجينية (تم الحصول عليها بالاستيلاد الداخليinbreeding ) حيال مدخولات مختلفة. وهناك طريقة أخرى للكشف عن ضوابط تنشؤ النسيج العصبي تتمثّل في تثبيت عامل البيئة ومقارنة جينات سلالات الحيوانات التي تختلف فطريا innately في معدلات إنتاجها العصبوني. ويفترض أن تتضمن الجينات المتباينة تلك الجينات التي تؤثر في تنامي الخلايا العصبية الجديدة. وفي مقاربة مشابهة، يستطيع الباحثون المقارنة بين الجينات الفعّالة (الناشطة) في المناطق الدماغية التي تُبدي تنشؤا نسيجيا عصبيا وبين نظائرها في المناطق الدماغية التي لا تبدي مثل هذا التنشؤ. وهكذا فإن الدراسات الجينية تمضي قدما.

 

إن الجينات تقوم بدور مخططات blueprints لصنع البروتينات التي تقوم بدورها بعدد كبير من الفعاليات الخلوية مثل تحريض انقسام الخلايا وهجرتها وتمايزها. ولذلك فإنه إذا أمكن تحديد الجينات المشاركة في التجديد العصبوني، فسيكون الباحثون قادرين على اكتشاف منتجاتها البروتينية وعلى تمحيص الإسهامات الدقيقة للجينات وبروتيناتها في تنشؤ النسيج العصبي.

 

إصلاح الدماغ

وبالاجتهاد المتواصل قد يستطيع العلماء في نهاية المطاف استشفاف الشلالات(3) cascades الجزيئية التي تؤدي إلى تغيرات معينة في الفعالية الجينية انطلاقا من منبه نوعي محدد قد يكون إحدى الدالات البيئية أو حدثا ما داخليا، ومن ثم تزيد تلك التغيرات أو تنقص من عملية تنشؤ النسيج العصبي. وهكذا سيتوافر للعلماء الكثير من المعلومات اللازمة لتحريض التجديد العصبي ساعة يشاؤون. وقد تتضمن مثل هذه المقاربة العلاجية إعطاء المريض جزيئات منظِّمة أساسية أو مواد صيدلانية أخرى، أو علاجا جينيا يزوده بجزيئات نافعة، أو اغتراس خلايا جذعية، أو تحويرا في المنبهات البيئية أو المعرفية، أو إحداث تغييرات في النشاط الجسماني، أو اعتماد تشكيلة مشتركة ما من هذه العوامل.

 

إن جمع هذه التقانات وتصنيفها قد يستغرق عدة عقود من الزمن. ولكن ما إن يتم جمعها حتى يمكن تطبيقها ببضعة أساليب يمكن أن توفر مستوى ما من الإصلاح في المناطق الدماغية التي تبدي بعض تنشؤ النسيج العصبي، وكذلك في المواضع التي توجد فيها خلايا جذعية ولكن بحالة هامدة في الحالة العادية. هذا وقد يستطيع الأطباء كذلك حث الخلايا الجذعية على الهجرة (الارتحال) إلى مناطق لا تذهب إليها في العادة، وعلى أن تنضج مكونة أنواعا معينة من الخلايا العصبية يتطلبها مريض ما. ومع أن الخلايا الجديدة لن تسفر عن إنماءٍ مجدد لأجزاء دماغية بأكملها أو عن استعادة الذواكر المفقودة، فإنها على سبيل المثال يمكن أن تصنع كميات مهمة من الدوپامين (وهو الناقلة العصبية التي يسبب نضوبها أعراض داء پاركنسون(4)) أو مواد أخرى غيره.

 

إن الدراسات في مجالات العلوم ذات الصلة ستسهم في مساعي البحث عن هذه المقاربات العلاجية المتقدمة. فعلى سبيل المثال، عرفت عدة مختبرات كيفية استنبات ما يُعرف باسم الخلايا الجذعية الجنينية البشرية، وهي خلايا متعددة الإمكانات تشتق من الأجنة المبكرة وتمتلك قابلية إعطاء أي نمط خلوي في الجسم البشري. وقد يمكن في يوم من الأيام حث هذه الخلايا الجذعية الجنينية على توليد نسل يناط به أن يصير نمطا منتقى من العصبونات. ويمكن عندئذ اغتراس مثل هذه الخلايا داخل المواضع المتأذية بغية التعويض عن الخلايا العصبية المفقودة(5).

 

وبالطبع قد يجري رفض الغرائس transplants من قِبل الجهاز المناعي للشخص المتلقي. ويسبر العلماء في الوقت الحاضر طرائق عدة للتغلب على هذه المعضلة. وقد يكمن أحد الحلول في جني الخلايا الجذعية من أدمغة المصابين أنفسهم، ثم منابلة تلك المادة، بدلا من أخذ خلايا جذعية من أحد المانحين. ونشير هنا إلى أن الباحثين سبق لهم أن ابتكروا وسائل غير باضعةnoninvasive نسبيا لاستخراج مثل هذه الخلايا من المرضى.

 

إن هذه التطبيقات الطبية لا تعدو أن تكون مجرد أهداف وطموحات، ليس بينها ما هو قريب إلى الواقع في الوقت الحاضر. وفي الحقيقة، إن تحديات كبيرة بانتظارنا، نذكر من أهمها أنه في مرحلة ما ـ ستحتاج تحليلات ضوابط تنشؤ النسيج العصبي والعلاجات المقترحة للاضطرابات الدماغية إلى الانتقال من القوارض إلى البشر. وسيكون على الباحثين إذا ما أرادوا دراسة البشر من دون الإضرار بصحتهم أن ينتهجوا پروتوكولات في غاية الذكاء، مثل تلك التي تتضمن تقانات التصوير غير الباضعة كالتصوير بالرنين (التجاوب) المغنطيسي الوظيفي functional magnetic resonance imaging أو التصوير المقطعي بالبث (الانبعاث) الپوزيتروني positron emission tomography. وعلاوة على ذلك، فسيكون علينا إيجاد إجراءات وقائية تضمن أن لا تفعل العصبونات، التي تم حثها على التشكل في الدماغ البشري أو التي تم اغتراسها فيه، إلا ما نريد منها أن تفعله، كما تضمن أن لا تعيق هذه العصبونات الأداء الوظيفي السوي للدماغ. وعلى أية حال، فإن الفوائد المتوقعة من إطلاق الإمكانات التجديدية للدماغ تبرر جميع الجهود التي ستكون مطلوبة.

 

المؤلفون

Gerd Kempermann – Fred H. Gage

عَمِلا معا منذ عام 1995 حينما بدأ كيمپرمان فترة مدتها ثلاث سنوات في منحة زمالة لما بعد الدكتوراه في مختبر <گيج> بمعهد سولك للدراسات البيولوجية في كاليفورنيا. واليوم يعمل كيمپرمان، الذي يحمل درجة طبية من جامعة فرايبورگ في ألمانيا، طبيبا مقيما مختصا بالعلوم العصبية في جامعة ريگينزبرگ. أما گيج فهو أستاذ في مختبر علوم الوراثة في سولك منذ عام 1995، كما أنه أستاذ في قسم العلوم العصبية في جامعة كاليفورنيا بسان دييگو منذ عام 1988. لقد حصل على الدكتوراه بالبيولوجيا العصبية من جامعة جونز هوپكنز في عام 1976، وشغل وظيفة أستاذ مشارك (مساعد) في علم النسج بجامعة لوند في السويد قبل انتقاله إلى كاليفورنيا.

 

مراجع للاستزادة 

MORE HIPPOCAMPAL NEURONS IN ADULT MICE LIVING IN AN ENRICHED ENVIRONMENT. Gerd Kempermann, H. Georg Kuhn and Fred H. Gage in Nature, Vol. 386, pages 493-495; April 3,1997. NEUROGENESIS IN THE ADULT HUMAN HIPPOCAMPUS. Peter S. Eriksson et al. in Nature Medicine, Vol. 4, No. 11, pages 1313-1317; November 1998.

LEARNING ENHANCES ADULT NEUROGENESIS IN THE HIPPOCAMPAL FORMATION. Elizabeth Gould et al. in Nature Neuroscience, Vol. 2, No. 3, pages 260-265; March 1999.

RUNNING INCREASES CELL PROLIFERATION AND NEUROGENESIS IN THE ADULT MOUSE DENTATE GYRUS. Henriette van Praag et al. in Nature Neuroscience, Vol. 2, No. 3, pages 266-270; March 1999.

Scientific American, May 1999

 (*) New Nerve Cells for the Adult Brain

 

(1) حيوان ثديي من آكلات الحشرات يشبه الفأر.

(2) نسناس أمريكي صغير. (التحرير)

(3) الشلال: سلسلة من السيرورات الفيزيولوجية التي ما إن تبدأ أولاها حتى تستمر البقية بالتلاحق بحيث تحرض كل سيرورة منها السيرورة التي تليها.

(4) [انظر: «فهم داء پاركنسون»، مجلة العلوم، العدد 11(1996)، ص 24]

(5) [انظر: «خلايا جذعية جنينية لأغراض طبية»، مجلة العلوم، العدد 2(2000)، ص 48]. (التحرير)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

زر الذهاب إلى الأعلى