أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
تكنولوجياعلوم الكمبيوتر

المواد الرقمية والتجوية الافتراضية

المواد الرقمية والتجوية الافتراضية(*)

إن الخطوة القادمة في إنتاج صور حاسوبية أكثر

واقعية تقتضي تطوير نماذج أفضل للبنى الفيزيائية للمواد

وللتردي الذي تتعرض له بسبب العوامل البيئية.

<J. دورسي> ـ <P. هانراهان>

 

في عام 1995، أحرزت الرسوم الحاسوبية نجاحا ملحوظا في إنجاز حدث ترفيهي مهم تمثل بإطلاق فيلم «حكاية لعبة(1)»، وهو أول فيلم سينمائي بالرسوم المتحركة تستخدم فيه الحواسيب. ولكن الشخصيات والمشاهد التي تُبتكر بطرق رقمية لهذا النوع من الإنتاج مازال لها بصورة عامة، ملامح مميزة تظهرها وكأنها بعيدة عن الواقع: فكل شيء فيها سلس ومثالي ونظيف أكثر مما ينبغي، كما لو أنه صنع توّا من مادة پلاستيكية. ولم يكن ينقص هذه الأشياء إلا وجود قليل من الغبار والأتربة والشقوق والخدوش، أو مقدار ضئيل من الصدأ على حائط أسفل أنبوب راشح، أو غشاء من الصدأ الأخضر المتقادم (الزنجار) على تمثال نحاسي، أو قشرة ملحية على وجه تمثال گرانيتي لأبي الهول سفعته الرياح، أو ظلال اللون الدقيقة على بشرة إنسان، تتكامل مع المسام والنمش والتغضنات ومسحة وردية من الدم المتدفق في العروق.

 

لقد استطاع فريق پيكسار Pixar، الذي أنجز عام 1999 فيلم «حكاية لعبة» 2، أن يضيف إلى هذه المشاهد بعض تأثيرات التجوية weathering كالاتساخ والبلى، وذلك برسم بعض الأنماط الشكلية على سطوح الأشياء، إلا أن هذه العملية لا تستعمل عادة إلا لأغراض خاصة ويتطلب تحقيقها وقتا كبيرا. كما أن التطبيق المكثف لهذه الطرق المعروفة أو التطبيق الغاشم لطرق ذات قدرة حوسبية أكبر ليس كافيا للتخلص من المظهر الشمعي للرسوم الحاسوبية المتحركة. ولكي ننتج محاكاة للأشياء من دون أن يبدو عليها أنها مقلدة، لا بد أن نضع نموذجا مناسبا لمظهر المادة في تغيراته كافة، بما في ذلك التغيرات الناجمة عن البلى والوسخ الحقيقيين. كما أن بعض التقنيات ـ مثل الاقتفاء الشعاعي ray tracing والإشعاعية radiosity ـ التي تحاكي عملية الإنارة، يمكنها أن تثري بيئة المشاهد الافتراضية بما تقدمه من تأثيرات مثل الظلال الخفيفة والانعكاسات. ولكن دقة الصور الناتجة وتعقيدها من الناحية البصرية يعتمدان أيضا ـ بشكل حاسم ـ على نوعية النماذج الأساسية للمواد التي استخدمت في إعداد هذه المشاهد.

 

لقد أصبحت هذه النماذج واقعية على نحو متزايد. وإحدى ميزاتها المهمة أنها توفر نمذجة modeling صريحة للبنية الداخلية للمادة ومحاكاة لانتشار الضوء وانتثاره scattering تحت سطحها. والميزة الأخرى أنها تعطي نمذجة لتطور سطح المادة بتأثير ظواهر التعتيق، كالتآكل، التي قد تتمثل إما بتراكب طبقات غير منتظمة من الأكاسيد أو بانفصال بعض القطع عن السطح نفسه. وإحدى الإمكانات المستقبلية المثيرة تقضي بتوفير مجموعة من أدوات البرمجة تسمح للفنانين بأن ينجزوا عمليات فيزيائية من هذا القبيل بضربات من الفرشاة، وذلك بطريقة مماثلة لتلك التي يضعون بواسطتها حاليا «الأصباغ» والتأثيرات اللونية الأخرى على شاشات الحواسيب.

 

إن مثل هذه التقانة المستخدمة في صنع الصور، والتي تدعى «الرندرة(2)»rendering، أصبحت تستعمل على نحو واسع في الصناعة لا في أفلام الصور المتحركة فحسب. وقد استخدمت شركة «بوينگ» تقانة الرندرة هذه في نظم الواقع الافتراضي (التخيلي) virtual-reality  أثناء تصميم طائرتها من طراز بوينگ 777. كما أن شركات الهندسة المعمارية وشركات تخطيط المدن تستخدم تقانة الرندرة من أجل تقييم أهمية الوقع البصري الذي تسببه المباني المقترح إنشاؤها على الأحياء المجاورة.

 

الاقتفاء الشعاعي والانعكاس والبنية النسيجية(3)

دأب العلماء والفنانون زمنا طويلا على وضع النظريات حول الأسباب التي تحدد مظاهر appearance الأجسام أو هيئاتها في العالم الطبيعي. وفي القرن السابع عشر تمكن رامبرانت وغيره من الفنانين الهولنديين والفلمنكيين(4) من رسم تفاصيل الظلال اللونية الطبيعية للبشرة في لوحات رسومهم للأشخاص، وذلك عن طريق وضع عدة طبقات من الألوان ومواد اللك بعضها فوق بعض. وفي القرن التاسع عشر استخدم اللورد رايلي مبادئ الفيزياء لكي يقدم تفسيرا لزرقة السماء وتقزُّح أجنحة الفراش ولمعان السطوح المصقولة. وبإمكاننا حاليا أن نستخدم مثل هذه النظريات والأفكار في توليد تمثيلات حاسوبية عملية للآليات mechanisms التي تتولد بواسطتها مختلف مظاهر الأجسام وهيئاتها.

 

تتطلب رندرة الصور الحاسوبية الواقعية محاكاة الضوء وتآثراته مع المحيط، وهذا الأخير يشتمل على أجسام (مثل لوازم الديكور والمناظر والملابس والأثاث والشخصيات)، وأضواء لإنارة هذه الأجسام، وكاميرا افتراضية لرصد المشهد بكامله. وتكون الأجسام عادة محددة بأشكالها ومواقعها واتجاهاتها والمواد المكونة لها. وحالما ينتهي الإعداد لنموذج المشهد، يقوم برنامج الرندرة بحساب المسارات التي يتبعها الضوء من مصادره المختلفة إلى كاميرا التصوير [انظر الشكل العلوي في الصفحة 24].

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/17/SCI2001b17N10_H03_001478.jpg

يمكن محاكاة نشوء غشاء التقادم (الزنجار) على تمثال بوذا النحاسي باستخدام مجموعة من الطبقات لتمثيل البنية الفيزيائية للسطح. وهناك عمليات مختلفة تهدف إلى أكسدة الطبقة العليا وإزالة المادة الهشة كما لو كان الجسم متأثرا بفعل الرياح والأمطار. ويحدد تآثر الضوء مع مجموع الطبقات المظهر النهائي للسطح.

 

وهناك عدة تقنيات يمكن استخدامها في محاكاة انتشار الضوء. فطريقة الإشعاعية radiosity توفر نموذجا للعملية التي يتمكن بموجبها الضوء المنعكس على سطح كامد(5) من إنارة المنطقة المحيطة به. وطريقة الاقتفاء الشعاعي مبنية على تتبع كافة أشعة الضوء انعكاسا بعد انعكاس. أما أحدث ما تم التوصل إليه فهو طريقة الاقتفاء الشعاعي العشوائي stochastic raytracing: ومفادها أن الأشعة التي تسقط على أحد السطوح تنعكس بشكل عشوائي في مختلف الاتجاهات وفقا لاحتمالات قد تعتمد على خصائص السطح أو القطع الأخرى الموجودة في محيطه. وبإمكان هذه التقنية أن تحاكي على نحو موثوق تآثر الضوء مع طائفة واسعة من الأشكال والمواد المعقدة.

 

وقد تطورت الطرق الأساسية لرندرة الصور في جامعة يوتا خلال بضع سنوات في السبعينات تميزت بإنجازات مثيرة. وكانت نماذج التظليل الأولى مختلطة، جمعت بين مظاهر محاكاة الإنارة ونماذج الانعكاس وطرق الاستكمالinterpolation. وغالبا ما كانت الأشكال التقريبية للأجسام تتم بواسطة شبكة من المثلثات. وقد طور <H. گورو> طريقة تقضي بأن يُضاء رأس كل مثلث، ثم يُستنتج لون الضوء المنعكس عبر المثلث بطريقة الاستكمال. وكان <L. وليامز> و<E. كاتمول> [الذي أصبح فيما بعد من مؤسسي شركة پيكسار] قد اقترحا في أول الأمر طريقة رسم خرائط البنية النسيجية texture mapping، وفيها يتم التحكم في لون أحد الأجسام بواسطة صورة تطبَّق فوق الشكل الثلاثي الأبعاد لسطح الجسم نفسه، وذلك على نحو مماثل لاستنساخ الرسوم والصور على لعب الأطفال الپلاستيكية.

 

وكانت النماذج الأولى للرسوم الحاسوبية المتعلقة بكيفية انعكاس الضوء على الأجسام قد حاولت تمثيل العناصر الرئيسية للمظاهر بصيغ مبسطة، من دون الاستعانة بالمبادئ الفيزيائية لمحاكاة التآثر بين الضوء والمادة. وتستخدم هذه النماذج الانعكاسية الظواهرية، كما تسمى، دالة رياضياتية تدعى دالة توزيع الانعكاسية الثنائية الاتجاه bidirectional reflectance distribution function BRDF  [انظر الإطار في الصفحة 23]. تراوح أنواع هذه الدوال بين دوال المواد الكامدة كالورق المقوى، الذي ينثر الضوء بالتساوي في جميع الاتجاهات (قانون لامبرت في الانعكاس) وبين دوال المرايا المثالية التي تعكس شعاع الضوء في اتجاه واحد [انظر الشكل السفلي في الصفحة 24]. وبين هاتين الحالتين تقع السطوح اللماعة التي تعطي الضوء المنعكس توزيعا يكون على وجه التقريب متمركزا في اتجاه واحد. ويتم في العادة نمذجة مثل هذه السطوح بضبط حجم بقع الضوء المنعكس الأكثر تألقا.

 

في الرسوم الحاسوبية، تعتبر البنية النسيجية والانعكاس وجهين منفصلين من أوجه مظهر الجسم. والواقع إن البنية النسيجية المرئية تميز معظم المواد أكثر مما تفعله الخاصية الانعكاسية، ولذلك فإن توليد البنى النسيجية واستخدامها من أجل التحكم في الخواص الانعكاسية عند نقاط مختلفة من السطح تعتبر من المهارات المهمة. وهناك تقنيتان مستخدمتان على نطاق واسع في تشكيل مجموعات مؤتلفة من البنية النسيجية والانعكاس: وهما عبارة عن نموذجين إجرائيين مبنيين على عمليات التظليل والرسم المباشر الثلاثي الأبعاد. وهاتان المقاربتان تقعان على طرفي الطيف: الأولى مبرمجة إلى حد كبير والثانية ذات درجة رفيعة من التفاعلية.

 

يحتاج النموذج الإجرائي إلى برنامج حاسوبي لتوليد النقش (النمط الشكلي) pattern المطلوب. وعلى سبيل المثال، يمكن تحديد نقش الخشب بواسطة خوارزمية تولّد بنية نسيجية صلبة من حلقات متمركزة ثلاثية الأبعاد. بعد ذلك يقوم نقش الحلقات بالتحكم في لون وشدة الضوء المنعكس على قطع مثل أرجل الطاولة المحفورة من الخشب. أما في الجانب الآخر، ففي الرسم المباشر الثلاثي الأبعاد، يقوم الفنان بتطبيق طلاء محاكى على شكل ثلاثي الأبعاد. وهنا تقوم خصائص الطلاء بتحديد مظهر المادة، ويتم الحصول على النقش بتطبيق لطخات مختلفة على أجزاء مختلفة من الشكل. ولأن استخدام الرسم الثلاثي الأبعاد مِثالا، أمر طبيعي وبديهي للفنان، ولما كانت هذه المنظومات توفر للمستخدم تغذية مرتدة (راجعة) feedback مباشرة عن طريق  العرض الفوري للتغيرات الحاصلة، لذا غدت هذه المنظومات شائعة الاستخدام في أعمال الأنشطة الترفيهية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/17/SCI2001b17N10_H03_001479.jpg

يعتبر جلد الإنسان من أكثر المظاهر تحديا لتنفيذ محاكاة جيدة له. وهذه الصورة هي نموذج لتآثر الضوء مع كل من البشرة الخارجية والأدمة الداخلية الغنية بالدم. فالشفاه، مثلا، تكون وردية بسبب بشرتها الرقيقة. وقد تم الحصول على بيانات هذه الصورة بواسطة التصوير الرنيني المغنطيسي (MRI).

 

وعلى الرغم من أن هاتين الطريقتين شديدتا الفعالية، فإنهما تواجهان عدة تقييدات. فهما أولا مملتان في معظم الأحيان وتتطلبان تضافر جهود كبيرة: يكفي لذلك أن نتخيل رسم نقش حجري معقد على واجهة مبنى. ومن الواضح أن تقنيات الخوارزميات قد توفر عونا كبيرا في هذا المجال. وثانيا، فإنه نظرا إلى أن الصور المولدة بواسطة الحاسوب أصبحت واسعة الانتشار، فقد بات علينا أن نحاكي مجموعة أكبر من المظاهر والهيئات. والجدير بالذكر أن التقنيات الخاصة التي تعمل بشكل جيد مع أجسام وتطبيقات محددة سرعان ما تواجه محدوديتها. وقد أدت الرغبة في تجاوز هذه الحدود إلى تحفيز توجه جديد في تقنيات تكوين synthesis الصور: ألا وهو تضمينها قدرا أكبر من المعلومات عن بنى المواد وعن تآثرات الضوء مع المادة.

 

تخشين السطوح(6)

تعتبر خشونة السطح مثالا جيدا على كيفية تأثير بنية مادة في مظهرها. فالمعادن التي فركت بالفرشاة، أو المعادن المشغولة، تشتمل في الغالب على حزوز دقيقة على سطحها. كذلك تشمل المواد النسيجية أليافا متقاطعة (اللحمة والسداة) تسبب نتوءات وأخاديد في سطح النسيج نفسه. إضافة إلى ذلك فقد تتبدل معالم السطح مع الزمن، فمثلا يؤدي صقل السطح إلى إزالة النتوءات عنه، الأمر الذي يجعله أكثر لمعانا.

 

ويمكن وضع نموذج للهندسة الميكروية (الصغرية، المجهرية) microgeometryلسطح خشن بواسطة حقل ارتفاعات يبرز التغيرات الطفيفة الحاصلة في وضعية السطح عند كل موقع. وهذه الانزياحات يمكن حسابها بواسطة دالة عشوائية ذات خصائص إحصائية محددة أو بواسطة خريطة تفصيلية دقيقة لبنى السطح الميكروية.

 

وكان <P. بوگير> أول من قام بدراسة الانعكاس على السطوح الخشنة خلال عصر التنوير(7). فقد افترض أن السطح يتكون من عدد كبير من «السُّطَيْحات الميكروية» microfacets (أطلق عليها اسم «السطوح الميكروية»)، وأن كمية الضوء التي تنعكس باتجاه المراقب تحددها نسبة عدد السطيحات الميكروية التي تراصفت لكي تعكس الضوء مباشرة من المصدر إلى المراقب. وكان بوگير يأمل أن يفسر قانون «لامبرت» الذي يعطي وصفا لمظهر السطوح الكامدة، وذلك عن طريق بناء تشكيلة من السطيحات الميكروية التي ستعكس الضوء بالتساوي في جميع الاتجاهات، إلا أنه ثبت أن هذا الأمر مستحيل.

 

ومع ذلك فقد أصبح نموذج السطيحات الميكروية النموذج الأكثر استعمالا في ما يتعلق بالسطوح المرآوية أو اللماعة؛ ذلك أن محاكاة الانعكاس بواسطة الرسوم الحاسوبية تستطيع أن تحدد، بشكل مباشر، توزيع تراصفات السطيحات الميكروية. وبشكل نموذجي، فقد جرى استخدام توزيع بسيط يتضمن متغيرا وسيطيا (پارامترا) parameter للخشونة يحدد مقدار انحراف  السطيحات الميكروية عن الشكل الأساسي للسطح نفسه.

 

ولتوزيعات السطيحات الميكروية حدودها الخاصة بها حتى بالنسبة إلى السطوح اللماعة. مثال ذلك أن الضوء حين يسقط بزاوية صغيرة على سطح خشن، فإن الذُّرا العالية الموجودة على السطح سوف تظلل الأخاديد، وتغير بالتالي من مظهر السطح نفسه. ولسوء الحظ فإن حساب تأثيرات هذا «التظليل الذاتي» لتوزيعات السطيحات الميكروية عملية بالغة الصعوبة. وهناك أيضا مسألة أكثر تعقيدا تنشأ عندما يكون الطول الموجي للضوء مساويا تقريبا لحجم تموجات السطح نفسها، وعندئذ يصبح نموذج بوگير البسيط للانعكاس غير قابل للتطبيق، وقد تبدأ الآثار الموجية، كالانعراج diffraction والتداخلinterference، في إحداث تأثيرها.

 

أعمق من القشرة(8)

والمدهش في الأمر أن السيرورة الفيزيائية لانعكاس الضوء على عدد كبير من المواد ليست نتيجة لتآثر الضوء مع السطح نفسه؛ أي مع السطح البينيinterface المتناهي الدقة والواقع بين طبقة الهواء والوسط المادي. وبدلا من ذلك فإن التآثرات تحصل في صميم المادة نفسها. وهذه الظاهرة، التي سُميت الانتثار تحت السطحي subsurface scattering، شائعة الحدوث في المواد العضوية، وكذلك في اللدائن والمواد المركبة الأخرى. ويتفاوت العمق الخاص بالتآثرات بين بضعة ميكرونات في حالة الطلاء أو الأنواع الأخرى من الدهانات، وبضعة مليمترات في حالة جلد الإنسان أو الرخام.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/17/SCI2001b17N10_H03_001480.jpg http://oloommagazine.com/images/Articles/17/SCI2001b17N10_H03_001481.jpg

تمت محاكاة آثار مياه الأمطار والأتربة على نسخة لتمثال فينوس الميلاطية (فوق، a) باستخدام نموذج من قطرات المطر الإفرادية (b)، فحصلنا على تمثال خَطَّه الوسخ (c). وهناك عملية مشابهة لمحاكاة آثار جريان مياه الأمطار على واجهة مبنى (اليمين).

 

في الانعكاس تحت السطحي، يخترق الضوء السطح البيني للمادة متجها إلى داخلها. وهناك ينتثر فتمتصه مكونات الوسط، كالذرات أو الجزيئات المنفردة، وذلك بطريقة شبيهة بتآثر الضوء مع السحاب السديمي المتشكل من بخار الماء. وبإمكان الضوء المنتثر أن يرتد عائدا إلى السطح ويخرج من الوسط، فيظهر للمراقب وكأنه ضوء منعكس. ومعظم أحداث الانتثار التي تجري في داخل الوسط تكون شبيهة بتفجرات ومضية تحرف الضوء بزاوية أقل من 90 درجة، وبالتالي فإن الضوء يحتاج إلى عدة تصادمات لكي يرتد نحو خارج السطح. وكلما زاد عدد الانحرافات الحاصلة، أصبحت اتجاهات انتشار الضوء أكثر عشوائية. هذه العملية، التي تتنبأ بإمكانية خروج الضوء من المادة حسب اتجاه عشوائي، جرى اعتبارها الآلية التي أدت إلى وضع قانون لامبرت.

 

كانت نظرية الانتثار في وسط مؤلف من عدة طبقات قد وُضعت أساسا لتفسير عملية الانتقال الإشعاعي ـ أي انتقال الحرارة والضوء بالإشعاع ـ في أجواء الكواكب والشمس. وبعد ذلك جرى تطوير هذه النظرية من قبل عدد من الباحثين المهتمين بدراسة مظاهر الدهانات والجلد والنباتات والبحار. ومؤخرا، جرى تعديل هذه النماذج لكي تتلاءم مع الرسوم الحاسوبية. والمثير في الأمر أن مظهر جدار مطلي نظيف، ومظهر النقاط الدقيقة في وجه شخص، وهما على التوالي مثلان من أبسط أمثلة المظاهر وأكثرها تحديا للنمذجة، يمكن وصفهما بشكل جيد بواسطة الانتثار تحت السطحي.

 

ما من أحد قصد مخزنا للخردوات لشراء علبة دهان إلا ويعلم أن خلط الألوان يبدأ باللون الأبيض. والمعروف أن بياض لون الطلاء مصدره ثنائي أكسيد التيتانيوم الذي يعتبر مشتتا (ناثرا) scatterer مثاليا غير قادر على امتصاص أي ضوء. وعندما يسقط الضوء على سطح مطلي باللون الأبيض الكامد، فإنه يخترق طبقة الطلاء وينتثر عدة مرات بواسطة جسيمات ثنائي أكسيد التيتانيوم المعلَّقة فيه، ثم يخرج في نهاية المطاف من الطلاء ليعود إلى الفضاء المحيط. ولذلك فإن بياض السطح مرده أن المادة لا تمتص إلا كمية ضئيلة جدا من الضوء وتعيد كافة أطواله الموجية المرئية على نحو متساو. والمظهر الكامد للمادة سببه إذًا الانتثار المتعدد الذي يحدث في داخل الطلاء والحالة العشوائية الناجمة عنه في اتجاهات الضوء.

 

ولتحضير طلاء ملون، يضاف مقدار قليل من الصبغة إلى الطلاء الأبيض ويمزج بها. والصباغ هي مواد كيميائية تمتص بعض الأطوال الموجية بشكل انتقائي. ولما كانت جسيمات الصباغ معلقة في أوساط مادية تُحدث انتثارا مثاليا تقريبا، فقد يصادف أن يتآثر الضوء مع أحد جسيمات الصباغ ويجري امتصاصه بشكل جزئي، وتكون النتيجة أن الضوء الذي يخرج من الجسم يأخذ لون الموجات التي لم يجر امتصاصها. وأحد النماذج المقترحة لهذه العملية كان قد وضعه أساسا كل من <P. كيوبلكا> و<F. مونك> في عام 1931. فقد افترض هذان الباحثان أن الوسط المادي يحتوي على جسيمات تنثر الضوء وتمتصه في جميع الاتجاهات على نحو متساو، ثم استنتجا أن كلا من لون وشدة الضوء المرتد العائد من الوسط هو دالة لسماكته ولكثافة جسيمات الصباغ الموجودة فيه. وهذا النموذج يمكن استخدامه في محاكاة تغيرات اللون الناجمة عن تغيير سماكة طبقة الطلاء أو عن مزج عدة أصبغة مختلفة معا. كما بيَّنا كيفية حساب تأثيرات الطبقات المتعددة للطلاء، لكل طبقة منها لون مختلف أو مكونات مختلفة.

 

يعتبر نموذج كيوبلكا-مونك أبسط النماذج وأكثرها استخداما في الانعكاس تحت السطحي. ولمّا كان النموذج يفترض أن الجسيمات تنثر الضوء في جميع الاتجاهات بشكل متساو، فإنه لا يصلح إلا في حالة المواد الكامدة. وبإمكان الانعكاس تحت السطحي أيضا أن يوزع الضوء في اتجاهات مفضلة كما يحدث في حالة السطوح اللماعة، ولذلك جرى ابتكار بعض النماذج لحساب هذه التأثيرات. والفكرة الرئيسية وراء وضع هذه النماذج هي أنها تأخذ بعين الاعتبار عملية الانتثار الاتجاهي الذي تسببه الجسيمات. ويمكن إعطاء قيمة تقريبية للضوء المنعكس إذا جزأناه إلى قسمين: الأول هو الضوء الذي يخرج من المادة بعد أن يخضع لعملية انتثارٍ حادٍّ واحدة، والثاني هو الضوء المتبقي الذي خضع لعدة عمليات من الانتثار. وقد جرى افتراض أن الضوء المتعدد الانتثار يكون خاضعا لقانون لامبرت مثلما يحصل في نموذج كيوبلكا-مونك، إلا أن الضوء الناتج من حالات الانتثار الإفرادية يكون موزعا وفقا لدالة انتثار الجسيم الذي سبّب هذا الانتثار.

 

لقد قمنا بتطبيق هاتين الفكرتين من أجل وضع نموذج لمظهر الجلد الذي اعتبر لفترة طويلة إحدى المواد الأساسية التي جهدت الرسوم الحاسوبية لمحاكاتها، من دون أن تتمكن من إحراز أي نجاح يذكر. فالجلد يعتبر موضع تحد بشكل خاص لسببين، لأنه يتميز ببنية معقدة ولأن حاسة البصر عند الإنسان موالفة بشكل فائق لتعرّف الوجوه. وفي نهاية الأمر ثبت أن نموذج الانتثار تحت السطحي من الطبقات المتعددة فعّالٌ إلى حد كبير في مواجهة هذه التحديات.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/17/SCI2001b17N10_H03_001482.jpg

تمت محاكاة آثار التجوية على تمثال گرانيتي لأبي الهول باستخدام طبقة صخرية صلبة ثلاثية الأبعاد (الصورة في الإطار الداخلي) تمتد من سطح الصخر إلى الداخل. تخترق المياه والمواد الملوِّثة هذه الطبقة فتتسبب بحدوث تبدلات كيميائية ينتج منها مواد متحللة وأملاح متبلرة وطبقة قشرية أصابها التحات.

 

يتألف جلد الإنسان من طبقتين رئيسيتين: الأدمة الداخلية والبشرة الخارجية. والأدمة غنية بالدم، وهذا ما يعطيها لونها الأحمر. أما البشرة فهي أرق من الأدمة ولكنها تحتوي على مادة الميلانين ـ التي إذا زاد تركيزها أصبحت البشرة سمراء أو سوداء. فضلا عن ذلك فقد تكون البشرة مغطاة بالزيت أو الوسخ أو مستحضرات التجميل.

 

لتوليد صور واقعية للوجوه، يمكننا أن نتحكم في تركيز الدم والميلانين أثناء عملية المحاكاة، وأيضا في السماكات النسبية لكل من الأدمة والبشرة. وعلى سبيل المثال فإن الشفاه تبدو أكثر احمرارا من سائر أجزاء الوجه، لأنها تشتمل على بشرة رقيقة جدا. كذلك فقد وضعت نماذج للكلف والنمش بواسطة لطخات من الميلانين الإضافي جرى توزيعها بشكل عشوائي على الخدين [انظر الشكل في الصفحة 20].

 

كانت النماذج الحاسوبية الأولى مثالية إلى حد ما؛ إذ إنها افترضت حكما أن المواد موجودة بحالاتها الأصلية. والواقع إن جميع المواد تتبدل بالطبع عندما تتعرض إلى الجو المحيط. وبعض أغنى المظاهر التي نجدها في العالم الحقيقي ـ كالآجرّ العتيق أو المعدن الصدئ، أو الصخر المكسو بالحزازيات، أو الخشب الذي عفا عليه الزمن ـ تنشأ عن عمليات فيزيائية كالتآكل والتحات والنمو البيولوجي والترسب. ذلك أن نزعة المادة إلى التجوية عملية وثيقة الارتباط ببنيتها. فالصخور والأخشاب والمعادن تتجوى بطرق تختلف باختلاف بُناها. كذلك فإن طرق إعداد المواد، كاقتطاع الحجارة أو صقل المواد أو صبغها، على قدر كبير من الأهمية. وقد بدأنا حديثا بتطوير نماذج لعدد من هذه العمليات التي تؤثر في المظهر، وذلك أولا بتحديد الظواهر الفيزيائية الأساسية التي تكمن وراء أي تبدل نوعي في المظهر، ثم بتطوير النماذج الحاسوبية المناسبة لها.

 

محاكاة التآكل(9)

يعتبر غشاء التقادم patinas المعدني الأخضر (الزنجار) حالة شائعة لمظاهر الأجسام التي تنشأ عندما تتآثر المواد مع البيئة المحيطة بها. وغشاء التقادم هو عبارة عن غلاف أو قشرة رقيقة على السطح تنتج من تبدله الكيميائي أو إضافة بعض المواد إليه أو إزالتها عنه. وقد تنشأ أغشية التقادم إما بشكل طبيعي نتيجة التآكل الجوي أو بشكل اصطناعي نتيجة الطلاء أو العمليات المهنية الأخرى. ويعتمد تركيب غشاء التقادم وسرعة تكونه على البيئة المحيطة به. وعلى سبيل المثال فإن أغشية التقادم تنشأ بصورة عامة في المناطق العمرانية بشكل أسرع منها في المناطق الريفية، لأن هواء المدينة يحتوي على تراكيز عالية من الكبريت. كذلك فإن المطر وبعض العوامل الأخرى تؤدي دورا مهما في تكوين أغشية التقادم.

 

لقد قمنا بتطوير نموذج ظواهري phenomenological لنشوء أغشية التقادم النحاسية. وقد تَمثّل السطح فيه بمجموعة من الطبقات، ثم جرى تكوين أغشية التقادم عن طريق تطبيق مجموعة من المؤثرات الحدسية، مثل «الطلاء» و«الحت» و«الصقل»، على البنية الطبقية نفسها. فمثلا إن تطبيق «الطلاء» على منطقة من السطح معناه إضافة بعض الأكسيد إلى الطبقة العليا. أما «الحت» فيحاكي إزالة المادة المفككة عن طريق تفعيل أثر الرياح والأمطار. ولمحاكاة التغيرات الدقيقة للسماكة مع الزمن، فقد أجرينا تجارب على مجموعة من النماذج المستخدمة في البنية الطبقية، حيث تنمو أغشية التقادم عبر السطح بحسب نمط فركتلي (كُسوري). (استخدمت الفركتليات (الكُسوريات)fractals استخداما واسعا في الرسوم الحاسوبية، مثل توليد أشكال التضاريس الأرضية أو الكساء الخضري، التي تبدو حقيقية.) ويعتمد المظهر النهائي لغشاء التقادم النحاسي على كيفية تآثر الضوء مع مجموع الطبقات، حيث قمنا هنا باستخدام نموذج كيوبلكا-مونك [انظر الشكل في الصفحة 19].

 

نمذجة الانعكاس(**)

يمكن إعطاء وصف لانعكاس الضوء على أحد السطوح بواسطة دالّة توزيع الانعكاسية الثنائية الاتجاه (BRDF). وهذه الدالة الرياضياتية مهمتها تحديد نسبة كمية الضوء التي تنعكس في كل جهةِ انعكاس إلى كمية الضوء الواردة من كل جهةِ ورود.

وأقدم نموذج للانعكاس هو قانون الانعكاس نفسه، الذي كان معروفا لدى اليونانيين القدماء، وينص على أن زاوية انعكاس الضوء تساوي زاوية سقوطه. وبالنسبة إلى اتجاه معين، فإن هذا القانون يمكن وصفه بواسطة الدالة BRDF، فهي تساوي صفرا في جميع الاتجاهات ما عدا اتجاه الانعكاس الوحيد، حيث يخرج مجموع الضوء.

وهناك نموذج آخر للانعكاس هو قانون لامبرت، وينص على أن الضوء ينعكس بشكل متساو في جميع الاتجاهات، وذلك بغض النظر عن اتجاه سقوطه. ويعتبر قانون لامبرت مثالا جيدا للنموذج الظواهري لأنه يعبر بشكل جيد عن مظهر المواد الكامدة، مثل الورق المقوى، من دون أن يعطي وصفا للآلية الفيزيائية التي تجعل الضوء ينعكس بشكل متساو في جميع الاتجاهات. والواقع إن تفسير قانون لامبرت انطلاقا من بعض المبادئ المتضمنة فيه كان موضع تحد للباحثين على مر العصور. وبين حالة السطوح المرآوية وحالة السطوح الكامدة، تملك السطوح اللماعة الدوالّ BRDFs التي تعطي وصفا لتوزيع الضوء المنعكس على أنه ممركز في اتجاه واحد تقريبا.

ولعدة سنوات، كانت الدوال BRDFs تُقاس مباشرة من قبل مهندسي البصريات والرادار وسائر المعنيين بدراسة خواص المواد الغريبة. وكان لهذه القياسات من دون شك أهمية كبيرة في تصميم الطائرة الشبح stealth المعروفة. كذلك فإن الدوال BRDFs مهمة أيضا للعلماء الذين يعملون في مجال الاستشعار من بعدremote sensing لسطح الأرض بواسطة السواتل (الأقمار الصنعية): ذلك أن مظاهر الأحراج والمحاصيل، الخ… تتبدل وفقا لكل من سمت الشمس وزاوية الرؤية في الساتل. وهذه المسألة هي عكس عملية محاكاة مظهر المواد: إذ إن هدفها استنتاج نوع المادة انطلاقا من مظهرها الخارجي.

وفي الصورة في اليمين نشاهد أحد الأجهزة المصممة لقياس الدوال BRDFs. يحتوي هذا الجهاز، الذي صمم في جامعة ستانفورد، على عينة صغيرة توضع في نقطة المركز ثم تُضاء بواسطة مصدر ضوئي، كما يحتوي على مقياس ضوئي يتحرك بشكل متسق بين عدة مواقع على نصف الكرة ويقيس الضوء المنعكس في كل من هذه الاتجاهات. بعدئذ تكرر نفس القياسات بعد أن يوضع المصدر الضوئي في جميع المواقع التي شغلها مقياس الضوء على نصف الكرة، وذلك للحصول على دالة BRDF بكاملها. وحتى اليوم لم يصبح للدوال BRDF المقيسة استخدام واسع في مجال الرسوم الحاسوبية، إلا أن مجموعات بحثية متعددة مازالت تتابع هذه الطريقة.

http://oloommagazine.com/images/Articles/17/SCI2001b17N10_H03_001483.jpg

قياس انعكاسية الجسم.

 

يعتبر جريان مياه الأمطار واحدة من أكثر قوى الطبيعة أهمية وانتشارا في الإسهام في عملية تجوية المواد، وبالتالي في إنتاج نقوش مميزة. وبإمكان الماء أن ينظف بعض الأمكنة عن طريق إزالة الأوساخ عنها، في الوقت الذي يولد في بعض الأمكنة الأخرى بقعا عن طريق ترسيب الأتربة ومواد أخرى. لهذا السبب فقد قمنا بتطوير نموذج «جسيمي» بسيط لجريان الماء من أجل محاكاة هذه العمليات.

 

يمثل كل جُسيم قطرة من الماء. ويتم التحكم في حركة كل جسيم بواسطة بعض العوامل كالثقالة والاحتكاك وفعل الريح والخشونة، إضافة إلى القيود التي تَفرض على الجسيمات أن تبقى على تماس مع السطح. وهناك مجموعة من المعادلات التي تحكم التآثرات الكيميائية بين الماء ومواد السطح نفسها: فهي تعطي وصفا لمعدل امتصاص السطح للماء وسرعة ذوبانية solubilityالترسبات وتوضعها على السطح. ويبين الشكل الموجود في الصفحة 211 نتيجة تطبيق هذا النموذج في محاكاة النقوش الناجمة عن عمليتي الغسيل والتبقع، والمتولدة على نسخة مقلّدة لتمثال «فينوس الميلاطية» المعروف.

 

فقد بدأنا بوضع طبقة متسقة من الأتربة على التمثال، ثمّ طبقنا محاكاة جريان الماء بغية غسل السطح. وقد ولّد الجريان خطوطا لافتة للنظر في نقوش الأتربة اتسمت بشيء من العشوائية نتيجة لوجود جسيمات إفرادية. وقد تراكمت الأتربة في الأمكنة من السطح التي كانت بمنأى عن جريان الماء، كالمناطق الواقعة تحت الذراع مثلا. كذلك فإن نقش الأتربة كان متوافقا مع طيّات الثوب. فعلى سبيل المثال كانت السطوح العليا للأجزاء المحدّبة من الطيّات نظيفة، في حين كانت سطوحها السفلى مغطاة بالأتربة. وكان النقش أكثر اتساقا عند قاعدة التمثال وكلما اقتربنا من سطح الأرض، لأن هذه المناطق لم يكن يصل إليها إلا مقدار قليل من الماء. ويبين الشكل الموجود في الصفحة 21 أيضا نتائج هذا النوع من الجريان المائي عند تطبيقه على واجهة أحد المباني.

 

والنموذجان المذكوران (نموذج غشاء التقادم النحاسي والنموذج «الجسيمي» لجريان الماء) لا يحاكيان إلا التأثيرات السطحية فحسب. ومعنى ذلك أن التغيرات الحاصلة في المظهر لا تطال إلا قشرة رقيقة قريبة من السطح الفعلي. وقد بدأنا حديثا بدراسة النماذج والعمليات التي ينشأ عنها مفعول حجمي أكبر في الطبيعة، مثل تحات الصخور والحجارة؛ ذلك أن الصخر يتكوّن من معدن واحد أو أكثر ترتبط فيما بينها ضمن نسيج محكم، وأن نسق هذا النسيج يعتبر صفة مميزة لنوع الصخر ويحدد جزئيا خواصه الفيزيائية والكيميائية، بما في ذلك مقاومته ولونه وقوة تحمله.

 

الصخور القديمة(10)

والصخر، عندما يكون معرّضا للبيئة المحيطة، فإنه يتأثر، كالمعادن، بالملوّثات الموجودة في الجو مثل أكاسيد الكربون والكبريت والنتروجين، التي تشكل في الماء المطر الحمضي السيئ الذكر. وهذا المحلول يتغلغل مسافة ما في داخل الصخر بدلا من أن يبقى محجوزا عند تخوم السطح. وقد يتغير الصخر من الناحية الكيميائية، فينشأ عن إعادة تبلوره قشرة تكون عادة أكثر هشاشة من النسيج الطبيعي للصخر نفسه. وربما انفصلت عن الصخر أجزاء من قشرته، وهذا يعرض السطح الجديد إلى قدر أكبر من التآكل. ولذلك فإن التأثيرات النهائية الناجمة عن تجوية الصخر تشتمل على تبدل في لونه، وتشكل قشورا وسخة عليه، وتعرض سطوحه للتحات، وحدوث تلف في بنيته مثل تصدّعه.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/17/SCI2001b17N10_H03_001484.jpg

ينبغي محاكاة تآثر الضوء والبيئة المحيطة لتحقيق رندرة(11) واقعية للصور الحاسوبية. وتشتمل البيئة المحيطة على مصادر ضوئية وأجسام وكاميرات تصور المشهد. ويجب على عملية المحاكاة أن تتعامل مع السطوح اللماعة والكامدة ومع البنى النسيجية المرئية.

 

يبين الشكل الموجود في الصفحة 22 محاكاة لتمثال گرانيتي أحمر صغير لأبي الهول بعد تعرضه لمثل هذه العمليات. وقد اعتمدنا للتمثال نموذجا يتمثل بطبقة صخرية صلبة تبدأ من سطح التمثال وتمتد مقدار سماكة كبيرة نحو الداخل. كما اعتمدنا دالة ثلاثية الأبعاد لوصف المواد الموجودة في النسيج الصخري لهذا «السطح الحجمي» volumetric surface. أما النموذج البيئي فقد اشتمل على مصادر للمياه وبعض المواد الملوِّثة التي تحفز بعض التفاعلات على سطح الطبقة الصخرية وفي داخلها. بهذه الطريقة يقوم النموذج بتوليد هندسة ميكروية معقدة للسطح وخليط حجمي من المعادن بالغ التعقيد. ولكي نتمكن من استعادة السمات الطبيعية للشفانية transluceny والألوان التي تسببها المعادن القريبة من السطح، فقد قمنا بتمثيل انتثار الضوء داخل الصخر بواسطة الاقتفاء الشعاعي العشوائي.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/17/SCI2001b17N10_H03_001485.jpg

تعتبر الانعكاسات على سطوح الأجسام عاملا حاسما في نظم رندرة الصور. تولد الانعكاسات المرآوية (a) سطوحا لمّاعة ذات أمكنة مضيئة. ويمكن وضع نماذج للسطوح البسيطة الكامدة، كالورق المقوى، بواسطة الانعكاسات المنتثرة diffuse (b) التي تنثر الضوء بالتساوي في جميع الاتجاهات. وهناك عدد كبير من المواد تقوم فيها التآثرات تحت السطحية (c) بدور مهم في توليد مظهر الجسم.

 

ومن بين المسائل الصعبة التي تحصل عموما في الرسوم الحاسوبية، ثمة مسألة تقتضي تلافي القيام بعدد هائل من الحسابات، شرط أن لا يؤثر ذلك في نوعية الصورة. وعلى سبيل المثال، ففي المشاهد المصورة حيث يظهر في خلفية الصورة تمثال أصابه التحات، قد يكون من المناسب استبدال خرائط النتوءات (التي تمثل الشذوذات الهندسية الصغيرة على السطح) بتوزيع للسطيحات الدقيقة يولد البنية النسيجية المناسبة بأقل قدر من العمليات الحسابية. إلا أنه كلما تغير موقع الكاميرا وتحرك التمثال نحو واجهة الصورة، أصبح للخريطة التفصيلية للسطح أهمية جوهرية في إحداث تأثير واقعي [انظر الإطار في الصفحة المقابلة].

 

التحديات(12)

إن مجال تطوير نماذج للمواد لاستخدامها في الرسوم الحاسوبية مازال في بداياته، إلا أنه أثار حتى الآن عددا من الأمور الأساسية حول محدودية هذه النماذج والحاجة إلى توازن توفيقي بين المتطلبات. وكثير من السمات المتعلقة بمظاهر الأشياء لا يمكن فهمه انطلاقا من المبادئ الفيزيائية. وعلى سبيل المثال فإن موضوع تآكل المعادن يحظى باهتمام علمي كبير وأهمية عملية بديهية، إلا أن فهم العلماء لعملية التآكل نفسها مازال بعيدا عن الكمال. إضافة إلى ذلك، فإن تنوع التطبيقات التي تستخدم تقانة الرندرة تفرض متطلبات مختلفة فيما يتعلق بدقة النماذج. مثال ذلك العمل المتعلق بالإنتاج السينمائي، حيث يفترض بالمظاهر أن تبدو حقيقية فحسب ـ في حين تكون الدقة الفيزيائية ذات أهمية ثانوية. إلا أنه في بعض التطبيقات الهندسية والعلمية تكون الدقة الفيزيائية هي الأساس ـ مما يولّد مجموعة مختلفة من التوقعات فيما يخص النماذج المتضمنة. ويمكننا تبيّن هذا الأمر في حالة النموذج الخاص بالجلد: فعلى الرغم من أن هذا النموذج مقنع بشكل واف في عدد كبير من التطبيقات، إلا أنه لا يأخذ بعين الاعتبار بعض العناصر كجريبات الشعر والمسام والغدد الدهنية، التي يرجّح أن تحظى باهتمام أطباء الجلد واختصاصيي البيولوجيا.

 

مستويات التفاصيل في الرسوم(***)

يجب على نظم الرسوم الحاسوبية أن تستطيع التعامل مع مشاهد تتضمن ملايين الأشكال الهندسية الأساسية، وغالبا ما يتحتم عليها أن تؤدي ملايين العمليات الحسابية المتعلقة بدالة BRDF للحصول على صورة  واحدة. ولذلك فإن استخدام نماذج المواد في التطبيقات الحقيقية يتطلب بعض المهارة في تخفيض العمليات الحسابية إلى حدها الأدنى. ويتمثل ذلك في أبسط الحالات بحوسبة دوال الانعكاس أو حساب قيمتها التقريبية خلال عملية تحضيرية، ثم خزن النتائج للحصول على عرض سريع لها في أثناء عملية الرندرة الفعلية.

وهناك طريقة رئيسية أخرى تقتضي إدخال تسلسل هرمي من الحالات التجريدية واستخدام التجريد المناسب في الوقت المناسب. فإذا كانت الكاميرا قد جرى ضبطها بحيث تأخذ صورا للجسم عن قرب، عندئذ ينبغي أن تكون التفاصيل الدقيقة للسطح مرئية وينبغي وضع نماذج لها على نحو بيّن. ولكن عندما تتراجع الكاميرا ويتغير مقياس الصورة، عندئذ لن تظل التفاصيل الدقيقة واضحة وقد يستعاض عنها بقيم تقريبية أبسط منها. وعلى سبيل المثال، يمكن استخدام حقل ارتفاعات لوضع نموذج لأحد السطوح الخشنة، وبالتالي يصبح بالإمكان، عند تقريب الصورة، عرض شذوذات السطح وكأنها انزياحات هندسية مرئية ـ أي مجموعة النتوءات والشقوق الدقيقة الموجودة على السطح. أما في حالة اللقطات المتوسطة، فيمكن فقط استبانة متوسط الشكل الأملس للسطح، وتمثيل الخشونة بواسطة تغيرات طفيفة في التظليل وربما ببعض الرقع من التظليل الذاتي. وقد يكون توزيع السطيحات الدقيقة كافيا في حالة اللقطات البعيدة.

ويعتبر التغيير الآلي(13) في تمثيل وحساب خصائص المواد عند تقريب الصور أو إبعادها مسألة تنطوي على تحد وأهمية كبيرين؛ إذ كيف يمكننا إنتاج برنامج حاسوبي ينتقل آليا إلى المستوى المناسب من التفاصيل المطلوبة؟ فالمشاهد الموجودة في التطبيقات الحالية بالغة التعقيد، وتحتوي في الغالب على عشرات الملايين من السطوح، ولذلك فإن استخدام أبسط حل تقريبي ممكن لكل عنصر من عناصر الصورة أمر حاسم جدا بالنسبة إلى فعالية العمليات الحسابية.

إن مسألة وضع نماذج فيزيائية للمواد التي تتعرض إلى تغيرات بمرور الزمن يعتبر تحديا مهما لمجال الرسوم الحاسوبية. وما نحن بحاجة إليه هو مجموعة شاملة من نماذج المواد والسيرورات التي تؤثر في مظاهرها. ومن الناحية النموذجية، بإمكان علماء الحاسوب أن يضعوا تصنيفات شاملة للمواد تكون بمتناول عدد كبير من المستخدمين، مثلما يستخدم الناس حاليا برامج الرسوم الجاهزة. وكلما توسعت معارف الباحثين عن بنية المواد وطوروا نماذج حاسوبية جديدة، يصبح بإمكان مجموعة كبيرة من التطبيقات الهندسية والتصميمية الجديدة أن تجني الفوائد. فقد يتمكّن مصممو السيارات من إجراء بحوث على مختلف أنواع الطلاءات ويطبقونها على سيارات افتراضية بغية فهم بنية الطلاءات ومظهرها وأدائها بمرور الزمن. وقد يتمكّن المهندسون المعماريون وأنصار المحافظة على البيئة من إنجاز عملية محاكاة للتحمّل الطويل الأمد للمواد والبحث في مختلف الطرق الكفيلة بالحفاظ عليها. وأخيرا، قد يصبح بإمكان النماذج الحاسوبية للمواد أن تشكل عونا للمصممين في ابتكار مظاهر جديدة بالكامل ـ وهو إنجاز سوف يؤدي إلى تجميل العالم، لا الاكتفاء بتقليده.

 

 المؤلفان

J. Dorsey – P. Hanrahan

هما من المشاركين في تطوير نماذج المواد الرقمية منذ عام 1994. دورسي أستاذة مساعدة في أقسام الهندسة المعمارية والهندسة الكهربائية وعلم الحاسوب، وعضو في مختبر علم الحاسوب في معهد ماساتشوستس للتقانة (M.I.T). أما هانراهان فهو أستاذ في قسمي علم الحاسوب والهندسة الكهربائية في جامعة ستانفورد.

 

مراجع للاستزادة 

REFLECTION FROM LAYERED SURFACES DUE TO SUBSURFACE SCATTERING. Pat Hanrahan and Wolfgang Knxeger in Proceedings of SI GGRAPH 93. ACM, 1993.

MODELING AND RENDERING OF METALLIC PATINAS. Julie Dorsey and Pat Hanrahan in Proceedings of SIGGRAPH 96. ACM, 1996.

TEXTURING AND MODELING. Second edition. Edited by D. S. Ebert et al. Morgan Kaufmann Publishers, 1998.

MODELING AND RENDERING OF WEATHERED STONE. Julie Dorsey, Alan Edelman, Henrik Jensen, Justin L.egakis and Hans Pedersen in Proceedings of SIGGRAPH 99. ACM, 1999.

Further information and images are available on the Web at http://graphics.lcs.mit.edu/materials/

Scientific American, February 2000

 

(*) Digital Materials and Virtual Weathering

(**) Modeling Reflection

(***) Levels of Detail

 

(1) Toy Story

(2) رندرة: تعريب rendering، وهذه عملية تحويل رسم خِفَافي يمثل الشكل الخارجي إلى صورة كاملة ثلاثية الأبعاد عن طريق استخدام الظلال والألوان.

(3) Ray Tracing, Reflection and Texture

(4) الفلمنكي هو واحد من شعب الفلاندر، وهو اسم من العصور الوسطى لبعض شعوب دول الأراضي المنخفضة في أوروبا. (التحرير)

(5) matte: ليس له بريق أو لمعة.

(6) Roughing It Up

(7) حركة فلسفية في القرن الثامن عشر تركز على المنطق والفردية بدلا من التقاليد.

(8) More Than Skin Deep (التحرير)

(9) Simulating Corrosion

(10) Rocks of Ages

(11) تعريب rendering (انظر هامش 2، ص 18].

(12) Challenges

(13) لا يحبذ البعض كلمة «الأتوماتي» حتى لا يتم الخلط مع الأتوماتا Automata الخاصة بدراسة الحوسبة. (التحرير)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

زر الذهاب إلى الأعلى