أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
رياضيات

هل اللانهاية في الرياضيات مفارقة؟

هل اللانهاية في الرياضيات مفارقة؟(*)

لكي نحل مفارقة «الكل والجزء» ونواجه «فرضية المتصل»(1) لا بد أن

يتطور فهمنا للانهاية الفعلية(2)؛ واليوم أيضا، نكتشف لانهائيات(3)جديدة.

<P-J. دولاهي>

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/18/SCI2002b18N7-8_H03_002444.jpg

 

شكل 1. مفارقة فندق هلبرت(**)

يوضح المثال التالي كيف أن المجموعات اللانهائية فعليا كانت تبدو لمدة طويلة غير معقولة: في ليلة من الليالي كانت غرف فندق لانهائي مرقمة بالأعداد 0، 1، 2، 3، … وليس فيه غرف شاغرة في هذه الليلة، حيث يشغل كل نزيل غرفة. ثم جاء زبون يبحث عن غرفة فأجابه مسؤول الاستقبال «لا تشغل بالك بهذه المشكلة، انزل في الغرفة رقم 0 وسوف أطلب إلى نزيل هذه الغرفة الانتقال إلى الغرفة رقم 1، ومن نزيل الغرفة رقم 1 الانتقال إلى الغرفة 2، الخ…» وبطبيعة الحال لدى مسؤول الاستقبال هاتف خاص يمكّنه من الاتصال بجميع غرف الفندق في آن واحد طالبا إلى نزيل الغرفة رقم n الانتقال إلى الغرفة رقم n + 11. وهكذا احتل الزبون الجديد الغرفة 00. وبعد عشر دقائق قدمت حافلة (لانهائية طبعا) تقل على متنها زبائن جددا يرغبون في قضاء ليلة بالفندق. فكان جواب مسؤول الاستقبال بالفندق لسائق الحافلة: «لا تشغل بالك بهذه المشكلة.» واتصل هاتفيا بنزيل الغرفة رقم n وطلب إليه الانتقال إلى الغرفة رقم 2n. ثم أوضح لسائق الحافلة بأنه يمكن للمسافر رقم i أن يتسلم الغرفة رقم 2i + 1 (الشاغرة لأن كل الغرف ذات الأرقام الفردية أخليت من النزلاء). وبعد نصف ساعة قدمت مجموعة أكثر عددا مكوّنة من عدد لانهائي من الحافلات تقل كل منها عددا لانهائيا من المسافرين. وكان جواب مسؤول الاستقبال «لا تشغلوا بالكم فسوف أجد حلا لهذه المشكلة»، واتصل هاتفيا بنزلاء الفندق طالبا إلى نزيل الغرفة رقم i الرحيل إلى الغرفة رقم 2i + 11 (وبذلك صارت كافة الغرف ذات الأرقام الزوجية شاغرة). ثم طلب إلى مسؤول مجموعة الحافلات بأن يلتحق المسافر رقم i من الحافلة رقم j بالغرفة رقم (2i+1(2j + 11. فجرى كل شيء على ما يرام  حيث احتل كل مسافر غرفة بمفرده.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/18/SCI2002b18N7-8_H03_002445.jpg

شكل 2. مفارقات الانعكاسية(4): إذا كانت المجموعات اللانهائية موجودة فعلا وليست كامنة، مثل المجموعات التي نكمّلها شيئا فشيئا، عندئذ تكون مجموعة مربعات الأعداد الطبيعية ذات قدّ (حجم) يعادل قدّ مجموعة الأعداد الطبيعية: يمكن أن نرفق بكل عدد من المجموعة الأولى عددا من المجموعة الثانية [الشكل (a)]. وبالمثل [الشكل (b)] فإن القطعة المستقيمة AB تعادل في «الكبر» القطعة A’B’. كما أن نصف محيط الدائرة «يساوي» قطرها [الشكل (c)]. ونستطيع أيضا تعيين تقابل بين نقاط قطعة مستقيمة ونقاط نصف مستقيم لانهائي بالعلاقة y = 1/(x + 1) [الشكل (d)]. وبالمثل، يمكن، كما فعل كَنتور (وقد أدهشته إمكانية ذلك) عندما عين تقابلا بين مجموعة نقاط سطح مستو ومجموعة نقاط منحن اختياري(5)(الشكل e). كما يمكن تعيين تقابل بين نقاط حجم مفروض ونقاط منحن مفروض(6) (الشكل ff).

 

هل يمكن أن نتحكم في مفهوم اللانهاية الرياضياتي؟ أي هل يمكن أن نبني نظرية خاصة باللانهاية تتحاشى المفارقات والتناقضات؟ للإجابة عن هذه التساؤلات نميز بين المفارقات والحالات المنطقية غير المُرضية.

 

إن المفارقة في نظرية رياضياتية هي إمكانية البرهان على قضية ونفيها في آن معا. وفي هذه الحالة، نستطيع أن نستنتج ـ باستدلالات قائمة على مسلّمات النظرية دون سواها ـ صحة قضية A ونفيها not A. إن الرياضيات لا تقبل المفارقات، وعلماء المنطق يبذلون قصارى جهودهم لتجنبها.

 

واليوم يعرف الرياضياتيون مختلف الوسائل لتجنب المفارقات في النظريات الرياضياتية الخاصة باللانهاية. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل حققت هذه الوسائل أهدافها؟

 

نواجه حالة منطقية غير مرضية عندما تمكننا نظرية من طرح خواص مدهشة، تتعارض أحيانا مع توقعاتنا، من دون ظهور تناقض حقيقي. في هذه الحالة، يمكننا مواصلة تطوير النظرية آملين التمكن يوما من إيجاد حل للمشكلة المطروحة. ففي بعض الأحيان نتقبل في نهاية المطاف الحالة التي بدت لنا مزعجة، وتتحول القضية التي كنا نشكك فيها إلى قضية جد عادية، وكأن تحولا جذريا قد طرأ على مفاهيمنا العميقة.

 

ما الوضع الراهن للمفارقات المتعلقة باللانهاية والحالة غير المُرْضية التي صارت مقبولة ومستوعبة؟ لتعرف ذلك سنورد بعض المفارقات التي شكلت تاريخ اللانهاية في الرياضيات. وسنشير في كل حالة إلى الحلول الرياضياتية المقترحة لها متسائلين عما إذا كانت هذه الحلول مرضية، أو أنها على العكس من ذلك، تترك جوانب غامضة تبين محدودية تحكمنا في اللانهاية عن طريق الرياضيات الحديثة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/18/SCI2002b18N7-8_H03_002446.jpg

http://oloommagazine.com/images/Articles/18/SCI2002b18N7-8_H03_002447.jpg

شكل 3. تبدو المجموعة اللانهائية للأعداد النسبية rational numbers (أي الأعداد التي تكتب على شكل نسبة عددين طبيعيين) أكبر من مجموعة الأعداد الطبيعية. لكن كنتور برهن على أنه يمكن كتابة الأعداد النسبية ضمن شبكة مربعة وربط كل منها بعدد طبيعي وذلك برسم المسار المبين في الشكل، وبذلك تكون مجموعة الأعداد النسبية مجموعة قابلة للعد (لأنها في تقابل مع الأعداد الطبيعية)؛ أي إن قدّها يساوي قدّ مجموعة الأعداد الطبيعية.

 

لم يتقبل العلماء اللانهاية بسهولة، بل ظلوا لمدة طويلة يأملون التمكن من تجاوزها. فأرسطو يرفض اللانهاية الفعلية(4) (أو لانهاية فعلية) actual infinity أي المأخوذة كيانا واحدا. وكان يرفض أي وجود مادي للانهاية، لكنه يعترف لهذا الكائن بوجود رياضياتي معين؛ لأنه كان يرى من الضروري الأخذ في الاعتبار مقادير يتعاظم قدّها(5) أكثر فأكثر: كل عدد طبيعي يتبعه عدد آخر، ولا وجود لنقطة أخيرة على المستقيم. وقد حاول الرياضياتيون الاكتفاء بهذه اللانهاية الممكنة(6) وبالرجوع إليها عند الحاجة تجنبا للانهاية الفعلية.

 

لا مجال للتفكير في اللانهاية الفعلية(***)

فإقليدس على سبيل المثال، لم يكن يقول بأن هناك عددا لانهائيا من الأعداد الأولية primary numbers بل كان يقول إن «كمية الأعداد الأولية أكبر من أية كمية أعداد أولية مفروضة.» وقد برهن على ذلك بإثبات أنه إذا كانت p1p2, …,pk أعدادا أولية مفروضة، فيمكن إيجاد عدد أولي آخر يختلف عن كل هذه الأعداد المفروضة. (وهذا العدد هو القاسم الأولي الأصغر للعدد p1 p2 …pk+1).

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/18/SCI2002b18N7-8_H03_002448.jpg

شكل 4. أثبت كنتور وجود مجموعات لانهائية أكبر من مجموعة لانهائية قابلة للعدّ (أي مجموعة يمكن ترقيم كافة عناصرها). لنتفحص أولا مجموعة منتهية مؤلفة من ثلاثة عناصر: إننا نرى بأن لها ثماني مجموعات جزئية (23) مختلفة (a). وإذا كانت المجموعة مؤلفة من N عنصرا، فإن لها N2 مجموعة جزئية مختلفة (إن كل عنصر يمكن أن يكون ـ أو لا يكون ـ جزءا من المجموعة). لنشكل المجموعات الجزئية لمجموعة لانهائية قابلة للعد من العناصر (b). ولنثبت بالخُلْف par L’absurde أنه من المستحيل ترقيم كل عنصر من مجموعة المجموعات الجزئية للمجموعة المفروضة (القابلة للعدّ)؛ ومن ثم نستنتج أن المجموعة اللانهائية المكونة من المجموعات الجزئية لمجموعة قابلة للعد ليست مجموعة قابلة للعد. لنفترض أن هذا الترقيم ممكن. نمثل كل مجموعة جزئية بمجموعة بطاقات، وكل مجموعة جزئية تمتد إلى ما لانهاية نحو اليمين. نرقم كل مجموعة جزئية من الأعلى إلى الأسفل. فهل نستطيع بهذه الطريقة ترقيم جميع المجموعات الجزئية؟ كلا، ولإثبات ذلك نتفحص المجموعة الجزئية المكونة من بطاقات القطر ولنفترض أننا قَلبنا جميع البطاقات: إن هذه المجموعة ليست مطابقة للمجموعة الجزئية الأولى لأن البطاقة الأولى مختلفة؛ كما أنها غير مطابقة للمجموعة الجزئية الثانية لأن البطاقة الثانية المقلوبة مختلفة، وهكذا دواليك. فالمجموعة الجزئية ذات الرقم n تختلف عن المجموعة الجديدة لأن البطاقة رقم n قد قلبت. وهكذا نكون قد شكلنا مجموعة جزئية لا تنتمي إلى قائمتنا المرقمة. وبالتالي فمجموعة المجموعات الجزئية غير قابلة للترقيم… هذا «البرهان القطري» preuve diagonale الذي أتى به كنتور يثبت أن مجموعة الأعداد الحقيقية (أي مجموعة الأعداد النسبية وغير النسبية) ليست قابلة للعد. لنتفحص (c) التي تمثل الأعداد الحقيقية للقطعة المستقيمة التي طولها 1: نعبِّر عن المسافة التي تفصل كل نقطة عن نقطة البدء بالنظام الثنائي …0,011010010111. فالنقطة التي تفصلها عن نقطة البدء المسافة المقاسة بالأرقام المقلوبة للقطر لا تظهر في الترقيم. لذا لا يمكننا ترقيم كل الأعداد الحقيقية للقطعة المستقيمة المذكورة… وهكذا فمجموعة الأعداد الحقيقية مرفوعة إلى القوةoא2 هي لانهاية أكبر من اللانهاية القابلة للعد.

 

يرجع السبب الأساسي للتخوف من اللانهاية الفعلية إلى مفارقة الانعكاسيةreflexivity: إذا كانت مجموعة لانهائية فيمكننا أن نقيم تقابلا(7) bijection  بينها وبين أي مجموعة جزئية فعلية(8) منها. فعلى سبيل المثال، تعين العلاقة التي تربط n2 بالعدد n تقابلا بين مجموعة الأعداد الطبيعية 0، 1، 2، 33، … ومجموعة مربعاتها 0، 1، 4، 99، … مع أن عدد عناصر المجموعة الأخيرة أقل من عدد عناصر المجموعة الأولى.

 

ونواجه الظاهرة نفسها عندما نأخذ مجموعة الأعداد الحقيقية المحصورة بين 0 و1، بما في ذلك العددان: 0 و1، (ونرمز لهذه الفترة «المغلقة» [1,0]) ومجموعة الأعداد الحقيقية في الفترة [0 , 2] (والتقابل هنا هو ذلك الذي يرفق كل x بـ 2x). وكذلك الأمر عندما نعمم هذه النتيجة، فنقيم تقابلا بين قطعتين اختياريتين AB وA’B’ من مستقيم. كما أن العلاقة التي ترفق x بـ 1/(x+1) تعيِّن تقابلا بين مجموعة الأعداد الحقيقية المحصورة بين 0 و1 (ونرمز لهذه الفترة «المفتوحة» بـ ]1,0[) ومجموعة الأعداد الحقيقية الموجبة (التي نرمز لها ب]0, +,∞[).

 

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما الذي يجعل مفارقة الانعكاسية مفارقة؟ إنها مفارقة لأن «مبدأ الكل والجزء» الذي ينص على أن «الكل أكبر من الجزء» لا ينطبق هنا. فنحن لا نتصور بأننا سوف نتخلى عن حقيقة جلية كهذه؛ كما أن عقلنا لا يمكنه مقاومة محاولة التشكيك في هذا المبدأ الواضح البيّن. ويبدو أن هذا التشكيك في «مبدأ الكل والجزء» يتطلب جرأة تتجاوز الحدود المعقولة؛ ولهذا كنا، في معظم الأحيان، نفضل الاختتام بالقول: من يحق له التفكير في اللانهاية لا بد أن يكون ذاته كائنا لانهائيا، كالإله. ولهذا كانت الكنيسة تعارض كل محاولة للتفكير في اللانهاية الفعلية. ومن هذا المنطلق اعتبر القديس <Th. داكان> أن كل من يسعى بفكره للإحاطة باللانهاية الفعلية يدخل في مواجهة مع الطبيعة الوحيدة واللانهائية إطلاقا للإله.

 

وقد استغرق التغلب على هذه العقبة نحو ألفي سنة. والواقع أن «مبدأ الكل والجزء» لم يكن مهما في الرياضيات؛ ومع هذا كان لا بد من إعادة النظر فيه؛ ذلك أن هذا المبدأ المحيّر بشكل واضح حال دون أي تقدم في مجال إدراك اللانهاية الفعلية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/18/SCI2002b18N7-8_H03_0080.gif

 

ويعود الفضل في هذه الجرأة إلى الفيلسوف والرياضياتي التشيكي <B. بولزانو> (1781-1848) الذي تناول في كتابه مفارقات اللانهاية Les paradoxes del’infini (المنشور، بعد وفاته، عام 1851) تقابلات بين مجموعة ومجموعاتها الجزئية الفعلية دون أدنى استغراب. بل على العكس من ذلك، فقد اقترح بولزانو أن نرى في هذه العلاقات ما يميز المجموعات اللانهائية(7)، وهذا يعني التخلي عن «مبدأ الكل والجزء» عندما يتعلق الأمر بالمجموعات اللانهائية. وفيما بعد عرّف الرياضياتي الألماني <R. ديدكند> (1831-1916) المجموعة اللانهائية بأنها المجموعة التي تسمح بإيجاد تقابل بينها وبين مجموعة جزئية فعلية منها. وحاليا، غالبا ما نتبنى هذا التعريف في نظرية المجموعات لتعريف المجموعة اللانهائية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/18/SCI2002b18N7-8_H03_002449.jpg

شكل 5. إن الفرق بين oא و 2 مهم في الهندسة geometry عندما ندخل في اعتبارنا مجموعات لانهائية. وهكذا فإن عدد رؤوس شبكة مضلعات خماسية تغطي المستوي يساوي 0א لأنه يمكن رسم خط حلزوني (بالأحمر) يسمح بترقيم جميع هذه الرؤوس. وبالمقابل، فإن عدد الدوائر التي يمكننا رسمها على صفحة مساحتها منتهية هو لانهائي 2 ؛ لأن مركز كل دائرة نقطة من المستوي.

 

وقبل بولزانو، كان <G. ليبنيتز> قد دافع عن فكرة اللانهاية الفعلية بقوله: «إنني أقبل فكرة اللانهاية الفعلية إلى درجة أنني بدلا من تقبل الفكرة السائدة القائلة بأن الطبيعة تنفر منها، أقول بأن الطبيعة تضعها في كل مكان كي تسجل عظمة خالقها(9).» وقد وضع بولزانو هذه المقولة ديباجة لكتابه الثوري.

 

ومع ذلك فإن اللانهاية الفعلية التي دافع عنها ليبنيتز تختلف عن جميع الكيانات اللانهائية التي اعتبرت فعلية في مسألة مفارقة الانعكاسية. فكان ليبنيتز يدافع أكثر عن لانهاية فلسفية، تلك الخاصة بالعالم المادي مأخوذا ككل. ولم يكن من السهل أن يحتل اللانهائيُّ الصغر(10) (الذي واجه مفارقات أخرى  استخدمت أحيانا لمهاجمة الطرائق الحسابية الجديدة التي دافع عنها ليبنيتز) مكانة مقبولة ومؤكدة في الرياضيات إلا بعد أن صرنا لا نتحدث عن اللانهائيات في الصغر ككائنات رياضياتية بل كنهايات limits.

 

والملاحظ أن رياضياتيي القرن العشرين عرفوا كيف يجعلون من اللانهائيات في الصغر كائنا حقيقيا. والواقع أن الطريقة التي استخدمت خلال القرن التاسع عشر لتعزيز حسبان الصغائر infinitesimal calculus أدت إلى رفض اللانهاية الفعلية واستعيض عنها بلانهاية ممكنة pontential infinity للكميات التي تقترب أكثر فأكثر من نهايتها.

 

وفي هذا الشأن، عبّر أمير الرياضياتيين <C .F. گاوس> (1777-1855) عن شعور الأسرة الرياضياتية حينذاك، فكتب مثلا: «إنني لا أقبل استخدام كائن لانهائي ككل كامل؛ إذ إن هذه العملية ممنوعة في الرياضيات، فاللانهاية ليست سوى تعبير مجازي.»

ولذلك، ورغم العديد من المحاولات المتنوعة الرامية إلى وضع أسس نظرية لِلاّنهاية في الرياضيات، يمكن التأكيد أن بولزانو، في مواجهته لمحيرة الانعكاسية، هو أول من فتح الطريق لمفهوم اللانهاية في الرياضيات بشكله الحالي، حيث تعتبر اللانهاية كيانا قائما بذاته.

 

فرضية المتصل والرمز א(****)

اقترح كنتور أن نرمز لقدود اللانهايات بالطريقة التالية:

ـ نرمز لقدّ اللانهاية الخاصة بالأعداد الطبيعية بـ oא (ويقرأ ألف صفر)،

ـ نرمز لقد اللانهاية التالية بـ 1א ، إلخ…

ومن ناحية أخرى نرمز لقدّ اللانهاية الخاصة بالأعداد الحقيقية R بِ 2. وثمة سببان يبرران هذا الرمز: أولا، يمكن البرهان على أن قدّ مجموعة الأعداد الحقيقية يعادل قدّ مجموعة أجزاء مجموعة الأعداد الطبيعية. ثانيا، في حالة المجموعات المنتهية، يمكن البرهان على أن عدد أجزاء مجموعة من nعنصرا يساوي n2 (لذا نرمز بa 22 لقدّ مجموعة أجزاء مجموعة قدّها a).

وهكذا فإن سلم اللانهايات الذي تحدده مبرهنة كنتور الأساسية هو: oא ، oא2، 0א22،  إلخ…

والسؤال المطروح هو معرفة ما إذا كانت توجد لانهاية قدّها بين 0א و0א2؛ أي: هل 1א يساوي

وإقرار أن 1א = 2 هو ما يسمى فرضية المتصل.

وإقرار أنه من أجل كل i+1: iא =2 يسمى  فرضية المتصل المعممة.

لقد تم البرهان على أن هذه القضايا مستقلة عن المسلمات المعهودة لنظرية المجموعات؛ أي إنه لا يمكن أن نعرف انطلاقا من تلك المسلّمات، ما إذا كانت هذه القضايا صحيحة أو خاطئة. غير أن ذلك لا يُعني أننا فقدنا الأمل في البرهان على صحة أو خطأ هذه القضايا: فمن الجائز أن تكون هناك مسلمات أخرى خاصة بالمجموعات لم ندخلها في اعتبارنا، وعندما نكتشفها وندمجها في المسلمات المعهودة تصبح فرضية المتصل قابلة للبرهان.

 

الحل الفعلي لمفارقة الانعكاسية(*****)

إن حل مفارقة الانعكاسية الذي اقترحه بولزانو، يتضح تماما بفضل التطورات اللاحقة لنظرية المجموعات بصياغتها الحديثة: يجب التمييز في المجموعات بين العلاقة «محتوى في» والعلاقة «أصغر قدا(11) (حجما) من.» فمثلا إن مجموعة مربعات الأعداد الطبيعية، محتواة في مجموعة الأعداد الطبيعية؛ لكننا إذا نظرنا جملة إلى كل واحدة من المجموعتين نجد أن لهما القدّ نفسه. وصحيح أنه إذا كانت المجموعة A محتواة في مجموعة B يكون قدّ Aأصغر من قدّ B أو يساويه؛ لكن قدّيهما يمكن أن يتساويا.

 

يستخدم الرياضياتيون بدلا من «قدّ»، المصطلح التقني: «رئيسي»cardinal(4). لكن هذا الأمر ليس ذا شأن، فالفكرة الوحيدة لحل المفارقة هي التسليم بأن المجموعة A يمكن أن تكون محتواة تماما في المجموعة B ومع ذلك يكون للمجموعتين A وB القدّ نفسه (أو رئيسي واحد).

 

لكن، ألا يؤدي هذا التسليم إلى تناقضات تجعل الرياضيات غير متسقة، ومن ثم غير مقبولة؟ إنه تساؤل وجيه فعلا، ولم يكن من السهل الإجابة عنه، فعلى ما يبدو توقفت جسارة بولزانو عند مقترحه ولم يحاول مواصلة دراسة ما يترتب عليها من انعكاسات خطيرة على المفاهيم الرياضياتية… وهكذا قام آخرون بهذه المهمة. كان استكشاف جبر التقابلات(12) في الرياضيات طويلا وملتويا، وقد دشن بولزانو بمقترحه مرحلة اضطرابات خطيرة وغاصة بالمجادلات الحادة واللاذعة أحيانا. وكان العمل الرئيسي قد قام به الرياضياتي الألماني <G. كنتور> (1845-1918) الذي اكتشف العديد من خواص قدود(13) المجموعات اللانهائية التي بدت له في معظم الأحيان قاب قوسين أو أدنى من المفارقات. لقد ميّز كنتور بين قدود المجموعات اللانهائية. فلو كان الأمر غير ذلك، أي لو كان بالإمكان إقامة تقابل بين كل مجموعتين لانهائيتين، لفقدت بوضوح نظرية قدود المجموعات اللانهائية أهميتها. فقد لاحظ كنتور عام 1874 أنه من المستحيل إيجاد تقابل بين مجموعة الأعداد الحقيقية ومجموعة الأعداد الطبيعية: إن قد المجموعة الأولى أكبر تماما من قدّ المجموعة الثانية. لقد كان الاستدلال القطري(14) الذي اكتشفه كنتور بتبسيط استدلاله الذي توصل إليه عام 18744، بمثابة النموذج الذي اتبعه الرياضياتيون للبرهان على الاستحالة في مبرهنة(15) ما. ففي مثل هذه المبرهنة نفترض أن ما نريد البرهان عليه خاطئ (هنا، نفترض وجود تقابل بين مجموعة الأعداد الطبيعية N ومجموعة الأعداد الحقيقية R) ثم نركز اهتمامنا على قطر الجدول الذي يعرّفه التقابل [يقابل الرقم i العددُ الحقيقي f(i)] لاستخلاص تناقض.

 

والأكثر من ذلك أن كنتور بيّن باستخدام الاستدلال القطري نفسه وجود عدد لانهائي من القدود الممكنة للمجموعات اللانهائية. وبالضبط، لا يمكن أبدا إيجاد تقابل بين مجموعة E ومجموعة أجزائها التي نرمز إليها بP(E). وهكذا لا يمكن إيجاد تقابل بين P(N) (أي مجموعة أجزاء N التي تضم مجموعة الأعداد الزوجية ومجموعة الأعداد الفردية، ومجموعة الأعداد الأولية، إلخ.) وبين N (مجموعة الأعداد الطبيعية). وبالمثل، لا يمكن إيجاد تقابل بين المجموعة

P(P  (N ) (أي مجموعة أجزاء المجموعة P(N)) والمجموعة P(N)؛ إلخ…

 

تعتبر هذه النتائج مرحلة أولى في التقدم نحو إدراك اللانهاية الفعلية والبرهان على أن ما نكتشفه بالغ الأهمية؛ فهذه النتائج تكوّن تراتبية(18)للكيانات اللانهائية. ومع ذلك لم تكن النتائج الأولى هذه مقبولة لدى الجميع. وقد تميز الرياضياتي الشهير <L. كرونكر> بحدة انتقاداته لنتائج كنتور وعرقل نشر بحث له في إحدى أشهر مجلات الرياضيات Le Journal de Crelle؛ مما جعل كنتور يمتنع فيما بعد عن نشر أبحاثه في هذه المجلة(19).

 

مفارقة برنارد رَسِلْ(******)

لتكن E مجموعة العناصر التي لا تنتمي إلى ذاتها:} E = (x ; X  x . فإذا كان E  E، فمن التعريف يكون لدينا E  E؛ كما أنه إذا كان E E، فمن التعريف يكون لدينا E  E: هذا تناقض! إن مفارقة مجموعة المجموعات التي لا تحتوي ذاتها (مفارقة برنار رسل) صارت اليوم قضية محلولة في نظرية المجموعات. وقد تم ذلك على النحو التالي:

تُعرّف الطرائق التي تسمح بتكوين مجموعات جديدة انطلاقا من مجموعات موجودة (اتحاد المجموعات، مجموعة المجموعات الجزئية لمجموعة، الخ.)، ولا يكفي اعتبار خاصة (مثل x xx) لكي نؤكد وجود مجموعة تضم كل الكائنات التي تحقق هذه الخاصية. فالرمز} E= {x ; X  xx لا يشير بالضرورة إلى كائن تتقبله نظرية المجموعات بشكل يسمح لنا بإجراء الاستدلالات الواردة في المفارقة: إذا أردنا استخدام هذا الكائن فيجب إثبات أنه يمثل مجموعة وذلك باستخدام القواعد التي تحددها النظرية. وهذا غير ممكن من أجل:} E ={x ; X  x. وهكذا نجد في نظرية زرمولو / فرنكل (التي نرمز إليها بِZF) العرض السليم للاستدلال السابق، ألا وهو:

إذا كان  E  E. فمن التعريف يكون لدينا E  E، وإذا كان E  E، فمن التعريف أيضا يكون لديناE  E. هذا تناقض؛ ومن ثم لا توجد مجموعة معرّفة بالعلاقة} E = {x ; X  xx.

وبالمثل، لا توجد مجموعة تضم جميع المجموعات، ولا مجموعة جميع الرئيسيات (الأعداد الرئيسية)، ولا مجموعة جميع الأعداد الترتيبية. لقد نجح هذا الحل المعهود لمفارقات نظرية المجموعات، هذه المفارقات التي ظهرت في مطلع القرن العشرين، فلم تبرز حتى الآن مفارقة جديدة في النظرية ZF.

كَنتور يكتشف نتيجة مدهشة(*******)

كان بحث كَنتور الذي أخّر كرونكر نشره يتضمن نتيجة مدهشة، ومع أنها لا تشكل مفارقة إلا أنها طرحت حينذاك حالة غير مرضية منطقيا. وفي مسعاه المستمر لتصنيف اللانهايات، اكتشف كنتور باستغراب أن قَدّ مجموعة نقاط سطح (مربع، مثلا) يساوي قدّ مجموعة نقاط قطعة مستقيمة. فبأخذ قدود المجموعات اللانهائية في الاعتبار، نجد أن قدّي المستقيم والمستوي (وحتى الفضاءات من n بُعدا) متطابقان. وقد كتب كنتور إلى ديدكند بهذا الخصوص مسرّا: «إني أرى هذا، لكنني لا أصدقه.»

 

وتبنى كنتور موقف المغامر الذي تقبّل هذه الحقيقة الجديدة من دون الإعلان عن أنها مفارقة وذلك على الرغم من الإرباك الذي نتج منها. وبما أن استدلالات وحسابات كنتور، التي أجراها بعناية فائقة، لم تُظهر أية تناقضات فعلية، فلا بد أن تكون لنا الجرأة الكافية لتقبّل ما أفرزته مداركنا في مجال الاستدلالات، ومواصلة استكشاف هذا السبيل على الرغم من كل ما تحدثه هذه الحقيقة الجديدة للانهاية الفعلية من إرباك.

 

والواقع أن بعض التعارضات فيما أتى به كنتور في هذا الشأن جعلته يبدو غير مقبول تماما في مطلع القرن العشرين. ولم تمض بضع سنوات حتى أزيلت هذه التعارضات؛ وما بدا للبعض أنه فشل لنظرية اللانهاية الفعلية في الرياضيات اتضح في صيرورة الأمر أنه كان فرصة سانحة لهذه النظرية لتبني نفسها بناء مرصوصا لم تهتز قواعده حتى الآن.

 

فرضية المتصل(********)

لنعد إلى كنتور الذي طوّر، بوصفه مُنظرا أمينا، حسابا خاصا باللانهاية، فقد وسّع القواعد الحسابية المطبقة على الأعداد الطبيعية في قياس المنتهي(20)، لتطبق على الأعداد التي يستخدمها لقياس اللامنتهي(21). وكان عليه هنا التمييز ين نوعين من الأعداد اللامنتهية، وهما الأعداد الرئيسية (الرئيسيات)(22) والأعداد الترتيبية(23). وتمثل الرئيسيات قدود المجموعات عندما نعتبرها من دون مراعاة ترتيب عناصرها. وقد أدخل كَنتور عام 1893 الرمز oאللإشارة إلى رئيسي مجموعة الأعداد الطبيعية، وكذا الرمز 2 للإشارة إلى رئيسي(24) المتصل (أي مجموعة الأعداد الحقيقية) الذي لا فرق بينه وبين رئيسي المجموعة P(N) المكونة من المجموعات الجزئية لمجموعة الأعداد الطبيعية N. واستخدم الرمز oא2 2 للدلالة على رئيسي المجموعة P(P(N))،  إلخ…

 

أما النوع الآخر للأعداد اللامنتهية، أي الأعداد الترتيبية، التي تقيس قدّ المجموعات عندما تكون عناصرها مرتبة ترتيبا جيدا (أي ترتيب يجعل لكل مجموعة جزئية من المجموعة المفروضة عنصرا أصغريا). وبعد الأعداد الترتيبية المنتهية، التي نعتبرها تمثل الأعداد الطبيعية، هناك ω ، وهو أول عدد مُوغِلtransfini، ثم يأتي +1ω ويليه +2ω ، إلخ. ونحصل عليها جميعا بإضافة الوحدات الواحدة تلو الأخرى إلى ω. وبعيدا عن ذلك نجد ω2 ،  ثم +1ω2، … كما نجد ω1 ، ω2 ، إلخ…

 

في ذلك الوقت اكتشف كنتور مسألة عويصة لم نتمكن حتى الآن من حلها حلا كاملا: إنها فرضية المتصل.

إن رئيسي مجموعة الأعداد الحقيقية R (المسماة «المتصل») والتي تقاس ب2، أكبر تماما من رئيسي الأعداد الطبيعية (المسماة اللامنتهي القابل للعد والتي تُقاس كما أسلفنا، ب oא). لكن، هل هناك رئيسيات أخرى بينهما؟ تقول فرضية المتصل بأنه لا وجود لرئيسيات أخرى بين oא و א2. وبما أن كنتور رمز ب1א لأصغر الرئيسيات الأكبر من 0א ، فإن فرضية المتصل تنص ببساطة على أن oא=2. أما فرضية المتصل المعممة، فتنص على المساواة 1 +sא = sא2 من أجل كل S.

 

يمكن معالجة حالتين، إحداهما: ليس هناك قدود لانهائية بين قدّ N وقدّ R، وهي قضية تكافئ القول بأن «كل مجموعة لانهائية من R  يمكن أن نجد لها تقابلا مع N أو مع R.» وهذا النص بسيط ويبدو أنه سليم جدا. أما الحالة الأخرى فتنص على وجود قدود لانهائية بين N وR. وفي هذه الحالة ينبغي معرفة كيفية الحصول على هذه القدود وعلى عددها. ولا يمكن لأحد أن يدّعي أن لديه فكرة واضحة تماما حول الأعداد الحقيقية ما لم تتوافر لديه إجابة دقيقة عن مسألة فرضية المتصل. وقد بذل كنتور جهودا مضنية من أجل التوصل إلى حل هذه المسألة، لكنه لم يفلح في ذلك مع أنه اعتقد عدة مرات بأنه حقق مسعاه.

 

مفارقة المرجع الذاتي واللانهاية(*********)

نعرف جميعا مفارقة الكذّاب: إذا قال شخص «أنا كاذب». فإذا كان ما يقوله صحيحا، فهو يكذب، وعليه فإن ما يقوله غير صحيح؛ وهذا باطل. وإذا كان ما يقوله غير صحيح، فهو صادق، وعليه فإن ما يقوله صحيح؛ وهذا باطل أيضا. إننا نحل هذه المفارقة بالقول إنه لا يجوز استخدام جمل تكون مرجعا لذاتها. ولعل الأمر ليس بسيطا إلى هذا الحد لأنه تم حديثا اكتشاف أن إدخال اللانهاية يسمح بتفادي استخدام جمل تكون مرجعا لذاتها مع الحفاظ على حالة تكتنفها مفارقة:

هب أن عددا لانهائيا من الأشخاص اصطفوا الواحد وراء الآخر s(0), s(1), …, s(n),…

ثم يقول كل واحد منهم «هناك على الأقل شخص كاذب ورائي».

فمن هو صادق؟ من هو كاذب؟

حسب الفرض، نلاحظ أن:

• وراء كل صادق كاذب واحد على الأقل؛

• إذا كذب أحدهم، فكل من ورائه صادقون.

إذا رمزنا بِ M للأشخاص الكاذبين وبـ Hللأشخاص الصادقين، نستطيع عندئذ صياغة القاعدتين السابقتين على النحو التالي:

• وراء كل واحد من H هناك واحد من M على  الأقل،

• وراء كل واحد من M لا نجد سوى أشخاص من H.

إنه من غير الممكن وجود متتالية مكونة من H وM ومحققة هاتين القاعدتين (لأن كل واحد منM يجب أن يكون متبوعا بأشخاص من H لا غير، وهذا مستحيل إذ إن كل واحد من H يجب أن يكون متبوعا بواحد على الأقل من M). إنها مفارقة كمفارقة الكذاب. لكن السبب يرجع هنا إلى وجود عدد غير منته من الأشخاص. نقول عن هذه المفارقات إنها دلالية semantic وهي مازالت قيد البحث من قبل علماء المنطق، ويبدو أنهم لم يتوصلوا بعد إلى حل مقبول بشأنها.

 

عدم قابلية البت لا تحل المسألة(**********)

وبعد تلك المرحلة، مكنت نظرية المجموعات بصياغتها الجديدة المحكمة، من إثبات نتيجتين بالغتي الأهمية تتعلقان بفرضية المتصل. لقد برهن الرياضياتي النمساوي <K. گوديل>(25) عام 1938 على أنه لو كانت نظرية المجموعات المعهودة متسقة (أي لا تؤدي إلى تناقضات) فإن النظرية نفسها لا تؤدي إلى تناقضات إذا ما اكتملت بالمسلّمة القائلة بصحة فرضية المتصل. وهكذا فإن التسليم بفرضية المتصل لا يهدد بإسقاط النظرية المعهودة للمجموعات. وذهب <P. كوهين>، عام 1963، إلى أبعد من ذلك حيث أثبت أنه إذا كانت نظرية المجموعات متسقة، فإن إكمالها بالمسلمة القائلة بخطأ فرضية المتصل لا يؤدي إلى أي تناقض.

 

إن هاتين النتيجتين مجتمعتين تؤكدان على أن من يُسلِّم بنظرية المجموعات المعهودة يستطيع إضافة المسلّمة القائلة بصحة أو خطأ فرضية المتصل من دون أن يتناقض ذلك مع هذه النظرية؛ فهي تترك الحرية للرياضياتيين في اعتبار فرضية المتصل قضية صحيحة أو خاطئة.

 

إن اعتبار فرضية المتصل غير قابلة للبت indecidable ليس مفارقة: ذلك أن النظرية لا تناقض نفسها، فهي لا تقول شيئا في هذا الصدد. وعلى كل حال فإن عدم البت هذا غير مُرضٍ من الناحية المنطقية وجد مقلق.

 

لتوضيح ذلك ندخل في اعتبارنا عالم الأعداد الطبيعية N: إنه ليس كيفيا، فلسنا نحن الذين قررنا أن هذا العدد أو ذاك هو عدد زوجي أو فردي أو أولي أو مركب، إلخ. ومن ثم يحق لنا التساؤل: لماذا إذا يجب أن يكون عالم الأعداد الحقيقية R كيفيا يسمح لنا تبعا لأذواقنا كي نقرر وجود (أو عدم وجود) أجزاء لانهائية من R لا يمكن أن نجد لها تقابلا مع N أو R؟

وكما فكّر كنتور نفسه، وكذا گوديل، فإن فرضية المتصل يجب أن تكون صحيحة أو خاطئة، ولا بد لنظرية المجموعات أن تسمح لنا بمعرفة ذلك، اللهم إلا إذا كانت هذه النظرية وهما؛ وهذا يعني أن الفهم الذي تزودنا به بخصوص اللانهاية الفعلية لا يعدو أن يكون سرابا. إن الوضع الذي فرضته أعمال گوديل وكوهين حول فرضية المتصل، غير مرضٍ منطقيا؛ إلا أن هذا الوضع يمس نظرية اللانهاية الفعلية كلها المقترحة من قبل كنتور؛ ومن ثم مازالت فكرة وضع نظرية للانهاية الفعلية تطرح نفسها.

 

مسلمة تُعرِّف عددا رئيسيا عظيما(***********)

نقول عن تطبيق F للمجموعة A في المجموعة B إنه غامر subjective إذا كان لكل عنصر β من المجموعة Bيوجد عنصر α من المجموعة A بحيث F(α) = β.

http://oloommagazine.com/images/Articles/18/SCI2002b18N7-8_H03_002450.jpg

إذا وجد تطبيق غامر للمجموعة A في المجموعة B، نقول إن A أكبر من B؛ وإذا لم يوجد تطبيق غامر منB في A نقول إن A أكبر تماما من B (كما في الشكل  أعلاه).

لقد برهن كنتور على أن المجموعة P(A) المؤلفة من المجموعات الجزئية للمجموعة A هي دائما أكبر تماما من المجموعة A؛ وينتج من ذلك وجود عدد غير منته من المجموعات المتزايدة الكبر: مجموعة الأعداد الطبيعية N ثم P(N) ثم P(P(N)) ، … وأنه لا توجد مجموعة تحوي جميع المجموعات.

http://oloommagazine.com/images/Articles/18/SCI2002b18N7-8_H03_002451.jpg

لنقدم مثالا لمسلمة خاصة بالأعداد الرئيسية العظيمة: توجد مجموعة غير قابلة للعد(26) A بحيث إذا كانت A أكبر تماما من B، فإن A  أيضا أكبر تماما من المجموعة P(B) (مجموعة المجموعات الجزئية للمجموعة B) وأكبر تماما من المجموعة P(P(B)) (مجموعة المجموعات الجزئية للمجموعة (P(B))… إلخ، وبصفة أعم فإن A أكبر من أي مجموعة يتم تعريفها انطلاقا من المجموعة B. إن العدد الرئيسي للمجموعة A هو رئيسي عظيم. ومع ذلك فغالبية هذه المسلّمات تعبر عن حالات غير قابلة للبت حسب گوديل: لا يمكننا من خلال المسلمات المعهودة لنظرية المجموعات إثبات صحتها أو خطئها. لذا يجب التسليم بها كما هي من دون أمل في التمكن من البرهان عليها اعتمادا على مسلمات نظرية المجموعات. ومع ذلك فهي تمثل حالات مفيدة.

 

سبل أخرى للتعمق في الموضوع(************)

إننا ندرك أن عدم البت في فرضية المتصل لا تسوّي قضية اللانهاية بل تزيدها تعقيدا: إذا كانت نظرية المجموعات توفر حقا إمكانية إدراك اللانهاية الفعلية ولا تمثل لعبة فكرية عفوية بين رموز رياضياتية من دون مقابل في العالم الحقيقي، فإنه يمكننا أن نتقدم أكثر.

 

هناك سبيل أول يمكننا اتباعه، وهو إعادة النظر في نظرية المجموعات المعهودة. نشير عادة إلى هذه النظرية بZF (تكريما للرياضياتيين <E.زرمولو> و<A. فرنكل> اللذين أدخلا في مطلع القرن العشرين هذه النظرية). إنها نظرية تبدو غير مرضية لعدة أسباب، لا سيما أنها تولّد حالات منافية لحدسنا بخصوص وجود كائنات رياضياتية لا يمكننا إنشاؤها (انظر الإطار في الصفحة 26). وقد ظهر العديد من النظريات الأخرى ـ مثل نظرية الأنماط والنظرية الإنشائية للمجموعات ونظرية المجموعات مع مجموعة شاملة(27)، إلخ ـ لكنها لم تحظ بعناية الرياضياتيين الذين ظلوا ميالين إلى بساطة نظرية زرمولو-فرنكل؛ ويبدو أنهم لم يجدوا أن الوضع الذي أحدثته فرضية المتصل جدّ حرج. والواقع أن هذه النظريات المتعاقبة تجبرنا على إعادة تقييم كل العمل الرياضياتي الذي تم إنجازه في الوقت الذي لم تظهر فيه أية تناقضات حقيقية. وكل ما يدفع البعض إلى التخلي عن نظرية زرمولو-فرنكل هو مجرد عدم رضا فلسفي.

 

ويتمثل السبيل الثاني في تقبل نظرية زرمولو-فرنكل، أي اعتبار أنها لا تنص إلا على قضايا مقبولة بالنسبة إلى المجموعات، لكنها غير كاملة. وفي هذه الحالة، قد تكون هناك حاجة إلى مسلمات أخرى يتعين على علماء المنطق والرياضيات أن يعملوا على إيجادها لإضافتها إلى المسلّمات المعروفة. وعند العثور على تلك المسلّمات (أو على بعضها) سيكون بالإمكان البرهان على فرضية المتصل أو نفيها.

 

والملاحظ أن السبيل الثاني ليس عبثا، والتأكيد على عدم التمام الحالي لنظرية المجموعات ليس سوى الأخذ مأخذ الجد النظريات العامة المتعلقة بعدم التمام التي برهن عليها گوديل عام 1931 والتي يمثل فيها عدم البت في فرضية المتصل مجرد ظاهرة في نظرية المجموعات. وهكذا فإن هذا السبيل سيؤدي إلى برنامج بحث عن مسلّمات جديدة من أجل إضافتها إلى مسلمات نظرية المجموعات، وهو برنامج دافع عنه گوديل نفسه.

 

الرئيسيات العظيمة(*************)

تشكل الأعمال التي تنجز في مجال المنطق الرياضياتي حول ما يسمى الأعداد الرئيسيات (أو الرئيسية) العظيمة حقل بحث يحتمل أن يتمخض عنه حل لغز فرضية المتصل (هل يمكن، في جميع الأحوال، إيجاد تقابل بين جزء لانهائي من R وبين R أو N؟)

تنص مسلّمات الرئيسيات العظيمة على قضايا تتعلق بالمجموعات الكبيرة كبرا منقطع النظير. إنها مسلمات تعريفها دقيق، فهي تنطلق من مبادئ نظيرة للمبدأ الذي ينص على أن N، P(N)، P(P(N))،… ليست لانهايات فعلية شرعية فحسب، بل إنه يوجد ما هو أكبر منها أيضا، بعضها يحوي N…,(N))، P(N)، P(P في آن واحد.

 

إن حال مسلمات الرئيسيات العظيمة بالنسبة إلى نظرية زرمولو-فرنكل كحال فرضية المتصل: يمكننا أن نختار ضمها إلى نظرية المجموعات (أو ضم نفيها) من دون أن نخشى إدخال تناقضات في النظرية (في واقع الأمر، إن إضافتها قد تُحدث، من الناحية النظرية، تناقضا، لكن هذا لم يُثبت عمليا). ومع ذلك، وخلافا لحالة فرضية المتصل، من الطبيعي اعتبار تلك المسلمات صحيحة. ذلك أن تبني نفيها يعني أننا نحد من قدّ المجموعات الممكنة، وهذا أمر غير طبيعي. فضلا عن ذلك، فإن نفيها يؤدي إلى تناقض مع «مبدأ انفتاح وتسامح»(28) الذي ينص على تقبل جميع الكائنات التي لا تُحدث عدم تساوق(29). ويقال في هذا الصدد إن مسلمات الرئيسيات العظيمة صحيحة قبليا a priori. وهناك سبب آخر يدعونا إلى قبول مسلمات الرئيسيات العظيمة: تتميز هذه المسلمات بخاصية أدهشت الرياضياتيين، فهي مصنفة بشكل خطي متناسب بعضها لبعض كما لو كانت تشير فعلا إلى تراتبية للانهايات (تلي تلك التي سلط عليها كنتور الضوء، وتكملها). فلو كانت هذه المسلمات مجرد لعبة شكلية لا موجب لها لعلماء المنطق، لما فهمنا كيف جاء ترتيبها على هذا النحو بعضها بالنسبة إلى بعضها الآخر. وبهذا الشأن يرى عالما المنطق <K. كاناموري> و<M. ماجيدور> أن «هذا المظهر التراتبي لنظرية الرئيسيات العظيمة يبعث على الاستغراب، لكنه يشكل في الوقت ذاته مبررا قويا يؤيد تبني مسلمات هذه الرئيسيات، لا سيما أنها توفر الامتدادات الطبيعية لنظرية زرمولو-فرنكل.»

 

إن إمكانية وجود روابط بين مسلّمات الرئيسيات العظيمة وفرضية المتصل إمكانية حقيقية؛ وقد تم التوصل في هذا الموضوع إلى نتائج جزئية: هناك مجموعات جزئية لانهائية من R لم نكن قادرين، وفق نظرية زرمولو-فرنكل، على إثبات وجود تقابل بينها وبين N أو R، لكن يمكن الآن القيام بذلك بفضل  مسلّمات الرئيسيات العظيمة.

 

وهكذا يبدو أن النظرية التي وضعها كنتور قادرة على الصمود؛ والأكثر من ذلك، أنها قادرة على المضي قدما بإضافة مسلّمات طبيعية جديدة. فاللانهاية الفعلية لا هي مفارقة ولا هي غير مقبولة منطقيا (كما كانت حال فرضية المتصل التي أُثيرت حولها شكوك كثيرة خلال فترة جراء عدم إمكانية البت فيها)، بل على العكس من ذلك فهي متساوقة ومُرجحة. وكما في الفيزياء، كان لا بد من مراجعة مفهومنا للزمن والفضاء في ضوء مستجدات نظرية النسبية. (التي لم تكن قط مفارقة على الرغم مما تبدو عليه أول الأمر)؛ وكذلك الشأن في الرياضيات، إذ يحتم علينا مفهوم اللانهاية الفعلية إعادة بناء فكرتنا عن الأشياء والأغراض وإعادة النظر في مفهومنا للواقع الرياضياتي. ولا يمكن لمفارقة أن تعترض سبيل أولئك الذين يتقبلون هذا الإصلاح العميق للمفاهيم. بل يمكن أيضا التفكير بأن الحالات غير المرضية منطقيا التي مازال يُعتقد أنها تواجهنا، ستتبدد كلما ازداد عقلنا تقبلا لعالم المفاهيم الجديد الذي ترشحه رياضيات اللانهاية الفعلية التي ما فتئ الرياضياتيون يدققونها ويستكملونها.

 

 المؤلف

Jean-Paul Delahaye

أستاذ المعلوماتية النظرية في جامعة ليل (فرنسا).

 

مراجع للاستزادة 

A. KANAMORI, The Higher Infinite, Springer-Verlag,1994.

J. W. DAUBEN, Georg Cantor: His Mathematics and Philosophy of the Infinite, Harvard University Press, 1979.

J.-L. ICRIVINE, Theorie des ensembles, Cassini, Paris, 1998.

Bernard BOLZANO, Les paradoxes de 1’infini, introduction, traduction de 1’allemand et notes par Hourya Sinaceur, Seui1,1993.

Jean-Paul DELAHAYE, Jeux mathematiques et mathematiques des jeux, chapitre 7 : Des jeux infinis aux grands ensembles, Behn/Pour la science, 1998.

Infini des mathematieiens, infini des philosophes, ouvrage collectif sous la direction de F. Monnoyeur, Belin,1992.

(*) L’infini est-il paradoxal en mathématiques?

مترجمة عن المجلة: Pour la Science وهي الطبعة الفرنسية لمجلة Scientific American.

(**) Le Paradoxe de L’Hotel de Hilbert

(***) L’impensable infini actuel

(****) L’Hypothése du continu et la notation des Aleph

(*****) La solution actuelle du paradoxe de la réflexivité

(******) Paradoxe de Russell

(*******) Cantor découvre un résultat étonnant

(********) L’hypothése du continu

(*********) Paradoxe de L’Autoréférence et de L’infini

(**********) L’indécidabilité ne résout rien

(***********) Un Axiome Définissant un Grand Cardinal

(************) Voies pour aller plus loin

(*************) Les grands cardinaux

 

(1) Continuum hypothesis = L’hypothèse du continu

(2) L’infini actuel: اللانهاية الفعلية.

(3) ج: لانهائي infinite = infini.

(4) Les Paradoxes de la Réflexivité

http://oloommagazine.com/images/Articles/18/SCI2002b18N7-8_H03_002452.jpg

(6) infinite sets

(7) lصinfini actuel

(8) قدّ size = taille ويقال حجم.

(9) potential infinity

(10) correspondence تقابل، ويقال «علاقة تقابلية» أو «مقابلة».

(11) poper subset: مجموعة جزئية من المجموعة المفروضة فيما عدا المجموعة ذاتها والمجموعة الخالية Ø ؟.  (التحرير)

(12) infinite sets

(13) (Leibniz, opera amnia studio Ludov. Dutens, tome II,partie X)

(14) infinitesimal ويقال: لانهائي في الصغر، أو متناهٍ في الصغر.

(15) size = taille 

(16) أو كاردينال

(17) algebra of bijections

(18) ج: قدّ size

(19) diagonal reasoning = raisonnement diagonal

(20) theorem

(21) hierarchy

(22) أدى الحال بكنتور، جراء عدم تفهم زملائه الألمان لنظريته وأفكاره الجديدة، إلى اختلال عقله؛ وفي مستشفى للأمراض العقلية قضى نحبه قبل أن يرى ثمرة جهده. ومن المعروف أن كرونكر هو الذي وقف بشدة في وجه كنتور وقاد الحملة ضده.

أو فرضية التلاحم.

(23) finite

(24) infinite

(25) الرئيسيات (ج: رئيسي cardinal).

(26) ordinal numbers (التحرير)

(27) أي العدد الرئيسي the cardinal

(28) [انظر: «گوديل وحدود المنطق»، مجلة العلوم، العدد 10(2001)، ص 40].

(29) nondénombrable

(30) universal set

(31) un principe d’ouverture et de tolérance

(32) incoherence

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى