أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
الطاقة المتجددة

التفكير مجددا في إعادة

التفكير مجددا في إعادة

تدوير الوقود النووي(*)

يجري العمل على قدم وساق في الولايات المتحدة الأمريكية

لوضع خطط تعيد استخدام وقود المفاعلات المُستنفد؛ لكنَّ مزايا

هذا النهج متواضعة وتكاد تختفي مقارنة بمخاطره.

<N.F. فون هيپل>

 

 

مفاهيم مفتاحية

  يحتوي الوقود النووي المستنفد على الپلوتونيوم الذي يمكن استخلاصه وإعادة استخدامه في وقود جديد.

  لإنقاص كمية النفايات المشعة ذات عمر النصف الطويل، اقترحت وزارة الطاقة في الولايات المتحدة الأمريكية إعادة معالجة الوقود المستنفد بتلك الطريقة و«حرق» الپلوتونيوم في مفاعلات خاصة.

  إن إعادة المعالجة مكلفة جدا. فالوقود المستنفد يصدر إشعاعات قاتلة، في حين يمكن التعامل مع الپلوتونيوم المفصول بسهولة. لذلك فإن عملية إعادة المعالجة تفسح المجال لإمكانية سرقة الپلوتونيوم من قبل الإرهابيين لتصنيع قنبلة ذرية.

  يعترض المؤلف على عملية إعادة المعالجة هذه، ويؤيد الاستعاضة عنها بتخزين النفايات في مستوعبات إلى حين تجهيز مَوْدع(1) تحت الأرض.

محررو ساينتفيك أمريكان

 

 

مع مرور عشرات السنين على تشييد آخر مفاعل طاقة نووي في الولايات المتحدة الأمريكية، ثمة الآن نهضة نوويّة وتوجه محموم عالميا لامتلاك الطاقة النووية. ومن المبرّرات والحوافز التي شجَّعت على ذلك: الارتفاع المتزايد باستمرار لأسعار الغاز والنفط، إضافة إلى الاعتراض الشعبي المتزايد على انبعاث غازات الاحتباس الحراري greenhouse الناجمة عن احتراق الوقود الأحفوري fossil fuel. كما قدّمت الحكومة الفدرالية للصناعة النوويّة دعما ماليا بقيمة 8 بلايين دولار أمريكي كإعانات وتأمينات نتيجة التأخر الحاصل في  منح  تراخيص لمحطات طاقة نووية جديدة (إثر صدور قوانين جديدة كان هدفها تسهيل إجراءات التراخيص هذه) و 18.5 بليون دولار أمريكي كضمانات قروض. فماذا يمكن  للصناعة النوويّة المتأزمة أن تطلب أكثر من ذلك؟

 

إنه شيء واحد: مكان تَنْقُلُ إليه وقود مفاعلاتها المستنفد used reactor fuel. فمن المؤكد أن ندرة توفر مكان للتخلص من النفايات المشعّة تبقى كسحابة سوداء تخيم على مجمل الصناعة النووية. لقد تأخر افتتاح المشروع الفدرالي لمودع(1) النفايات في جبل يوكا Yucca Mountain (المرتقب افتتاحه في عام 2017على أقرب تقدير) عقدين من الزمن، ولم يعد هناك متسع في  أحواض تبريدcooling pools الوقود المستنفد الموجودة في محطّات الطاقة النوويّة  المنتشرة  على مساحة الوطن.

 

لذا باشرت معظم المرافق النوويّة تخزين الوقود المُستنفد الأقدم على أرض جافة ضمن مستوعبات(2) casks ضخمة، يحوي عادةً كل واحد منها 10 أطنان من النفايات. والمفاعل النووي الذي تبلغ استطاعته 1000 ميگاواط يطرح وقودا كل سنة يكفي لملء اثنين من هذه المستوعبات وبتكلفة  تقارب المليون دولار أمريكي لكل مستوعب. وليس هذا هو كلّ ما تقوم به الصناعة النوويّة. فقد قامت المرافق النووية في الولايات المتحدة الأمريكية بمقاضاة الحكومة الفدرالية على أساس أن هذه الصناعة لم تكن لتتكبَّد هذه النفقات لو أن وزارة الطاقة الأمريكية (DOE) افتتحت مودع جبل يوكا للنفايات في عام 1998 كما  كان مخططا. لذلك تدفع الحكومة تكاليف المستوعبات والبنية التّحتيّة والإجراءات  ذات الصلة وتصل قيمة الفاتورة لما يقارب 300 مليون دولار أمريكي سنويا.

 

وبعد أن رضخت وزارة الطاقة للضغوط ببدء نقل الوقود المستنفد من مواقع خزنه، عادت لتبنّي فكرة كانت قد تخلَّت عنها في السبعينات من القرن الماضي ألا وهي إعادة معالجة reprocess الوقود المستنفد كيميائيا، ثم فصل  العناصر  المختلفة بهدف إعادة استخدام بعضها. ففي فرنسا والمملكة المتحدة تَعملُ محطّات ضخمة على إعادة المعالجة منذ أكثر من عقد من الزمن. وفي عام 2006بدأت اليابان باستثمار منشآتها النوويّة المقدَّر قيمتها بنحو 20 بليون دولار  أمريكي. إذن لم يأتِ تبنّي هذه الاستراتيجيّة من فراغ. لكن كما سأناقش لاحقا فإن عملية إعادة المعالجة هي طريق محفوفة بالمخاطر وباهظة التكاليف.

 

العنصر من جحيم(**)

 

لا يتطلّبُ إدراك الأسباب التي دعتني إلى التمسك برفض إعادة المعالجة سوى معرفة أوليّة بدورة الوقود النووي nuclear fuel cycle وامتلاك القليل من الحس العام. فمفاعلات الطاقة تُوَلِّدُ الحرارة ـ التي تُنتج  البخار الذي يقوم بتدوير عنفات توليد الكهرباء ـ نتيجة المحافظة على استمرارية التفاعل النووي التسلسلي nuclear chain reaction الذي يقسم (أو «يشطر») fissions الذرّات. وغالبا ما يكون الوقود المستخدم في المفاعلات هو اليورانيوم  الذي يتمُّ تخصيبه صنعيا artificially enriched، بحيث تصبح فيه نسبة نظير اليورانيوم 235 المسبب للتفاعل التسلسلي بحدود 4 إلى 5 في المئة والباقي عمليا هو اليورانيوم 238. وعندما تكون نسبة تخصيب وقود المفاعل حوالي 5 في المئة فقط،  فإنه لا يمكن  في حال سرقتهِ استخدامه في صنع قنبلة ذَرِّية بطريقة غير شرعية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2008/12/00027.jpg

تستضيف La Hague على شاطئ النورماندي في فرنسا، مجمعا ضخما لمعالجة الوقود المستنفد الوارد من محطّات الطاقة النوويّة، حيث يستخلص منه الپلوتونيوم لاستخدامه في تصنيع وقود جديد. وقد اقترحت وزارة الطاقة الأمريكية مؤخرا بناء مرفق facility مماثل.

 

في المفاعل، تَمتص بعض ذرَّات اليورانيوم 238 النيترونات فتتحول إلى الپلوتونيوم 239 الذي يمكنه، من حيث المبدأ، القيام  بتفاعل تسلسلي فيما لو «حُرقَ»  burned جزئيا، بعد أن يتم استخلاصه وتحضيره  جيدا. ولكن هذهِ المنهجية لا تخلو من المساوئ، ويعود أحدها إلى أن تكاليف  الاستخلاص والمعالجة تفوق بكثير تكلفة وقود جديد. ويُرَدّ آخر إلى أن إعادة تدوير الپلوتونيوم لا تُسهم في الحدِّ من مشكلة النفايات إلاَّ بقدرٍ ضئيلٍ جدا. وأهم ما في الأمر هو إمكان استخدام الپلوتونيوم المفصول بكل سهولة في صنع قنابل ذريّة إن وقع في أيادٍ سيّئة. لهذا يجب بذل المزيد من الجهود لحمايته إلى أن يصبح من جديد جزءا من الوقود المستنفد.

 

 

نهضة نووية؟

بعد عقود من عدم الاهتمام بها، يُدفع بالطاقة النووية للعودة بقوة نتيجة:

* الارتفاع المتزايد لتكاليف الوقود الأحفوري.

* عدم انبعاث مخلفات كربونية من المفاعلات النووية.

* الإعانات الحكومية السخية.

 

وتتوضح هذهِ المساوئ بشكلٍ جلي عند التَّمعُّن عن كثب في خبرات الدول التي باشرت برامجَ إعادة المعالجة. ففي فرنسا (صاحبة الريادة على المستوى العالمي في تقانة إعادة المعالجة) يُمزَجُ الپلوتونيوم المفصول (والمترابط كيميائيا مع الأكسجين لتشكيل أكسيد الپلوتونيوم) مع اليورانيوم 238 (وهو أيضا على شكل أكسيد) لتشكيل وقود «مزيج أكسيد» Mixed Oxide Fuel يسمى موكس MOX. وبعد استخدامه في توليد مزيد من القدرة، يتبقى في الوقودMOX المستنفد نحو 70 في المئة من الپلوتونيوم، أي نحو المقدار نفسه الذي كان  يحويه عندَ تصنيعه. لكن نشوء نواتج الانشطار الأخرى ذات النشاطية الإشعاعية العالية التي تشكّلت داخل المفاعل يجعلُ من المتعذر الاقتراب من الپلوتونيوم هذا وتصنيع قنبلة منه. لذلك يُعاد الوقود MOX. إلى محطة إعادة المعالجة ليُخزن هناك فترة زمنية ممتدة. وهكذا، تقوم فرنسا فعليا، من خلال إعادة المعالجة، بنقل مشكلتها مع الوقود المستنفد المنقول من مواقع المفاعلات إلى محطة إعادة المعالجة.

 

وتحذو اليابان حذو فرنسا، في حين تقوم المملكة المتحدة وروسيا ببساطة بخزن الپلوتونيوم المستخلص من محطات الطاقة النووية المدنية civiliannuclear power plants والذي بلغت كميته في البلدين حوالي 120 طنا مع نهاية عام 2005، وهو ما يكفي لصنع000 15  قنبلة ذرّية.

 

 

[أزمة متصاعدة]

كثير من النفايات، قليل من أمكنة التخزين(***)

الوقود المستنفد المتراكم من جميع مفاعلات الطاقة النووية الأمريكية

(1000 طن متري من اليورانيوم ونواتج المفاعل  المرافقة)

http://oloommagazine.com/images/Articles/2008/12/000012.jpg

 

خلال العقود القادمة، ستزداد كمية الوقود المستنفد بشكل كبير، حتى وإن لم يتم بناء مفاعلات جديدة. والمشرفون على العمل في محطات الطاقة النووية يُجبرون على نقل الوقود المستنفد الأقدم الموجود في أحواض التبريد لديهم إلى المستوعبات الجافة القريبة. وليس من المستغرب الضغط الذي تمارسه هذه الصناعة على حكومة الولايات المتحدة الأمريكية للمساعدة على إيجاد حل لهذه المشكلة.

 

وحتّى وقتٍ قريب، كَسِبتْ فرنسا وروسيا والمملكة المتحدة مبالغ مالية طائلة بفضل إعادة معالجة الوقود المستنفد لدول أخرى، مثل اليابان وألمانيا، حيث طالب فيها نشطاء محليون معادون للطاقة النووية antinuclear حكومات بلدانهم تبيان ما لديها من حلول للتعامل مع الوقود  المستنفد، وإلاَّ فعليها أن تُغلق مفاعلاتها. وقد وجدت سُلطات هذه الدول أن إرسال الوقود المستنفد إلى الخارج لإعادة معالجته يشكِّلُ مخرجا ملائما، وإن كان مكلفا، لحل مشكلة النفايات النوويّة لديها ولو بشكل مؤقت على الأقل.

 

 

نقطة حرجة

إن كمية الوقود المستنفد المتراكمة حتى الآن من الصناعة النووية في الولايات المتحدة الأمريكية (نحو000 58 طن) تساوي تقريبا  السعةَ الممكنة لأحواض التبريد المستخدمة لحفظ مثل هذه المواد في مواقع المفاعلات. وخلال نصف قرن سوف تتضاعف تقريبا هذه الكمية.

 

لقد تمكنت فرنسا وإنكلترا نتيجة إبرام مثل هذه العقود من تمويل محطّات جديدة متخصِّصة بعملية إعادة المعالجة. ولكن تلك الاتفاقيات قد حدَّدتْ بكل وضوح أنَّ الپلوتونيوم المفصول وأي نفايات عالية النشاط الإشعاعي سَتُعاد لاحقا إلى بلد المنشأ. كما تبنَّت روسيا مؤخرا سياسة مماثلة. وبهذا َلزِم على الحكومات التي ترسل الوقود المستنفد إلى الخارج تأمين مواقع لتخزين النفايات المشعة المُرتَجَعة. وتَطلَّب إدراك هذا الواقع وقتا من الزمن ريثما اقتنعت في نهاية المطاف أغلب الدول التي تستعين بخدمات الخارج لإعادة المعالجة بأن تقوم بتخزين وقودها المستنفد، ومن ثم توفير أجور إعادة المعالجة التي تبلغ حوالي مليون دولار أمريكي للطن الواحد (عشرة أضعاف تكلفة المستوعبات الجافة).

 

وهكذا فإن فرنسا وروسيا والمملكة المتحدة فقدت تقريبا جميع زبائنها الأجانب. كما حدا ذلك بالمملكة المتحدة أن تُخطط لإغلاق محطات إعادة معالجة الوقود لديها في غضون السنوات القليلة المقبلة، حيث تأتي هذه الخطوة متزامِنةً مع تخصيص 92 بليون دولار أمريكي لإزالة التلوث من مواقع  هذه المرافق وتنظيفها. وفي عام 2000 اتَّخذت فرنسا خيارا استراتيجيا بإنهاء  عملية إعادة المعالجة عام 2010 وخَلُصتْ إلى أن من شأن ذلك الخيار تخفيض تكلفة  الكهرباء ذات المصدر النووي. وقد يؤدي تطبيق خيار التحوّل هذا إلى نشوب جدل ومناقشات حادة حول النفايات النووية، وهو آخرُ ما ترغب فيه المؤسسة النوويّة الفرنسية في بلدٍ لم يشهد نسبيا سوى قدرٍ ضئيل من نشطاء معاداة الطاقة النوويّة.

 

أما اليابان فهي مُجْبرة بحكم سياستها النوويّة على الاستمرار في تبنّي خيار إعادة المعالجة؛ إذ لم تتمكَّن صناعَتُها النوويّة من الحصول على ترخيص يسمح لها بتوسيع أي موقع تخزين لديها وتطويره كما حدث في الولايات المتحدة. وتمتلك روسيا اليوم محطة إعادة معالجة وحيدة تستطيع معالجة 15 في المئة فقط من وقود مفاعلاتها النوويّة المستنفد؛ حيث كان لدى السوفييت النية لتوسيع قدراتهم في صناعة إعادة المعالجة، لكنَّ انهيار اقتصادهم في الثمانينات جعلهم يتوقفون عن ذلك.

وخلال الحرب الباردة، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتشغيل محطّات إعادة المعالجة في ولايتي واشنطن وكارولينا الجنوبية بهدف استعادة الپلوتونيوم لاستخدامه في الأسلحة النوويّة. وقد أُعلن أن أكثر من نصف كمية الپلوتونيوم الذي تم فصله حينذاك والبالغ حوالي 100 طن هو فائضٌ عن  الاحتياجات الوطنية. وتتوقع وزارة الطاقة الأمريكية أن تزيد تكلفة التخلص منه على 15 بليون دولار أمريكي. والأشخاص الذين عملوا في المواقع التي كانت تُجرى  فيها عمليات إعادة المعالجة بشكل رئيسي، منشغلون الآن بإزالة الفوضى والتلوث الناجمين عن هذه العمليات التي يُتوقع أن تصل تكلفتها إلى نحو 100 بليون دولار  أمريكي.

 

إضافة إلى المحطات التي عملت لأغراض عسكرية، شُغِّلت محطة تجاريّة صغيرة لإعادة المعالجة في ريف نيويورك بين عامي 1966 و 1972. وقامت هذه المحطة بفصل 1.5 طن من الپلوتونيوم قبل أن يُعلنَ عن إفلاسها وتصبح  مؤسسة قطاع مشترك بين الولاية والحكومة الفدرالية لعمليات إزالة التلوث،  ويُتوقع أن يُرصد لها حوالي 5 بلايين دولار أمريكي من أموال دافعي الضرائب.

 

[أساسيات]

خيارات معالجة الوقود(****)

لدى الصناعة النووية القليل من خيارات إدارة وقود المفاعلات المستنفد. يمكنها ببساطة تخزين النفايات بعد استخدام الوقود لمرة واحدة، وهو ما تفعله الولايات المتحدة الأمريكية حاليا (في الوسط). ويمكنها إعادة معالجة الوقود المستنفد وفصل المكونات التي يمكن إعادة استخدامها.  وفي فرنسا، يهيأ الپلوتونيوم (Pu) ليستخدم مرة إضافية في المفاعل (في اليسار). وثمة فكرة أخرى تلقى التشجيع من وزارة الطاقة، وهي تعتمد على إعادة تدوير الپلوتونيوم وغيره من العناصر الأثقل من اليورانيوم (U) بشكل متكرر في نوع جديد من المفاعلات (في اليمين). وتبدو عملية إعادة استخدام الوقود المستنفد جذابة للوهلة الأولى، لأنها تؤدي إلى تقليص كمية النفايات التي تحتاج إلى فترة تخرين غير محددة. وهنا ينبه المؤلف (المؤطر في اليمين أدناه) إلى أن لهذا النهج سلبيات خطيرة.

http://oloommagazine.com/images/Articles/2008/12/scan00430.jpg

 

وبعد كل هذا، يَحقُّ للمرء أن يسأل لماذا سُعي وراء عملية إعادة المعالجة أساسا، على الرغم من جميع هذه المشكلات المترتبة عليها؟ جزء من الإجابة عن هذا السؤال هو أن هيئة الطاقة الذريّة (AEC) قامت بالترويج لعملية إعادة المعالجة على المستويين المحلي والخارجي بعد مُضي سِنين على إنشاء مفاعلات الطاقة النوويّة للأغراض المدنية للمرة الأولى، واعتبرتها حينذاك أمرا حيويا لمستقبل الطاقة النوويّة، لأن الصناعة النوويّة حينها كانت قلقة من نفاد اليورانيوم (قلق خفَّت حدته منذ ذلك الحين).

 

مزايا وعيوب

نظريا، إن إعادة معالجة الوقود المستنفد وإعادة تدويره تقلل الحاجةَ إلى كميات اليورانيوم التي يتم استخراجها من المناجم، كما تترك كمية أكبر من النفايات على شكل مواد ناشطة إشعاعيا عدة قرون فقط بدلا من عدة آلاف من السنين.

ولكن من الناحية العملية، ينطوي هذا النهج على الكثير من المشكلات؛ فهو يكلف باهظا ويقلل من مشكلة النفايات بصورة هامشية فقط (ما لم تؤسس بنية تحتية معقدة ومكلفة جدا لإعادة التدوير) ويزيد من مخاطر استخدام الپلوتونيوم الموجود في الوقود المستنفد لصنع الأسلحة النووية.

 

كان ذلك قبل أن تَنْتَقِلََ المخاوف والمخاطر الأمنية الناجمة عن إنتاج الپلوتونيوم من مجرد أفكار نظرية إلى حقيقة واقعة. ففي عام 1974، قامت الهند ـ وهي إحدى الدول التي ساعدتها الولايات المتحدة الأمريكية على اكتساب قُدُرات إعادة المعالجة ـ باستخدام أول كمية من الپلوتونيوم الذي استخلصته لإنتاج سلاح نووي. وكان الراحل <B.T. تايلور> [وهو أحد مصممي الأسلحة النوويّة في الولايات المتحدة الأمريكية] أول من دق ناقوس الخطر حينذاك حول احتمال أن يتمكّن الإرهابيون كل عام من سرقة كميات كافية من هذه المادة لصنع قنبلة ذرية أو أكثر من خلال مشاريع فصل آلاف الأطنان من الپلوتونيوم وإعادة تدويرها.

 

ويَسْهُلُ التعامل مع الپلوتونيوم المفصول كونهُ ذا نشاط إشعاعي ضعيف، في حين يكون الپلوتونيوم الموجود في الوقود المستنفد ممتزجا مع منتجات الانشطار المُصْدِرَة لأشعة گاما القاتلة. لكن بسبب نشاطه الإشعاعي المرتفع يتعذّر نقل الوقود المستنفد إلاَّ ضمن مستوعبات يزنُ كل واحد منها عشرات الأطنان، كما لا يمكن استعادة الپلوتونيوم الذي بداخله إلاّ بصعوبة بالغة، حيث تُستخدمُ عادةً لهذهِ الغاية أجهزة معقدة يتمُّ التحكم فيها من خلف درعshielding ثخين. ولذا فإن الپلوتونيوم غير المفصول والموجود في الوقود  المستنفد لا يُشكِّلُ إلا خطرا ضئيلا في حال وقوعه في أيادٍ سيئة.

 

[خطر عظيم]

دمار شامل للبشرية؟(*****)

 إن أهم ما يقلق عند إعادة معالجة الوقود النووي المستنفد، هو إيجاد مخازن للپلوتونيوم، وهذا قد يمكِّن الدول المارقة عن الشرعية الدولية والمجموعات الإرهابية من الحصول على قنابل ذرية، حيث إن الپلوتونيوم المنفصل يكون مشعا بشكل قليل نسبيا، ومن الممكن، حال سرقة كمية صغيرة منه، معالجته بسهولة في الخفاء. ومن المعلوم أن بضعة كيلو غرامات منه كافية لإنتاج سلاح نووي.

http://oloommagazine.com/images/Articles/2008/12/00030-0.jpg

وقبل إعطاء هذا الخطر حق قدره أسهمت الولايات المتحدة الأمريكية في نقل تقانة إعادة معالجة الوقود النووي المستنفد إلى الدول الأخرى، لكنها توقفت عن ذلك إثر حصول الهند على السلاح النووي من الپلوتونيوم الذي قامت بفصله. وتوضح الصورة الملتقطة بالأقمار الصناعية الفوهة الناجمة عن أول اختبار نووي هندي تحت الأرض في الشهر 5/1974.

http://oloommagazine.com/images/Articles/2008/12/000013.jpg

 

وامتلاك الهند للسلاح النووي أدى بإدارة الرئيس فورد (ولاحقا بإدارة الرئيس كارتر) إلى صحوةٍ ولَفتَ انتباهها إلى مخاطر انتشار السلاح النووي من خلال عملية إعادة المعالجة، ما دفعها  إلى إعادة تقييم موقف الهيئة AEC، وخلصت إلى نتيجة مفادها أن عملية إعادة المعالجة لم تكن ضرورية ولا مجدية اقتصاديا. لذلك تخلَّت الولايات المتحدة عن خططها المتعلقة بإعادة معالجة الوقود المستنفد من المفاعلات المدنية وحثَّت فرنسا وألمانيا على إلغاء عقودهما المُبرمة بهذا الشأن، إذ كانتا بموجبها تُصدران تقانة إعادة المعالجة إلى الباكستان وكوريا الجنوبية والبرازيل.

 

وقد قامت إدارة ريگان لاحقا بنقض موقفي إدارتي فورد وكارتر من إعادة المعالجة محليا، إلا أن الصناعة النوويّة لم تعد حينها مهتمةً بالأمر، حيث خَلُصتْ هي الأخرى إلى أن إعادة المعالجة للاستفادة من الپلوتونيوم المسترجع هي عملية غير منافسة اقتصاديا بوجود نظام الوقود المتبع حيث يُستخدم لمرة واحدة. وهكذا فإن تقانة إعادة المعالجة وصلت إلى طريق مسدود، أو هكذا بدت، على الأقل في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

انبعاث من رماد نووي(******)

 

لقد أعادت الإدارة الحاليِّة للرئيس بوش الحياة إلى فكرة إعادة معالجة الوقود النووي المستنفد في إطار رؤيتها لنشر جيل جديد من المفاعلات النوويّة. ووفقا لهذهِ الرؤية يُعاد تدوير عناصر ما بعد اليورانيوم transuranics(كالپلوتونيوم والعناصر الثقيلة المشابهة المستخلصة من وقود  المفاعل التقليدي) في المفاعلات الحديثة بشكل مُتكرّر بدلا من مرة واحدة، بحيث يتم تحطيمها من خلال الانشطار إلى عناصر أخف، غالبا ما يكون لها عمرُ نصف قصير. وسيؤدي ذلك إلى إنقاص كمية النفايات النوويّة المطلوب تخزينها بأمان لآلاف السنوات [انظر: «استخدام أذكى للنفايات النووية»، مجلة العلوم، العددان 2/1 (2006)، ص 4]. وقد وصف بعض العلماء هذا المخطّط الجديد باللذيذ تقنيّا technically sweet، اقتباسا من عبارة <R.J. أوپنهايمر> التي كان قد استخدمها لوصف تصميم القنبلة الهيدروجينية. ولكن هل يمكن فعلا اعتبار هذه الفكرة صائبة وحكيمة؟

 

إن اقتراح إعادة تدوير الوقود الأمريكي المستنفد ليس بفكرة جديدة. فقد طلبت وزارة الطاقة في منتصف التسعينات إلى الأكاديمية الوطنية للعلوم(NAS) (4)في الولايات المتحدة الأمريكية إجراء دراسة حول هذه الفكرة لإنقاص كمية النفايات المشعة التي لها عمر ـ نصف طويل. وقد كانت نتائج التقرير الضخم المسمى النفايات النووية: تقانة الفصل والتحويل Nuclear Wastes:Technologies for Separation and Transmutation سلبيةً للغاية.  وقد خَلُصَت لجنة الأكاديمية NAS إلى ما مفادهُ أنَّ تكلفة إعادة تدوير العناصر الناجمة عن 62  000 طن الأولى من الوقود المستنفد (وهي التي كان من الممكن  تخزينها في جبل يوكا) ستصل على أقل تقدير إلى 50 بليون دولار أمريكي، وقد يصل  هذا الرقم بسهولة إلى 100 بليون دولار أمريكي، وهذا يعني أن كلَّ مواطنٍ أمريكي سوف يتحمل عبئا إضافيا مقداره 500 دولار. وهذه الأرقام سوف تتضاعف من أجل معالجة كامل كمية الوقود المستنفد المتوقَّع أن تُطلِقَهُ المفاعلات الأمريكية  خلال فترة خدمتها.

 

والسؤال لماذا هذهِ التكلفة العالية؟ إن السبب يعود إلى عدم إمكان توظيف المفاعلات النووية التقليديَّة في عملية إعادة التدوير؛ إذ تُستخدمُ في هذه المفاعلات المياه للتبريد ولإبطاء النيترونات الناجمة عن انشطار نوى اليورانيوم؛ إذ ُتحثُّ النيترونات المُبَطَّأة ذرَّات اليورانيوم 235 الأخرى على الانشطار، وبذلك يبقى التفاعل النووي التسلسلي مستمرا. وتؤدّي  تغذية هذا النمط من المفاعلات بوقود معاد تدويره إلى تراكم العناصر الأثقل، أي عناصر ما بعد اليورانيوم (مثل الپلوتونيوم 242 والأميريشيوم والكوريوم).  والحلُّ المقترح هو استخدام نمط مختلف من المفاعلات النوويّة يتم فيه إبطاء  النيترونات بشكل أقل، بحيث تصبحُ قادرةً على تحطيم تلك الذرّات الصعبة الانشطار.

 

وخلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي، قامت الدول الصناعية الكبرى ومن ضمنها الولايات المتحدة، برصد مبلغ تعادل قيمته اليوم أكثر من 50بليون دولار أمريكي لحث الجهود على نشر مفاعلات النيترونات  السريعة والتي تَستخدمُ الصوديوم المنصهر للتبريد بدلا من المياه. سُمِّيت هذه التجهيزات المفاعلات الوَلودة breeder reactors، لأنها صُمِّمت كي تُوَلِّد «پلوتونيوم» أكثر ممَّا تستهلك، ومن ثم فهي ذات مردود أعلى للطاقة. وكان من المتوقع أن تَحُلَّ هذه المفاعلات سريعا مكان المفاعلات التقليديّة المبرَّدة بالمياه؛ لكن ثَبُتَ لاحقا أن المفاعلات المبرَّدة بالصوديوم هي أعلى تكلفة وأصعب تشغيلا مما هو متوقع، وهو ما دفع معظم الدول إلى التخلي عن دعم تصنيعها.

 

[ما العمل]

نعم للمستوعبات الجافة(*******)

إلى أن يحين افتتاح مودع جيولوجي عميق للوقود النووي المستنفد، كما يحاجّ المؤلف، فإن للصناعة النووية الأمريكية خيارا أفضل يتمثل باستخدام المستوعبات الجافة عوضا عن تخزين الوقود المستنفد المتكدس حاليا في أحواض التبريد: مستوعبات جافة. ويسع كل من هذه المستوعبات (المكون من 150 طنا من الأسمنت والأسطوانات المعدنية) الموجودة في موقع المفاعل 10أطنان أو أكثر من الوقود المستنفد. وستضيف هذه المستوعبات مخاطر هامشية مقارنة مع تلك الناجمة عن العمليات الجارية باستمرار في منطقة المفاعل.

http://oloommagazine.com/images/Articles/2008/12/000015.jpg

 

وتعتزم وزارة الطاقة الأمريكية حاليا تبنّي تطوير هذا النمط من المفاعلات ونشره مع تعديل قلب المفاعل السابق، بحيث يصبح حرّاقا للپلوتونيوم بدلا من كونه ولودا له. وبناءً على ذلك، ينبغي للولايات المتحدة بناء ما يقارب من 40 إلى75 مفاعلا باستطاعة 1000 ميگاواط من نمط حرَّاق الپلوتونيوم  لتستطيع تفكيك عناصر ما بعد اليورانيوم التي تتولّد بالمعدل نفسه في المفاعلات  الوطنية التقليديّة البالغ عددها 104. ولما كانت تكلفة المفاعلات المبرَّدة بالصوديوم أعلى بمقدار بليون إلى بليوني دولار أمريكي عن مثيلاتها (ذات الاستطاعة نفسها) المُبرَّدة بالمياه، فهي تتطلب إعانة فدراليّة تراوح من 40 إلى 150 بليون دولار أمريكي مضافا إليها 100 إلى 200 بليون دولار أمريكي لا غنى  عنها لتأسيس البنية التحتيّة لإعادة التدوير وتشغيلها. لكن يبدو من المستبعد  إنجاز هذا البرنامج بسبب عجز الميزانية الأمريكية.

 

واقع «يوكا» الحالي

مازال التقدم بطيئا في مشروع الولايات المتحدة الأمريكية لإنشاء مودع نووي في جبل يوكا بنيفادا، حيث لن يسمح بالبناء في أحسن الأحوال قبل عام 2011، ولن يكتمل المشروع قبل عام 2016؛ ومن ثم لن تبدأ الصناعة النووية بتخزين الوقود المستنفد هناك قبل عام 2017 وربما أبعد من ذلك، إذا  تأخر العمل بسبب الجدل العلمي الناشب والتحديات القانونية ونقص التمويل.

 

ولو تمَّ تشييد محطّة لإعادة المعالجة على نطاق واسع (كما تعتزم وزارة الطاقة القيام به بحلول عام 2020) ولم يتم بناء المفاعلات المبرَّدة بالصوديوم، عندها سَيتُم ببساطة تخزين جميع عناصر ما بعد اليورانيوم المفصولة لفترة غير محدودة. وهذهِ بالتحديد المُعضِلة التي واجهت برنامج إعادة المعالجة الذي بوشر به في المملكة المتحدة في الستينات، حيثُ نَتجَ من هذا البرنامج حوالي80 طنا من الپلوتونيوم المفصول والتي يتطلب التخلص منها بأمان  عشرات  البلايين من الدولارات.

 

تُعتَبرُ إعادة معالجة الوقود المستنفد ومن ثم تخزين الپلوتونيوم المفصول والنفايات المشعة لفترة غير محدودة في محطّات إعادة المعالجة استراتيجيّة غير ناجعة، بل هي استراتيجيّة كارثيّة، حيث يصبح الپلوتونيوم المفصول أكثر عرضة للسرقة. وفي عام 1998، أشار تقرير الجمعية الملكية البريطانية U.K.sRoyal Society (المكافئة للأكاديمية NAS) إلى ازدياد مخزون الپلوتونيوم المدنيcivilian plutonium في المملكة المتحدة، كما حذّر من «أن  إمكانية الوصول إلى مخازن الپلوتونيوم في إحدى المراحل قد تُمكّن من إنتاج  أسلحة محظورة، وهذا أمر مقلق للغاية.» وقد أكَّد تقرير آخر للجمعية الملكية البريطانية في عام 2007على اعتبار «سياسة الوضع الراهن في مواصلة تخزين المواد  الخطرة خيارا غير مقبول على الأمد البعيد.»

 

يتضح جليا أن الحكمة تتطلب وجوب عدم تخزين الپلوتونيوم في محطّات إعادة المعالجة بشكل تَسهلُ معه سرقتهُ. وأن المنطق يتطلب عدم فصل الپلوتونيوم على الإطلاق. وبناء على ذلك، يمكن إبقاء الوقود النووي المستنفد في مواقع مفاعلات الطاقة النوويّة التي تقوم بإنتاجه إلى حين توفّر مَوْدع مخصص للتخزين البعيد الأمد.

 

ولكن هل لمثل هذا التخزين مخاطر؟ يُمكنني القول: إن حفظ الوقود القديم الناتج من نظام استخدام الوقود مرة واحدة في مستوعبات جافة لا يُشكِّلُ سوى إضافة ضئيلة إلى المخاطر النوويّة الموجودة أصلا والتي يتعرَّضُ لها سكان المناطق المأهولة المحيطة بالمحطة النووية؛ إذ تبلغ كمية الحرارة الناجمة عن المواد المُشعّة radioactive heat حوالي 10 كيلو واط لكل 10 أطنان من الوقود المستنفد والمخزّن مدة 20 عاما في مستوعب جاف، وهي تتبدّد  بالحمل الحراري جرّاء تسخينها الهواء المحيط بها. وفي حال وجود نوايا إرهابية  للتخريب، فإن خرق هذه المستوعبات باستخدام أسلحة مضادة للدبابات على سبيل المثال أو عن طريق تفجير طائرات قد يؤدي، في أسوأ الظروف، إلى تبعثر كمية ضئيلة من شظايا الوقود المشع في منطقة محدودة. وعلى النقيض من ذلك، فإن توقف تدفق المُبرِّد في مفاعل مجاور (في المحطة نفسها) سيؤدِّي إلى ارتفاع حرارة الوقود والبدء بتحرير كميات هائلة من نواتج الانشطار المتبخّرة خلال دقائق. كما سيؤدي فقدان مياه حوض تخزين الوقود المستنفد إلى تسخين طبقة الزركونيوم التي تغلف قضبان الوقود لتصل إلى درجة الاشتعال خلال ساعات. وعلى ضوء ذلك، تبدو المستوعبات الجافة الحل الأمثل.

 

ولكن هل يوجد حيز مكاني كافٍ لحفظها؟ بالطبع هناك حيز شاسع متاح لمستوعبات إضافيّة في محطّات الطاقة النوويّة الأمريكية؛ حتى إن المفاعلات القديمة العاملة في الولايات المتحدة الأمريكية يتم تمديد رخص عملها عشرين سنة أخرى بناء على هذا الأساس. كما يُتَوقع بناء المفاعلات الجديدة في مواقع المفاعلات القديمة نفسها إن تم ذلك. إذن فلا داعي للقلق أو الظن بأنّ مناطق التخزين تُوشِكُ أن تزول. لكن لابدّ في نهاية المطاف من نقل الوقود المستنفد إلى مكان آخر من دون داعٍ للهلع، وتبنّي سياسة إعادة المعالجة التي لن تؤدي بدورها إلاَّ إلى جعل الأمر أكثر خطورة وتكلفة تفوق ما هي عليه اليوم.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2008/12/00032.jpg

خوف وامتعاض في نيفادا(********)

 

على الأمد البعيد، يتوقفُ مصير النفايات النوويّة في الولايات المتحدة الأمريكية على الطريقة التي سُيعالج بها المأزق الحالي حول جبل يوكا؛ إذ تَنقَسم الآراء حول هذا الموقع. ونتيجةً لصرامة القواعد المطلوب تحقيقها ينبغي لوزارة الطاقة أن تُبرهن على أن جبل يوكا سوف يستوعب النفايات النوويّة بشكل يضمن عدم تسرب كميات كبيرة خارج الموقع لنحو مليون سنة.

 

إن البرهان على أمان الموقع أثناء تلك الحقبة الزمنية المستقبلية المديدة لأمرٌ صعب، لكن تبقى المخاطر الناجمة عن أسوأ مَوْدع للنفايات تصميما مهملةً إذا ما قورنت بالمخاطر الناجمة عن سياسة قد تُمكّن البعض من الوصول إلى مواد الأسلحة النوويّة. وانطلاقا من وجهة النظر هذهِ يتعذر فهم سبب أن خطر التلوث بالمواد المشعة المحليّة بعد 100000 أو مليون  سنة قد استأثر باهتمام السياسيين في الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من  اهتمامهم بالخطر الوشيك والمتواصل من امتلاك الأسلحة النوويّة.

 

ويكمُنُ جانبٌ آخر من المشكلة في وجهة نظر سكان نيفادا حول التصرف غير المنصف الذي قامت به إدارة ريگان والكونگرس في عام 1987، عندما أوقفا التقييم الموضوعي لمواقع أخرى مرشّحة للتخزين واختارا جبل يوكا مودعا للنفايات النوويّة مستقبلا. ومن الضروري لتجاوز هذا الإحساس بالغبن من قبل سكان نيفادا إعادة فتح النقاش لاختيار موقع إضافي. وليس من الصعب القيام بمثل هذا التحرك. وبالفعل، فإن قانون سياسة النفايات النوويّة الصادر في عام 1987يُطالبُ وزير الطاقة بتقديم تقرير إلى الكونگرس بحلول عام 2010 حول الحاجة إلى  منشأة تخزين ثانية. لكن، نظرا للسجل الكارثي لوزارة الطاقة من حيث التعامل مع النفايات المشعّة، ينبغي العمل على تشكيل وكالة مُتخصِّصة غير مُسيَّسة لهذا الغرض.

 

وفي غضون ذلك، يُمكنُ تخزين الوقود المستنفد بأمان في مستوعبات جافة في مواقع المفاعل. وحتى لو وضع في مودع جيولوجي، فستبقى إمكانية استرداده قائمة على امتداد قرن من الزمن على أقل تقدير، بحيث يبقى خيار إعادة المعالجة قائما في حال حدوث تغيرات هائلة في الظروف التقانية أو الاقتصادية تتجاوز فيها مزايا إعادة المعالجة التكلفة والمخاطر المتعلقة بها؛ ومن ثم لا يوجد سبب للاندفاع في الوقت الحالي للقيام بمشروع ذي تكلفة عالية ويحمل في طياته الكوارث بناءً على آمال واهية من أنها ستخفف أعباء صناعة الطاقة النوويّة البيئية البعيدة الأمد.

 

 المؤلف

 فيزيائي نووي وأستاذ الشؤون العامة والدولية في جامعة پرينستون، ضمن برنامج العلم والأمن العالمي. في عامي 1993 و 1994، شغل منصب المدير المساعد للأمن القومي في مكتب إدارة السياسة العلمية والتقانية التابع للبيت الأبيض. ويشغل، منذ عام 2006، منصب معاون رئيس الفريق الدولي المشرف على المواد الانشطارية. وقد ألّف أو شارك في كتابة سبع مقالات نُشرت في مجلة ساينتيفيك أمريكان.  Frank N. von Hippel
http://oloommagazine.com/images/Articles/2008/12/00030-.jpg

مراجع للاستزادة 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2008/12/q04.jpg

(*) RETHINKING NUCLEAR FUEL RECYCLING

(**) The Element from Hell

(***) Too Much Waste, Too Little Storage

(****) Fuel-Handing Options

(*****) Mass Destruction for the Masses

(******) Rising from Nuclear Ashes

(*******) A Vote for Dry Carks

(********) Fear and Loathing in Nevada

(1) repository؛ وهو حيز مكاني خارج المفاعل النووي يخزن فيه الوقود المستنفد لفترات طويلة الأمد.

(2) cask: المستوعب أرض جافة داخل المفاعل النووي يُخزن فيها الوقود المستنفد.                              (التحرير)

(3) transuranics

(4) National Academy of Science

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

زر الذهاب إلى الأعلى