أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
الطب وصحة

طب الغد


طب الغد(*)
نظرة على الجهائز(1) الطبية الواعدة، والتي هي قيد التطوير حاليا.

 

خلال السنوات القليلة الماضية, استفاد الباحثون من تقدم لم يسبق له مثيل في مجال البيولوجيا والإلكترونيات والوراثيات genetics البشرية من أجل تطوير عدد مثير للإعجاب من عتيدة(2) أدوات جديدة لتحسين صحة البشر، وتعزيزها. والآن أصبحت التقنيات الطبية المعقدة وتحليل البيانات على وشك الإفلات من حدودها التقليدية داخل المستشفيات والمختبرات الحاسوبية وتشق طريقها إلى حياتنا اليومية.

وسيكون بإمكان أطباء المستقبل استخدام هذه الأدوات لمراقبة المرضى والتنبؤ بكيفية استجابتهم لبعض الخطط العلاجية الخاصة استنادا إلى الخصائص الفريدة في فيزيولوجيا أجسامهم، وذلك بدلا من اعتمادهم على المعدل الوسطي لاستجابة مجموعة كبيرة من المرضى في التجارب السريرية. كما أن التقدم الحاصل في مجال تصغير الشيبات chips  الحاسوبية والهندسة البيولوجية وعلوم المواد أرسى الأساس للحصول على جهائز جديدة يمكنها أن تحل محل الأعضاء المعقدة مثل العين والبنكرياس أو مساعدتها على أداء وظائفها بشكل أفضل.

وتقدم المقالات المعروضة في الصفحات التالية لمحة عن أهم التطورات الواعدة في التقنيات المعدلة في مجال الوراثيات والإبصار الاصطناعي والسرطان والمرقابات monitors  الطبية القابلة للغرس والأمراض النفسية. وبالطبع لن تنجح جميع هذه التطورات إلا أنها توحي بمجملها أن التقنيات الطبية المدمجة ستؤدي دورا يتزايد باستمرار لن يقتصر على معالجة المرضى بل يمتد إلى حماية الأصحاء.

 

(المحررون)

 

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2012/11-12/2012_11_12_34.jpg

 

 

[وراثيات(3)]

طب تفريدي(**)

تواصل تكاليف سَلْسَلة الجينوم البشري انخفاضها إلا أن التفسير المنطقي للنتائج مازال تحديا.

  عندما أُطلق مشروع الجينوم البشريHuman Genome قبل عشرين عاما كان من  المتوقع أن تتطلب محاولة طباعة كتاب التعليمات اللازمة لبناء كائن بشري مئات من آلات السَّلسَلة، وأن تبلغ تكاليف ذلك ثلاثة بلايين دولار وتستغرق 15 عاما. وبعد مضي ثلاثة عشر عاما، أي في عام 2003، أُعلن عن سَلسَلة كاملة للجينوم البشري، ولكن هذا الإنجاز الهائل مازال قيد التطوير، إذ ما زالت هناك فجوات في خريطة المادة الوراثية(4) التي تحدد المصير الجيني للشخص وما زالت تلك الفجوات بحاجة إلى أن تُملأ.

لننتقل بسرعة إلى المعرض الدولي للإلكترونيات الاستهلاكية في «لاس فيگاس» في الشهر 1/2012. فبين خزائن الألعاب والتلفازات ذات الشاشات المسطحة تقف آلة سلسلة الجينوم، وهي علبة صقيلة بيضاء اللون بحجم طابعة مكتبية، يقول مبتكروها إنها، عندما تتوافر في الأسواق أواخر هذا العام (2012)، ستتيح السلسلة الجينية الكاملة للشخص خلال بضع ساعات لقاء ألف دولار أمريكي، وهو ما يعادل ثمن شاشة تلفازية بلازمية عالية الجودة.

وعلى مدى سنوات اعتبر مبلغ ألف دولار أمريكي الحد الأعلى الفاصل لتكلفة سَلسلة الجينوم الذي يؤذن بولادة عهد جديد من الطب التفريدي. فعند هذا الحد من الأسعار يفترض أن تكون قراءات readouts المادة الوراثية رخيصة لدرجة تكفي كي يستخدمها الأطباء العاديون في عملهم لمعالجة المرضى المصابين بأمراض القلب والسرطان وغيرها من العلل مستندين إلى الأخطاء الجينية التي يواجهها كل فرد على حدة وإلى حالات التحسس للأدوية لديه. ومع تزايد فرص توافر آلات سلسلة الجينات، مثل تلك التي عرضت في المعرض، يقول مراقبو الصناعات إن فجر عهد جديد من الاختبارات الجينية الشاملة للإنسان قد أشرق.

ولكن البعض يقول إن نشر هذه التقانة على نطاق واسع أمر سابق لأوانه. فيقول <T. فاراتي> [أستاذ الوراثيات في كلية الطب بجامعة جون هوپكنز]: إن هذه التقنية غير جاهزة، ويساوره القلق من أن المنافع المحتملة للطب الجينومي التفريدي قد نالت قسطا مبالغا فيه من الترويج. ويتابع قائلا: إن التفرس (التحري) الجيني genetic scan الكامل سواء ما كان من قبل طبيب أو ما كان يُشترى عبر الإنترنت يكاد يكون عديم الفائدة الآن كأداة طبية.

وتتمثل المشكلة الرئيسية في أن التقانة تسير بسرعة أكبر من قدرة الباحثين على فهم النتائج التي تتمخض عنها. والمثال على ذلك أنه لكي يفهم الأطباء أي قراءة جينية geneticreadout تعد مؤشرا مهما على المرض وأي القراءات يمكن تجاهلها بأمان ينبغي مقارنة كل قراءة جينية لأحد الأشخاص بعدد ضخم من القراءات لدى أشخاص آخرين. وإضافة إلى ذلك فإن عددا كبيرا من الأمراض ينجم عن طفرات نادرة الحدوث لم يتم تعرفها حتى الآن. وأخيرا فإن مهمة فرز الكمية الكبيرة عن البيانات الناتجة من تفريسة scan الجينوم هي مهمة مضنية. ويقول <أشلي> [أستاذ أمراض القلب المساعد في كلية الطب بجامعة ستانفورد]: «إن إنتاج السلسلة ما هو إلا الخطوة الأولى القليلة التكاليف»، ويضيف قائلا: «ولكن ماذا عن تحليل النتائج؟ ومن العجب أن ذلك لن يكون سريعا ولن يكون قليل التكاليف.»

ولتوضيح مدى التعقيد الذي تتسم به العملية أجرى <أشلي> وعدد قليل من الباحثين في جامعة ستانفورد وجامعة هارڤرد تحليلا لجينوم زميلهم <كويك> [أستاذ الهندسة البيولوجية]، وقد أمضوا ستة أشهر في تعرّف كيفية إجرائه، مع أن <كويك> كان قد أجرى سَلسلة جينومية بنفسه، ومن هنا كانت البيانات الخام التي يحتاجون إليها متاحة لهم.

وقد تضمنت السوابق العائلية لدى <كويك> أمثلة متعددة من أمراض القلب. ومن المؤكد أن الفريق وجد لدى <كويك> «ضروبا جينية» متعددة لها علاقة بزيادة الاستعداد للإصابة بالنوبات القلبية. إلا أن التحليل الجيني أظهر عددا من المفاجآت، ومنها زيادة احتمال وجود مرض دموي وراثي يدعى داء التصبغ الدموي (داء ترسب الأصبغة الدموية) hemochromatosisمع أنه لا يوجد أحد من أسرة <كويك> يعاني هذا المرض. وفي هذه الحالة يتعذر القول ما إذا كانت النتائج غير المتوقعة تلك تعكس خطرا حقيقيا أم إنها مجرد نوع من الخطأ في عملية السَّلْسَلة، وهو المكافئ الجيني لخطأ في الطباعة.

وعلى الرغم من هذه الأخطاء المؤسفة، فإن <أشلي> متفائل في أن قراءات الدنا DNAالخاصة بكل إنسان ستغير تماما حقل الرعاية الطبية، ويتوقع قدوم اليوم الذي يشكل فيه جينوم الشخص جزءا اعتياديا من سجله الطبي الإلكتروني. ومع ذلك، فإن العدد القليل من المرضى الذين استفادوا بشكل كبير من تحليل أجزاء ضخمة من جينوماتهم كانت لديهم أمراض نادرة ذات ضروب جينية غير مألوفة لدرجة تكفي لإظهارها بوضوح، وبالنسبة إلى بقية الناس فإن جينوماتهم تنتظر لتروي القصة التي لم تُروَ بعد.

 

 

 

[إبصار اصطناعي(5)]

عين بيونية(***)

ستعيد المستقبلات الضوئية التصنيعية الرؤية للعميان.

  يعرف <M. تيرهو> الفرق بين التفاحة والموزة وباستطاعته إخبارك بأن إحداها كروية وحلوة وتقرش عند قضم جزء منها، وأن الثانية طويلة ومنحنية وتنهرس عند تركها فترة طويلة تكفي لفرط نضجها. ولكنك إذا طلبت إليه أن يميز بين ثمرة وأخرى من دون أن يلمس أو يشم أو يتذوق أيا منهما، فإنه لن يستطيع ذلك. إن <تيرهو> أعمى تماما إلا أنه استعاد قدرته على التمييز بين التفاحة والموزة عن طريق الإبصار لمدة ثلاثة أشهر عام 2008، بفضل شيبة chip  إلكترونية ضئيلة  الحجم غرسها الباحثون في عينه اليسرى. وعلى الرغم من قصر مدة النجاح الأولى للتقانة الجديدة، فقد غيّر باستمرار التوقعات من أجل <تيرهو> والكثيرين من أمثاله.

يعمل <تيرهو> في منظمة للبعثات الدراسية الرياضية بفنلنده، وهو مصاب بالتهاب الشبكية الصباغي، وهذا مرض جيني يتلف الخلايا الحساسة للضوء التي تبطن الشبكية في القسم الخلفي من العين. وقد كان <تيرهو> يتمتع برؤية جيدة حتى بلوغه سن 16 عاما عندما بدأت الرؤية لديه بالتدهور، وفي العشرينات من عمره تدهورت أيضا قدرته على الرؤية في ضوء النهار. وعندما بلغ سن 35 عاما فقد <تيرهو> الرؤية المركزية في كلتا عينيه، وعندما بلغ 40 سنة من العمر لم يعد يدرك سوى أثر من الضوء في محيط الرؤية لديه.

ومن ثم تغير كل شيء في الشهر 11/2008، عندما غرس <زرنير> [الذي يعمل في جامعة توبنگن بألمانيا] الشيبة في شبكية عين <تيرهو>، فقد حلت الشيبة محل المستقبلات الضوئية التالفة (والتي يطلق عليها اسم العِصِيّ والمخاريط) في الشبكية. وفي الشبكية السليمة تحوِّل المستقبلات الضوئية الضوء إلى دفعات impulses عصبية تصل في نهاية المطاف إلى الدماغ بعد مسيرها عبر طبقات متعددة من النسج المتخصصة. ويتكون أحد هذه النسج من خلايا يطلق عليها اسم الخلايا الثنائية القطب(6). وتتألف كل شيبة من 1500 مربع مرتبة ضمن شبكة منتظمة تقيس 0.12 بوصة طولا و 0.12 بوصة عرضا، ويتضمن كل مربع من تلك المربعات واحدا من الصمامات الثنائية الضوئيةphotodiodes ومضخما amplifier وقطبا كهربائياelectrode. وما أن يشع الضوء على أحد الصمامات الضوئية حتى يولد تيارا كهربائيا ضئيلا يتقوى بتأثير المضخم المجاور ويتوجه إلى القطب الكهربائي الذي ينبه بدوره الخلية الثنائية القطب الأقرب إليه، مرسلا في نهاية المطاف إشارة عبر العصب البصري إلى الدماغ. وكلما ازدادت كمية الضوء على الصمام الثنائي الضوئي ازدادت قوة التيار الكهربائي الناتج.

لقد فتحت الغرسة implant التي غرست في  عين <تيرهو> نافذة له على العالم، وتبلغ أبعاد هذه النافذة مساحة مربع من الورق تقيس أضلاعه 8 بوصات وموضوع على مسافة ذراع. ومن خلال تلك النافذة، تمكن <تيرهو> من تعرف الأشكال الرئيسية للناس والأشياء ولاسيما عند وجود تباين قوي بين الألوان الفاتحة والداكنة، إذ إن الشيبة لم تكن تتضمن من الأقطاب الكهربائية ما يكفي لإنتاج صور واضحة الحدود. إضافة إلى ذلك، سمحت له الشيبة بإدراك ظلال رمادية فقط بدلا من إدراك الألوان، لأنه لم يكن بإمكانها تمييز أطوال موجات ضوئية مختلفة.

وعلى الرغم من جوانب القصور هذه فقد غيّرت هذه الغرسة تغييرا حاسما كيفية تفاعل <تيرهو> مع العالم خلال أيام من إجراء الجراحة له، فللمرة الأولى خلال عقد من الزمن صار بمقدوره رؤية الأشياء وتسميتها مثل الأواني الفضية والفواكه وقراءة الرسائل المكتوبة بأحرف كبيرة القياس، والاقتراب من الناس في الغرفة وتعرّف من يحب منهم. كما صار بمقدور مريضين آخرين، زرعت لهما تلك الغرسات في وقت قريب من ذلك التاريخ، تعرّف مواضع الأشياء الوضاءة إذا وُضعت أمام خلفية داكنة اللون.

وقد اضطر <زرنير> إلى إزالة الشيبة بعد مضي ثلاثة أشهر، لأن تصميمها ترك المريض معرضا للأخماج(7) الجلدية: فقد كانت هناك  بطارية خارجية بحجم الجيب توفر الطاقة للمضخات عبر شريط صغير يخترق الجلد تاركا جرحا مفتوحا. إضافة إلى ذلك، كان ينبغي على المرضى أن يبقوا قريبين من أحد الحواسيب الذي يضبط لاسلكيا تواتر الدفعات الإلكترونية، وغير ذلك من مظاهر الرؤية مثل الوضاءة والتباين.

ومنذ عام 2008 زاد <زرنير> الأمان الذي تتمتع به الغرسة ومن قابليتها للحمل. أما النموذج الأخير الذي زُرع في عشرة أشخاص فهو لاسلكي؛ فتحت الجلد يوجد سلك نحيل ينطلق من وشيعة(8)  كهرطيسية تقع خلف  الأذن على مسافة قصيرة من الشيبة المزروعة في القسم الخلفي من العين، كما أن وضع وشيعة كهرطيسية أخرى في صندوق بلاستيكي صغير على سطح الجلد قرب الأذن سوف يكمل الدارة الكهربائية التي توفر الطاقة للغرسة. ويمكن للمرضى أن يعدلوا شدة الوضاءة والتباين بالتعامل مع الأزرار على الوشيعة الخارجية. وللوصول إلى تحسين أكثر لهذه التقانة، يرغب <زرنير> في زرع ثلاث شيبات متجاورة في شبكية واحدة بحيث يصبح لدى المريض مساحة واسعة للرؤية.

ومع أنه يجب على المستقبِلات الضوئية الصنعية أن تثبت أنها مفيدة في أي شكل من أشكال العمى الذي ينجم عن تلف المستقبلات الضوئية (ونعني بها التهاب الشبكية الصباغي retinitis pigmentosa  وتنكس المشيميةchoroideremia  وبعض أنواع تنكس البقعة مثل الضمور الجغرافي geographic atrophy)، فإنها لا تفيد في مساعدة المصابين بالزرق glaucoma ولا في الحالات التي تؤدي إلى تَدرك degradation العصب البصري.

وقد حقق فريق آخر نجاحا يرقى إلى المستوى ذاته من النجاح الذي حققه <زرنير> في الدراسات السريرية. فقد طورت الشركة(9)Second Sight في كاليفورنيا غرسة شبكية، سَمَّتها Argus II، تستخدم أيضا لمعالجة التهاب الشبكية الصباغي، ولكن بأسلوب مختلف. وتلتقط الغرسة Argus II الصور من العالم الخارجي بواسطة آلة تصوير (كاميرا) ضئيلة الحجم تثبت على النظارات ثم تُحوّل تلك الصور إلى دفعات impulses كهربائية  وتنقلها إلى قطب كهربائي يستقر على سطح الشبكية بدلا من أن يكون مغروسا ضمنها. وهكذا فإن الغرسة Argus II لا تعمل على شاكلة غرسة <زرنير>، فهي لا تحاكي التنبيه السوي للشبكية بواسطة الموجات الضوئية، ولكنها تنتج بدلا من ذلك بقعا من النقاط الوضاءة والداكنة التي ينبغي على المريض أن يتعلم كيف يفسرها.

إن استعادة الرؤية مرتفعة التكاليف حتى في المجال الرمادي. ففي الوقت الراهن، يكلف تركيب الغرسة Argus II مئة ألف دولار لكل عين  وذلك حالما يتم اختبارها والموافقة على استعمالها، أما ثمن غرسة <زرنير> فمن المرجح ألا يقل عن ذلك. كما ينبغي على <زرنير> أن يجري دراسات سريرية إضافية قبل أن تسمح له المجالس الاستشارية الأوروبية بتدريب جراحين آخرين على هذه العملية. وقد نالت الغرسة Argus II الموافقة على بيعها في جميع أوروبا ولكنها لم تنل ذلك في الولايات المتحدة، ويشير نجاح الدراسات السريرية الأولى وسرعة تحسين التقانة إلى أن غرسات الشبكية قد تتوافر على نطاق واسع خلال سنوات معدودة.

 

 

 

[كشف مبكر]

الاتجاه نحو الهدف في السرطان(****)

يُطور المهندسون البيولوجيون جسيمات نانوية ضئيلة الحجم مبرمجة لكشف السرطان في أبكر مراحله.

  يمكن للجسيمات الفائقة الصغر أن تعالج بعضا من أكثر المشكلات الطبية صعوبة، فما يدعى الجسيمات النانوية nanoparticles التي تقاس أبعادها بالنانومتر (وهو واحد من البليون من المتر) هي جسيمات بالغة الصغر بحيث يمكن لـ500 منها أن تُرصف على المقطع العرضي لشعرة إنسان. ويهندس العلماء تلك الجسيمات النانوية لعمل كل شيء من توصيل الأدوية ضمن أجزاء معينة من الجسم، إلى الحصول على صور أكثر تفصيلا للأعضاء الداخلية. وفي الوقت الحاضر يعدّل الباحثون الجسيمات النانوية بغية استخدامها في كشف الخلايا السرطانية أينما كانت مختبئة.

تكشف أدوات التصوير الاعتيادية الأورام عندما تكبر لدرجة تكفي لرؤيتها عند التفرسscaning. وتستطيع الجسيمات النانوية كشف خلية سرطانية واحدة في عيّنة تضم عشرة ملايين خلية سليمة. والاختبارات الجارية للكشف عن سرطان الثدي في الجسيمات النانوية، على سبيل المثال، يمكن بواسطتها كشف أورام أصغر بمئة مرة من الأورام التي يمكن كشفها بتصوير شعاعي للصدر. ويمكن للجسيمات النانوية المزودة ببروتينات نوعية للسرطان أو بمواد جينية أن تساعد الأطباء أيضا على التمييز بين الأورام الخبيثة وبين الالتهابات العادية أو الأورام الحميدة.

يعكف <لانزا> [وهو أستاذ الهندسة الطبية البيولوجية في جامعة واشنطن في سانت لويس] مع زملائه على تطوير جسيمات نانوية تبحث عن الأوعية الدموية الحديثة التشكل التي تقدم التغذية على نحو نوعي لنمو الأورام وتشير إلى وجودها والتي تعتبر مرحلة رئيسة في تطور أورام القولون والثدي وغيرها من السرطانات. فمثل هذا النمو في الأوعية لا يحدث عادة في نسيج غير سرطاني. ويمكن لهذه التقانة أن تقدم للأطباء معلومات حول سرعة نمو السرطان، وبالتالي حول ضراوة المعالجة التي يجب أن تطبق.

أما <گامبير> [وهو أستاذ الأشعة التشخيصية في جامعة ستانفورد] فقد ركز اهتمامه مع زملائه على سرطان القولون والمستقيم، وذلك في محاولة لكشف الأورام الخبيثة البالغة الصغر التي ربما لا يكشفها التنظير العادي للقولون. وقد أنتجت هذه المجموعة جسيمات نانوية مصنوعة من الذهب والسيليكا، ثم أضافوا إليها جزيئات تعطي تعليمات للجسيمات النانوية كي تتجه مباشرة نحو الخلايا الخاصة بسرطان القولون، وعندما ترتبط الجزيئات الهادفة بورم في القولون أو المستقيم فإن المعادن في الجسيمات النانوية تُشتت الضوء الصادر عن منظار خاص مما يكشف وجود السرطان.

كما يحاول المهندسون المتخصصون بالجسيمات النانوية أيضا اصطناع جسيمات نانوية تؤدي مهام متعددة مثل توضيح الأورام في التصوير بالرنين المغنطيسي (MRI) والإصدار البوزيتروني (PET)، ومنها إيصال أدوية السرطان إلى تلك الأورام. ويمكن لمثل هذه المجموعة من الجهائز النانوية nanodevices أن تسمح للأطباء برؤية ما إذا كان أحد العلاجات يصل إلى المكان الذي يفترض أن يصل إليه، وما إذا كان فعالا. والأطباء في غالب الأحيان، لا يعلمون جيدا مدى وصول العلاج إلى الورم وذلك حتى عند استعمال العلاجات التي تؤثر تأثيرا نوعيا في الخلايا السرطانية ولا تؤثر في الخلايا السليمة. يقول <لانزا> إن التصوير هو الذي يسمح لك بمعرفة أنك قد قمت بالفعل بإيصال الدواء وبمعرفة الكمية التي أوصلتها منه.

وتواجه الجهود المبذولة لاستعمال الجسيمات النانوية في الممارسة الطبية بالعيادات بعض العوائق، إذ سيكون على العلماء مثلا إثبات أن هذه الوسائل الفائقة الصغر آمنة للاستعمال البشري، ولكن <گامبير> يقول إن «العقبة الأكبر والوحيدة التي تواجهها معالجة السرطان هي فقدان الأهداف المعقولة.» ويمكن تصميم الجسيمات النانوية تصميما متقنا، ولكنها كما يقول «ليست سحرية»؛ إذ لا يعرف الباحثون ما يكفي حول المراحل الباكرة لنمو السرطان، ولا يعرفون بالتالي الجزيئات التي ينبغي توجيه الجسيمات النانوية صوبها. ويقول <لانزا> طالما أننا لم نعرف الأهداف «فإننا لم نخطُ بعد الخطوة الأولى»، ويتابع قائلا: «علينا أن نمشي قبل أن نستطيع الجري.» يقدر المحللون الصناعيون أن الاستثمارات في حقل الطب النانوي ستصل إلى 130 بليون دولار في عام 2016، وهذا يعني أن السباق نحو كشف الحقائق سيتواصل.

 

 

[مقياس البعد الشخصي]

جهائز ذكية يمكن غرسها(*****)

تصدر مُرقابات (أجهزة مراقبة) monitors لاسلكية جديدة تحذيرات للمرضى من حدوث نوبة قلبية وشيكة أو تساعدهم على تدبير الداء السكري.

يعكف المهندسون الطبيون البيولوجيون على تطوير مراقبات(10) بالغة الصغر وقابلة للغرس، وبمقدورها أن تخمن كيفية معالجة المرضى المصابين بأمراض مزمنة، مثل الأمراض القلبية والسكري، على أفضل وجه ممكن. ففي الوقت الحاضر، يتم في العيادات اختبار العديد من هذه الجهائز التي ترسل البيانات لاسلكيا في المناطق الرئيسية من الجسم أو من الدم إلى مستقبلات خارجية. وفي نهاية المطاف، يمكن لأجهزة المراقبة التي يمكن غرسها أن تؤدي دورا في المعالجة أكثر فعالية، ولن يقتصر هذا الدور على سبيل المثال بشكل أساسي على كشف اضطرابات نظم arrhythmias القلب الخطيرة، بل يتجاوز ذلك إلى إصدار صدمة تعيد الحياة إلى القلب المتوقف. وتستهدف أداتان من هذه الأدوات التي يتواصل تطويرها المشكلتين الطبيتين الأكثر شيوعا:

النوبات القلبية. صنعت شركة النظم الطبية(11) في «شروسبري» بنيوجرسي، جهيزة أطلقت عليها اسم AngelMed Guardian، لا يزيد حجمها على حجم ناظمة ضربات القلب لتتعقب ضربات القلب الواحدة تلو الأخرى. وقد تم تصميمها لتستمع إلى النماذج غير السوية من ضربات القلب مثل زيادة سرعة القلب أو اضطراب النبض عند الناجين حديثا من نوبة قلبية (والذين جعلتهم النوبة القلبية عرضة للإصابة بنوبة قلبية أخرى) ولكنهم غير مؤهلين لزرع ناظمة لضربات القلب أو مزيل للرجفان القلبي defibrillator. فإذا أحست الجهيزة بنوبة أخرى وشيكة فإنها تهتز وتسبب إطلاق أصوات وإصدار ومضات متقطعة لتنبيه المريض والأشخاص الآخرين ليهبوا للمساعدة. ولتجنب التحذيرات الزائفة ينبغي أن تكتشف الجهيزة الإشارة الدالة على المشكلة لمدة تزيد على دقيقة واحدة قبل أن ترسل تحذيرها. ويمكن تنزيل المعلومات التفصيلية التي استمدتها الجهيزة من القلب لاسلكيا على الحاسوب بغية تحليلها. وقد أجازت شركة النظم الطبية لشركة أخرى تصنع مزيلات الرجفان القلبي القابلة للغرس، استعمال تقنيتها الخاصة بمراقبة الضربات القلبية. وستسمح التقانة المشتركة للجهيزة بإيصال تيار كهربائي إلى القلب فور اكتشاف جهاز المراقبة إشارات تدل على توقف القلب أو على اضطراب خطير في نظم القلب في الوقت الذي ترسل فيه أيضا نتائج تخطيط القلب الكهربائي إلى الطبيب.

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2012/11-12/2012_11_12_39.jpg


مستويات الگلوكوز غير السوية. صنعت شركة GlySens في سان ديگو جهيزةً جديدة (محساسا sensor) يمكن غرسها لمعايرة مستوى الگلوكوز، وقد يقدم يوما ما لكل واحد من مئات الملايين من المصابين بالداء السكري نظاما لاسلكيا خاصا به لمراقبة گلوكوز الدم. وتسجل هذه الجهيزة قراءات تكاد تكون متواصلة لمستوى السكر تحت الجلد الذي يرتبط بمستواه في الدم. وكانت النتيجة الحصول على معلومات حول كمية جرعات الأنسولين ومواعيد إعطائها، أكثر دقة واكتمالا من تلك التي يمكن تحقيقها عن طريق اختبار الدم المأخوذ من وخز الإصبع. ونظرا لكون الجهيزة قابلة للغرس، فإنها تتطلب قدرا من الصيانة أقل مما تتطلبه أجهزة المراقبة الخارجية المتوفرة حاليا.

يقول <لوسيانو> [وهو مهندس بيولوجي يشغل منصب الرئيس والمدير التنفيذي للشركة GlySens]: «نريد أن نعطي المريض والأسرة جهيزة بسيطة لدرجة يمكنهم أن ينسوا أنها موجودة وأن يحصلوا منها على المعلومات فقط.» ويضيف <لوسيانو>: «إن معالجة الداء السكري والكثير غيره من الأمراض المزمنة تعتمد على المراقبة وتعرف أنماط الإشارات والوصول بها إلى أفضل حال ممكن». لذلك فإن امتلاك أداة اتصال لاسلكية ترد خلالها «كميات كبيرة من البيانات بأقل تكاليف ممكنة سيمكننا من عمل أشياء لا يمكن مجرد توقعها.»

ومن المرجح أن تصبح المحساسات sensors اللاسلكية في المستقبل أكثر حذقا، فقد طور الباحثون أداة نحيلة ومرنة يمكن تطبيقها على الجلد بشكل يشبه الوشم المؤقت، أو غرسها داخل الجسم، ويمكنها جمع قراءات سرعة النبض والتقلصات العضلية وحتى الموجات الدماغية. وقد طورت الشركة MC-10 [وهي شركة في كامبردج ماساتشوتس تصنع الأجهزة الإلكترونية المرنة] دارة مستقبلية تكاد تكون محمولة بالكامل ولها مصدر للإمداد الداخلي بالطاقة ومرسِلة (جهاز إرسال) transmitter. ومن المرجح أن توليفة تجمع بين المراقبة اللاسلكية للأعضاء الداخلية واستخدام التقانة التي تتسم بالمرونة والشكل الملائم ستتيح للمرضى والأطباء المعلومات الفورية البالغة الأهمية حول طيف واسع من الحالات المرضية المزمنة التي كانت صعبة التدبير منذ زمن طويل.

 

 

 

[علوم عصبية]

اختبارات دموية لكشف الأمراض النفسية(******)

يمكن لمستويات بروتينات معينة أن توفر طريقة جديدة لتشخيص الفصام والاكتئاب.

تريد <S. باهن>(12) تغيير الطريقة التي يتم وفقها تشخيص الاضطرابات النفسية الخطيرة. فقد قضت 15 عاما تسبر أغوار الدم والدماغ لدى مرضى الفصام والاضطرابات الثنائية القطب (وفيه يتذبذب مزاج الشخص بين الهوس mania والاكتئاب depression)، وتبحث عن بروتينات تشير إلى احتمال حدوث هذه الحالات لدى أحد الأشخاص. ويؤمل أن تقدم هذه الجزيئات التي تعرف باسم الواسمات البيولوجية biomarkersطريقة أكثر موضوعية لتعرّف الأمراض النفسية من الطريقة المعتادة التي يستند فيها التشخيص إلى حد كبير، إلى السلوكيات التي يُبلّغ عنها المريض نفسه.

ومع أن الواسمات البيولوجية قد حسّنت طرق تشخيص العديد من الأمراض ومن بينها الداء السكري والمرض القلبي، فلم يثبت حتى الآن أنها مفيدة أيضا في الأمراض النفسية. ومع ذلك، فإن <باهن> إلى جانب عدد قليل من الاختصاصيين في العلوم العصبية، مقتنعون بأن الواسمات البيولوجية ستصبح في وقت قريب مكوّنا لا غنى عنه من مجموعة وسائل تشخيص الأمراض النفسية. ويتوفر الآن تجاريا اختباران دمويان – يستند أحدهما إلى الأبحاث التي أجرتها <باهن> – يُستخدمان لهذا الغرض.

وفي عام 1977 بدأت <باهن> بتفحص نسج دماغية محفوظة لرجال ونساء ماتوا وكانوا مصابين بالفصام، فوجدت أن في العينات التي فحصتها مستويات عالية أو منخفضة من 50 بروتينا مقارنة بالنسج الدماغية لأشخاص أصحاء، ويسهم 19 بروتينا منها في العمليات التي تجريها المتقدرات(13)، وهي عضيات organelles ضئيلة جدا منتجة للطاقة  في الخلايا. كما وجدت <باهن> أيضا بيّنات على أن العصبونات لدى مرضى الفصام لا تستطيع استخدام الگلوكوز استخداما فعالا، وإنما تعتمد على جزيئات مختلفة هي اللاكتات كمصدر بديل للطاقة.

وفي عام 2006 وجدت <باهن> اختلافات كيميائية حيوية مشابهة في السائل الدماغي الشوكي وفي الدم لدى الأحياء المصابين بالفصام. وقد ميّزت في دراستين هما الأحدث من بين دراساتها، المرضى المصابين بالفصام من أولئك الأصحاء بدقة بلغت 80 في المئة، وذلك بفحص مستويات 51 بروتينا من بروتينات الدم. وتضم هذه المجموعة من الواسمات البيولوجية (الحيوية) الكورتيزول، وهو هرمون الاستجابة للكرب stress، وبروتينا يعرف باسم العامل التغذوي العصبي المشتق من الدماغ (14)(BDNF)الذي يشجع على نمو عصبونات جديدة إلى جانب إنشاء اتصالات جديدة بين العصبونات الموجودة من قبل.

واستنادا إلى الأبحاث التي أجرتها <باهن> طوّر مختبر Myriad في أوستن بولاية تكساس  اختبارا دمويا لكشف الفصام تبلغ تكلفته 2500 دولار أمريكي وأطلق عليه اسمVeriPsych، وهو اختبار يقيس مقادير البروتينات المختلفة التي حددتها <باهن> من قبل. ومع أن الاختبار لم يحصل على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA، فقد سمح للأطباء النفسيين باستخدامه في ممارساتهم. (بعض الاختبارات التي يقتصر إجراؤها على مختبر وحيد لا تحتاج إلى موافقة الإدارةFDA طالما أنه يلبي المعايير الصارمة لاستخدامه عند المرض).

ويشبه ذلك ما طورته شركة Ridge للمواد  التشخيصية التي مقرها سان دييگو، وهو اختبار لواسم بيولوجي لكشف الاكتئاب توفره الشركة من خلال مختبر في كارولينا الشمالية لقاء 745 دولارا أمريكيا. ويدعى هذا الاختبار MDD Score (والاسم MDD مشتق من الأحرف الأولى لعبارة الاضطراب الاكتئابي الكبير major depressive disorder)، وهو يكشف 10 واسمات بيولوجية في الدم من بينها العامل التغذوي العصبي المشتق من الدماغBDNF والكورتيزول.

هذا ولم يتحقق العلماء من صحة هذه الاختبارات الدموية في التجارب السريرية باستثناء دراسات صغيرة موّلتها الشركات ذاتها. ومع ذلك، فإن عددا قليلا من الأطباء النفسيين يجدون أن هذه الأدوات تساعدهم على تمييز الفصام من الذهان المؤقت المحرض بالأدوية(15)  أو على مساعدة المرضى  المصابين بالاكتئاب على تقبّل حقيقة حالتهم وحاجتهم إلى المساعدة.

 

  مراجع للاستزادة

 

Personalized Medicinewww.genome.gov/13514107
Bionic Eye: 
www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2801810
Zeroing In on Cancer
http://nano.cancer.gov
Smart Implantable Devices:
www.ted.com/talks/eric_topol_the_wireless_future_of_medicine.html
Blood Tests for Mental Illness:
www.nap.edu/catalog.php?record_id=11947

(*)TOMORROWʼS MEDICINE

(**)PERSONALIZED MEDICINE: يقصد بذلك الطب الذي يراعي الفروق الفردية بين المرض ليلائم حالة كل مريض على حدة.

(***)BIONIC EYE = عين إلكترونية، وكلمة Bionic هي صفة للجسم أو العضو الذي يحتوي على جهيزة إلكترونية تجعله قادرا على العمل.

(****)ZEROING IN ON CANCER

(*****)SMART IMPLANTABLE DEVICES

(******)BLOOD TESTS FOR MENTAL ILLNESS

 

(1) devices أو نبائط (ج: نبيطة)
(2) kit
(3) genetics

(4) hereditary material (التحرير)

(5) ARTIFICIAL SIGHT

(6) biopolar cells (التحرير)

(7) infection أو عدوى.

(8) coil

(9) البصر الثاني. (التحرير)

(10) monitors
(11) Angel Medical Systems
(12) رئيسة مختبر في جامعة كامبردج.

(13) mitochondria

(14) (brain-derived neurotrophic factor (BNDF
(15) a temporary drug-induced psychosis

http://oloommagazine.com/Images/none.gif

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

زر الذهاب إلى الأعلى