أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
العلوم البيئيةبشرعلم المحيطات

صيد البحر لإطعام بلايين البشر


صيد البحر لإطعام بلايين البشر(*)

كيف تحاول مجموعة من المتنبئين (١) إطعام
الصين والحفاظ على محيطات العالم.

<E. ڤانس>

 

باختصار

   تنتج الصين ثلث إنتاج العالم من المأكولات البحرية، وتستهلك أكثر من عشرة بلدان مجتمعة تليها في القائمة. إن قدرة الصين على إعادة تنظيم مزارعها السمكية في المياه العذبة والمالحة لتخفيف الصيد في البحر، سيحدد ما إذا كانت صناعة صيد الأسماك في العالم ستستمر أو تنهار.


تحاول مجموعة من العلماء ورجال الأعمال إعادة تصميم نظم الزراعة المائية بحيث يمكن لكثير من الأنواع السمكية استهلاك مخلفات بعضها بعضا؛ مما يجعل المزارع السمكية أقل تلويثا وأكثر استدامة. ويسعى هؤلاء إلى تطبيق هذا المبدأ على آلاف المزارع الصينية الصغيرة والكبيرة في المياه العذبة والتي تنتج 70 في المئة من الأسماك المستهلكة في البلاد.

   وحتى الآن لا تزال المأكولات البحرية المنتجة وفقا لهذه الطريقة باهظة الثمن، ولكن يتعين خفض التكاليف قبل أن يشتري المستهلكون الصينيون تلك المنتجات على نطاق أوسع.

 

 

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/11-12/2015_12_11_04.jpg
يقسم التشبيك(٢) بحيرة ليانگزي إلى مناطق مزروعة من قبل شركتين. وثمة حاجة إلى زيادة إنتاجية المزارع السمكية في المياه العذبة لتخفيف الإفراط في صيد أسماك البحر.

 

في الشهر 1/2007، كان <N. فو> يجهز قاربه الصغير لما بدا أنه يوم آخر من أيام صيد الأخطبوط(٣)  قبالة سواحل ڤيتنام. وسرعان ما توجه إلى البحر، وإذ بعدة قوارب صينية تلوح في الأفق. وعلى الفور فكّر <فو> في الهرب، ولكنه كان يعلم أنه لن يستطيع الابتعاد كثيرا. وعندما حاذت البوارج الصينية قاربه، لم يبدِ <فو> أو طاقمه أية مقاومة، قائلا: «لا نجازف مع الصينيين» وإنما «نكتفي فقط بهذه الوضعية» – جثم على الأرض ويديه أعلى رأسه – «مبتهلين إلى الله أن يلهمنا الصبر.»

يزعم <فو> أن جنودا صينيين صادروا قاربه واقتادوه هو وطاقمه إلى السجن في جزيرة مجاورة، حيث أمضوا أكثر من شهر في زنزانة صغيرة وكانوا يتعرضون للتعذيب يوميا، ثم أُخلي سبيلهم بعد ذلك دون محاكمة أو قاض أو توضيح. لقد قبض عليه ثم أطلق سراحه تماما كما لو أنه كان سمكة في الماء.

إن قصة <فو> تلك التي أخبرني بها في الشهر 8/2014 عن طريق مترجم، تتطابق تماما مع ما هو معروف جيدا من أسلوب الاستعراض الصيني في السنوات الأخيرة في مياه المحيط الهادي الآسيوية. وبهذا الصدد، يقول صيادو أسماك التونا في جزر فيجي(٤) إن صيادي السمك الصينيين يرفضون الاعتراف بحدود الصيد الخاصة بهم حول جزرهم. ومثل هذه الانتهاكات الصينية في المياه الإقليمية لليابان قد تسببت في تأجيج الصراع المتوتر أصلا بين البلدين. كما تحاول الفلبين أيضا ترسيخ وجودها العسكري في بعض المناطق ذات المياه الضحلة والتي بدأت تجوبها الآن قوارب الصيد الصينية قبالة شواطئها، حيث تزعم الصين أن بحر الصين الجنوبي هو جزء من حدودها الإقليمية منذ مئات السنين.

ثمة حقيقة غير قابلة للنقاش وهي أن الصين جائعة للأسماك. وبما أن مستوى المعيشة في البلاد قد ارتفع، فقد ازداد الطلب على المأكولات البحرية بشكل ملحوظ. ويستهلك الفرد الصيني من السمك ما يزيد على 50 في المئة عن الفرد الأمريكي. كما أن الصين بعدد سكانها البليون و400 مليون نسمة تستهلك من السمك ما يفوق استهلاك البلدان العشرة الكبرى التي تليها مجتمعة.

ولتلبية الطلب المتزايد على الأسماك، أنتجت الصين عام 2012 من السمك ما يقارب 57 طنا من مزارع سمكية طبيعية أو صناعية، وهو ما يعادل ثلث الإنتاج العالمي، طبقا لمنظمة الأمم المتحدة للزراعة والأغذية(5)  (الفاو). ولدى الصين حاليا 700 ألف سفينة صيد تجوب المياه حول العالم وتدلي بأقفاص ضخمة إلى قاع المحيط ساحبة شباك صيد ضخمة بحجم ملعب كرة قدم. وهناك دول أخرى تستخدم تقنيات مشابهة، ولكن الصين تتفوق حتى على اليابان والولايات المتحدة وتُعتبر مسؤولة عن استنزاف مسامك العالم (المحيطات).

ونتيجة لذلك، فإن كثيراً من الحيوانات البحرية المستخدمة في أطباق شائعة، كخيار البحر(6)، وسمك القرش وأذن البحر(7)، آخذة بالتضاؤل في مختلف أنحاء العالم. وباستثناء إجراءات رمزية كحظر استخدام الحساء المحضر من زعانف ســمك القرش في المراكــز الحكوميــة، فـإن الحكومة الصينية لا تزال حتى الآن مترددة في الاعتراف بهذه المشكلة.

ولكن بعض رجال الأعمال والعلماء الصينيين، القلقين من أن الطرق الحديثة لصيد السمك تستنزف أسماك المحيطات بوقت أسرع من توالدها، قد بدؤوا للتو بالاهتمام بالمشكلة. وتحاول ثلة من هؤلاء الطموحين قلب الموازين من خلال إعادة تنظيم الزراعة السمكية الصينية بدءا من آلاف المزارع الصغيرة في المياه العذبة، والتي لا تزال تستخدم الطرق القديمة في الصيد، إلى مزارع صناعية ضخمة في المحيط.

إن الهدف من ذلك هو تحويل العمليات القديمة الملوثة وقليلة المردود إلى نموذج صيني فريد في إنتاج الطعام البحري بطريقة مستدامة، وفي الوقت نفسه مساعدة مربي مزارع الأسماك الصغيرة والكبيرة على الازدهار. كما يطمحون إلى تلبية رغبات المستهلكين الصينيين بتقديم أسماك نظيفة وصحية للأكل من خلال تقديم مزارعهم السمكية على أنها مزارع متطورة بديلة عن المزارع التقليدية القديمة. وإذا استطاع هؤلاء الباحثون ورجال الأعمال إيجاد طرق مستدامة لتلبية الطلب على الأنواع السمكية المفضلة تراثيا، كشبوط المياه العذبة (الكارب(8))، فإنهم سيقطعون شوطا طويلا نحو إنقاذ مسامك العالم من الاستنزاف.

إدارة المحيط كمزرعة(**)

تتميز مياه المزرعة السمكية حول جزيرة زانگزي(9) قرب كوريا بالبرودة. ويقال إن هذه المياه الباردة تنتج أجود المأكولات البحرية في العالم. ويعتبر الخليج الصغير الذي أُجهِّز نفسي للدخول إليه مشهورا، لأنه في عام 1972 وقع الاختيار على سمك أذن البحر لتحضير مأدبة تكريم الرئيس الأمريكي <نيكسون> آنذاك أثناء زيارته التاريخية التي آذنت بفتح العلاقات التجارية مع الصين.

إن دفء الهواء اليوم يجعل سترة الغطس التي أرتديها بسماكة سبعة ميليمترات خانقة في الدقائق القليلة التي تسبق غطسي في الماء مع مرشدَين ومصور، كما لو كنا أكياس بطاطا من مطاط صناعي neoprene. وكان رفاقي صيادي أسماك لدى مجموعة زانگزيداو Zhangzidao، التي كانت سابقا شركة استزراع سمك تقليدية، ولكنها اليوم تعكف على اختبار فكرة جديدة. إنهم لطفاء للغاية، ولكنهم مرتابون قليلا؛ لأننا أول صحفيين أجانب نزور الموقع.

كلما تعمقنا أكثر في الغطس في الماء المظلم، كنا نرى ما يشبه نظاما بيئيا ساحليا شائعا: أعشاب وطحالب بحرية(10)  وامتدادات رملية عريضة. بعد ذلك، شاهدت خيار البحر وثنائيات الصدفة(11) وقنافذ البحر(12) متناثرة في قاع المحيط تتجول مكشوفة وليست مخفية في شقوق أو جحور، كما قد يخطر على البال. وقد بدأ الصيادون مباشرة بالتقاط تلك المخلوقات البحرية يدويا كما يلتقط الأطفال بيوض الشوكولا في عيد الفصح.

وتستخدم هذه المزرعة السمكية – إن جازت تسميتها كذلك – مقاربة جديدة تحاكي النظام الطبيعي على نطاق واسع. فمن ورائنا، وعلى امتداد هذا الخليج وخلجان أخرى مجاورة، هناك صفوف لاحصر لها من الأقفاص المملوءة بصغار أصداف الأسقلوب(13) التي سترمى إلى الماء وتبقى إلى أن تكبر بما فيه الكفاية ليصار إلى جنيهـا من قبــل هؤلاء السابحين بجانبي. وخلافا لذلك، لاتوجد هناك أقفاص أو حظائر مُسيّجة. كذلك لاتوجد مُخصِّبات(14) أو تغذية صناعية أو مضادات حيوية.

ويقول <L. جون> [المسؤول العلمي في الشركة]: «إننا نستخدم نظاما مائيا غذائيا متكاملا يطلق عليه (IMTA)ا(15)، حيث تكون مخلفات أحد الأنواع غذاء لنوع آخر.»

ويعتبر هذا النظام IMTA للمزارع السمكية مفهوما واسع الانتشار ظهر بأشكال مختلفة في بعض البلدان مثل كندا واسكتلندا والولايات المتحدة والنرويج. وتقوم فكرته على تربية أنواع متعددة يتغذى بعضها بمخلفات بعضٍ؛ مما يخفف من تلوث الماء. وأكثر أنماط هذا النظام شيوعا هي وجود سلسلة من الأقفاص المتجاورة حيث تتغذى كائنات أحد الأقفاص بمخلفات(16)القفص الآخر. وأشهر هذه الأنظمة، على سبيل المثال، مشروع خليج فاندي(17)في كندا الذي يستخدم أقفاصا منسقة بطريقة تسمح بمرور الغذاء(18)  مع تيار الماء من سمك سليمان إلى ثنائيات الصدفة ثم إلى أعشاب بحرية.

لكن شركة زانگزيداو تنتهج مسلكا آخر مختلفا تماما. وفي الحقيقة، تمثل جزيرة زانگزي وجزر أخرى كثيرة حولها ما يشبه القفص بحكم موقعها الجغرافي. ولهذا، درس فريق <جون> بعناية حركة المغذيات (المخلفات) على طول الشواطئ، وقاموا أحيانا ببناء حيود(19)  بحرية صناعية لتوجيه التيارات المائية التي تنقل المغذيات. وبعد ذلك، قاموا بزراعة المناطق المحيطة بالجزر والغنية بالمغذيات بأصداف الأسقلوب الصغيرة التي تمت تربيتها كي تنمو وتزدهر بعد أن تتم إزالة مفترساتها.

وهكذا تصبح المياه غنية بشكل طبيعي ببعض الأنواع المختارة. وتراقب الشركة بعض المؤشرات الرئيسية كدرجة الحرارة، ولكن في غالب الأحيان تُترك الحيوانات وشأنها – تحمي نفسها بنفسها – إلى أن يقوم غواصون بجمعها بانتظام. ليس هناك صيد عشوائي(20)  – أي صيد أنواع غير مرغوب فيها كما هي الحال في الصيد البري، كما أن التلوث قليل أيضا. وتقوم الشركة بإعادة تصنيع الصدف على شكل كتل خرسانية لتكوين شعاب جديدة مستقبلا.

إن أهم ما يميز هذا المشروع حقا هو حجمه. ويقول <T. شوپان> [المختص بعلم الأحياء من جامعة برونزويك الجديدة، ويعمل في مشروع خليج فاندي]: «عندما قرروا إنشاء زراعة مائية في خليج صغير، تجاوزوه إلى أبعد من ذلك بكثير، وهو ما قد يكون مستحيلا في العالم الغربي. إن الأمر مختلف تماما.»

ففي الوقت الذي يغطي فيه مشروع فاندي بضعة هكتارات فقط ويضم تسعة أطواف لتربية بلح البحر(21)، والذي يقوم بترشيح المخلفات السائلة، فإن مساحة مزرعة جزيرة زانگزي تعادل أربعة أضعاف مساحة شيكاغو. كما أن خليج فاندي ينتج سنويا نحو 200 طن من عشب البحر و300 إلى 400 طن من بلح البحر، بينما تنتج مزرعة جزيرة زانگزي 60 ألف طن من عشب البحر كمنتج ثانوي في غالب الأحيان، وهو يُسوّق محليا. ولكن الربح الحقيقي يأتي من إنتاج 200 طن من قنفذ البحر و300 طن من المحار(22)، و700 طن من القواقع البحرية(23) و2200 طن من أذن البحر وكمية ضخمة من الأسقلوب المربى، تبلغ 50 ألف طن في العام. وتعتبر هذه العملية منتجة للغاية، الأمر الذي جعل شركة زانگزيداو تنشئ مؤخرا صناعة سياحية لصيد الأسماك التي تتجول في الخلجان وتتغذى باللافقاريات المزدهرة هناك.

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/11-12/2015_12_11_06.jpg
http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/11-12/2015_12_11_07_a.jpg
http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/11-12/2015_12_11_07_b.jpg
http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/11-12/2015_12_11_07_c.png
تعتمد مزرعة زانگزيداو على حركة التيارات البحرية لتوزيع المغذيات على مختلف الأنواع. ويقوم المزارعون بفرز محار الأسقلوب قبل وضعها في الماء (الصورة الأخيرة)، وغطس (الصورة الأولى) لمراقبة نمو خيار البحر (الصورة الثانية)، وتحضير كتل كبيرة مصنعة من أصداف محار الأسقلوب (الصورة الثالثة) لاستخدامها في توجيه التيارات المائية.

 

ويقول <جون>: «إن هذا النمط من الزراعة المائية لا ينجح إلا إذا أنشئ على نطاق واسع. ولكي يكون مجديا اقتصاديا، يحتاج إلى مساحة لا تقل عن مئة كيلو متر مربع، أي ما يعادل مساحة مدينة صغيرة. كما أن إنشاء مزرعة من هذا القبيل، يحتاج إلى كثير من البحوث العلمية عن حركية مياه المحيطات.»

يدير <جون> شاشة حاسوبه لعرض خريطة مفصلة للجزر مبينة أين تتركز المغذيات وأين يكون المردود في ذروته. وتعتمد معظم هذه العوامل، تركيز المغذيات وحجم المردود، على حركة التيارات المائية في المحيط، والتي يمكن لـ<جون> التحكم فيها إلى حد ما من خلال إلقاء بعض الكتل الخرسانية في الماء، والتي تضاهي بأحجامها أحجام الثلاجات، لتشكيل شعاب صناعية. وقد ألقى <جون> إلى الآن نحو 20 ألف كتلة من هذه الكتل في مياه البحر.

ويقول بعض الغربيين إن مزرعة زانگزيداو لا تستخدم حقا النظام IMTA، نظرا لأنها لا تزرع أو تجني أسماكا زعنفية يمكن لمخلفاتها، من حيث المبدأ، أن تغذي اللافقاريات. ولكنهم يفضلون مصطلحا آخر أقل تقنية، مثل مزرعة بحرية(24). وفي كلتا الحالتين، فإن مزرعة زانگزيداو تثير الدهشة من حيث الحجم والكفاءة. ومع ذلك، فهي ليست بأي حال من الأحوال خالية من العيوب. فعلى سبيل المثال، وطبقا لأحد مندوبي المزرعة، فإن أكثر من نصف مساحتها عميق جدا بحيث لا يمكن الصيد فيها يدويا، ولذلك لا يزال الصيادون يستخدمون شباك صيد ثقيلة وصلبة، بعرض خمسة أمتار لكل شبكة، ويتم سحبها على طول قاع المحيط، الأمر الذي يتسبب غالبا في إيذاء القاع. كما أن منتجات مزرعة زانگزيداو باهظة الثمن. ويباع خيار البحر في الصين، وهو كائن صغير خشن المظهر شبيه بالحلزون عديم القوقعة وقريب من نجم البحر، بما يعادل 250 دولاراً للقطعة الواحدة. وهكذا، فإن الطعام البحري المستدام في الصين يبدو محصورا بالأثرياء في المقام الأول، كما هي الحال في الولايات المتحدة وأوروبا.

الاهتمام بجميع المستهلكين(***)

بيد أن الحجم غير المسبوق للمشروع يلوّح إلى إمكانية إيجاد حل للطلب الصيني الضخم على المأكولات البحرية. وتكمن الفكرة في إتاحة المأكولات البحرية المستدامة للمستهلكين بجميع مستويات دخولهم. وفي هذا الصدد يقول <Y. فينگ> [رئيس مجموعة زانگزيداو]: «إن تسويق المنتجات المستدامة في الصين هو تحدٍ كبير، على الأقل في الوقت الراهن»، مضيفا أن «المستهلكين ستكون لهم الكلمة الفصل من خلال التساؤل التالي: ما الفائدة التي أجنيها من ذلك؟»

 

ولكن، ليس لدى المستهلكين الصينيين أي اكتراث بالبيئة حتى الآن ولا يرغبون في إنفاق الكثير للمساهمة في الحفاظ عليها، نظرا لوجود اهتمام أكبر في مخيلتهم. ويقول <A. يان> [من المكتب الاستشاري للوكالة البحرية في آسيا والمحيط الهادي]: «إن الحكومة والمستهلكين الصينيين يبحثون حقا عن منتجات غذائية سليمة حقاً.»

إن بعض المخاوف الصحية السابقة، المرتبطة بالتسمم بالرصاص والحليب الممزوج بالميلامين، جعلت الصينيين يشعرون بالقلق إزاء مصدر غذائهم. ولكن <يان> يبرر بالقول إن التغييرات في عملية الإنتاج الهادفة إلى تحسين سلامة الغذاء تفتح الباب نحو الحفاظ على هذا الإنتاج. وعندما بدأت مزرعة زانگزيداو بتجربتها، كانت تُصدِّر معظم إنتاجها من الأسقلوب إلى مشترين من ذوي الوعي البيئي في الولايات المتحدة وأستراليا وأوروبا. ولكن جميع إنتاجها حاليا من المأكولات البحرية يبقى في الصين ويسوّق على أنه صحي أكثر من كونه صديقاً للبيئة.

وصدى هذا الخطاب التجاري يتردد في سوق قرب مدينة داليان(25)، حيث الرغبة للمنتج جلية. وقد مشيت بين ممرات السوق المرصوفة بخيار البحر وسرطان البحر والمحار والقواقع، وكانت تتجاذبني أصوات الباعة بالصينية «ما هو طلبك؟!» وقد نفث محارٌ طازج الماءَ على سروالي بينما كانت العجائز تغترف القريدس بالمجارف تحت لافتات مزركشة برّاقة تظهر عليها رسوم سمك فكاهية.

وكانت تقريبا كل بسطة(26) في سوق السمك تدعي بأن مصدر أسماكها هو مسمكة زانگزي، وهو أمر مستبعد لأن شركة زانگزيداو غالبا ما تبيع أسماكها إلى تجار تجزئة كبار ومطاعم راقية. ولكن هذه الادعاءات تبين أن اسم العلامة التجارية «زانگزي» قد أضحى مَطمَعا. ويقول <N .M. أويانگ> [صاحب أحد الأكشاك الذي يبيع منتجات الجزيرة مقابل 20 في المئة إضافية]: «إن لديهم شعابا مرجانية صناعية، وهو أمر صحي جدا للأسماك». ويضيف بائع آخر، عمره 35 سنة واسمه <Z .H. ليانگ>: «إن الماء هناك أنظف أيضا.»

لا أحد من تجار السمك يذكر المخاطر البيئية، وعندما نسألهم عن ذلك، يقولون إن الحفاظ على الحياة البرية ليس بتلك الأهمية لزبائنهم. وللعلم ثمة مناطق أخرى تقوم الآن بتجريب النظام IMTA. وهناك، على طول الشواطئ القريبة من مدينة داليان وباتجاه الجنوب نحو خليج سانگو(27)، مساحات شاسعة من مزارع أعشاب البحر تستخدم بعض عناصر هذه التقنية على مستويات مترامية الأطراف ومتجانسة، ولكنها بالتأكيد، أقل تنوعا حيويا. ولتلبية المطالب الهائلة في الصين الجائعة، لا بد من أن يقوم أصحاب المزارع المائية البحرية بتوسيع مثل هذه النماذج إلى أبعد من ذلك بكثير.

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/11-12/2015_12_11_08.jpg
مزارعون في بحيرة لوهو يغذون أسماك الماندرين(28) التي يربونها بعد أن ضاقوا ذرعا بأسماك الشبوط التي تلوث الماء.

 

بحيرات وبرك أنظف(****)

قد تهيمن مئات الآلاف من قوارب الملاحة البحرية في الصين على السوق العالمية، ولكن، ليس جميع المأكولات البحرية تهيمن على السوق الاستهلاكية المحلية في البلاد. إذ لا يزال أكثر من 70 في المئة من الأسماك المستهلكة في الصين هو البحيرات والأنهار. وثمة مخاوف حديثة عن تلوث المياه العذبة جعلت أصحاب بعض المطاعم يشعرون بالقلق تجاه الأسماك التقليدية. ومن ثم، فإن أي محاولة لكبح تأثير الصين في البحر سيتطلب إعادة الثقة بمزارع أسماك المياه العذبة. وهناك الآن شبكة من العلماء يحاولون تحقيق ذلك على طول البلاد وعرضها في أهم مناطق تربية الأسماك بالصين.

وتتضح أهمية تربية الأحياء المائية في الصين حول نهر يانگتزي(29) بمجرد الهبوط إلى منطقة ووهان(30)، على بعد 500 كيلو متر من شنگهاي باتجاه منبع النهر. وهي مركز أكبر منطقة لتربية الأسماك في الصين، كأكبر بلد مربٍ للأسماك في العالم. فقد تم حفر كل سنتيمتر مربع من الأراضي غير المستخدمة حول المطار وتحت الجسور وبمحاذاة الطرق السريعة وعلى مدى النظر؛ ليصار إلى ملئه بالماء وزرعه بالأسماك.

يقول <Sh. إكسي> [وهو باحث من الأكاديمية الصينية للعلوم]: «انظروا إلى اليسار،» حيث تقع عيوننا على ما يبدو على خطوط لا متناهية من البرك، «هذا هو سبب تسميتنا لمقاطعة هوبي(31) بأرض الألف بركة».

إن نحو 400 18 كيلومتراً مربعاً من مساحة الصين، أي ما يعادل تقريبا مساحة نيوجرسي، هي برك سمكية. ومع أنه قد يكون من الصعب تصوّر ذلك بالنسبة إلى الأمريكيين، إلاّ أن الخبراء الصينيين يقولون إن خُمس حاجة العالم إلى البروتين الحيواني تأتي من أسماك المياه العذبة، نصفها من هنا، في قلب الصين على طول نهر يانگتزي.

ولكن عناوين أخبار هذه الأيام حول التلوث المستشري في المياه والأغذية قد زعزعت ثقة المستهلك بأطعمة البرك التقليدية كسمك الهر(32) والشبوط(33). ويقول <سييه>: «إن هذا مثار سخرية، إننا نتتبع الأسماك (في البرك) خلال جميع مراحل حياتها، بينما في حال الأسماك البرية فلا أحد يقتفي أثرها أو يعرف ما هي الملوثات التي تصادفها.»

ومع ذلك، ليست مزارع المياه العذبة التقليدية مستدامة تماما. وتعود زراعة الأحياء المائية في الصين إلى الفيلسوف الصيني <F. لي> الذي عاش في القرن الخـامـس قبل الميلاد، وكان سياسيا ومستشارا للملك <J. وييه> القوي الشكيمة. فبعد حياة مهنية عسكرية ناجحة، تقاعد <لي> في بلدة ووكسي(34) في الجانب المحاذي للبحيرة، وهناك كتب أول دليل عالمي لتربية الأحياء المائية. ويتضمن كتيبه المؤلف من 400 كلمة صينية تفاصيل حول عدد أسماك الشبوط التي يمكن البدء بها، وأنسب الفصول للزراعة وتوصية لتربية السلاحف لدرء خطر «تنين الفيضان.»(35)

لقد استثمرت الممارسات القديمة لآلاف السنين في العمل على برك صغيرة جنبا إلى جنب مع مزارع أرضية حافظت على مياه نظيفة وأسماك صحية. ولكن بدءا من ثمانينات القرن العشرين أخذت هذه الصناعة بالتحول إلى برك صناعية كبيرة مترامية الأطراف. ومع النمو الكبير لصناعات أخرى، سَبَّب هذا التحول تلوثا شديدا. وفي عام 2007، تطور الوضع إلى حالة كارثية مع النمو الهائل للطحالب في بحيرة تاي هو(36)، وهي الموطن الأسطوري لـ<لي>. ويقول <سييه>: «نظرا لأن مصدر معظم مياه الصنابير في منطقة ووكسي هو بحيرة <تاي هو>، فإن المواطنين لم يستطيعوا شربها لأنها أصبحت سوداء، وعند الاستحمام بها تفوح منها رائحة سيئة للغاية.»

وفي عام 2007 كانت حركة الأمواج السوداء بمثابة ناقوس الخطر لإيقاظ الصين. ومنذئذ لم يعد بمقدور الناس الثقة بالماء الذي يشربونه أو السمك الذي يأكلونه. ومع أن مشكلة الطحالب لم تنجم بالدرجة الأولى عن مزارع السمك، إلا أن تلك الحادثة أسهمت في دفع أصحاب المزارع المائية في الصين إلى التركيز على الإنتاجية العالية التي تحافظ على البيئة. ويعمل الآن بعض الناس، مثل <سييه>، على الحفاظ على ماء نظيف مع زيادة المردود في الوقت نفسه.

 

[لائحة الصدارة(37)]

أكبر منتجي الأسماك في العالم(*****)

   تعتبر الصين إلى حد بعيد أكبر منتج للأسماك والقشريات والرخويات في العالم كمأكولات بحرية تستخرج من المحيطات والبحيرات والأنهار. ففي عام 2012 (أحدث البيانات المتوفرة)، أنتجت الصين 17.7 في المئة من المأكولات البحرية التي تم صيدها على الحالة البرية (العمود الأيسر، أدناه)، أي ما يعادل تقريبا ثلاثة أضعاف الكمية المنتجة من قبل البلد الذي يليها في القائمة (إندونيسيا). والأكثر دهشة هو أنها أنتجت 61.7 في المئة من الأسماك من مزارع مائية عذبة ومالحة (العمود الأيمن). وإذا ما أريد للمصايد الطبيعية أن تدوم، وهي في طور الانقراض الآن، فإنه يتعين على الدول وعلى رأسها الصين تربية المزيد من الأسماك.

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/11-12/2015_12_11_09.jpg
إنتاج المأكولات البحرية في المياه العذبة والمالحة (2012)

 

 

عملية توازن(******)

إن جميع الأنظمة البيئية في المياه العذبة تكون في حالة تذبذب مستمر بين كميات وافرة ونادرة من المغذيات. ففي البحيرات الكبرى، على سبيل المثال، تنمو أنواع حية غازية تستنزف المدخرات الغذائية وتجعل الماء صافيا غنيا بالأكسجين ولكن لا حياة فيه. وبالمقابل، هناك الكثير من المغذيات في بحيرة يانگتزي، كالنيتروجين والفوسفور، والقليل جدا من الأكسجين، ونتيجة ذلك هي مياه خضراء داكنة مأهولة فقط بالكائنات القادرة على النمو في بيئة فقيرة بالأكسجين ألا وهي الطحالب(38).

لقد كانت المغذيات الخارجة والداخلة إلى كثير من المزارع السمكية في حالة توازن طبيعي لقرون خلت. ولكن في السنوات الأخيرة بدأ ذلك التوازن بالاختلال. ويعود جزء من هذه المشكلة إلى التلوث، ولكن السبب الآخر هو الزراعة المائية نفسها. ويعتبر سمك الشبوط أحد أكثر الأسماك شعبية في الصين، وهو أحد العوائل السمكية التي تنمو وتزدهر بسرعة بالتغذية بكل شيء تقريبا، من الطحالب إلى مخلفات مياه الصرف الصحي. وتطرح أسماك الشبوط مخلفات غنية بالنتروجين تستقر في التربة، ويعتبر هذا النوع من المخلفات، إضافة إلى أسمدة الزراعة السمكية، غذاء جيدا للطحالب التي تنمو بكثافة حاجبة ضوء الشمس عن النباتات التي يمكن أن تنتج الأكسجين. وتستمر هذه الدورة إلى أن يصبح القليل جدا من الأنواع الحية في البحيرة قادرا على النمو باستثناء أسماك الشبوط والطحالب. وقد زادت كمية الطحالب في إحدى بحيرات مقاطعة هوبي بمقدار 20 ضعفا وانخفضت فيها الرؤية بمقدار النصف خلال عقد من النمو السريع.

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/11-12/2015_12_11_10.jpg
زوج وزوجته يقومان بتسميد البركة التي يديرانها قرب ووهان. ويحاول العلماء مساعدة آلاف العائلات على إدارة أحواضهم السمكية بطريقة أكثر استدامة، وهو أمر حيوي لتلبية الطلب المتزايد على الأسماك في الصين.

 

لقد كنت أتأمل ذلك وأنا أتجول في قارب سباق صغير على ضفاف بحيرة ليانگزي(39) التي كانت صامتة بشكل مخيف، ولم أستطع التمييز ما إذا كانت الطبقة التي تعلونا هي غطاء غيمي منخفض أو ضباب دخاني. وكان الماء ساكنا تماما ومُخضرّا كما لو أنه بساط ضخم من حساء بازلاء هَشٍّ.

ومنذ عشر سنوات مضت، كانت هناك العشرات من الأقفاص (أو الحظائر(40)السمكية)، كل منها مليء بأسماك الشبوط التي تكدست على طول الشاطئ وكانت مخلفاتها تقتل كل شيء في البحيرة. وقد طلبت الحكومة المحلية إلى جامعة ووهان المساعدة على إعادة هيكلة الزراعة المائية في البحيــرة، وهي أكبــر ثــاني مــزرعــة في المقــاطـعــة. وقــد أدرك <G. ليو>، زميل <سييه> في الأكاديمية الصينية للعلوم، أن تركيز المخلفات في البحيرة كان يغذي نمو الطحالب فيها.

أما اليوم، فقد اختفت جميع تلك الأقفاص ويقوم مربو الأسماك بإدارة البحيرة بالكامل كما لو أنها نوع واحد فقط من الأقفاص، تاركين الغريزة(41)تقود الأسماك. كما اختفت أيضا معظم أسماك الكارب. ويتركز اهتمام المزارعين والخبراء على تربية الأسماك ذات الجودة العالية كسرطان البحر والماندرين(42)، والتي تلوث أقل ولكنها تقلل أيضا عدد الأسماك في البحيرة. وقد زرعوا شاطئ البحيرة ببعض النباتات التي تعيد الأكسجين إلى الماء.

ويقوم المزارعون مرة واحدة في السنة بتجميع الأسماك في إحدى زوايا البحيرة لاصطيادها بالكامل. وكما هي الحال في داليان، ليست هناك حاجة إلى مخصبات أو أعلاف مكلفة من شأنها أن تزيد أعباء التغذية. ومع وجود مساحة أكبر للسباحة، فإن الأسماك قلّما تتعرض للأمراض. والمدهش هو أن الحجم الصغير لا يؤثر في الناتج النهائي.

ويقول <J .F. دينگ> [مدير إحدى الشركتين اللتين تديران البحيرة]: «إن الربح هنا أفضل مما يمكن الحصول عليه من تربية الأسماك في برك. إنه عمل بسيط للغاية، لأن كل ما نقوم به هو حراسة البحيرة فقط وضمان ألا يسرق أحد السمكَ منها.»

وعلى أية حال، فالكميات القليلة من الأسماك لن تلبي الطلب المتزايد عليها. وإن البحيرة ليست نقية بل عكرة، ولا يزال فيها الكثير من الطحالب. ولكن نوعية الماء قد تحسنت وارتفع فيها مستوى الأكسجين وانخفض مستوى النتروجين، كما أن النباتات المائية بدأت بالتكاثر على طول الشاطئ والرؤية تتحسن تدريجيا.

وثمة مشاريع مشابهة لإصلاح بحيرات أخرى كبيرة وطبيعية في المنطقة، ولكنها لا تزال قاصرة بسبب وجود آلاف البرك الصغيرة، كل منها بحجم ملعب كرة قدم، غامرة الريف المحيط بها. وتنتج هذه البرك العائلية كمية كبيرة من الطعام في الهكتار الواحد وتسهم فعليا في تغذية الناس. إلا أن الحفاظ على مياه نظيفة وأسماك صحية من خلال هذه الإجراءات المحلية يعتبر تحديا كبيرا. ولذا يعكف الخبراء على ابتكار طرق منخفضة التقنية لتأمين منتج صحي أكثر وأكثر استدامة، إضافة إلى الاهتمام بمشاريع أكبر.

كان <C. سييه> (لا صلة له بـ<Sh. سييه>) [الأستاذ من الجامعة الزراعية في هيواز هونج(43)] في طور تجريب ما يسمى بالجزر الطافية(44)  لتنقية الماء. وفي وقت مبكر من صباح أحد الأيام، قادني إلى إحدى برك تلك التجربة قرب بلدة گونگان(45) الصغيرة، حيث كانت توجد على سطح الماء ستة إطارات بلاستيكية بيضاء مليئة بسبانخ الماء. وكانت الإطارات تبدو، إلى حد ما، كـأصوص(46)  عملاقة طافية. وقد أمضى <سييه> عدة سنوات في دراسة الكيفية التي تتفاعل بها النباتات المائية مع محيطها، واستقر رأيه في نهاية المطاف على استخدام هذا النوع (سبانخ الماء) لأنه ينمو بسرعة مكونا شبكة عريضة من الجذور ومستهلكا كميات كبيرة من المغذيات. ويقول <سييه> إنه باستخدام بضعة مغارس(47)  طافية فقط خلال الأشهر الثلاثة الماضية، انخفضت مستويات الأمونيا في الماء بنسبة الثلث. (الكثير من الأمونيا يقتل السمك.)

ويقول <Ch .Y. سو> [أحد مربي الأسماك الذين يعملون في البرك]: «لقد تحسنت نوعية الماء وأصبح أنقى، ولم يعد هناك الكثير من الأسماك النافقة كما في العام الماضي.»

وقد اصطحبنا نجل <سو> في قارب خشبي نحو الأقفاص السمكية واقتلع <سييه> بيده بضع قبضات من السبانخ. وقد بدت الإطارات البلاستيكية التي يبلغ حجم أحدها تقريبا ضعفين أو ثلاثة أضعاف حجم حوض استحمام من طرف إلى طرف، طافيةً على السطح وليست راسية(48). وتبلغ تكلفة إنشاء هذه الأقفاص نحو 150 دولارا، ولكن يتم تعويض هذه التكلفة خلال سنة واحدة فقط إذا استطاع المزارع بيع محصول السبانخ كمحصول عضوي. وفي مطعم قريب، كان أحد الطباخين يطهو أوراق السبانخ على البخار كنوع من المقبلات(49)  المالحة، مضيفا إليها بعض المكسرات ليقدمها مع الكثير من الأطباق المحضرة من أسماك المياه العذبة المتنوعة. ولم أكن معتادا على مذاق أسماك الشبوط أو عظامها الصغيرة، ولكن السبانخ كانت لذيذة والتهمتُها بسرعة.

يقول <سييه>: «إن هذا الخليط من المنتجات هو أمر أساسي.» إذ ينبغي أن تنعكس فوائد الإصلاحات على البيئة والمزارع معا، وعلى الخبراء العمل بشكل وثيق مع السكان المحليين. وقد حققت صناديق زراعة السبانخ هنا كلا المعيارين. ويقول مزارعون محليون إنهم يخططون لتغطية 5 في المئة على الأقل من البرك بهذه الصناديق. وهناك الآن عمال منهمكون على إنشاء المزيد منها على طول الشواطئ.

لقد أصبحت النباتات والحيوانات المائية قضية مركزية في جهود الصين لتنقية مياهها. فبعد طفرة الطحالب(50) في ووكسي عام 20077، كثّف الخبراء جهودهم لاستثمار الأراضي المشبعة بالماء(51)  بمزارع سمكية. وقد بدأت الأكاديمية الصينية بتمويل عدة مشاريع على طول نهر يانگتزي لتربية قواقع المياه العذبة، واللوتس المائي(52)  وعشرات النباتات والحيوانات المائية الأخرى لمكافحة التلوث في المياه.

وعلى سبيل المثال، فإن بحيرة جي هو(53) خالية اليوم من أي قفص سمكي، وهي مغطاة بزنابق مائية مزروعة على مساحة 2.6 كيلومتر مربع لمكافحة التلوث. وبالقرب منها، هناك مزرعة ويو گينگ(54)  للزراعة المائية، وهي مجمع مترامي الأطراف من البرك الصناعية، منها 30 في المئة مخصص لنمط مشابه لترشيح(55) الأراضي الرطبة.

وهناك سلسلة أخرى من البرك الملحقة ببحيرة لوهيو(56) في مقاطعة ووهان أنتجت في الماضي أسماك شبوط شديدة التلويث في مزرعتها التعاونية. وبإنتاج مكثف بلغ 12 طناً سنويا من الأسماك بالهكتار الواحد، كان بإمكان المزارعين جني آلاف الدولارات لو أن الأمور سارت على ما يرام. ولكن نادرا ما تجري الرياح بما تشتهي السَّفن. فمع تلك الكثافة السمكية العالية، تفشت الأمراض والتلوث معا. ففي عام 2008، وبمساعدة الأكاديمية الصينية للعلوم، ألحقت المزرعة بعض الأراضي الرطبة بمنطقة التصريف المتصلة بالجزء الرئيسي من البحيرة. وفي ذات الوقت، تحول المزارعون من الزراعة المكثفة لسمك الشبوط إلى زراعة أسماك الماندرين، الأقل كثافة بعشر مرات وأقل ضررا على البيئة وأكثر ربحية.

يقول <Sh .H. شيا> وهو مربي أسماك عمره 50 سنة ويعمل هنا منذ عقود: «هناك تجربة كل عام، وسندخل 50 أو 100 عينة من نوع معين من أسماك المياه العذبة، ثم 100 عينة من نوع آخر وهكذا. لم أخسر مالاً قطّ على أي بركة، ولكن أحيانا يكون الربح أقل.»

وثمة حلول أخرى تتطلب أعمالا حرفية أكثر عبقرية. فعلى سبيل المثال، طور باحثون في معهد بحوث آلات وأدوات السماكة التابع للأكاديمية الصينية لعلوم الأسماك في شنگهاي، آلة لإصلاح مشكلة شائعة في البرك السمكية الصغيرة، وهي ضعف عملية التمثيل الضوئي في النباتات التي يمكنها تنقية المغذيات. ويقول <H. شو> [مدير المعهد] مشيرا إلى مجمع ضخم من البرك المائية ذات اللون البازلائي الأخضر: «إن نقص الفوسفور في المياه يحدّ من عملية التمثيل الضوئي عندما تكون الشمس مشرقة، علما بأن هناك كميات وافرة من الفوسفور في الرواسب القاعية». لهذا، فقد طور المهندسون في المعهد آلة تعمل على الطاقة الشمسية لإثارة الطين على امتداد قاع البركة. وهكذا عندما تكون الشمس ساطعة، تبدأ الآلة بالعمل لتزويد النباتات بالفوسفور، ولكن عند وجود غيوم تحجب أشعة الشمس تتوقف الآلة عن العمل.

ثمة حاجة ماسة إلى النجاح(*******)

أثار الانتعاش الأخير للثروة في الصين شهية، ربما لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية، للبروتين الحيواني. لذا يجب أن تكون الجهود المبذولة متناسبة بضخامتها للحفاظ على البيئة في المياه العذبة والمالحة على حد سواء. وتعمل الأكاديمية الصينية للعلوم الآن على 30 ألف هكتار من البرك المائية على طول وعرض حوض نهر يانگتزي. وتعتبر مزرعة زانگزيداو أكبر مزرعة بحرية من نوعها في العالم، وهي مع مزرعة الأعشاب البحرية القريبة منها تجعلان أي مشروع غذائي بحري متكامل في العالم يبدو قزما أمامهما.

ويقتبس العمل هنا كثيرا من الأفكار من الولايات المتحدة وأوروبا، ولكن قد يكون المرء ساذجا إن اعتقد أن هذه المزارع قد تشبه مثيلاتها في الغرب. ففي الولايات المتحدة وأوروبا هناك تفضيل لأسماك المياه الباردة كسمك سليمان(57)وسمك سليمان المرقط(58)، والتي تتطلب مياهاً غنية بالأكسجين، بينما تفضل الصين أسماك القط والشبوط التي تتطلب مياها قليلة الأكسجين. كما أن الأفكار الصينية حول سلامة النظام البيئي مختلفة جدا. وبهذا الصدد يقول <T. ستورباكن> [الخبير في العلوم السمكية من الجامعة النرويجية لعلوم الحياة قرب أوسلو]: «ما قد نعتبره بحيرة ملوثة في الغرب يعتبر نظاما فعالا لإنتاج الغذاء في الصين، ولكن بحيرة شديدة التلوث ستكون كارثة. وما يثير إعجابي هو السعي أو التخطيط للحفاظ على هذا التوازن الجيد.»

وقد تشاور <ستورباكن> كثيرا مع الأكاديمية الصينية للعلوم السمكية، وسافر إلى مختلف أنحاء الصين وكان مندهشا من الكيفية التي يستنسخ فيها العلماء النظام الطبيعي بشكل متناسق، مستخدمين العواشب واللواحم(59)والمتغذيات بالترشيح(60). ولدى <ستورباكن> ثقة بأن الصين قد شرعت للتو في فتح فصل جديد بعد آلاف السنين من تطوير وصياغة علاقتها بالمأكولات البحرية. ويضيف قائلا: «إنه شيء مختلف تماما عما نقوم به في الغرب. إنهم يتقنون مواجهة هذه التحديات، ليس بشكل تام على أية حال، ولكن أفضل بكثير من أي مكان آخر.»

المؤلف

  Erik Vance
  <ڤانس> كاتب في الشؤون العلمية يعيش في مدينة مكسيكو، ويتمحور اهتمامه حول علوم البحار وعلم الدماغ. إنه تواق إلى اليوم الذي يستطيع فيه تناول طعام بحري دون شعور بالذنب. http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/11-12/2015_12_11_05.png

  مراجع للاستزادة

 

Sustainable Seafood and Integrated Fish Farming in China. Online video. World Wide Fund for Nature International. September 2, 2012. www.youtube.com/ watch?v=18xyR8KWrgE#t=220
Rich Countries Pay Zombie Fishing Boats $5 Billion a Year to Plunder the Seas. GwynnGuilford in Quartz. Published online June 25, 2014. http://qz.com/225432/rich-countries-pay-zombie-fishing-boats-5-billion-a-year-to-plunder-the-seas
Freshwater Aquaculture in PR China: Trends and Prospects. Qidong Wang et al. in Reviews in Aquaculture. Published online October 25, 2014.
Draft Intertek Fisheries Certification report on Zhangzidao scallop fishery:

www.msc.org/track-a-fishery/fisheries-in-the-program/in-assessment/pacific/zhangzidao-scallop/assessment-downloads-½0141103_PCDR_SCA326.pdf

 

(*)Fishing for Billions

(**)MANAGING THE OCEAN LIKE A FARM

(***)BRINGING CONSUMERS ALONG

(****)CLEANER LAKES AND PONDS

(*****)The Biggest Fishmonger

(******)BALANCING ACT

(*******)A NEED TO SUCCEED

(1) visionaries: أصحاب الرؤى المستقبلية.

(2) netting

(3) octopus

(4) Fiji

(5) the United Nations Food and Agriculture Organization

(6) sea cucumber

(7) abalone

(8) carp) freshwater)

(9) Zhangzi Island

(10) kelp

(11) bivalves

(12) urchins

(13) scallop

(14) أو: أسمدة.

(15) Integrated Multitrophic Aquaculture

(16) أو: مغذيات.

(17) Bay of Fundy

(18) أو: المخلفات.

(19) reefs

(20) bycatch

(21) mussel rafts

(22) oyster

(23) sea snails

(24) ocean ranch

(25) Dalian

(26) أو: كشك.

(27) Sanggou Bay

(28) the mandarin fish

(29) the Yangtze River

(30) Wuhan

(31) Hubei

(32) catfish

(33) carp

(34) Wuxi

(35) ”the “flood dragon

(36) Tai Hu

(37) أو: قائمة التصنيف.

(38) Algae؛ أو حشائش البحر.

(39) Liangzi

(40) Pens

(41) أو: الطبيعة.

(42) mandarin

(43) Huazhong

(44) floating islands

(45) Gong’an

(46) Window box: وعاء تزرع فيه نباتات ويوضع عادة على عتبة النافذة أو في المنازل (المفرد أصيص، والجمع أصوص).

(47) planters

(48) أو: مربوطة.

(49) dressing

(50) النمو السريع لها.

(51) wetlands: أراضٍ رطبة أو مشبعة بالماء.

(52) lotus: نبات مائي مزهر.

(53) Ge Hu

(54) Wu Jing

(55) أو: تنقية.

(56) Luhu lake

(57) salmon

(58) trout

(59) predators ؛ أو: المفترسات.

(60) filter feeders: كائنات مائية تتغذى بالمواد السابحة في الماء (وكأنها تُرشح أو تنقي الماء منها).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

زر الذهاب إلى الأعلى