كتب

21 درسا للقرن الحادي والعشرين

مراجعات كتب - نيويورك تايمز - The New York Times

21 Lessons for the 21st Century

تأليف: يوفال نواه هاراري Yuval Noah Harari
مراجعة: بيل غيتس
 
العقل البشري يرغب في أن يقلق. وهذا ليسبالضرورة أمرا سيئا، فإذا كان دب يلاحقك، فإن القلق قد ينقذ حياتك. وعلى الرغم منأنّ النوم لن يجافي أكثرنا هذه الأيام بسبب الدببة، إلا أنّ الحياة العصرية تُقدّمالعديد من الأسباب الداعية إلى القلق: الإرهاب والتغير المناخي وصعود الذكاءالاصطناعي والتعديات على الخصوصية، بل حتى الانحدار الظاهر في التعاون الدولي.
في كتابه الجديد المذهل، “21 درسًاللقرنالحاديوالعشرين،ابتكر المؤرّخ يوفال نواه هاراري إطارًا مفيدًا لمواجهة هذه المخاوف. ومع أنّكتابيه السابقين الأكثر مبيعًا،”سابينس Sapiens  وهوموديوسHomo Deus، قد تناولا الماضي والمستقبل على التوالي،إلا أنّ موضوع كتابه الجديد يدور حول الحاضر. والحيلة لوضع حد لدواعي القلق، كمايقترح الكاتب، لا تكمن في التوقف عن القلق، بل معرفة أي الأمور جديرة بالقلق،وكمية القلق الواجبة تجاهها. وكما يتساءل في المقدمة: “ما هي أكبر تحدياتالوقت الحالي وأهم التغييرات؟ ما الذي يجب أن نعيره انتباهنا؟ وما الذي يجب أننعلّمه لأبنائنا؟”
هذه أسئلة كبيرة باعتراف الجميع، وهذا كتابشامل. إذ سيجد القارئ فصولاً حول العمل والحرب والقومية والدين والهجرة والتعليم،و 15 مسألة أخرى مهمة. ولكن عنوان الكتاب ليس على مسماه. فعلى الرغم من أنّ القارئسيجد بعض الدروس الملموسة المتناثرة بين فصوله، إلا أنّ هاراري يقاوم في الغالبالوصفات العملية. فهو مهتم أكثر بتحديد شروط المناقشة ومنح القارئ منظورًاتاريخيًا وفلسفيًا.
يوظف الكاتب، على سبيل المثال، تجربة فكريةذكية للتأكد من المدى الذي وصل إليه البشر في بناء حضارة عالمية. تخيل، كما يقول،محاولة تنظيم دورة للألعاب الأولمبية في عام 1016، فمن الواضح أن هذا مستحيل. إذلا يعرف الآسيويون والأفارقة والأوروبيون بوجود القارتين الأمريكتين. ولا تعتقد إمبراطوريةسونغ الصينية أن أي كيان سياسي آخر في العالم قد يكون حتى نظيرا لها. ولا أحد منهملديه علم ليرفرف في الهواء أو نشيد يُعزف في حفل توزيع الجوائز.
النقطة الأساسية هي أنّ التنافس اليوم بينالدول – سواء في المجال الرياضي أم في قاعة التداول – “يمثل في الواقعاتفاقاً عالمياً مذهلاً”. وهذا الاتفاق العالمي يُسهّل التعاون وكذلكالتنافس. ضع هذا في الاعتبار في المرة التالية التي تبدأ فيها بالشك في إمكانية حلمشكلة عالمية مثل تغيّر المناخ. وقد يكون تعاوننا العالمي تراجع بضع خطوات فيالعامين الماضيين، ولكن قبل ذلك، فقد تقدّمنا ألف خطوة إلى الأمام.

إذن، لماذا يبدو كأن العالم في حالة تراجع؟ سبب ذلك بصورة عامة هو أننا أقل رغبة في تحمّل البؤس والعثرات. وعلى الرغم من أنّ حجم العنف في العالم قد تضاءل بشكل كبير، إلا أننا نركّز على عدد الأشخاص الذين يموتون كل عام في الحروب بسبب غضبنا المتزايد تجاه الظلم. وهذا هو الصحيح.

وإليكم مصدر قلق آخر يتعامل معه هاراراي:كيف يمكن لأي واحد منا أن تكون لديه معلومات كافية لاتخاذ قرارات مدروسة في عالميزداد تعقيدًا؟ فمن المغري أن تلجأ إلى الخبراء، ولكن كيف تتيقّن من أنهم لايتبعون القطيع؟ “إن مشكلة التفكير الجماعي والجهل الفردي لا تقلق الناخبينالعاديين والزبائن فقط، ” كما يكتب المؤلف، “بل الرؤساء والمديرونالتنفيذيون أيضا.” وبدا لي هذا حقيقيًا من تجربتي في كل من مايكروسوفت Microsoft ومؤسسة غيتس Gates Foundation. إذ يتعينعليّ الحذر لتجنب خداع نفسي بالاعتقاد أنّ الأمور أفضل – أو أسوأ – مما هي عليهبالفعل.
وما الذي ينبغي علينا أن نفعله حيال كل هذاباعتقاد هاراراي؟ ينثر المؤلف بعض النصائح العملية في أنحاء الكتاب، بما في ذلكاستراتيجيةٌ ثلاثيةُ الأركان لمكافحة الإرهاب وعدد من النصائح للتعامل مع الأخبارالكاذبة. ولكن فكرته الرئيسية تتلخص في أن نتأمل. وبالطبع هو لا يقترح أن تختفيمشكلات العالم إذا بدأ عدد كاف منا بالجلوس في وضعية اللوتس والترنّم بترانيم روحانية.ولكنه يُصر على أنّ الحياة في القرن الحادي والعشرين تتطلب الاستحضار الذهني Mindfulness – أي التعرّف على أنفسنا بشكل أفضل وإدراككيفية مساهمتنا في المعاناة في حياتنا الخاصة. ويسهل الاستهزاء بذلك، ولكنني كشخصيحضر دورة تدريبية عن الوعي الذهني والتأمل وجدته مقنعًا.
بقدر إعجابي بهاراري واستمتاعي بكتابه 21درسًا، لا أتفق مع كل ما جاء فيه. إلا أنني سَعِدت بقراءة الفصل المتعلقبعدم المساواة، ولكني متشكك في تنبؤه أنّه في القرن الحادي والعشرين، كما يقول:”سوف تطغى البيانات على كلٍّ من الأرض والآلات باعتبارها أهم الأصول”التي تفصل الأغنياء عن البقية. فالأرض ستظل دائما مهمة للغاية، لا سيما أن عددسكان العالم صار يقترب من عشرة بلايين نسمة. وفي الوقت ذاته ستكون البيانات حولالمساعي البشرية الرئيسية – مثل كيفية زراعة الغذاء أو إنتاج الطاقة، على سبيلالمثال – متاحة على نطاق أوسع. وببساطة، لن يكون مجرد امتلاك المعلومات ذا ميزةتنافسية؛ بل معرفة كيفية استخدامها.
وعلى المنوال نفسه، تمنيت أن أجد المزيد منالفروق الدقيقة في مناقشة هاراري للبيانات والخصوصية. فهو محق في ملاحظاته بأنكميات أكبر من البيانات المتعلقة بالأفراد تُجمع الآن أكثر من أي وقت مضى. ولكنهلا يميز بين أنواع البيانات التي تُجمع – نوع الأحذية التي تحب أن تشتريها مقارنةبالأمراض التي تكون معرّضًا لها وراثياً – أو من الذي يجمعها، أو كيفية استخدامها.فسِجلَ تسوقك وسجلّك الطبي لا يُجمعان من قبل الأشخاص، ولا هما محميان بالضماناتنفسها أو يُستخدمان للأغراض نفسها. والاعتراف بهذا الفارق قد يجعل نقاشه أكثر استنارةثقافيًا.
وقد كنت أيضا غير راضٍ عن الفصل المتعلقبالمجتمع. إذ يجادل هاراري فيه أنّ وسائل التواصل الاجتماعي بما فيها الفيسبوك Facebook قد ساهمت في الاستقطاب السياسي من خلالالسماح للمستخدمين بعزل أنفسهم والتفاعل فقط مع أولئك الذين يشاركونهم وجهاتنظرهم. وهي نقطة صحيحة، لكنها تبخس فوائد دور وسائل التواصل الاجتماعي في تفعيلتواصل العائلة والأصدقاء حول العالم. كما طرح فكرة وهمية بالسؤال عما إذا كانبإمكان فيسبوك وحده حلَّ مشكلة الاستقطاب. وبطبيعة الحال، لا يمكنه فعل ذلك بذاته– وبالنظر إلى مدى عمق المشكلة، فتلك ليست مفاجأة. فللحكومات والمجتمع المدنيوالقطاع الخاص دورٌ تؤديه، وتمنيت أنّ هاراري قد تكلّم أكثر عنها.
ولكن هاراري مؤلف مُحفّز إلى درجة أنني حتىعندما أخالفه في الرأي، فإنني أواصل القراءة والتفكير. إذ تتصارع كتبه الثلاثة معنُسخ من السؤال ذاته: ما الذي سيمنح حياتنا معنىً في العقود والقرون المقبلة؟ حتىالآن، كان الدافع وراء التاريخ البشري هو الرغبة في العيش حياة أطول وأكثر صحةوأكثر سعادة. وإذا تمكن العلم في نهاية المطاف من تحقيق هذا الحلم لمعظم الناس،ولم تعد أعداد كبيرة من الناس بحاجة إلى العمل من أجل إطعام الجميع وكسوتهم، فماذاسيكون السبب الذي يدفعنا إلى الاستيقاظ في الصباح؟
والقول إن هاراري لم يُقدّم إجابة مُرضيةحتى الآن لا يُعدُّ نقدًا. فلا أحد آخر قد قدم مثل هذه الإجابة. لذا آمل بأن يُركزعلى هذا السؤال على نحو أوفى في المستقبل. وفي هذه الأثناء، فقد أثار المؤلفُحوارا عالميا مهما حول كيفية التعامل مع مشكلات القرن الحادي والعشرين.

©2018 The New York Times

Distributed by The New York Times Syndicate

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق