أمن المعلوماتالاقتصادبرامج وتطبيقات

مواجهة عمالقة التكنولوجيا: هل يستطيع أحد إيقاف فيسبوك وأمازون وغوغل؟

بقلم: دوغلاس هيفين

ترجمة: عبد الرحمن أياس

 

التبصّر هو دليلكم إلى العلم والتكنولوجيا اللذين يحوّلان عالمنا، إذ يعطيكم كل ما تحتاجون إليه لتتعرّفوا إلى المسائل ذات الأهمية الكبرى.

8.2 بليون يورو – الغرامات الإجمالية التي فُرِضت على غوغل وفق قانون المنافسة الخاص بالاتحاد الأوروبي

 

وفق الرسائل التي تبثّها الحملات الانتخابية، يمثّل الموضوع أمراً يتأخّر معظم الناس في فهمه. فإليزابيث وارن Elizabeth Warren، الطامحة إلى الفوز بترشيح إلى الانتخابات الرئاسية الأمريكية في عام 2020، لا تريد من شركات التكنولوجيا إلا أن تعمل وفق القوانين.

 ووصفت وارن، وهي أحد الأعضاء الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، في لقاء مع الجمهور مؤخرا الكيفية -في رأيها – التي تستغل بها أمازون Amazon السوق بهدف احتواء المنافسين: “لا يستطيع طرف أن يكون حكماً وأن يمتلك فريقاً يشارك في المباراة.”

لكن الطريقة التي تريد أن تحقّق بها هذا الأمر قد تثير انقسامات. فقد قالت في بيان لحملتها في وقت سابق من هذا العام: “ستجري إدارتي تغييرات كبيرة وهيكلية في قطاع التكنولوجيا لتعزيز مزيد من المنافسة – بما في ذلك تفكيك أمازون وفيسبوك Facebook وغوغل Google.”

وليست وارن أول من أطلق هذه الدعوة. فخلال السنوات القليلة الماضية، اتُّهِمت الشركات التي استهدفتها بتشويه الأنظمة الديمقراطية وتضخيم جرائم الكراهية وخنق المنافسين.

يقول مارتن مور Martin Moore من كينغز كوليدج بلندن King’s College London: “ما الحجم الذي يجب أن تبلغه هذه الشركات قبل اعتبارها مهيمنة أكثر مما ينبغي؟ فحين تمتلك شركة في منصتها أكثر من ربع سكان العالم، يجعلها الأمر كذلك وفق أي قانون من القوانين.”

ومع ذلك امتنعت غالبية الشخصيات العامة التي تستهدف هذه الشركات العملاقة – ولاسيما مارغريت فيستاغر Margrethe Vestager، المفوّضة الأوروبية المعنية بالمنافسة – من طلب تفكيكها. وبدلاً من ذلك، رأينا ظهور قواعد جديدة، مثل النظام العام لحماية البيانات General Data Protection Regulation الذي وضعه الاتحاد الأوروبي وغرامات ضخمة.

مثلاً، تعرّضت غوغل إلى سلسلة من الغرامات القاسية لإساءتها استخدام هيمنتها على السوق في الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك 2.4 بليون يورو في عام 2017 و4.3 بليون يورو في عام 2018 – وهي أكبر غرامة في التاريخ – و1.5 بليون يورو في مارس. لكن مقارنة بالعوائد السنوية للشركة الأم لغوغل، ألفابت Alphabet، (أكثر من 136 بليون دولار في عام 2018)، تبدو الغرامات كتكلفة لإنجاز الأعمال.

وتقول كريستينا كفارا Cristina Kaffara، رئيسة مجال المنافسة الأوروبية في شركة الاستشارات تشارلز ريفر أسوشيتس Charles River Associates: “لا أريد أن أسمي الغرامات غرامات على مخالفات وقوف المركبات، لكنها غرامات قليلة بالنسبة إلى شركات تكسب كثيراً في السنة.”

وإذا لم تكن الغرامات تؤتي ثمارها، فهل وارن على حق في الدعوة إلى تفكيك الشركات؟ لقد حصل الأمر سابقاً. في تسعينات القرن الماضي، اتهمت الحكومة الأمريكية مايكروسوفت Microsoft باكتساب ميزة غير عادلة. فمن خلال إدراج متصفحها للإنترنت، إنترنت إكسبلورر Internet Explorer، في حواسيب تعمل على نظام التشغيل ويندوز Windows الرائد في السوق، اعتُبِرت مايكروسوفت أنها تمنع متصفحات الشركات الأخرى من الحصول على فرصة.

وأُمِرت مايكروسوفت بعدم جمع منتجات برمجية مع بعضها بعضاً وأُجبِرت على فتح ويندوز لكي يتمكّن المطوّرون الآخرون للبرمجيات من أن يكتبوا برامج له في شكل أسهل.

لكن فصل برمجيات مثل متصفح أسهل من تفكيك شركات من طراز أمازون أو فيسبوك أو غوغل. وتقترح وارن فصل إدارة منصة ما عن أداء أعمال على تلك المنصة. مثلاً، تدير أمازون السوق الذي تبيع فيه منتجاتها الأرخص من غيرها، ما يجعل من الأصعب على الآخرين المنافسة.

ووصف بينيديكت إيفانز Benedict Evans، وهو محلل في شركة رأس المال الاستثماري أندريسن هوروفيتز Andreessen Horowitz بسان فرانسيسكو، اقتراح وارن بأنه “مزج غريب بين شيء محدد جداً وشيء غامض جداً.”

ويتساءل إيفانز إذا كان هذا التفكير ينطبق على أشياء مثل متجر التطبيقات App Store من أبل Apple. فهل يجب السماح لأبل ببيع منتجاتها؟ وماذا في شأن متاجر السوبرماركت، مثل وول مارت Walmart وساينزبوريز Sainsbury’s، التي تبيع منتجات تحمل علاماتها التجارية بأسعار أقل منذ عقود من الزمن – ألا تفعل أمازون الأمر نفسه؟

يمكنكم القول إن الهيمنة غير المسبوقة لأمازون على الشراء عبر الإنترنت تجعل الأمور مختلفة. فبالنسبة إلى كفارا، يبدو الأمر وكأن وول مارت أو ساينزبوريز سبق واشترتا معظم جهات البيع بالتجزئة الأخرى قبل تخفيض الأسعار، وهذا أمر غير مسموح به في عالم المتاجر الفعلية.

قولوا إذاً إنكم ترغبون في تفكيك هذه الشركات. إن الطريقة الفضلى قد تتمثّل في إبطال عمليات الدمج، وبعضها ربما ما كان يجب السماح به، كما تقول كفارا.

تهيمن غوغل على الإعلان عبر الإنترنت لأنها اشترت سلسلة من الأعمال مثل دبل كليك DoubleClick. وهذه الأعمال الآن مدمجة في أعمال غوغل وقد يضر فصلها الشركة الأم، لكن الأمر لن يكون مستحيلاً، وفق مور.

كذلك نمت فيسبوك لتهيمن على وسائل التواصل الاجتماعي من خلال امتصاص المنافسين، مثل إنستغرام Instagram وواتساب WhatsApp، وكلاهما ساعدها على الحصول على موطئ قدم في معظم الهواتف حول العالم.

لكن مجدداً، سيكون من الصعب فصل هذه التطبيقات عن الأعمال الأساسية لفيسبوك، التي تجمع قدر ما يمكن من المعلومات حول الأفراد. بل يبدو حتى أن الشركة تحاول أن تعزّز دفاعاتها في مواجهة أي تفكيك: فقد أعلن رئيسها التنفيذي زوكربرغ أخيراً أنها ستدمج الكود والبيانات في إنستغرام وواتساب في شكل أوثق في تطبيق فيسبوك.

وحتى لو استطعتم إيجاد طريقة لفعل الأمر، فتفكيك شركة كبيرة ليس بحلٍّ سريع. فبالنسبة إلى الجهات التنظيمية، هو الخيار الأخير وهو تهديد أكثر منه رداً قابلاً للحياة.

وكانت المفوضية الأوروبية، بقيادة فيستاغر، أقسى من معظم الجهات التنظيمية الأخرى على الشركات التكنولوجية الكبيرة. لكن من الناحية القانونية، سيتطلب التفكير في مسار عمل بعيد الأثر كهذا من المفوضية أن تبيّن أن التفكيك هو الطريقة الوحيدة للجم السلوك السيىء لشركة ما، وهذا أمر لن يكون بسيطاً.

ولهذه الأسباب، قد يكون الخيار الأفضل تشديد الالتزام بالتنظيمات. وتقول كفارا إن الدعوات إلى تفكيك الشركات التكنولوجية الكبيرة رائجة أكثر في الولايات المتحدة، حيث الشركات التكنولوجية متروكة إلى هذا الحد أو ذلك لفعل ما تريده منذ حالة مايكروسوفت قبل 20 سنة. وتقول، “ثمة شعور بالإحباط في كثير من الدوائر. فلا شيء يجري ولا شيء يقل عن تفكيك هذه الشركات سيكون مجديا.”

ربما يبدأ الأمر بالتغير؛ فقد حذّرت فيسبوك مؤخرا المستثمرين من أنها تتوقّع غرامة قد تصل إلى خمسة بلايين دولار من لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية التي تخضِع الشركة حالياً إلى تحقيق نتيجة لفضيحة بيانات كامبريدج أناليتيكا Cambridge Analytica.

وتقول دايان كويل Diane Coyle من جامعة كامبريدج University of Cambridge، التي شاركت في كتابة مراجعة مستقلة للمنافسة الرقمية لصالح الحكومة البريطانية، إن الجهات التنظيمية تستطيع استخدام الصلاحيات الموجودة في شكل أكبر. مثلاً، في المملكة المتحدة، يمكن معاملة فيسبوك ويوتيوب YouTube كناشرين وتحميلهما مسؤولية محتواهما. وتقول كويل: “سيكون عليهما فعل الكثير للامتثال.”

ويطالب التقرير أيضاً بتنظيمات جديدة، مثل التسهيل على الأعمال الجديدة أن تستخدم المنصات القائمة فلا يُقفَل في وجهها أي سوق، ويُسمَح للمستخدمين بنقل البيانات من منصة إلى أخرى.

وتندرج فيسبوك وغوغل ومايكروسوفت وتويتر Twitter من ضمن مبادرة اسمها مشروع نقل البيانات Data Transfer Project تسعى إلى تحقيق هذا الهدف. لكن إذا رغبنا في أن تصبح خدمات مثل البحث أو وسائل التواصل الاجتماعي مثل البريد الإلكتروني – حيث تستخدم كل المنتجات المختلفة، مثل جي ميل Gmail أو أوتلوك Outlook، البروتوكولات الأساسية نفسها – فأمامنا شوط طويل نقطعه.

وتقول كويل إن على الجهات التنظيمية أن تفكر في شكل مختلف في شأن الاستحواذات. وتضيف إن اعتبار إنستغرام كمنصة لمشاركة الصور، وليس كمنافس لفيسبوك، كان أمراً ساذجاً.

ويقول مور: “إن التنظيم أمر لا مفر منه. لكن علينا أن نكون حذرين في طريقة فعلنا له.” ويعتقد أن علينا أن نكوّن فهماً واضحاً لنوع العلاقة التي يجب أن تربط المجتمع بالشركات التكنولوجية العملاقة قبل أن نتدخل. وسيحدّد اختيار نوع الخدمات التي نريد من الشركات مثل أمازون وفيسبوك وغوغل أن توفرها الطريقة التي سنشكّل بها سلوك الشركات من خلال التنظيم.

مثلاً، إذا فكّرنا – على غرار وارن – أن هذه الشركات التكنولوجية يجب أن تشبه المرافق أكثر من غيرها، فقد تصبح جهةٌ موفرة لمحرّك بحث خاضعةً للتنظيم مثل شركات المياه أو الكهرباء. أو إذا اهتممنا أكثر بالخصوصية وبمصير بياناتنا، فسنحتاج إلى تنظيمات محددة لفرض الشفافية أو التوافق التشغيلي Interoperability.

وفور طرحنا لهذه الأسئلة، قد نجد أنفسنا نعيد تفحّص النموذج الاقتصادي Economic model وراء هذه الشركات. ويقول البعض إن البلايين التي تحققها فيسبوك وغوغل هي نتيجة “رأسمالية المراقبة” Surveillance capitalism إذ تُوَفَّر الخدمات في مقابل البيانات الشخصية.

وبالنسبة إلى مور، يمثّل التعامل مع هذا النموذج الاقتصادي المشكلة الكبرى. ويقول، “إذا لم تنفذوا هذا التعامل، فستكون ثمة شركات مهيمنة بالقدر نفسه في المستقبل.”

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق