أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
فضاء

مهمات ناسا لاختبار فكرة الماضي المائي لكوكب الزهرة

تشير النمذجات المناخية إلى أن الكوكب الشقيق للأرض كان يومًا ما باردًا ورطبًا وموئلاً صالحًا للحياة

بقلم: بول فوسن  

ترجمة: مي بورسلي

عندما أعلنت وكالة ناسا NASA في الأسبوع الأول من يونيو 2021 أنها ستنفق بليون دولار على تطوير بعثتين جديدتين إلى كوكب الزهرة Venus- أول زيارات الوكالة منذ عقود إلى توأم كوكب الأرض – ابتهج علماء الكواكب Planetary scientists، وليس فقط لأن الانتظار الطويل قد انتهى. وأدى التحول الكبير بالتفكير في الكوكب على مدى السنوات القليلة الماضية إلى جعل الزيارة أكثر إغراءً. إذ  كان يُعتقد أن كوكب الزهرة قد تبخرت كل مياهه بالغليان تقريبًا بمجرد تكونه قبل 4.5 بليون سنة، وتحول إلى عالم قاحل. ولكن العديد من العلماء الآن يعتقدون أن كوكب الزهرة قد احتفظ بمحيطات شاسعة لبلايين السنين كبيئة مثالية تقريبًا للحياة.

 

فالبعثتان اللتان ستصلان في أواخر هذا العقد مجهزتان للبحث عن علامات لوجود تلك المياه – وأدلة على سبب تحول كوكب الزهرة في النهاية إلى جحيم. إذا كانت النتائج التي سيتوصلون إليها تدعم التصور الجديد، فإن كوكب المريخ Mars؛ وهو الأمل منذ زمن طويل في اكتشاف علامات على وجود حياة قديمة خارج كوكب الأرض Extraterrestrial، سيكون المنافس له. “لماذا ننظر إلى المريخ، الذي احتوى على الماء لمدة 300 مليون سنة، في حين كانت الزهرة تحتوي على ماء لمدة ثلاثة بلايين سنة؟” تسأل داربي ديار Darby Dyar، الاختصاصية بعلم الكواكب من كلية ماونت هوليوك Mount Holyoke College، وهي نائب الباحث الرئيسي في إحدى البعثات الجديدة، البعثة فيريتاس VERITAS (البث Venus Emissivity والعلوم الراديوية Radio Science وإنسار InSAR والطبوغرافيا Topography والتحليل الطيفي Spectroscopy).

عززت الزيارات المبكرة إلى كوكب الزهرة صورة كوكب ميت بلا ماء عندما لم نكتشف أي دليل على وجود الأكسجين في غلافه الجوي السميك الغني بثاني أكسيد الكربون (CO2)؛ والذي يحافظ على درجة حرارة سطحه عند 460 ْس. فمن المحتمل أن كوكب الزهرة احتوي في البداية على الكثير من الماء، إذ تُشكَّل من اللبنات الأساسية نفسها تقريبًا مثل الأرض. وساد الاعتقاد أنه مع غليان الماء، لربما فكّكت الأشعة فوق البنفسجية جزيئات بخار الماء، ولضاع الهيدروجين منتشرا في الفضاء بينما ظل الأكسجين الأثقل في هواء الكوكب. غير أن غيابه قاد العلماء إلى افتراض أن الزهرة فقدت مياهها في وقت مبكر جدًا.

ومع ذلك، في عام 2014، في دراسة نمذجة حاسوبية للأغلفة الجوية المحتملة للكواكب الخارجية Exoplanets ، أشار فريق بقيادة جون يانغ Jun Yang، الاختصاصي بعلم الكواكب من جامعة بكين Peking University، إلى ملاحظة مذهلة: الكواكب التي تدور ببطء مثل كوكب الزهرة، الذي يكمل دورة واحدة فيما يعادل 243 يوماً أرضيًا، يكون تأثير كوريوليس Coriolis effect عليها ضعيفا جداً، وهي قوة التواء Twisting force ناتجة من دوران الكواكب. فعلى الأرض، يتسبب هذا التأثير بانقسام تدفق هواء الغلاف الجوي السفلي Lower atmosphere في كل نصف من الكرة الأرضية إلى ثلاث دورات: الدورات الاستوائية Tropical، وشبه الاستوائية Subtropical، والقطبية Polar. لكم، يمكن للرياح أن تتدفق على طول الطريق من خط الاستواء إلى القطبين. في جو رطب، ستنشئ التيارات سحابة ضخمة مسطحة تغطي الجانب المشمس من الكوكب.

بعد فترة وجيزة، درس مايكل واي Michael Way، مصمم نمذجات المناخ من معهد غودارد لدراسات الفضاء Goddard Institute for Space Studies (اختصارا: المعهد GISS) التابع لناسا، وزملاؤه هذه الفكرة، واختبروها باستخدام نمذجة مناخية مصممة لمحاكاة ظروف كوكب الزهرة المبكرة. ووجدوا النتيجة نفسها، حسبما أفادوا في عام 2016: تشكلت سحب مائية ضخمة، مما أدى إلى حجب نصف ضوء الشمس تقريبًا. في الغسق الدائم، كان من الممكن أن يبقى الماء السائل على الزهرة لبلايين السنين. على الأرض، يعمل الماء على تسهيل حركة الصفائح التكتونية Tectonic plates، وكان وجود الماء على الزهرة سيعزز احتمالات وجود نوع من الصفائح التكتونية – وربما الحياة، كما يقول واي. ويتابع قائلا: “أعتقد أن هذا العمل قد غير الآراء حول جدوى قابلية الغلاف البيولوجي Biosphere للصمود والبقاء”.

 

كيف ساءت ظروف كوكب الزهرة وما حدث لأكسجين الماء ظلتا لغزًا. ففي ورقة بحثية نُشرت في 2020، اقترح واي وأنتوني ديل جينيو Anthony Del Genio، من المعهد GISS أيضًا، أن الزهرة يمكن أن تكون قد مرت بثورات بركانية متعددة عبر القارات – وهو نوع من الأحداث الكارثية التي تسببت في انقراضات جماعية على الأرض. ونشرت الانفجارات البركانية ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، مما يتسبب في تأثير دفيئة (الاحتباس الحراري) Greenhouse effect جامح الذي أدى إلى غليان الكوكب حتى جف ماؤه. بعد ذلك، ربما قبل نصف بليون سنة، اضمحل الأكسجين -المنبعث من الماء- بفعل التفاعلات مع الصهارة والرماد من الانفجارات اللاحقة واسعة النطاق، والتي يُعتقد أيضًا أنها تفسر سطح كوكب الزهرة الصغير نسبيًا، والذي يخلو من فوهات الاصطدامات القديمة.

وترى ديار أنها قصة مقنعة. إذ تقول: “عندما قرأت ورقة مايكل واي البحثية لأول مرة، تحمست جدا”. يقر واي بأن نمذجته تتضمن العديد من الافتراضات والقليل من البيانات. ولكن هذا سيتغير قريبًا، كما يقول. “البعثات القادمة ستكون رائعة لاختبار هذه النمذجات”.

ستستخدم البعثة فيريتاس، التي طورها مختبر الدفع النفاث Jet Propulsion Laboratory (اختصارا: المختبر JPL) التابع لوكالة ناسا بقيادة سوزان سمريكار Suzanne Smrekar الاختصاصية بعلم الكواكب من المختبر JPL، الرادار لسبر السحب الكثيفة من حمض الكبريتيك التي تحيط بكوكب الزهرة، وتتبع تضاريس السطح بتفاصيل أدق 100 مرة من المسبار ماجلان Magelan probe؛ وهي بعثة تابعة لوكالة ناسا انتهت في عام 1994. وإضافة إلى توجيه مركبات الهبوط المستقبلية المحتملة، فإن جهود رسم الخرائط ستبيّن ما إذا كانت السمات الباهتة المرصودة في بيانات المسبار ماجلان هي توقيعات متبقية من حركة الصفائح التكتونية، مثل الخنادق.

سيعزّز المسبار أيضًا بمقياس طيفي Spectrometer قادر على البحث عن الإشارات الكيميائية في الضوء الخافت الذي ينعكس عن السطح ويخترق السحب. يقول ديار: “علينا أن نعمل مع ما تقدمته لنا الزهرة”. وسيكون وجود أو عدم وجود الحديد أمرًا بالغ الأهمية. لطالما اعتقد العلماء أن المرتفعات الوعرة لكوكب الزهرة، والتي يطلق عليها Tesserae، قد تكون بقايا قشرة قارية. فعلى الأرض، القارات غنية بالغرانيت، وهي صخور مستنفدة من الحديد Iron-depleted rock تتشكل فقط بمساعدة الماء والصفائح التكتونية. وسيشير اكتشاف انتشار الغرانيت انتشارا واسع النطاق إلى أن كوكب الزهرة له تاريخ شبيه بالأرض.

البعثة الثانية، دافينتشي+ DAVINCI+ (وهي اختصار لـ: البحث في الغلاف الجوي العميق للزهرة عن الغازات النبيلة، والكيمياء، والتصوير الإضافي Deep Atmosphere Venus Investigation of Noble gases, Chemistry, and Imaging Plus)، ستعالج فرضية واي مباشرة. طُورت البعثة دافينتشي+ في مركز غودارد لرحلات الفضاء Goddard Space Flight Center (اختصارا: المركز GSFC) التابع لوكالة ناسا بقيادة جيمس غارفين James Garvin كبير العلماء من المركز GSFC، وسوف يسقط كرة محمَّلة بالأجهزة ومدرعة ضد الضغط الساحق للغلاف الزهرة الجوي. وخلال غطسها لمدة ساعة، ستبطئ سقوطها مظلة، وستقيس أدواتها الغازات النبيلة Noble gases، وخاصة الزينون، لمعرفة ما إذا كانت الوفرة تتطابق مع تلك الموجودة على الأرض، مما قد يشير إلى تاريخ مبكر مماثل للمياه. وستكون قادرة أيضًا على تحسين القياسات التي أجريت منذ عقود والتي نظرت في نسب نظائر Isotopes الهيدروجين الخفيفة والثقيلة، خاصة في الغلاف الجوي السفلي الكثيف، مما سيساعد على تحديد كمية المياه التي فقدها كوكب الزهرة على مدار تاريخه.

وفي الوقت نفسه، ستوجه كاميرات المسبار ومقياس الطيف إلى منطقة مرتفعات تسمى ألفا ريجيو Alpha Regio، للبحث مرة أخرى عن إشارة على وجود الغرانيت. قرب نهاية مرحلة الهبوط، ستلتقط الكاميرات سمات المعلم Alpha Regio بدقة فائقة، بما في ذلك عرض ثلاثي الأبعاد، وتستكمل بذلك خرائط المهمة فيريتاس. وتقول جيادا أرني Giada Arney، نائب المحقق الرئيسي للمهمة دافينتشي + من المركز GSFC: “بكل هذا يمكننا رسم صورة شاملة رائعة حقًا”.

وفي طريق هبوط المسبار نحو الأسفل، قد تكتشف أدوات البعثة دافينتشي +  أيضًا علامة لا تدل على موئل صالح في الماضي، بل وحتى في الوقت الحاضر: ألا وهو الفوسفين. ففي سبتمبر 2020، قال علماء الفلك الذين يسبرون الغلاف الجوي للكوكب باستخدام التلسكوبات إنهم التقطوا تلميحات من الغاز، والذي يعد على الأرض علامة على وجود حياة جرثومية، لكن الدليل أثار جدلاً منذ ذلك الحين (Science ، 27 November 2020 ، p.1021) . وتقول أرني إن فريق البعثة دافينتشي + يجرب تعديلات على مطياف الليزر Laser spectrometer مما سيمكّنه من تقصي آثار وفرة الغاز.

طال انتظار هذه البعثات، مع رفض اقتراح تلو الآخر. ولا تزال ديار تتذكر أيامها عندما كانت طالبة دراسات عليا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا Massachusetts Institute of Technology في الثمانينات القرن العشرين، عندما ألغى الرئيس رونالد ريغان Ronald Reagan مهمة الزهرة المقترحة، فانهارت باكية في الردهة. وتقول إن البعثات الجديدة قد تبدأ بالتعويض عما سبق، والمردود المحتمل أكبر من أي وقت مضى. تقول: “هذه الأسئلة كانت تطاردنا لـ 30 عامًا… حان دور كوكب الزهرة”.

 

شرح الصورة:                                

اختراق المسبار دافينتشي + غلاف كوكب الزهرة، وتجميع عينات من الغلاف الجوي أثناء السقوط، وفق تصور فنان.

 

©2021, American Association for the Advancement of Science. All rights reserved

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

زر الذهاب إلى الأعلى