أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
المجموعة الشمسية

لماذا قد تضرب العاصفةُ الشمسية الكبيرة التالية كوكبَ الأرض دون سابق إنذار

قد تحرق عاصفة شمسية كبيرة الإنترنت، ولكن على الأقل ستمنحنا تنبؤات الطقس الفضائي يوماً أو يومين للاستعداد. أو ربما لا، لأن علماء الفيزياء اكتشفوا للتو نوعاً جديداً من العواصف الشمسية التي تضرب دون سابق إنذار

في 30 يناير 2022، كانت هناك بوادر مشكلة آخذة بالغليان، على الرغم من عدم معرفة أحد إلى أي مدى سيكون الأمر سيئاً. لو علموا ذلك؛ لما أطلقت شركة «سبيس إكس» SpaceX قمراً اصطناعيا من أقمار ستارلنك في مدار أرضي منخفض فقط بعد بضعة أيام من ذلك.

بدأ الأمر كسحابة عملاقة من الغاز الممغنط، تسمى انبعاث كتلي إكليلي Coronal mass ejection (اختصارا: الانبعاث CME)، مقذوفة في اتجاهنا من الشمس. لم يكن ذلك مصدر قلق كبير. يمكن للعواصف الشمسية بالتأكيد تسخين الغلاف الجوي للأرض، مما يؤدي إلى تمدده وتطبق بقوة سحب Drag على الأقمار الاصطناعية التي تحلق على ارتفاع منخفض، لكن جميع القياسات تشير إلى عواقب طفيفة فقط. قد تتعطل شبكات الطاقة والأقمار الاصطناعية قليلاً، وقد يلاحظ راصدو السماء عند خطوط العرض العالية شفقا قطبيا، لكن لا شيء خطير.

بعد فترة وجيزة من إطلاق أقمار ستارلنك الاصطناعية من مركز كينيدي للفضاء Kennedy Space Center في فلوريدا، كان من الواضح أن هناك خطبا ما. عندما وصلت الأقمار الاصطناعية إلى الغلاف الجوي العلوي للأرض، واجهت قوة سحب أكبر بكثير مما كان متوقعاً لحجم العاصفة. في النهاية، لم يكن باليد حيلة. رصد مراقبو التحكم 40 من الأقمار الاصطناعية وهي تُسحب إلى الأسفل، لتحترق في الغلاف الجوي، في دليل على القوة المتقلبة للشمس.

هنا على الأرض، نتمتع بفوائد الطاقة والضوء من الشمس. فلا يمكننا العيش من دونها. لكننا نتعرض أيضاً لوابل مستمر من الرياح الشمسية Solar wind، والجسيمات المشحونة Charged particles القادمة من نجمنا. في معظم الأحيان، لا نشاهد هذه الأمور إلا في العروض الملونة للشفق القطبيAurora .

ومع ذلك، في كثير من الأحيان، تبث الشمس الكثير من المواد، مما يُعرّض الأقمار الاصطناعية والبنية التحتية على الأرض للخطر. تأتي هذه عادة مع تحذير من حدوث توهج شمسي قبل يوم أو يومين من وصولها إلينا. ولكن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن بعض العواصف يمكن أن تظهر دون سابق إنذار على الإطلاق.

مقارنة بما تستطيع الشمس فعله، فإن العاصفة التي ضربت ستارلنك كانت صغيرة. لفهم ما قد يحدث حقاً، يجب أن نعيد عقارب الساعة إلى الوراء إلى يوم 2 سبتمبر 1859. في ذلك اليوم، غرقت الأرض غارقة في الانبعاث CME. إذ سقطت دفعات ضخمة من الجسيمات المشحونة كهربائياً من على سطح الشمس. شقت هذه الجسيمات طريقها إلى الأرض، وتغلبت على الحاجز الناتج من المجال المغناطيسي للكوكب. ولكن لم يعرف أحد ما كان هذا في ذلك الوقت – لم يتم اكتشاف الانبعاث CME إلا في السبعينات القرن العشرين. يبدو أن ما حدث بعد ذلك جاء من حيث لم يتوقعه أحد.

ملأت العروض الرائعة للشفق القطبي، أو الأضواء الشمالية، سماء الليل في معظم أنحاء العالم، بسبب تفاعل الجزيئات مع الغازات في غلافنا الجوي. فشل نظام التلغراف العالمي مع تدفق التيارات الكهربائية عبر الأسلاك، مما أدى إلى تطاير الشرر وإشعال الحرائق في المكاتب. صعق مشغل تلغراف واحد على الأقل وفقد الوعي بسبب قفز الكهرباء الوهمية Phantom electricity من المعدات. وأعيد ضبط البوصلات مرات عديدة بلا فائدة، إذ إن المجال المغناطيسي للأرض -الثابت في العادة- تمايل بفعل الهجمة. وانقطعت الاتصالات والملاحة العالمية.

صارت تلك العاصفة وما تلاها معروفة بـــ«حدث كارينغتون» Carrington event، على اسم ريتشارد كارينغتون Richard Carrington، عالم الفلك البريطاني الذي شهد التوهج الشمسي الهائل في الأول من سبتمبر، والذي أدى، دون علم في ذلك الوقت، إلى تحريك الانبعاث CME. على الرغم من حدوث الانبعاث CME بانتظام، إلا أن شيئاً كبيراً مثل «حدث كارينغتون» لم يعترض طريقنا منذ ذلك الحين. لكن، إذا حدث ذلك، فستكون قصة مختلفة تماماً.

يقول جوناثان إيستوود Jonathan Eastwood -الذي يدير مجموعة بحثية في جامعة إمبريال كوليدج لندن Imperial College London تعمل على نمذجة طقس الفضاء بهدف تطوير أدوات التنبؤ: «حاليا يتزايد اعتمادنا على الفضاء». نحن حاليا نعتمد أكثر على الكهرباء، والشبكات معرضة للعواصف. ولدينا أقمار اصطناعية، وربما أشخاص في المدار. وقد تؤدي عاصفة شمسية إلى تعطيل الإنترنت (انظر: الإنترنت المقلي قلياً عميقاً). يقول إيستوود: «نحتاج إلى معرفة طقس الفضاء، بالطريقة نفسها التي نحتاج إليها لمعرفة الطقس في أعالي البحار – أو في أي مكان على سطح الأرض».

عادةً ما يطلق الانبعاث CME المقذوف من الشمس في نوع من الأحداث المغناطيسية المتفجرة، والتي تطلق توهجاً شمسياً يمكننا رؤيته من الأرض. تستغرق الجسيمات المقذوفة يوماً أو يومين للوصول إلينا. لذا، فإن الفكرة الأساسية وراء التنبؤ بالطقس الفضائي هي أنك تبحث عن الوميض الساطع للتوهج الشمسي، عادةً عند الأطوال الموجية فوق البنفسجية، ثم تبحث عن أي طرد CME في صور الكاميرات المعروفة بالكوروناغراف Coronagraphs والتي تحجب الضوء الساطع من الشمس. إذا رأيت اقتراب طرد الانبعاث CME، فيجب أن تصدر تحذيرات، تماماً كما تفعل مع إعصار يلوح في الأفق.

على الرغم من بساطة الأمر من حيث المبدأ، إلا أنه من الناحية العملية ليس كذلك. يمكن أن يتغير الكثير في طرد الانبعاث CME أثناء وجوده في الطريق، مما يجعل أحياناً من المستحيل تقريباً معرفة ما يحدث بالفعل. وعواقب الخطأ ليست باهظة الثمن فحسب، بل قد تكون مميتة أيضاً.

كما أن إيستوود هو عضو في فريق في مختبر رذرفورد أبليتون Rutherford Appleton Laboratory في أوكسفوردشاير، بالمملكة المتحدة، المختبر المكلّف من حكومة المملكة المتحدة للتقييم المستمر لعواقب طقس الفضاء. اعتبر الباحثون «حدث كارينغتون» بمثابة «سيناريو أسوأ حالة معقول»، ودراسة الآثار التي قد تحدثها مثل هذه العاصفة الجيومغناطيسية. في عام 2019 وجد إيستوود وزملاؤه أن محطات الطاقة كانت معرضة للخطر بشكل خاص. يمكن للكهرباء المتصاعدة أن تطغى على المحولات وتحرقها، مما قد يؤدي إلى انقطاع التيار الكهربائي عن ملايين الأشخاص لأسابيع أو حتى شهور.

هذا، وقد تم تسجيل حالات الطقس الشديد في «السجل الوطني للمخاطر في المملكة المتحدة» منذ عام 2011. وتشير التقديرات الحالية إلى أن هناك حدثاً كبيراً قد يكلف البلاد ما بين 100 مليون جنيه إسترليني وبليون جنيه إسترليني على شكل إيرادات مفقودة، ويودي بحياة ما يصل إلى 200 شخص، في حوادث ناتجة في الغالب من خسارة طاقة. ففي الولايات المتحدة توقعت إحدى الدراسات انقطاع التيار الكهربائي عن نحو 130 مليون شخص وقالت إن الضرر قد يستغرق ما يصل إلى عشر سنوات لإصلاحه. وقال باحثون آخرون في نيوزيلندا إنه يمكن أن يتسبب في كارثة عالمية.

قد تنقطع الإمدادات الغذائية لأسابيع. قد تكون هناك حوادث عند تقاطعات الطرق لم تعد تسيطر عليها إشارات المرور أو أعطال في شبكة السكك الحديدية. قد يموت الأشخاص المرتبطون بأنظمة دعم الحياة عند تعطل المولدات الاحتياطية. وفي الأماكن النائية، قد يضل أولئك الذين يعتمدون على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) طريقهم. حتى أن هناك فرصة أن تؤدي عاصفة شمسية شديدة إلى نوع من أحداث العنف، بطريقة مشابهة لظهور المذنب «هيل بوب» Hale-Bopp في عام 1997، والذي أدى إلى وفاة 39 عضواً من طائفة «بوابة السماء» Heaven’s Gate cult بالانتحار.

العاصفة الشمسية
صورة: SCIENCE SOURCE / SCIENCE PHOTO LIBRARY

في السنوات القليلة الماضية، أُضيفت مخاطر جديدة. تخطط ناسا لإرسال أشخاص مرة أخرى إلى القمر، حيث لا يوجد مجال مغناطيسي لحمايتهم. وبالنسبة إلى رواد الفضاء هؤلاء، قد تكون العاصفة الشمسية الكبيرة فتاكة. بالعودة إلى الأرض، فإن الارتفاع المتسارع في مجموعات الأقمار الاصطناعية والاستخدام شبه المنتشر لنظام الملاحة العالمي عبر الأقمار الاصطناعية (GNSS) يعني أن فقدانها لبضعة أيام قد يلحق أضرارا شديدة. يقول إيستوود: «صار نظام الملاحة GNSS متأصلا أكثر فأكثر في معظم خدماتنا اليومية، منذ أكثر من عامين أو ثلاثة أعوام، وبالتأكيد منذ أكثر من خمس سنوات. لكننا لم نحدد جميع العواقب حتى الآن».

حتى الآن، الأمر مخيف جدا. نعمة النجاة الوحيدة هي علامات التحذير التي نحصل عليها من الشمس. بعد مشاهدة انفجار شمسي كبير، نعلم أن طرد الانبعاث CME واقع لا محالة. لدينا يوم أو يومان للتحضير، وهو أمر بالغ الأهمية. لكن مع الأسف، ربما لا يكون الأمر بهذه البساطة. على مدى السنوات القليلة الماضية، بدأ علماء الفيزياء الشمسية بالشك في أن بعض الكتل الإكليلية المقذوفة تتسلل إلى الأرض، وتطلق نفسها دون إشارة فوق بنفسجية يمكن ملاحظتها. يسمون هذه «الانبعاث الكتلي الإكليلي الخفي» Stealth CMEs.

منذ وقت ليس ببعيد، إذا ظهر الانبعاث CME في كاميرا كوروناغراف (مرسام الإكليل) Coronagraph، ولكن لم يكن من الممكن رؤية حدث مثير، مال الباحثون إلى افتراض أن الثوران قد حدث على الجانب الآخر من الشمس، وانبعث في الفضاء في الاتجاه المعاكس لنا. حتى في ذلك الوقت، بدت بعض العواصف المغناطيسية الأرضية وكأنها تأتي خلسة. كان الأمر كما لو أن الأرض قد ضُربِت من قبل الانبعاث CME، في حين بدت الشمس هادئة. عُرفت هذه الألغاز بـــــ«مشكلة العواصف المغناطيسية الأرضية» Problem geomagnetic storms.

شرع الباحثون، بما في ذلك جينيفر أوكين Jennifer O’Kane من مختبر العلوم والتكنولوجيا الدفاعية Defence Science and Technology Laboratory التابع للحكومة البريطانية، في التحقيق فيما كان يجري، باستخدام بعثات مثل مشروع مرصد العلاقات الأرضية الشمسية Solar Terrestrial Relations Observatory Project التابع لوكالة ناسا (اختصارا: المرصد STEREO). تم إطلاق المرصد STEREO في عام 2006، ويتألف من مركبتين فضائيتين انجرفتا بعيداً عن الأرض في اتجاهين متعاكسين – إحداهما باتجاه الشرق والأخرى باتجاه الغرب. سمح لنا هذا بدراسة الفضاء بين الشمس والأرض بشكل جانبي. تقول أوكين: «فقط عندما حصلنا على صور الجهات المختلفة هذه ظهرت حقاً صواريخ انبعاثات Stealth CMEs».

أولاً، كان من الواضح أنها كان تنفجر من جانب الشمس المواجه للأرض، وليس من الجانب البعيد. ثانياً، سمحت الصور من الجهات المختلفة لعلماء الفلك بتحديد نقاطها الأصلية على القرص الشمسي. كانت تتفجر بالقليل من التحذير أو من دون تحذير مرئي.

أثناء دراستها لنيل درجة الدكتوراة في مختبر مولارد لعلوم الفضاء Mullard Space Science Laboratory، جامعة يونيفرسيتي كوليدج لندن، شرعت أوكين في تحديد ما إذا كان من المستحيل حقاً اكتشاف انبعاثات Stealth CMEs المقذوفة، وذلك من خلال دراسة الشمس باستخدام الأطوال الموجية فوق البنفسجية. وبدأت بإجراء تحليل دقيق للصور الشمسية التي تزامنت مع الانبعاثات Stealth CMEs لمعرفة ما إذا كان بإمكانها العثور على أي إشارة على النشاط الذي أطلقها. في معظم الحالات، وجدت شيئاً ما، عيباً أو نمطاً غير عادي على سطح الشمس. تقول: «كان هناك دائماً ما يشير إلى أنه ربما كان هناك شيء ما يحدث».

ولكن في 19 أبريل 2020، اجتاحت الانبعاثات CMEs المركبة الفضائية الشمسية المدارية التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية (اختصارا: الوكالة ESA). هذه المرة، لم تكن هناك أي علامة تحذير على الإطلاق. تجنباً للانتقاد، بدأت أوكين حملة تقصي لمعالجة الصور للعثور على شيء ما – أي شيء. أخيرا -باستخدام صور من المرصد STEREO- لمحت بُنيةً مغناطيسية باهتة جدا ترتفع بلطف عن الشمس، وتبدأ بالزحف بخفاء إلى الفضاء. بالعمل على بعض الصور الأخرى، وجدت أن هذه البنية كانت موجودة لفترة بالفعل قبل ذلك لفترة من الزمن. ترك ذلك لغزاً مهماً.

تقول أوكين: «ما الذي حفّزه لينفجر؟ ما زلنا لا نعرف». إنها تعتقد أنه يمكن أن يكون هناك بعض الفيزياء المختلفة حقاً التي تدفع الانبعاثات Stealth CMEs مقارنة بأبناء عمومتها الأكثر قابلية للتنبؤ. وهي ليست الوحيدة في تصورها هذا.

فقد شكّل نارياكي نيتا Nariaki Nitta -من مختبر لوكهيد مارتن للطاقة الشمسية والفيزياء الفلكية Lockheed Martin Solar and Astrophysics Laboratory في كاليفورنيا- فريقاً من الباحثين بالتعاون مع المعهد الدولي لعلوم الفضاء International Space Science Institute في سويسرا للنظر فيما إذا كانت الفيزياء التي تطلق الانبعاثات Stealth CMEs تختلف عن تلك الموجودة في الانبعاثات CMEs العادي. وقد استعان مؤخراً بأوكين. يقول نيتا: «يمثل وجود الانبعاثات Stealth CMEs تحدياً كبيراً أمام التنبؤ بالطقس الفضائي».

الحد الأقصى للخطر

تمتد فترة النشاط الشمسي في دورة مدتها 11 عاماً تقريباً، من منخفض إلى مرتفع إلى منخفض مرة أخرى. تسمى القمم الحد الأقصى للطاقة الشمسية والقيعان الحد الأدنى للطاقة الشمسية. فيما يخص الحد الأدنى من الطاقة الشمسية، يقدر علماء الفلك أن ما يصل إلى ثلث أحداث الانبعاثات هي أحداث الانبعاثات Stealth CMEs، مما يؤثر في فعالية التنبؤ بالطقس الفضائي. وبالنسبة إلى الحد الأقصى للطاقة الشمسية، يكون الأمر أسوأ. فهناك الكثير من النشاط، حتى يصبح من الصعب ربط حتى التوهجات العادية بأنواع معينة من الانبعاثات CMEs، ناهيك عن الخفية منها. تقول إيريكا بالميريو Erika Palmerio -من شركة بريديكتيف ساينس Predictive Science في سان دييغو، كاليفورنيا، وهي أيضاً عضو في فريق نيتا: «طقس الفضاء هو علم جديد. إنه يتطور. ولكن في كل دورة شمسية، لدينا تحديات جديدة تجعل التنبؤات أكثر أهمية وإلحاحاً».

مثل كثيرين آخرين في هذا المجال، تعمل بالميريو على تطوير القدرة على التنبؤ بأحوال الطقس في الفضاء قبل عدة أيام. إنها مهمة شاقة، خصوصا عندما يكون التحدي الجديد هذه المرة هو التأثير على آلاف الأقمار الاصطناعية الصغيرة التي تخطط شركة سبيس إكس وشركات أخرى لإطلاقها، عادةً بهدف توفير خدمات إنترنت مهمة.

في الوقت الحاضر، هناك عدد من المنظمات التي توفر تنبؤات بطقس الفضاء. ولكن كما يتضح من حادث ستارلنك، تحدث أشياء غير متوقعة. وهذه الأنظمة في تحسن مستمر، ولكن كما هي الحال بالنسبة إلى التنبؤ بالطقس على الأرض، فكلما زاد عدد المحطات التي تجمع البيانات لديك، زادت دقة التنبؤات. والأمور في هذا المجال آخذة بالتحسن.

حاليا، تتألف محطات الطقس الفضائية من المركبات الفضائية المختلفة التي تدور حول الشمس في الجزء الداخلي من المجموعة الشمسية. هناك بعثات شمسية مخصصة مثل مسبار باركر الشمسي Parker Solar Probe التابع لوكالة ناسا، والمركبة المدارية الشمسية Solar Orbiter التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية. لدينا أيضاً بعثة ميركوري Mercuryالأوروبية اليابانية المشتركة، وبيبي كولومبو BepiColombo، والتي تحمل أدوات لتحليل أحوال الطقس في الفضاء. فهناك «كلاب الحراسة» Watchdogs القريبة من الأرض، مثل بعثة سوهو SOHO المشتركة بين وكالة الفضاء الأوروبية وناسا أو مرصد مناخ الفضاء العميق Deep Space Climate Observatory التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي.

بفضل هذه البعثات، يتحسن فهمنا لطقس الفضاء بسرعة مذهلة. لكن مهمة تحويل الأدوات المستخدمة للبحث في طقس الفضاء -لتلاءم ما صرنا نعرفه الآن بعد إطلاقها- إلى نظام قادر على التنبؤ بشكل موثوق فيه بالأحداث المستقبلية هي مهمة جبارة. يقول إيستوود: «المطالب مختلفة تماماً. إذا كان هناك حدث كبير من أحداث طقس الفضاء، فأنت بحاجة إلى معلومات في الوقت الفعلي، حتى تتمكن من اتخاذ أفضل القرارات». لتحقيق ذلك، يعمل فريقه الآن بشكل وثيق مع مكتب الأرصاد الجوية ووكالة الفضاء الأوروبية.

لا شك في أن شركات مثل سبيس إكس سوف تتطلع إلى تحسين توقعاتها أيضاً لتجنب تكرار حادثة في بداية العام. ولكن كما تشير بالميريو، فإن العاصفة التي أسقطت أقمار ستارلنك كانت طفيفة. وتقول: «سنشهد هذا النوع من العواصف مرات عديدة خلال الدورة الشمسية».

في ديسمبر 2019 كان آخر حد أدنى للطاقة الشمسية. وتتزايد طاقة الشمس الآن، لتصل إلى الحد الأقصى المتوقع للطاقة الشمسية في نحو عام 2025، عندما سنكون أكثر اعتماداً على الأقمار الاصطناعية وغيرها من التقنيات المعرضة للخطر أكثر من أي وقت مضى. وطوال هذا الوقت، فإن الساعة تدق والمخاطر تزداد.

إنترنت مقلي قلياً عميقاً

كم من الوقت يمكنك العيش من دون الإنترنت؟ مع ارتفاع نشاط الشمس نحو الحد الأقصى التالي المتوقع لعام 2025، قد تكتشف ذلك سريعا.

في العام الماضي نشرت سانجيتا عبده جيوتي Sangeetha Abdu Jyothi، عالمة الحاسوب في جامعة كاليفورنيا University of California بإيرفين، تحليلاً لكيفية تأثير النشاط الشمسي في البنية التحتية للإنترنت. وأشارت إلى أن كابلات الألياف الضوئية الطويلة التي تقع عبر قيعان المحيطات ضعيفة. وذلك لأنها تتطلب أسلاكاً طويلة لربط محطات «المكرر» Repeater، وهي الأجهزة التي تحول دون تراكم أخطاء في الإشارات الضوئية. خلال عاصفة شمسية كبيرة، يمكن للمجالات المغناطيسية إحداث تيارات كهربائية ضخمة في الأسلاك التي تربط المكررات. وفقاً لتحليل جيوتي، يمكن أن يعطب 80% من كابلات الألياف الضوئية الموجودة تحت سطح البحر في الحالات الشديدة.

عندما ترسل فيسبوك وغوغل وغيرهما من كبار مستخدمي الإنترنت معظم بياناتهم من أمريكا الشمالية إلى أوروبا عبر كابلات الألياف الضوئية التي تعمل عند خطوط العرض الشمالية المعرضة للعواصف الشمسية، فإنها مثل ذلك هو كارثة على وشك الحدوث، كما تقول جيوتي.

قد يسمح لنا الإنذار المبكر بالعاصفة بعزل المكررات عن مثل هذه التيارات. إذ تقول جيوتي: «إذا تمكنا من اكتشاف التغييرات وقطع الدائرة بطريقة ما، فقد يساعد ذلك». ومع ذلك، فإن مثل هذه التحذيرات المبكرة لن تكون ممكنة دائماً (انظر: المقال الرئيس). وإصلاح تلف الكابلات البحرية أمر مكلف ويستغرق وقتاً طويلاً، لذا فإن الانقطاع هو احتمال واضح. وتقول جيوتي: «يمكننا إعادة توجيه البيانات، لكن السعة المتاحة ستكون أقل بكثير منها في أي مكان آخر».

غير أن هناك بعض الأخبار الجيدة. فعلى الرغم من أن العواصف الشمسية الكبيرة قد تتسبب في انقطاع الإنترنت، لم يتم الاتفاق بعد على أن التأثير سيكون بالحدة التي تنبأت بها جيوتي. يقول مايك هابغود Mike Hapgood-من في مختبر رذرفورد أبليتون Rutherford Appleton Laboratory، في أوكسفوردشاير بالمملكة المتحدة، إن التيارات المُستحثَّة Induced في المكررات ستكون أقل بكثير مما يوحي به تحليل جيوتي. ويتابع قائلا: «تم تصميم هذه الكابلات لتكون مرنة لمثل هذه التيارات الإضافية».

أما ميلتون مولر Milton Mueller، الذي يبحث في مرونة بنيتنا التحتية في معهد جورجيا للتكنولوجيا Georgia Institute of Technology في أتلانتا؛ فيقول إنه في مثل هذه الظروف القاسية، من المحتمل أن تفشل البنية التحتية الكهربائية أولاً، لذلك لن تكون هناك تيارات على أي حال، ومن ثم لن تكون هناك طفرات طاقة في أجهزة إعادة الإرسال. «قد يكون انقطاع الإنترنت مصدر قلق ثانوي أو ثالث إذا كان الانهيار شديداً».

© 2022, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC.

بقلم ستيوارت كلارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

زر الذهاب إلى الأعلى