أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

الضوئيات التكيفية

الضوئيات التكيفية

توفر التقانة التي طُوّرت أثناء الحرب الباردة

إمكانات جديدة للمقاريب الفلكية الأرضية.

<W.J.هاردي>

 

ثبَّط الاضطراب الجوي، الذي يسبب تلألؤ النجوم ووميض الأجسام البعيدة، من عزم الفلكيين منذ اختراع المقاريب telescopes. لقد قال <اسحق نيوتن> عام 1704: «إن العلاج الناجع الوحيد للحد من الاضطراب هو الجو الأكثر هدوءا وصفاء، كالذي يمكن مصادفته في قمم الجبال العالية وفوق الغيوم الضخمة.» وقد اتبع الفلكيون النصيحة التي قدمها نيوتن في كتابه Opticks، ولكن الاضطراب الجوي يحد بصورة كبيرة (حتى في قمم الجبال العالية) من قوة المقاريب الكبيرة، مثل المقراب هالي الموجود على قمة پالومار في كاليفورنيا، والذي يبلغ قطر مرآته خمسة أمتار. ولعل إطلاق المقراب الفضائي هابل كان دليل الرغبة الأكيدة لفلكيي الفضاء في التغلب على اضطراب الوسط المحيط.

 

بيد أني اتبعت مع زملائي في شركة ليتون إيتك للمنظومات الضوئية ـ الموجودة في ولاية ماساتشوستس، إضافة إلى باحثين في معاهد أخرى ـ حلا أرضيا لمسألة الاضطراب الجوي. وتجد طريقتنا، المسماة «الضوئيات التكيفية»adaptive optics، جذورها في تطوير التقانة الفضائية أيضا، غير أنها تطبق حاليا على المقاريب الفلكية الأرضية. تستخدم الضوئيات التكيفية مرآة مشوهة أو جهازا مشابها للتعويض عن تشوه الضوء الذي سببه الاضطراب الجوي، وستحسن هذه التقانة من قدرة الجيل القادم من المقاريب الأرضية على تمييز التفاصيل الصغيرة وكشف الأجسام الخافتة جدا في السماء.

 

يتركز التحدي في بناء المقاريب الفلكية حول الحصول على أوضح صورة للنجم البعيد الذي يجب أن يظهر كنقطة مفردة، كما يجب أن تظهر الأجسام الممتدة (مثل المجرات والكواكب) كمجموعة من النقاط. فالنجم البعيد يعطي صدر موجة كروية تنتقل مسافات بعيدة في الفضاء حتى وصولها إلى غلاف الأرض الجوي، حيث يشوهها الاضطراب الجوي. وتولد تغيرات درجة الحرارة المرافقة للاضطراب تغيرات في كثافة الهواء، ونتيجة لذلك تتباطأ أجزاء صدر الموجة بمقادير مختلفة مسببة تشوه الصور. ويهدف المقراب التكيفي إلى عكس هذا المفعول عن طريق إعادة الشكل الكروي لصدر الموجة.

 

والخطوة الأولى للقيام بذلك هي تحديد مقدار اختلاف طور كل مركبة في صدر الموجة عن المركبات الأخرى. وتهدف إحدى طرائق الوصول لهذه الغاية إلى تقسيم مرآة المقراب إلى عدد من المناطق ثم قياس ميل كل صدر موجة في كل منطقة، وبعد معالجة هذه المعلومات بوساطة دارات إلكترونية عالية السرعة، تُستخدم للتحكم في المحافيز actuators التي تحدد المواضع المفردة على سطح المرآة. وهكذا تتشوه المرآة بحيث تنتقل أية مركبة موجية واردة بعد المركبات الأخرى مسافة أقصر للوصول إلى البؤرة، وتحدث عملية القياس والضبط هذه ـ في توضُّع تغذية راجعة تقليدية ـ عدة مئات من المرات في الثانية الواحدة. وعندما تعمل الضوئيات التكيفية بصورة صحيحة، يجب على كل المركّبات الموجية الوصول إلى البؤرة متفقة في الطور من أجل تشكيل صورة نقية تماما.

 

كان مهندسو الرادار هم أولَ من طور مفهوم تجزئة صدر الموجة إلى أقسام، ومن ثم تغيير طور هذه الأقسام بحيث تصبح في النهاية ذات طور منتظم واحد. وفي الحقيقة، تُستعمل المبادئ الرياضياتية نفسها للتعويض عن تشوه صدر الموجة في الصور الضوئية وفي الرادار. وفي مطلع الخمسينات بدأ مهندسو الرادار تقسيم الهوائيات إلى قطع بحيث يمكن ضبط طور الإشارة في كل منطقة بصورة مستقلة، وقد تمكنوا ـ بإزاحة طور مركبات الموجة متبعين هذه الطريقة ـ من تقفي أثر الجسيمات المتحركة باستعمال هوائي ثابت أو مباءرة (تجميع) الحزمة على أجسام تبعد مسافات مختلفة.

 

وفي عام 1953 عرض <W.H.بابكوك> فكرة تطبيق مبادئ التكيف على المنظومات الضوئية لأول مرة، فقد اقترح إمكان تطبيق حزمة إلكترونية للتحكم في ثخن رقاقة (غشاء) film سائلة تُغشي مرآة صلدة، من أجل تعويض الأخطاء في طور الموجة الواردة على  المرآة، إذ يتم تأخير مركبات صدر الموجة، التي يسبق طورها المركبات الأخرى، عن طريق تمريرها ضمن رقاقة سائلة أثخن.

 

لكن المبدأ العبقري الذي ابتدعه بابكوك كان محتاجا إلى تطويرات جمة، وبما أن المسألة ملحة لطائفة صغيرة من الفلكيين فإنها لم تتابَع لاحقا. وكانت الفكرة الأبسط، لتثبيت حركة الصور، هي استعمال صفيحة مستقيمة مائلة، كالتي وضعت في الراسم الطيفي لمقراب هالي عام 1956. وقد وصف <B.R.لايتون> استعمال مرآة قابلة للإمالة من طرفها من أجل الحصول على صور عالية الجودة للكواكب في مقال نشرته مجلة «ساينتفيك أمريكان» في الشهر 6/1956.

 

ومع ذلك بقي التصحيح الكامل للاضطراب الجوي هدفا صعب المنال حتى السبعينات، عندما أبدى الجيش اهتمامه بالموضوع. وقد نشأ هذا الاهتمام عن سببين، الأول هو احتياج باحثي البنتاغون، الذين يعملون في مجال الدفاع ضد الصواريخ العابرة للقارات، إلى مباءرة حزمة الليزر على هدف بعيد وحماية شعاعه من الانهيار في الغلاف الجوي. وكان الهدف الثاني أكثر إلحاحا في ذلك الوقت، فقد أرسل الاتحاد السوڤييتي «سابقا» عددا ضخما من الأقمار الصنعية، وكانت وكالة أبحاث المشروعات الدفاعية المتقدمة (ARPA) تبحث عن أفضل الطرائق لتمييز هذه الأقمار، إذ إن الصور الملتقطة بوساطة مقاريب المتابعة الأرضية كانت ضبابية جدا بسبب وجود الغلاف الجوي، بحيث إنها لم تستطع إعطاء صور مفيدة حتى باستعمال طرائق التعزيز الرقمي.

 

كنت (المؤلف) أحد أفراد فريق شركة ليتون إيتك للمنظومات الضوئية التي رسا عليها عام 1972 عقد مع الوكالة ARPA، غايته تطوير معالجة أكثر فعالية لهذه المسألة. وقد قررنا استعمال الضوئيات التكيفية لإبطال التشوه قبل تسجيل الصورة، وهذا يعني إنشاء منظومة تعويض جوي مباشر real-timeatmospheric compensation  RTAC .

 

وعلى الرغم من إثبات جدوى مبدأ التكيف في تطبيقات الرادار، فلم يكن أي عنصر من عناصر المنظومة الضوئية التكيفية مبنيا بعد. ولصنع هذه المنظومة وجب علينا طرح سؤال أساسي هو: كيف يمكن تقسيم صدر الموجة الواردة لتحقيق إعادة مُرضية للصورة الأصلية؟ ويحدد الجواب عدد المحافيز، المتحكم فيها بصورة مستقلة، اللازمة في المرآة القابلة للتشوه، والتي تحدد بدورها كلفة المنظومة وتعقيدها. ولحسن الحظ أمدنا <L.D.  فرايد> (الذي كان يعمل حينذاك في شركة الطيران الأمريكية الشمالية) بطريقة لإيجاد الجواب عام 19666. فقد وجد أن الآثار الضوئية للاضطراب الجوي، التي تظهر معقدة وعشوائية للوهلة الأولى، يمكن أن توصف بدلالة أشكال من صدور الموجات البسيطة عن طريق الميل وإزالة المباءرة واللانقطية (في الانحناءات الكروية والأسطوانية) الشائعة عند كل العاملين في حقل الضوئيات. ويمكن، فضلا عن ذلك، تمثيل حدة الاضطراب بوساطة كمية واحدة r0، فمن أجل المقاريب العادية  تعبر r0 عن قطر أكبر فتحة يمكن استعمالها قبل أن يبدأ الاضطراب بالإخلال بنوعية الصورة. وعندما يزداد الاضطراب تصغر قيمة r0، وفي حالة المراصد الأرضية تراوح قيمةr0 ما بين 5 و 15 سنتيمتر (نموذجيا) في الأطوال الموجية المرئية، بقيمة وسطى تبلغ 10 سنتيمتر.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N5_H02_005049.jpg

يرعى <Q.R.فوگات> مقرابا مزودا بمنظومة ضوئية تكيفية في مخبر فيليبس للقوات الجوية الأمريكية. تزيد الضوئيات التكيفية نقاء الصورة المتجمعة من المقاريب الأرضية، عن طريق التخلص من الآثار الضبابية للغلاف الجوي بصورة فعالة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N5_H02_005050.jpg

يعتمد مظهر النجوم المرئية من مسافة بعيدة على كامل صدور الموجات الكروية للضوء الذي تولده، إذا أمكن مباءرة كل مركبات صدر الموجة، فإن النجم يبدو مشابها لمنبع ضوئي نقطي مثالي (في اليسار). لكن الاضطراب الجوي يخرب بصورة عشوائية شكل صدر الموجة، وهذا ما يسبب وصول المركبات إلى نقطة بؤرية وهي في أطوار مختلفة.

 

وفي الضوئيات التكيفية تحدد الكمية r0 قدَّ (حجم) كل منطقة يجب ضبطها للحصول على الصورة. وللوصول إلى تعويض جيد عند الأطوال الموجية المرئية، يحتاج مقراب مزود بمرآة قطرها أربعة أمتار إلى مرآة يتحكم فيها نحو 500 محفاز، وتعتمد قيمة r0 على طول موجة الضوء الوارد أيضا، ففي نطاق الأمواج تحت الحمراء (عند طول موجي قدره ميكرون واحد) تبلغ القيمة الوسطى لـ r0 نحو 50 سنتيمتر، لذا يصل عدد المحافيز الضرورية للحصول على تعويض جيد إلى 60 محفازا تقريبا. وقد أردنا، في بداية دراستنا، بناء نموذج مجهز بعدد محدود من المحافيز يكون كافيا لفحص المبدأ من دون أن تغدو العملية معقدة جدا، ولهذا اتفقنا تحكيميا ـ إلى حد ما ـ على استخدام 21 محفازا فقط.

 

كانت مصحِّحات صدر الموجة المتيسرةُ وحدها عام 1972 عبارة عن مرايا مقسمة كانت مصممة أصلا للتخلص من التشوه في الحزم الليزرية تحت الحمراء، ولكن هذه الأجهزة كانت بطيئة جدا إضافة إلى عدم كفاية دقتها من أجل احتياجاتنا. وفي البداية بدت بلورة أكسيد السليكون والبزموت بديلا واعدا، إذ وجدنا أنه يمكن ضبط انزياح طور الضوء المار خلالها بتطبيق ڤلطية عليها. غير أن هذه البلورة لا تمرر جزءا كافيا من الضوء، وكانت قدرتها على تصحيح الطور صغيرة جدا من أجل الاضطراب الجوي.

 

ثم بحثنا في استعمال مرآة مرنة مصنوعة من صفيحة ألمنيوم رقيقة يمكنها عكس الضوء بفعالية، كما يمكن حنْيها بسهولة، ولكن اعترضتنا هنا مشكلة الاستقرار، فعلى الرغم من أن سطح المرآة يتحرك ضمن مسافة تقل عن عشرة ميكرون (الميكرون يساوي جزءا من ألف جزء من المليمتر)، فإنه يجب التحكم في ذلك بدقة عالية ـ بسماح قدره واحد من خمسين من الميكرون فقط. وقد وجد زملائي <J.فاينلاب> و <J.S .لبسون> و <F.P.كون> (الذين كانوا يعملون آنذاك في شركة إيتك) أن وضع مرآة زجاجية رقيقة على مادة كهرضغطية piezoelectricمتصلة بأقطاب كهربائية، يمكِّنهم من التحكم في التشوه بمئات من مناطق المرآة بالدقة والسرعة المطلوبتين. وقد سمينا هذا الجهاز المرآة الكهرضغطية المتضامنة monolithic piezoelectric mirror.

 

وقد توجهنا في المرحلة التالية إلى مسألة قياس التشوه في صدر الموجة. وفي ذلك الوقت كانت الطريقة المتبعة للقياس الدقيق لصدور الموجات الضوئية هي عملية بطيئة، يتم فيها مسح صور من المقياس التداخلي الليزري يدويا، ثم تُحول هذه الصور إلى معلومات رقمية في المرحلة اللاحقة. وهكذا إذا ما حالفنا التوفيق، فإن المعلومات الناتجة من صدر الموجة تصبح متوافرة في اليوم التالي، ولكن هذا زمن أطول بكثير من جزء من ألف من الثانية، الذي يؤلف زمن الاستجابة اللازم في الضوئيات التكيفية.

 

ولحسن طالعنا كانت هناك طريقة جديدة رهن التطوير لقياس طور الموجات في تلك الآونة، وتدعى هذه الطريقة قياس التداخل القصيِّ. بصورة عامة، تستخدم مقاييس التداخل في الضوئيات لقياس طور صدر موجة عن طريق مراكبتها مع صدر موجة ثانية ذات خواص معلومة، معطية في النهاية نموذجا تداخليا. بيد أننا نحتاج ـ في الضوئيات التكيفية ـ إلى معرفة الطور النسبي فقط لكل منطقة من الفتحة بالنسبة إلى المنطقة المجاورة من أجل تحديد مدى تشويه الاضطراب الجوي لشكل صدر الموجة. وتقوم المقاييس التداخلية القصية بهذه المهمة بإزاحة نسختين من صدر الموجة نفسها مسافة معلومة ثم مراكبتهما، وهكذا تتناسب شدة النموذج التداخلي مع تدرج، أو ميل، صدر الموجة.

 

لكن مقاييس التداخل القصية الشائعة آنذاك كانت تعمل بضوء وحيد اللون فقط، ولا تعطي إلا نموذجا تداخليا ثابتا. أما ما نحتاج إليه في الضوئيات التكيفية فهو إجراء قياسات سريعة لصدر الموجة عند استعمال ضوء أبيض عريض النطاق صادر عن التوابع الشمسية (الكواكب الشمسية)، لكن زميلي <J.ويانت> استطاع بناء مقياس تداخل قصي يعمل بالضوء الأبيض باستعمال شبكة انعراج متحركة تعطي نموذجا تداخليا، تتغير فيه الشدة جيبيا، كما تلتقط مصفوفة من المكاشيف الفوتونية الإشارة الناتجة، وعند مقارنة انزياح طور هذه الإشارة الكهربائية بمرجع ثابت، نلاحظ تناسبه التام مع ميل صدر الموجة الضوئية في المنطقة الموافقة من الفتحة. وتكمن ميزة هذا النمط من مقاييس التداخل القصية في استقراره الضوئي وسهولة عمله واحتياجه إلى قليل من المعايرة. وقد زادت تحسينات لاحقة من سرعة هذا الجهاز بحيث إنه استطاع قياس 10000 صدر موجة ضوئية في الثانية، وهذا يكفي لقياس أسوأ الاضطرابات الجوية.

 

ولإكمال فعالية المنظومة نحتاج إلى طريقة سريعة لكي تتكون من القياسات الموضعية لصدور الموجات، الصادرة عن كل منطقة، خريطة لصدر الموجة تكون مستمرة (متصلة) عبر كامل الفتحة الضوئية، فبناء صدر الموجة هذا هو عملية أساسية لتحديد مقدار ضبط المحافيز الفردية، وقد أسفر الحساب المتوالي، وهو الطريقة المتيسرة الأكثر وضوحا بالنسبة إلينا، عن مشكلات عديدة بسبب القدرة الصغيرة للحواسيب الرقمية في تلك الآونة، ولهذا فإننا لجأنا إلى التقانة المقارنة، فأنشأت مجموعتنا البحثية دارة كهربائية بسيطة مرتبة في نموذج مماثل للمحافيز، ووُضعت خلف المرآة القابلة للتشوه، ثم طبقت تيارات كهربائية تمثل قيم صدور الموجات المقيسة عند عقد الدارة ـ التي تولد الكمونات الكهربائية اللازمة لضبط المحافيز الموافقة. وكانت هذه الدارة المتوازية سريعة جدا، كما كان بالإمكان توسيعها، بحيث تستطيع التحكم في عدد كبير من المحافيز من دون أن تفقد شيئا من سرعتها، وهي ميزة كبيرة مقارنة بالطريقة المستخدمة في الحساب المتوالي.

 

كيف تعمل  الضوئيات التكيفية؟

 يمكن أن تعوِّض الضوئيات التكيفية عن التشوهات في صدر الموجة لضوء النجم؛ ففي البداية تركز المنظومة الضوئية الضوء الوارد إلى المقراب في حزمة ضيقة تنعكس على مرآة مشوَّهة ومرآة ثانية تصحح حركة الصورة، ثم تنشطر الحزمة بحيث يمكن لمحس صدر الموجة قياس مقدار تشوه كل مركبة من صدر الموجة، وتوجِّه هذه المعلومات حركات التعويض في المرايا، وتركَّز حزمة التعويض في نهاية الأمر على آلة تصوير لتسجيل الصورة المصححة. ونبين في أسفل الشكل صورا مصححة وغير مصححة لنجم وللمقراب الفضائي هابل كما تُرى من الأرض.

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N5_H02_005051.jpg

 

ومع اقتراب الشهر 12/1973 ـ وهو موعد فحص منظومة التعويض الجوي المباشر ـ ازداد شعورنا بالقلق لمعرفة ما إذا كانت الآلة ستعمل بصورة مستقرة أم لا. وعلى الرغم من أن لكل واحد من المحافيز المستعملة (21 محفازا) حلقة التغذية الراجعة feed back loop  الخاصة به، فإنه لا يمكن تفادي حدوث اقتران متبادل cross-coupling بين الحلقات عبر المرآة المشوَّهة. بمعنى آخر، سيؤثر تصحيح صدر الموجة ـ في إحدى المناطق بقدر طفيف ـ في التصحيحات بالمناطق الأخرى. ومع أن حساباتنا قد بينت استقرار المنظومة، فإن هناك احتمالا دائما لظهور بعض المشكلات غير المتوقعة. وقد كنا قلقين من حدوث اندفاع اهتزازي مفاجئ لمنظومة الضوئيات التكيفية المباشرة، وهو ما يمكن حدوثه في منظومات التغذية الراجعة المركبة، مما يسبب تحطيم المرآة الكهرضغطية المتضامنة التي صممناها بكثير من الجهد والمثابرة. ولكننا شعرنا بالارتياح حين تأكدنا، عند فحص المنظومة للمرة الأولى، أنها تؤدي عملها بصورة كاملة وأنها كانت مستقرة كالصخرة.

 

برهنت منظومة الضوئيات التكيفية المباشرة ـ للمرة الأولى ـ على مقدرة الضوئيات التكيفية على التعويض عن التشوه الناشئ عن الاضطراب الجوي في الصور الممتدة، وقد استُخدمت أصول هندسة هذه المنظومة في منظومات لاحقة عديدة. ولايزال علينا استعمال عدد قليل من المحافيز في مقراب كبير. ولكننا، عام 1976، بدأنا ـ بتمويل من الوكالة (ARPA) ـ ببناء آلة أكبر، دُعيت منظومة التعويض عن الصورة compensated image system  CIS ، تستعمل  168 محفازا. وقد أدى زملائي <K.J .بوكر> و <A.R. هوتشين> و <P.E. وولنر> أدوارا مهمة في تصميم هذه المنظومة الرائدة، التي ركبناها عام 1980 على المقراب (1.6 متر) الذي تُشغِّله الوكالة ARPA  في جبل هاليكالا بجزيرة ماوي (هاواي). ومرة ثانية ساورنا القلق حول استقرار المنظومة، إذ تنبأ بعض أعضاء الفريق بأن أقساما كبيرة من المرآة سوف تجمد (تتوقف) في مكانها وتجعل المنظومة بأكملها عديمة الفائدة. ولكن منظومة التعويض عن الصورة أثبتت استقرارا مثاليا عندما تم فحصها للمرة الأولى في ربيع عام 1982 على النجوم اللامعة، ومنذ ذلك الوقت بنيت منظومات ضوئية تكيفية أكبر من ذلك وأدت عملها من دون حدوث أي مشكلات استقرار تذكر.

 

لقد أعطتنا منظومة التعويض عن الصورة أول برهان حقيقي على التعزيز الذي تستطيع الضوئيات التكيفية إضفاءه على أداء المقاريب الأرضية. وقد كانت النتائج ـ لا سيما المتعلقة بالنجوم المزدوجة ـ لافتة للانتباه، فالنجم الألمع الذي يعتمد عليه محس (مجس) صدر الموجة في قياس الاضطراب الجوي، كان مرئيا بسهولة قبل التصحيح، لكن رفيقه بدا غائما مثل بقعة مبهمة، كما كان لكلا النجمين حركة ومضية واهنة على طول عدة ثوان قوسية. وعندما شغِّلت حلقة التعويض عن الصورة انبثق كل نجم على شكل بقعة حادة (واضحة المعالم) وبقي ثابتا على شاشة الرؤية، كما كانت زيادة لمعان الصورة أكثر إثارة للعجب من زيادة وضوح المعالم.

 

ومنذ نجاح هذه الجهود الأولية صنعت نماذج جديدة من المرايا المشوهة، التي تستعمل أكثر من ألف محفاز، وكان بعضها عبارة عن مرايا مجزأة تتألف من عدد كبير من الصفائح المسطحة التي ركب كل منها على ثلاثة محافيز كهرضغطية متعددة الطبقات، وكان لهذه المرايا المجزأة قدرة كبيرة على التعويض عن الاضطراب الشديد، إذ يكون كل جزء مفصولا عن الأجزاء الأخرى، مما يسمح بحرية كبيرة لحركة هذه الأجزاء. ولكن لسوء الحظ، تتطلب الأوجه الفردية ضبطا مستمرا. تنزع المرايا المجزأة إلى عرج بعض الضوء الوارد عليها بسبب وجود الفواصل بين الأجزاء، وهذا ما يؤثر في نقاء الصورة. وقد فضل الفلكيون ـ نتيجة لذلك ـ استعمال المرايا ذات الصفائح المستمرة، وتصنع مرآة كهذه من زجاج ممزوج بالألمنيوم الذي يكسبها المرونة، وتركب الصفائح على محافيز متألفة من طبقات متعددة من المواد الكهرضغطية أو الكهرمنقبضةelectrostrictive التي تتمدد وتنقبض حسب الكمون الكهربائي المطبق عليها، كما تركَّب المحافيز بدورها على صفيحة قاعدية صلبة. وتبدي المرآة الصفائحية المستمرة استقرارا مكانيا أفضل، وهي تحتاج إلى صيانة أقل وتعطي تصحيحا أنعم على كامل فتحة المقراب. أما النمط الثاني، الذي تم تطويره من المرايا المشوهة، فهو المرآة الثنائية التشكل bimorph، وهي تتألف من عناصر كهرضغطية مسطحة ملصقة بصفيحة رقيقة بحيث إنها تُلوى بالاتجاهين عند تطبيق كمون كهربائي. وقد صُنعت منظومة ضوئية تكيفية تستعمل مرآة ثنائية التشكل في جامعة هاواي، كما تَستعمل هذه المنظومة أيضا محسا لقياس انحناء صدر الموجة مباشرة، مبسطة بذلك الحسابات اللازمة للتحكم في المحافيز.

 

وفي الأطوال الموجية تحت الحمراء، التي تكون آثار الاضطراب الجوي أقل حدة عندها، توفر «المصححات الشكلية» modal correctors  طريقة جيدة للتعويض عن تشوهات صدر الموجة. وتكون هذه الأجهزة فعالة في تصحيح الميل وإزالة المباءرة واللانقطية والتشوهات المألوفة الأخرى.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N5_H02_005052.jpg

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N5_H02_005053.jpg

من أجل  رؤية الأجسام الخافتة الضوء يستعمل الفلكيون النجوم اللامعة لمعايرة الاضطراب الجوي (a). لا تعمل هذه الطريقة بصورة جيدة إلا إذا وجد نجم لامع في جزء من السماء نستطيع رؤيته في الوقت نفسه مع النجم، وإذا كان أحد النجمين بعيدا عن الآخر فإن ضوءهما يعاني درجتين مختلفتين من الاضطراب(b). وبما أن عددا قليلا من النجوم يكون لامعا بصورة تكفي لاعتباره مرجعا، فإن هذه الطريقة لا تكون مفيدة إلا في قسم صغير من السماء، وأحد الحلول هو استخدام حزمة ليزرية موجَّهة عبر الغلاف الجوي لكي تؤدي دور نجم مرجعي صنعي (c). ويمكن للفلكيين إضاءة حقل رؤية كامل باستعمال مصفوفة من المنارات الليزرية  (d). ولايزال نجم قريب ضروريا لتوجيه المقراب.

 

وهناك سبل جديدة حاليا، هي قيد التطوير والبحث، تهدف إلى اعتماد دارات عصبونية لتفسير الإشارات القادمة من المحس الضوئي والتحكم في المرآة القابلة للتشوه. إذ يعتقد بعض الباحثين أن دارة عصبونية، مؤلفة من الكثير من خلايا صنع القرار المتصلة فيما بينها، يمكن تدريبها لتفسير المعطيات الواردة إليها بقدر أفضل من الدارات المعتمدة على الخوارزميات المستعملة حاليا.

 

وعلى الرغم من نجاح التطبيق الأول للضوئيات التكيفية نجاحا كبيرا، فإن انتشار الاعتماد على هذه التقانة في الرصد الفلكي ظل معوقا بمسألتين أساسيتين. الأولى هي أنه يمكن رصد الأجسام الخافتة (وهي طائفة تتضمن معظم الأجسام المهمة بالنسبة للفلكيين) عند وقوع نجم لامع على مقربة مباشرة منها. بيد أن الحاجة إلى إجراء قياسات مباشرة للاضطراب، بسرعة تجاري على الأقل سرعة تغير الجو، تملي علينا درجة لمعان دنيا للنجم الدليل، إذ يجب جمع عدد كاف من الفوتونات في كل منطقة صغيرة من فتحة المقراب للحصول على قياس صحيح لصدر الموجة. وهذا يعني أنه في المنظومة الضوئية التكيفية، التي تعمل في الأطوال الموجية المرئية وضمن شروط عادية، يجب كشف مئة فوتون على الأقل ضمن منطقة مربعة يبلغ طول ضلعها نحو 10 سنتيمتر في كل جزء من مئة من الثانية، ولتحقيق هذا المطلب يجب أن يكون لمعان النجم الدليل من المرتبة المرئية العاشرة على الأقل، ولكن لا يوجد وسطيا إلا ثلاثة نجوم من هذه المرتبة في رقعة من السماء مقدارها درجة مربعة.

 

ويمكننا قبول هذا القصور، ولكن هناك مشكلة أساسية ثانية، هي أن التعويضات التكيفية لا تكون فعالة إلا من أجل زاوية صغيرة فقط من السماء تدعى زاوية تساوي المستوي isoplanatic، التي لا تتجاوز قيمتها عادة خمس ثوان قوسية في مجال الأمواج المرئية. ولكن ضمن مساحة أكبر يتغير الاضطراب بقدر أعلى بكثير من قيمة الاضطراب المقيس بوساطة محس صدر الموجة، ضمن زاوية تساوي المستوي، بحيث إننا لا نستطيع دائما الحصول على صورة جلية غير متغيرة، ولذلك يعوَّض المركز فقط بشكل صحيح، وتزداد ضبابية الصورة كلما اتجهنا نحو الحواف. ولأنه لا يمكن تعويض إلا منطقة ضئيلة فقط من السماء ـ تكون محيطة بكل نجم دليل ـ فلا تفيد معظم السماء من الضوئيات التكيفية باستعمال النجوم الدليلة الطبيعية.

 

ويتبع الباحثون طريقتين للتغلب على هذه القصورات، الأولى هي العمل عند أطوال موجية أكبر (في المجال تحت الأحمر) تكون فيها آثار الاضطراب الضوئية أقل حدة بكثير. وبما أن قيمة r0 في الأطوال الموجية تحت الحمراء تكون أكبر بخمس إلى اثنتي عشرة مرة من قيمتها في الأطوال الموجية المرئية، فيمكن أن تكبر كل منطقة تصحيح بالنسبة نفسها. كذلك بما أن الاضطرابات في صدر الموجة تستغرق وقتا أطول للتغير في المناطق العريضة، فإنه يتوفر وقت أكبر لتجميع الضوء، ونتيجة لذلك يمكن استعمال النجوم الخافتة كنجوم دليلة. وتكون زاوية تساوي المستوي ـ فضلا عن ذلك ـ أعرض عند الأطوال الموجية الكبيرة، فتزداد المساحة التي تكون الضوئيات التكيفية فعالة فيها. وبضم هاتين الميزتين، يمكن استعمال نجم دليل مرئي في تنقية الأرصاد تحت الحمراء وتوضيحها ضمن جزء من السماء أكبر كثيرا مما هو ممكن باستخدام الأطوال الموجية المرئية.

 

وفي أواخر الثمانينات، طورت أول منظومة تعمل في الأطوال الموجية تحت الحمراء تعرف باسم Come-On  بمشاركة من المرصد الأوروبي الجنوبي وباحثين من فرنسا. وقد اختبرت هذه المنظومة في مقراب بلغ قطر مرآته 3.66 متر في مرصد لاسيلا (شيلي) وأسفرت عن نتائج ممتازة.

 

وفي الطريقة الثانية استُعمل الليزر في توليد منارات صنعية، أو نجوم دليلة صنعية. وقد زودنا باحثون من مختبر لينكولن بمعهد ماساتشوستس للتقانة ومن مختبر فيليبس (التابع للقوات الجوية الأمريكية) بهذه الطريقة الجديدة والقوية لقياس الاضطراب الجوي أثناء عملهم ضمن مبادرة الدفاع الاستراتيجي، فقد كانوا يدرسون في الثمانينات كيفية إطلاق الأسلحة الليزرية بحيث يمكنها منح أكبر طاقة ممكنة لهدف موجود فوق الغلاف الجوي. وبما أن الحزم الليزرية تعاني في الأطوال الموجية المرئية نمطَ التشوه نفسه، الذي يصيب الضوء الوارد من نجم بعيد، يمكننا تطبيق مبادئ الضوئيات التكيفية عليها. وفي عام 1982 بدأ باحثو معهد ماساتشوستس للتقانة باستخدام نسخة تحوي 69 محفازا من منظومة الصورة المعوضة، التي عرفت باسم تجربة التعويض الجوي ACE، من أجل تصحيح التشوه في حزمة ليزرية مرسلة من الأرض نحو الفضاء. ففي إحدى التجارب حمل المكوك الفضائي Discovery مرآة عكس مرتد لعكس حزمة الليزر نحو الأرض، بحيث يستطيع الباحثون استعمالها في قياس التشوه الجوي. وفي اختبارات لاحقة وضعت مرايا عكس مرتد على صواريخ وصلت إلى ارتفاع 600 كيلومتر. وبإيصال هذه المعلومات إلى مرآة مشوَّهة صار الباحثون قادرين على تشويه حزمة ثانية، بحيث إنها تمر عبر الغلاف الجوي وتركز على هدف صغير في الصاروخ. وقد استُعملت تجهيزات الضوئيات التكيفية في التعويض الجوي، منذ ذلك الحين، بنجاح في الدراسات الفلكية على مقراب يبلغ قطر مرآته 1.5 متر موجود في مرصد جبل ولسون بكاليفورنيا.

 

ويُكوِّن الليزر من أجل المقاريب الفلكية نجوما دليلة صنعية في الطبقات الجوية العليا، إما بتوليد تبعثر (تشتت) مرتد من جزيئات الهواء عند ارتفاع يتراوح ما بين 10 و 40 كيلومتر ـ ويعرف باسم مبعثر رايلي Rayleigh seatter ـ أو عن طريق حث الفلورة في طبقة بخار الصوديوم الموجودة على ارتفاع  90 كيلومتر. وبما أن المنارة الليزرية أقرب إلى المقراب أكثر من قرب النجم الطبيعي، فإن الجهاز يولد حزمة مخروطية الشكل (بدلا من حزمة أسطوانية مفترضة) تمر عبر جزء من الطبقة الجوية المضطربة قبل أن تصل إلى فتحة المقراب. ويكون هذا المفعول أكبر أثرا في منارات رايلي المنخفضة الارتفاع كما يتطلب استعمال أكثر من منارة ليزرية.

 

وفي عام 1983 بيّن <Q.R.فوگات> (من مختبر فيليبس) إمكان استخدام النجوم الدليلة الليزرية من أجل قياسات صدر الموجة، وقد ابتدع باحثون ـ من مختبر لينكولن في معهد ماساتشوستس للتقانة ـ أول منظومة ضوئية تكيفية كاملة معتمدة على النجوم الدليلة الليزرية، تعرف باسم «الطرائق التكيفية عند الأطوال الموجية القصيرة» short wavelength adaptive techniques (SWAT). وقد استعملوا في مركز الضوئيات ـ التابع للقوات الجوية الأمريكية (الكائن في جبل هاليكالا بجزيرة ماوي) ما بين عامي 1988 و 1990 ـ ليزرات صباغ نبضيةpulsed dye lasers تعمل عند الطول الموجي 0.5122 ميكرون لتوليد منارات ليزرية عند ارتفاعات تراوح ما بين أربعة وثمانية كيلومتر. وقد ثبت التعويض عن الاضطراب بمقارنة صور النجوم الطبيعية باستعمال التصحيح التكيفي ومن دونه، كما بينت التجربة أن استعمال منارتين ليزريتين يعطي نتائج أفضل من استعمال منارة واحدة.

 

استعملت أنواع مختلفة من محسات صدر الموجة، غير أن محس شاك ـ هارتمان كان الأكثر استعمالا في حالة المنارات الليزرية؛ بسبب قدرته على التعامل مع المنابع الضوئية المستمرة أو النبضية على حد سواء. وقد استعمل <V.R. شاك> هذا المحس للمرة الأولى في جامعة أريزونا عام 19711، وهو يحوي مصفوفة من العدسات الصغيرة التي تغطي صدر الموجة بحيث يولِّد كل منها صورة للنجم الدليل، وتحدد تدرجات صدر الموجة انزياح الصورة في كل منطقة.

 

ويجب، من حيث المبدأ، أن تسمح المنارات الليزرية بالتعويض التكيفي لأي جسم كوني ـ مهما كان ضوؤه خافتا، وفي أي طول موجي ـ يعبر الغلاف الجوي. ولكن فعالية المنارات الليزرية مازالت محدودة بحاجتنا إلى وجود نجم طبيعي بحيث نستطيع توجيه المقراب نحوه، كما لا تفيد المنارات الليزرية في التوجيه؛ لأنها ليست ثابتة في السماء وإنما يتغير موضعها المطلق وفقا لأثر الاضطراب في الحزمة الليزرية. وبسبب الحاجة إلى وجود نجم موجه، لن تتمكن الضوئيات التكيفية من تغطية إلا نسبة 30% فقط من السماء عند الأطوال الموجية المرئية، ولكن تقترب نسبة تغطية السماء من مئة في المئة عند الأطوال الموجية تحت الحمراء. وتتابع هيئات عديدة، منها مختبر فيليبس وجامعة شيكاغو ومختبر لورنس ليفرمور الوطني، تطوير الضوئيات التكيفية باستعمال المنارات الليزرية.

 

وقد بقيت إحدى مسائل الضوئيات التكيفية معلقة من دون حل، وهي كيف نحصل على صورة واضحة المعالم ضمن حقول رؤية عريضة، فمثلا لم يتمكن أحد حتى الآن من الحصول على صورة معوَّضة تماما لقرص الكوكب جوبيتر. والمشكلة هي أن زاوية رؤية القرص تبلغ 40 ثانية قوسية، وهذا يشمل نحو 50 مساحة مختلفة لتساوي المستوي، أو بمعنى آخر مساحات يختلف فيها الاضطراب الجوي اختلافا ذا شأن. واقترحت إحدى الطرائق، التي نوقشت كثيرا، استعمال عدة مرايا مشوَّهة متعاضدة مع مصفوفة من النجوم الدليلة الليزرية، فتؤدي كل مرآة في الحقيقة دور مصحح ثلاثي الأبعاد يعوض عن الاضطراب عبر مجال من الارتفاعات في الغلاف الجوي. وتجري قياسات متعددة لصدر الموجة تشمل كامل حقل الرؤية باستعمال النجوم الدليلة.

 

وبعد مرور 25 عاما من التطوير ـ من أجل الأغراض الدفاعية في المقام الأول ـ تجد الضوئيات التكيفية اليوم استعمالات علمية أوسع في المقاريب الفلكية الأرضية أساسا، إذ يتضمن ـ في الوقت الحاضر ـ تصميم معظم المقاريب الفلكية الكبيرة، التي هي قيد التخطيط أو الإنشاء، منظومة الضوئيات التكيفية.

 

والسؤال الذي يتردد مرارا هو: لماذا نستمر في بناء مقاريب أرضية كبيرة إذا كان بإمكاننا التخلص تماما من القصورات الجوية بالانتقال إلى الفضاء؟ والجواب هو: إن كلفة بناء المقاريب الفضائية وصيانتها  أكبر بكثير من كلفة بناء المقاريب الأرضية وصيانتها، حتى لو تضمن ذلك كلفة المنظومة الضوئية التكيفية.

 

ويجب النظر إلى الفلكيات الأرضية والفضائية كأداتين متكاملتين بدلا من كونهما متنافستين. فللمقاريب الفضائية ميزة، هي أنها قادرة على العمل عند أطوال موجية لا يسمح الغلاف الجوي بها بسبب امتصاصه لها، مثل كشف الأشعة فوق البنفسجية والأشعة السينية. في حين أن المقاريب الأرضية ـ التي هي حاليا ذات فتحات وقواعد أكبر بكثير ـ أنسب كثيرا للعمل في الأطوال الموجية الكبيرة التي تكون عندها آثار الاضطراب أسهل تعويضا. ولا شك أنه إذا عملنا وفق ما تجيده كل تقانة فإن نظرتنا للكون تصبح أشد وضوحا من أي وقت مضى.

 المؤلف

John W. Hardy

بدأ المؤلف العمل في حقل الضوئيات التكيفية عام 1972، وطور هذه التقانة خلال العقدين التاليين لأغراض دفاعية وفلكية. حصل هاردي على الإجازة في الهندسة الكهربائية من جامعة لندن عام 1946 ثم تخصص في التقانة الكهرضوئية. نال جائزة گودارد لإسهامه في حقل الضوئيات التكيفية من جمعية مهندسي الأجهزة الفوتوضوئية عام 1989، ونال ميدالية ميكلسون من معهد فرانكلين عام 1992. تقاعد من شركة ليتون إيتك للمنظومات الضوئية عام 1990، ولكنه مازال يعمل مستشارا نشيطا فيها، ويطور حاليا جهازا رخيص الثمن يعمل وفق مبادئ الضوئيات التكيفية لاستخدامه في المقاريب الصغيرة.

مراجع للاستزادة 

ACTIVE OPTICS: A NEW TECHNOLOGY FOR THE CONTROL OF LIGHT. J. W. Hardy in Proceedings of the IEEE, Vol. 66, No. 6, pages 651-697; June 1978.

ADAPTIVE OPTICS REVISITED. Horace W. Babcock in Science, Vol. 249, pages 253-257; July 20, 1990.

PRINCIPLES OF ADAPTIVE OPTICS. Robert , K. Tyson. Academic Press, 1991.

ADAPTIVE OPTICS FOR ASTRONOMY: PRINCIPLES, PERFORMANCE AND APPLICATIONS. J. M. Beckers in Annual Review of Astronomy and Astrophysics, Vol. 31, pages 13-62; 1993.

Scientific American, June 1994

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى