أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

لماذا تتكسر الأشياء

لماذا تتكسر الأشياء(*)

عرف العلماء طوال معظم القرن العشرين أن الكيمياء هي المسؤولة

عن انحناء المادة الصلبة أو عن تهشمها. لكنهم لم يتوصلوا إلا حديثا إلى

معرفة الطريقة التي تمكنهم من التنبؤ بنوع القصور الذي ستكتب له الغلبة.

<E .M. إبرهارت>

 

إن تحطم شيء ما، أو انحناءه، يعدّ مأساة لدى معظم الناس؛ لكن هذا الأمر بالنسبة إليّ هو حدث مهم في حياتي اليومية. فحينما يجذب تهشم الزجاج انتباهي، أجد نفسي أعيد تركيب قطعه وأتتبع مسيرة كسره حتى أعود إلى أصوله. وفي أحيان أخرى يحدث أن أقف قرب شجرة هرمة لأتخيل كيف تسبَّب نموُّها في ثني دعائم سياج من الحديد المشغول. إن اهتمامي بالطريقة التي تتحطم بها الأشياء ليس باعثه الاستغراق في التخريب، بل يرجع لإدراكي أن التقانة تقوم على معرفة ما إذا كانت المواد تعاني القصورَ بسبب هشاشتها وقابليتها للكسر، مثل الزجاج، أو بسبب قابليتها للطرق والسحب ductility مثل الحديد.

 

إلى حد كبير، يرتبط تاريخ التقانة بالقدرة على الاستفادة من هذين الشكلين من القصور. ذلك أن التحكم في القصور الهش brittle failure  لبعض المعادن مثل الصوان، أوصل الإنسان إلى أول حقبة تقانية، وهي العصر الحجري، وذلك قبل نحو 2.5 مليون سنة. وفي وقت لاحق، قبل نحو 5000 سنة، قاد اكتشافُ بعض المواد من مثل الذهب والنحاس، اللذين يقاومان القصور الهش، إلى الولوج في العصر المعدني المبكر. وقد وجد الحرفيون القدامى أن هذه الفلزات القابلة للطرق والسحب تصلح لصناعة الحلي وأدوات الزينة الأخرى، بسبب ليونتها softness وقابليتها للمط وللدق بمطرقة خشبية. وعلى الرغم من متانة toughness هذه المواد وحاجتها إلى مقادير هائلة من الطاقة في أثناء تشكيلها، فإن عمرها يكون قصيرا عند إعدادها للقطع أو الكشط.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N3_H03_00178.jpg

بسبب قدرتها على امتصاص طاقة الاصطدام، لا تتحطم الكرات والمضارب (في معظم الأحيان)، في حين يتهشم زجاج النافذة عند قذفه بإحدى هذه الكرات. ويرجع السبب الحقيقي، في كون بعض المواد تحافظ على سلامتها في حين تتحطم مواد أخرى، إلى السلوك المحيّر للروابط الكيميائية المسؤولة عن تماسك هذه المواد.

 

وعند استخدام المواد في صناعة العديد من الأشياء، التي تتراوح من السيوف إلى ناطحات السحاب، فإن المركّب الأمثل هو الذي يتمتع بقدر كاف من الصلادة hardness يحتفظ معه بشكله عند الإجهاد، وبقدر كاف من المتانة يحول دون تحطمه. وهذا ما يفسر الموقع الذي تشغله الفلزات في سائر جوانب حضارتنا.

 

فالفلزات هي المجموعة الوحيدة من بين العناصر التي تتميز بالهشاشة، وبالقابلية للطرق والسحب. لذا أصبحت الأدوات والأسلحة الحجرية من الأشياء الأثرية، لا سيما بعد أن عرف الناس أن خلط النحاس بعناصر أخرى من مثل القصدير ينتج فلزا، هو البرونز، أكثر صلادة ومتانة من أي منهما.

 

وهناك ما هو أشد صلادة من البرونز، وهي سبائك الكربون والحديد، التي لم تكن واسعة الانتشار حتى نحو عام 1000 قبل الميلاد، حين اخترع علماء التعدين الأوائل أفرانا يمكن تسخينها لدرجات حرارة تسمح باستخلاص الحديد من خاماته. إلا أن سبائك الحديد والكربون، على الرغم من صلادتها، يمكنها أن تمتص قليلا من الطاقة قبل تعرضها للشرخ. وقد عرف علماء التعدين منذ زمن بعيد أن نفخ الهواء في هذا المركب يؤدي إلى تقليل محتواه من الكربون مما يجعله أكثر قابلية للطرق والسحب؛ وهكذا ظهر أول نوع من الفولاذ في العالم. وتقدمت التقانة منذئذ، جنبا إلى جنب، مع القدرة على تصميم مواد تتفاوت في درجات هشاشتها وقابليتها للطرق والسحب.

 

عيوب قاتلة

على الرغم من العلاقة القديمة بين التقدم التقاني وطريقة تصدع (تحطم) الأشياء، فإن الأساس العلمي للفهم الكامل لسبب هذا التصدع لم يتضح إلا خلال القرن العشرين؛ ولايزال الكثير من التفاصيل دفين التعقيدات المجهرية حتى يومنا هذا. فعلى سبيل المثال مازلنا لا نفهم لماذا تستطيع ثلاث ذرات من الهيدروجين، في كل مليون ذرة من الحديد، جعلَ الفولاذ المطيل مادةً هشة بشكل خطير. وللإجابة عن هذا السؤال وعن غيره من التساؤلات، أمضيت العشرين سنة الأخيرة في محاولة استخدام وسائط الكيمياء الجزيئية لتعرّف الطريقة التي تتصدع بها المادة. وكنت آمل في النهاية أن أصبح قادرا على تصميم مواد تتحطم على النحو المراد. ومن أجل هذا كان عليّ أن أتحرّى سبب وكيفية تحطم الروابط الكيميائية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N3_H03_00179.jpg

 

لقد تطور الفهم العلمي لقصور المواد، جنبا إلى جنب، مع ما عرفناه في بدايات هذا القرن من أن المادة الصلبة ما هي إلا تجمع من الذرات يرتبط بعضها ببعض بروابط كيميائية. وقد تصور الكيميائيون، في البداية، هذه الروابط وكأنها قضبان تجمع ما بين أزواج من الكرات (الذرات). وهكذا مُثلت بنية المادة الصلبة بصفيف من المجسمات (أو متعددات الأوجه) المتكدسة، مثل المكعبات أو ثمانيات الأوجه، التي تمثل فيها زوايا متعددة الأوجه مواقع الذرات، في حين تمثل حروفُه الروابط الكيميائية. وعند مطّ هذه الصفيفات، تستجيب كل رابطة لذلك باستطالتها وتحملها جزءا من التمدد؛ فإذا ما تجاوز الإجهاد نقطة حرجة تحطمت الرابطة، ومع تحطم عدد كاف من الروابط، تتشقق المادة الصلبة.

 

واجه علمُ قصور المواد الناشئ مشكلة عندما لاحظ الباحثون أن المواد، وحتى أقواها، تُظهر قصورا عند مستويات إجهاد لا تتجاوز عُشر مستويات الإجهاد اللازمة لتحطيم الروابط الكيميائية. وفي بداية العشرينات من القرن العشرين أظهر <A .A. گريفيث> أن قوة المادة ليست نتيجة مباشرة لقوة روابطها، بل هي نتيجة لنقاط ضعف ناجمة عن عيوب في بنيتها. وقد تكون هذه العيوب، أو الشروخ، مجهرية أو بادية للعين المجردة، وذلك تبعا لطريقة معالجة المادة في السابق. وتحقق گريفيث من أن مط المادة بشكل عمودي فوق الشرخ وأسفله، يجعل الروابط عند حافته أكثر قدرة على تحمل استطالة أكبر مما تتحمله الروابط الموجودة في أي موقع آخر على طول موضع العيب. وإذا ما جرى مط رابطة واحدة إلى ما يفوق حد تحطمها، تَركز الإجهاد على الروابط المتبقية التي تتحطم بدورها، مما يؤدي إلى تمزق الشرخ كما يحدث مع سحّاب الملابس [انظر الشكل في الصفحة 22]، وتكون النتيجة أنه يصبح قابلا للكسر بسهولة.

 

ويستغل الفنانون والمهندسون خواص المواد الهشة لتوجيه شروخها الوجهةَ التي يبتغونها. فالقوة اللازمة لتحطيم لوح من الزجاج، على طول خدش معين فيه، أقل كثيرا من القوة اللازمة لكسر لوح زجاجي لا خدش فيه. وعندما يتعرض اللوح للإجهاد، فإن الروابط على طول قاع الحز أو الثلم groove تعاني إجهادا مركزا فتتحطم قبل مثيلاتها في أي موضع آخر من البنية.

 

من ناحية أخرى فإن المواد القابلة للطرق والسحب، مثل النحاس، لا تتصدع على طول شرخ سطحي. وفي عام 1973، اقترح كل من <R .J. رايس> [يعمل حاليا في جامعة هارڤارد] و<G .R. تومسون> [يعمل حاليا في المعهد القومي للمقاييس والتقانة] أن القوة ذاتها التي تؤدي إلى تمزق شرخ في مادة هشة سوف تعمل فقط على ثلم شرخ في مادة قابلة للطرق والسحب. واقترح الاثنان أن الروابط تتحطم أولا بين المستويات المائلة على حافة الشرخ، من دون أن تتشكل عيوب جديدة أخرى، إذ بدلا من ذلك، تنزلق هذه الطبقات المائلة من الذرات بعضها عبر بعض للتخفيف من الإجهاد، رابطةً أزواجا جديدة من الذرات خلال هذه العملية [انظر الشكل في الصفحة 22]. وتعتمد هذه العملية المسماة بالانزلاق، على سهولة تشكل الروابط وتحطمها على طول هذا المستوي.

 

وفي حقيقة الأمر، فإن أساس الهشاشة أو القابلية للطرق والسحب يتمثل فيما إذا كانت الروابط على طول الشرخ ستتحطم قبل الروابط الموجودة على طول مستويات الانزلاق. ويستطيع علماء التعدين أن يحددوا المستويات التي ستتعرض للشرخ أو الانزلاق، وذلك باختبار المواد بوساطة المجهر الإلكتروني. ومع ذلك فقد ظل السبب الحقيقي لتباين سلوك المواد بعضها عن بعض حبيسا في ثنايا الروابط الكيميائية، والتي اتضح أنها أكثر تعقيدا مما تصوره العلماء في بداية الأمر.

 

يمكن للتمثيل التقليدي للروابط الكيميائية، كقضبان تجمع ما بين ذرات متجاورة، أن يصف على نحو مناسب العديد من سلوك الجزيئات، إلا أنه يعجز عن تفسير كيفية تصدع المواد الصلبة أو انحنائها. فحتى لو استطعت الوقوف على تجمع البروتونات والنيوترونات الموجودة في نواة ذرة ما، فإن هذا لا يعني أن بوسعك السير فوق جسر إلى ذرة مجاورة، ذلك أن الروابط الكيميائية تدين في ميولها ونزعاتها إلى الاختلاف في كثافة التركيب الإلكتروني للمادة.

 

تبلغ كثافة الشحنة الإلكترونية في الذرة ذروتها في نواتها، حيث توجد البروتونات الموجبة الشحنة. وليس كل ما هو خارجها سوى غمامة من الشحنات ولّدتها الإلكترونات تبلغ كثافتُها ذروتها في موقع بين هذه النواة وبين أقرب نواة إليها عائدة لذرة أخرى حيث تتداخل إلكترونات كلتا الذرتين. وبحلول عام 1926 اكتشف الفيزيائيون قوانين الميكانيك الكمومي التي وصفت توزع الشحنة في الذرات والجزيئات. لكن حل المعادلات الخاصة بهذا التوزع، في حالة وجود عدد كبير من الذرات، كان أمرا صعبا يتطلب استخدام حاسوب فائق.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N3_H03_00180.jpg http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N3_H03_00181.jpg
تتحطم المواد الهشة على طول شرخ crack مجهري. وعند سحب صفيحتين من الذرات إحداهما عن الأخرى عبر مثل هذا الصدع، فإن الإجهاد يتركز في طرف الشرخ. وفي مادة مثل الزجاج تتحطم الروابط الكيميائية أولا عبر هذا الطرف، ويبدأ بعده الشرخ بالانفتاح كما يفعل السحّاب المنزلق، فتنفصل الصفائح عبر مستوي الشرخ. ويتهشم الزجاج إذا ما حدث عدد من الشروخ في آن واحد.

 

وفي أواخر السبعينات من القرن العشرين تطورت الحواسيب على نحو يكاد يمكنها من الوفاء بمتطلبات الاستكشاف النظري الأولي لكيفية ارتباط تكسر المادة بتركيبها الإلكتروني. ومع حلول عام 1990 مكنت الحواسيب الأكبر سرعةً الفيزيائيين من الاستفادة من الخوارزميات المتطورة اللازمة لمحاكاة عمليات التصدع أو الانحناء. وأثبت هذا التقدم فائدته الكبرى للباحثين من أمثال <B .G. أولسون> وزملائه في فريق أبحاث الفولاذ في جامعة نورث وسترن. ففي عام 1985 شكل أولسون فريقًا لهندسة الوسائل اللازمة من أجل تصميم أنواع من الفولاذ الفائق القوة باستخدام الحاسوب.

 

وتمكن أولسون ومساعدوه عندما استخدموا برامج حاسوبية صممها <J .A. فريمان> [من جامعة نورث وسترن] من تطوير طريقة لتعيين الفروق في كثافة الشحنة بين مواد متشابهة. وقد حسبوا كثافة الشحنة لسبيكة افتراضية virtual عندما يبتعد مستويان من الذرات فيها أو ينزلق أحدهما عن الآخر. وباستخدام هذه الكثافة تمكنوا من تحديد مقدار الطاقة اللازم لإحداث كسر أو انزلاق. ثم عمدوا إلى تعديل تكوين السبيكة الافتراضية وإعادة الحسابات مرة أخرى. وبمقارنة مقادير الطاقة في الحالتين تمكن الفريق من تحديد ما إذا كانت كل من السبيكتين هشة أو قابلة للسحب والطرق. وقد كانت فروق الطاقة التي وجدوها بين السبائك الافتراضية مطابقة بشكل تام لخواص القصور في السبائك الحقيقية التي قاسها علماء التعدين في مختبراتهم.

 

ومع أن حسابات أولسون وفريمان أظهرت أنه بالإمكان إعادة إحداث الكسر والانزلاق بشكل واقعي على الحاسوب، إلا أن هذه الإمكانية مازالت لا تسمح بالتنبؤ بكيفية تغيّر كيمياء السبيكة لتصبح هشة أو قابلة للطرق والسحب. وقد أردت أن أطور مثل هذه النظرية، وعلى وجه التحديد، أن أتمكن من التنبؤ بالعناصر الصحيحة التي يمكنني استخدامها في تركيب كيميائي ما من أجل التوصل إلى التغيرات المرغوبة. وقد تعلمنا من خبراتنا أن تحقيق مثل ذلك أمر ممكن مع بعض العناصر فقط، وبقي علينا أن نعرف ما هي هذه العناصر؟ وجاء الجواب حاملا في طياته طريقة ثورية للتصور الدقيق لشكل الروابط الكيميائية في المادة الصلبة.

 

ارتباطات جذرية

يمكن لنظرية تنبئية حول القصور الذاتي أن تكون ذات نفع كبير للعاملين معي، الذين يقومون بتصميم سبائك جديدة في مركز أبحاث الشركة United Technologies  بمدينة هارتفورد في ولاية كونيكتكات، وكذلك العاملين في قاعدة Wright-Patterson Air Force بمدينة دايتون في ولاية أوهايو. ذلك أن مثل هذه الإمكانية ستمكنهم من تحسين خواص مواد مثل مادة ألومينيد النيكل nickel aluminide، التي يرغب سلاح الطيران في استخدامها لبناء المحركات النفاثة، نظرا لخفة وزنها من ناحية ولأنها من ناحية أخرى، وعلى عكس معظم الفلزات الأخرى، تصبح أكثر متانة عندما تتعرض للتسخين. ولكن، وكما هي الحال في معظم الحالات مع السبائك المقاومة لدرجات الحرارة العالية، فإن ألومينيد النيكل بالغ الهشاشة، مما يجعل استخدامه في صناعة الطائرات أو الآلات الأخرى أمرا غير آمن. لذا كان عليّ أن أفكر في طريقة تمكنني من التنبؤ بالذرات التي ينبغي استبدالها لجعل التركيب أكثر قابلية للطرق والسحب.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N3_H03_00182.jpg http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N3_H03_00183.jpg
تتشوه المواد القابلة للطرق والسحب على طول مستوٍ مائل على شرخ (كسر) مجهري، فتنزلق الذرات عبر هذا المستوي المائل واحدة تلو الأخرى، مما يخفف من الإجهاد الواقع على الروابط في هذا الشرخ. إن تثليم طرف الشرخ على هذا النحو يمتص كمية كبيرة من الطاقة، مما يجعل الفلزات القابلة للطرق والسحب أكثر أمانا من الفلزات الهشة (السريعة الكسر)، وذلك عند استخدامها في صناعة السيارات وغيرها من الهياكل التي يفترض فيها تحمل الصدمات.

 

يمكن وصف الروابط الكيميائية، حسب النماذج التقليدية، بدلالة مقادير الشحنة الإلكترونية المتوضعة بين الذرات، لكن هذا الوصف يبقى عاجزا عن بيان الحقيقة؛ ذلك أن الذرات عندما يبتعد بعضها عن بعض، فإن هذه الشحنة تستطيل وتقل كثافتها ولكنها لا تزول أبدًا. ولما كانت الروابط في مثل هذه الحالة لا تتحطم أبدا، فإن هذا المفهوم يعجز عن تصوير حقيقة الكسر (الشرخ). من هنا ينبغي إبراز سمات أخرى لكثافة الشحنة تمثل، على نحو أفضل، الرابطة وكيفية تحطمها. وقد تحقق ذلك عندما اكتشف الكيميائي <W .F .R. بادر> [من جامعة ماك ماستر] ماهية هذه السمة، وهي: الطبولوجيا topology.

 

والطبولوجيا فرع من الرياضيات، يصف طبيعة الارتباطات، في شيء ما، التي لا تتغير حين تعرضه للمط أو للضغط squeezing. (ذلك أن قطْع الأشكال أو ربطها يؤديان إلى تخريب الطبولوجيا الأصلية للشيء المعني). وعلى سبيل المثال، فإن كوب الشاي والكعكة الحلقية doughnut متماثلان من الناحية الطبولوجية. فإذا استخدمتَ الفجوة في كعكة مشكلة من طين، لصنع قبضة أو مسكة، فإنك تصنع منها كوب شاي من دون أن تقطع الطين. إلا أنه ليس بالإمكان، على العكس من ذلك، تحويل كرة طينية إلى شكل كعكة أو فنجان شاي من دون ثقبها وفصل أجزاء منها، كانت متصلة في السابق.

 

استخدم <بادر> أفكاره الثورية عن الروابط الكيميائية لتحليل جزيئات عضوية، وقد وجدتُ في ملاحظاته مدخلا رائعا أنظر من خلاله إلى معدن صلب. فالشرخ عملية تغير طبيعة الارتباطات ضمن شيء ما، لذا وجدت من المنطقي أن نصِفَه من خلال مفهوم الطبولوجيا. وكان عليّ في البداية، أن أطبق على الأجسام الصلبة، ما أجراه <بادر> على الجزيئات، وأن أبين أن الصورة الطبولوجية للارتباط في المواد الصلبة، تجمع بين الذرات بالطريقة نفسها التي تعرضها النظرة التقليدية [انظر الإطار في الصفحة 24].

 

يتمثل أفضل تفسير للارتباط الطبولوجي بين الذرات، بمقارنة كثافة الشحنة بخريطة طبوغرافية لسلسلة جبلية، حيث يقابل الارتفاع كثافة الشحنة، فتمثل الذرا المناطق ذات الشحنة الأعلى، وتمثل الأحواض (القيعان) المناطقَ ذات الشحنة الأخفض وهكذا. وتُعتبر الذرتان متصلتين طبولوجيا إذا كان هناك حَيْد ridgeline لكثافة الشحنة بين هاتين الذروتين. وتقابل الحيود هذه القضبانَ في المفهوم التقليدي، والتي تمثل بدورها الروابط الكيميائية بين الذرات.

 

وعلى مدى أربع سنوات أجريت حسابات على فلزات وسبائك بسيطة، لأبين أن مفهوم الارتباط الطبولوجي يؤدي إلى ربط الذرات نفسها التي تربطها الصورة التقليدية. وتنبئنا الطبولوجيا بأننا لا نحتاج إلى تحري مجمل كثافة الشحنة لرسم خريطة الحقل، بل نحتاج فقط إلى تحديد تلك النقاط التي ينبسط فيها الحقل، وهي الذرا والأحواض والممرات. فإذا عُرِفت مواقع هذه النقاط المنبسطة فقط، وهي ما يمكن تسميتها بالنقاط الحرجة، أمكن استكمال رسم الحقل فيما بينها. وبشكل خاص، إذا عرفت موقع ذروتين وممر بينهما، أمكنك أن تفترض، وأنت مطمئن، أن حيدا أو رابطة كيميائية، يمتد من ذروة إلى أخرى عبر الممر.

 

كان إثبات صحة المفهوم الطبولوجي للروابط الكيميائية في مادة صلبة أمرا سهلا، وعند هذه النقطة عرفت فقط أي الذرات يرتبط بعضها ببعض، من دون أن أعرف شيئا عن مدى سهولة تحطيم الروابط. وكان عليّ للإجابة عن هذا السؤال، أن أتفحص شكل الحقل حول النقاط الحرجة الذي تميزه الانحناءات الرئيسية لهذه النقاط، والتي تصف الاتجاهين العموديين اللذين يبلغ الارتفاع عندهما أعلى معدلات تغيره.

 

 نظرة جديدة إلى الروابط الكيميائية

إن النموذج التقليدي للروابط الكيميائية، باعتبارها قضبانا تجمع ما بين كرات (هي الذرات)، لا يستطيع أن يفسر بدقة سبب تحطم الأجسام. ذلك أن هذه القضبان تمثل، في الحقيقة، سحابة من الشحنات الإلكترونية. فعندما نبعد ذرتين إحداهما عن الأخرى، فإن هذه السحابة تستطيل وتخف كثافتها لكنها لا تتلاشى تماما. لذلك لا يتوافر لدينا أي دليل عن موعد حدوث الصدع. ولتعرّف كنه الشيء الذي يختفي عند تحطم الرابطة، كان علينا أن ننعم النظر في طبولوجيا كثافة الشحنة التي تصف الترابطات بين مجموعات من الذرات.

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N3_H03_00184.jpg

إن كثافة الشحنة، في مستوٍ ذي بعدين، تشبه الارتفاع على خريطة طبوغرافية، حيث تمثل القمة أو الذروة أعلى قيمة لهذه الشحنة، الموجودة في نواة الذرة، في حين يمثل الحوض أدنى قيمة لها، ويمثل الحيد الواصل بين قمتين الرابطةَ الكيميائية. وتعتبر طبولوجيا كثافة الشحنة مكافئة للنظرة التقليدية للبنية الجزيئية؛ لأن مكوناتهما متماثلة مع بعضها بعضا.

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N3_H03_00185.jpg

عندما تتعرض المادة للسحب تتحرك ذراتها مبتعدة بعضها عن بعض، وبذلك تتضاءل كثافة الشحنة على طول الرابطة. وتتحطم الرابطة ـ ولا يعود لها وجود كوصلة طبولوجية تجمع بين الذرات ـ عندما تنخفض أدنى نقطة من الحيد إلى ما دون ارتفاع قاع الحوض.

 

يعتبر الانحناء الرئيسي سالبا في الاتجاه الذي يقل فيه الارتفاع، كما في حالة النزول من قمة جبل، ويعتبر موجبا في أي اتجاه يزداد فيه الارتفاع. وعند ممر بين جبلين ـ أي في مركز الحيد الذي يمثل الرابطة ـ يزداد الارتفاع بسرعة في اتجاه القمم المجاورة وينقص في الاتجاه العمودي، ويكون للممر انحناءان رئيسيان أحدهما موجب والآخر سالب، ويسمى عندئذ نقطة السرج saddle point.

 

ولتقديم وصف كامل لكثافة الشحنة، يجب عرض صورة ثلاثية الأبعاد. إن لكل نقطة حرجة ثلاثة انحناءات رئيسية، لذلك تمثل نقطةُ السرج التي لها انحناءان سالبان وثالث موجب رابطة ثلاثية الأبعاد.

 

التنبؤات الأولى

وقد أمكن تقديم أول وصف لتحطم الرابطة، بوصفه عملية طبولوجية، بعد أن تم قرن الروابط بإحدى الصفات الواضحة المعالم لكثافة الشحنة، فعندما يتم إبعاد ذرتين مرتبطتين في جسم صلب إحداهما عن الأخرى، تتغير الانحناءات على طول الرابطة وفي اتجاهين متعامدين. وعندما يتلاشى الانحناء عبر أحد هذين الاتجاهين أو كليهما، يحدث الشيء نفسه بالنسبة إلى الارتباط الطبولوجي بين الذرتين. وهكذا فإن مفتاح هذا الأمر هو أن تحطم الرابطة لا يحدث عندما تزول كثافة الشحنة بين الذرتين، بل عندما تفقد الذرتان ارتباطهما الطبولوجي.

 

يسمح مفهوم الارتباط الطبولوجي، مع معرفة مقدار ما فيه من انحناءات رئيسية بتقديم تحليل كمي أفضل لكيفية حدوث الكسر (الشرخ). لنتصور نقطة سرج ذات بعدين ولنستخدم القياس على حالة سلسلة جبلية [انظر ما هو مؤطر في الصفحة المقابلة]. فإذا بدأت من الممر بين الجبلين، أمكنك السير في أي من اتجاهات أربعة (حيث هناك اثنان حول كل قمة)، لا يتغير فيها الارتفاع (وبالتالي لا تتغير كثافة الشحنة). وإذا ما سار أربعة أشخاص عبر هذا الممر، وتوجه كل واحد منهم نحو أحد الاتجاهات الأربعة، فإن خط سيرهم، إذا نظرنا إليه من أعلى، سيبدو على شكل X؛ وسيشكل المستوي الذي يضم هذه الاتجاهات زاوية حادة مع الاتجاه الأكثر انحدارا نحو بحيرة في الحوض السفلي، والتي تمثل المنطقة ذات كثافة الشحنة الأقل. وقد تبين أن لهذه الزاوية علاقة بنسبة الانحناءين الرئيسيين.

 

إن إبعاد القمتين (أو الذرتين)، إحداهما عن الأخرى، يبعد الشحنة عن الرابطة، وهو أمر يشبه ما يسببه جرف الصخور والأتربة من الممر، من خفض ارتفاعه. ويدل مقدار الزاوية الأصلية على كمية الأتربة التي يمكن إزالتها. ومع تقدم جرف هذه الأتربة تصبح هذه الزاوية أصغر فأصغر، حتى إذا ما اقتربت قيمتها من الصفر، انخفض الممر إلى ما دون سوية سطح البحيرة، مما يؤدي إلى تصريف مياهها؛ وهكذا، تتحطم الرابطة، ويزول الممر، عندما تنعدم قيمة الزاوية (تصبح صفرا). وفي هذه الأثناء يكون ارتفاع الممر قد وصل إلى أخفض نقطة في الحوض، وتكون مياه البحيرة قد انسابت حتى آخر نقطة فيها.

 

وبالمثل، يمكن أن تتشكل الرابطة إذا ما أضفنا شحنة إلى الحد الأدنى المتوافر منها. وتشبه عمليةُ تشكّلها هذه عمليةَ نقل الأتربة من الممر المحفور لتكوين سد ترابي، أو حيد عبر مركز البحيرة. وباختصار، تتحطم الرابطة عندما تؤخذ الشحنة بعيدا عن المنطقة المحيطة بنقطة السرج، وتتشكل عند إضافة الشحنة إلى المنطقة التي تحتوي على الحد الأدنى منها.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N3_H03_00186.jpg http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N3_H03_00187.jpg http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N3_H03_00188.jpg
تبين طبولوجيا كثافة الشحنة بدقة موضع ووقت تحطم الروابط أو تشكلها وذلك في أثناء تشوه شكل مادة معدنية صلبة ـ وهو ما لم تتمكن النماذج التقليدية من تفسيره إطلاقا. ولم يكن بإمكان أحد أن يتأكد مثلا من تشكل رابطة بين ذرتي ألومنيوم في بلورة من ألومينيد النيكل عند تعرضها للشد على طول مستوٍ زلق. وتنجم الشحنة اللازمة لبناء هذه الرابطة عن تحطم الروابط بين ذرات النيكل والألومنيوم. وتعتبر منابلة manipulating انتقال الشحنة، مدخلا لجعل هذه السبيكة أكثر قابلية للطرق والسحب.

 

إن التماثل مع صورة الممر الجبلي يصبح أكثر تعقيدا عند استخدامه لوصف وإظهار كثافة الشحنة في الأبعاد الثلاثة، حيث ينبغي هنا تعريف الزوايا المستخدمة لقياس كثافة الشحنة بوساطة أشكال هندسية. (وتشبه كثافة الشحنة في هذه الحالة، التحرك عبر محيط لا قرار له من دبس السكر (العسل الأسود)، حيث يكون المحيط أكثر لزوجة في بعض الاتجاهات منه في البعض الآخر)، لذا وبدلا من المستوي المسطح المشتمل على الاتجاهات الأربعة، الذي يمكنك السير فيه من دون أن تكسب أو تخسر شيئا من الارتفاع، ينبغي أن نتصور شكلا آخر يمكن أن يشتمل على جميع الاتجاهات التي تكون كثافة الشحنة فيها متساوية.

 

وإذا عدت إلى الشكل X الذي تكوّن من الاتجاهين الثنائيي البعد اللذين تساوت فيهما كثافة الشحنة، وقمت بتدويره حول محوره على طول الرابطة الكيميائية، فإنك تحصل على مخروطين متصلين برأسيهما، حيث تشكل الحافةُ الخارجية لكل مخروط زاوية حادة مع مستو عمودي على الرابطة ويمتد عبر رأسي المخروطين. تعد هذه الزاوية مقياسا لمقدار الشحنة التي ينبغي فقدانها من نقطة السرج حتى تتحطم الرابطة؛ وكلما صغرت قيمتها اقتربت قاعدتا المخروطين إحداهما من الأخرى إلى أن تشكلا في النهاية قرصا. وكما هي الحال في المشهد الثنائي البعد، فإنه، كلما كبرت الزاوية البدئية، توجب إزالة قدر أكبر من الشحنة من أجل خفض قيمة الزاوية إلى الصفر ومن ثم تحطم الرابطة.

 

إن تشكل الرابطة يمثل الوجهَ الآخر لعملية تحطمها، وعلينا أن نفهم كلتا العمليتين لنتمكن من وصف ظاهرة القصور. وكما كان بوسع المخروط أن يمثل الرابطة، فإن بوسع أشكال هندسية أخرى أن تمثل نقاطا حرجة أخرى؛ وهكذا يمكن تمثيل الحد الأدنى من الشحنة، الذي يستطيع التحول إلى رابطة إذا أضيف إليه مقدار كاف من الشحنة، بمجسم قطع ناقص. وهنا يلزمنا معرفة زاويتين لتحديد شكل المجسم ولقياس كمية الشحنة، أو كمية الأتربة، التي ينبغي نقلها من نقطة السرج حتى تتشكل الرابطة. ويمكن لهاتين الزاويتين أن توضحا أيضا إن كان من الأسهل بناء سد عبر البحيرة في اتجاه ما أو في سواه.

 

وهكذا يمكننا، عبر تمثيل هندسي فريد لجميع النقاط الحرجة في مادة صلبة، أن نقيس بدقة متى وبأية مقادير تتغير كثافة الشحنة في أثناء تشكل الرابطة أو في أثناء تحطمها، ويعتمد تحديد نوع قصور المادة العائد إلى الهشاشة أو القابلية للطرق والسحب على الغَلَبة التي ستكون لأي من هاتين العمليتين (تشكل الرابطة أو تحطمها)؛ لذا سيكون بوسعنا أن نتمكن من تغليب واحدة على الأخرى. ولقد اتبعتُ هذا النسق من الاستدلال المنطقي لتفسير خواص قصور ألومينيد النيكل، وسبيكتين مرتبطتين به، وهما ألومينيد الحديد وألومينيد الكوبالت.

 

إن لهذه المركبات الثلاثة بنى متماثلة identical، مما يجعلها تشكل حالة اختبار مثالية لمقاربتنا الجديدة في وصف قصور المواد. لقد أردت أن أفسر الفرق بين خواص السبائك الثلاث، وهو أمر لم يحدث قبلا باستخدام النماذج التقليدية، وأن أقترح العناصر التي يمكن إضافتها إلى سبيكة ألومينيد النيكل لجعلها أكثر قابلية للطرق والسحب. وكان علي لذلك أن أُبقي على الروابط القائمة أطول فترة ممكنة، وأن أعمل على تشكيل روابط جديدة على طول مستوي الانزلاق وذلك في أقرب وقت ممكن. وقد تضمنَتْ هذه المقايضة أخذ شحنة من الروابط المتحطمة من أجل تشكيل روابط جديدة. واحتجت من أجل تحديد اللحظة المناسبة لعمل ذلك، إلى برامج حاسوبية جديدة يمكنها أن تولد الأعداد اللازمة لرسم خريطة كثافة الشحنة ولتقييم تغيرها الطبولوجي.

 

تصدعات صعبة

عندما يتعلق الأمر بسلامة بنية معقدة، كالطائرة مثلا، فإن قصورا مفاجئا يُعدّ أمرا بالغ السوء. وللدلالة على ذلك عليك أن تسأل ركاب وملاحي طائرة خطوط ألوها Aloha Airline في رحلتها الشهيرة رقم 243. ففي 28/4/19888 وبعد عشرين دقيقة من الإقلاع تمزقت بعنف الشروخ على طول المسامير التي تثبت جسم الطائرة المعدني. وقد تسبب الضغط العالي داخل الطائرة في قذف قطعة طولها 18 قدما من جسمها الأمامي مخلفا وراءه 90 راكبا يعانون هبوطا اضطراريا لطائرة مكشوفة. وقد أدى الانفجار إلى قذف أحد مضيفي الطائرة إلى خارجها، لكن ولحسن الحظ، نجا سائر الركاب الذين كانوا على متنها.

كان بإمكان فحص دقيق للطائرة قبل الحادث، أن ينبئ بوجود شروخ مجهرية على طول نقاط الالتحام. وقد اتسعت هذه الشروخ شيئا فشيئا خلال عمر الطائرة الذي بلغ 19 عاما مما أدى إلى تمدد مفاصلها المعدنية. وخلال رحلتها الأخيرة المشؤومة، بلغت الشروخ طولا حرجا، أدى إلى انفتاقها فجأة. وحتى تلك اللحظة المأساوية، كان المعدن المنهك يتمزق ببطء على طول هذه الشروخ فقط، وذلك على النحو الذي أراده المصممون. إن من شأن هذا التشوه اللدن أن يخفف من أثر الإجهاد على المعدن وذلك بتثليم رؤوس الشروخ. إن اتساع الشروخ على نحو بطيء يتيح فرصة مثلى لرؤية مؤشرات الكَلال قبل حدوث التهشم.

إن ضرورة توافر شروط السلامة تدفع مصممي المواد للبحث عن طرائق تمكن من زيادة القابلية للطرق والسحب لدى الفلزات التي تتمتع بقدر كاف من الصلابة والقساوة، وذلك للحفاظ على شكلها عند تعرضها للإجهادات، مثل تغير ضغط الهواء الذي تتعرض له الطائرة في أثناء تحليقها. وتتمثل إحدى الطرق المعتمدة لزيادة القابلية للطرق والسحب، بإضافة العناصر المناسبة للسبيكة الأساس، وهي عملية اعتمدت ولقرون طويلة، طريقة التجربة والخطأ المضنية والمكلفة. هذا ولم يعرف الباحثون إلا منذ فترة وجيزة كيف يمكن التنبؤ بنوع العناصر القادرة على أداء هذه الوظيفة على أكمل وجه.

طور علماء التعدين طريقة ثانية لتقليل قابلية المادة السريعة الكسر على نحو يسبب المآسي، وذلك من خلال تعديل تركيبها المجهري. ويمكن لعلماء المواد أن ينظموا البلورات المعدنية بالطريقة نفسها التي يمكن بها رص الأواني الخزفية عند تجهيزها للشحن. فبإمكانهم مثلا أن يغلفوا بلورات مادة هشة بطبقات من مادة تقبل الطرق والسحب مثل النحاس. وكما أن تغطية الأطباق بغلاف فقاعي يحفظها من الإجهاد، فإن أي شرخ في بلورة فلزية هشة سيمتد فقط إلى نقطة التقائه بالنحاس ثم يتوقف. وعندما يتم اختيار أفضل السبائك الأساس، يبدأ هذا النوع من التصميم البنيوي المكروي بإضفاء ما يكفي من القابلية للطرق والسحب على السبيكة لجعلها آمنة ـ أو على الأقل لجعلها قادرة على إظهار علامات تحذيرية قبل وقوع الكارثة.

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N3_H03_00189.jpg

الركاب وهم يهرعون لمغادرة القمرة المكشوفة للطائرة التابعة للخطوط الجوية ألوها في الرحلة رقم 243.

قام <M .J. ماك لارن> [من جامعة تولان] بتطوير الأدوات المناسبة التي تلزمني لحساب كثافة الشحنة للألومينيدات الثلاثة، والأهم من ذلك تحديد النقاط الحرجة والزوايا المختلفة اللازمة لوصفها. وكان ما اكتشفته بالمحاكاة الحاسوبية في البداية متوافقا مع خواص قصور هذه الفلزات التي اكتشفت بوساطة التجارب المختبرية. وعلى سبيل المثال، فقد أظهر ألومينيد الحديد، الذي يعتبر أكثر السبائك الثلاث قابلية للطرق والسحب، أن معظم الشحنة في رابطته يوجد حول نقطة السرج بين ذرات الحديد وذرات الألومنيوم. كما أظهر هذا الألومينيد أيضا الحد الأدنى الأكثر تسطحا بين ذرات الألومنيوم المتجاورة، مما يتطلب المقدار الأدنى من الطاقة لتشكيل رابطة فيما بينها.

 

لقد أتاح لي الاقتراح القائل بأن خواص قصور هذه السبائك الثلاث يمكن أن تختزل إلى حد معرفة شكل كثافة الشحنة حول نقطتين فقط، أن أخطو الخطوة التالية، إذ تنبأت بمقدرتي على تغيير خواص القصور في ألومينيد النيكل عن طريق استبدال ذرات عنصر ما ببعض ذرات النيكل، وكان من شأن ذلك أن يوجه قسطا أكبر من الشحنة عبر الرابطة بين الألومنيوم والنيكل، مما أمّن ما يلزم لتشكيل روابط جديدة بين ذرات الألومنيوم عند الحد الأدنى. وبذلك فقد كان من شأن إعادة توزيع الشحنة أن يهذب شكل كثافتها لتصبح أشبه بكثافة شحنة مادة أكثر قابلية للطرق والسحب.

 

ولما كان لشحنة كل عنصر شكل نوعي مميز في بيئة محددة كان من السهل معرفة أن الحديد هو البديل الأمثل. وإذا ما عدنا إلى فكرة التماثل مع سلسلة الجبال، علمنا أن كل عنصر يشكل جبلا بمنحدرات مختلفة تتجه بعيدا عن قمته. وإذا وجد بالقرب من جبل من الألومنيوم، جبل من الحديد، فإنه يوفر قدرا أكبر من الصخور في الممر ويكوّن حوضا أكثر انبساطا مما يفعله جبل من النيكل. ففي حالة الحديد، يتوافر من الصخر ما يكفي لنقله من الرابطة وبناء حيد جديد بين ذرات الألومنيوم في الحوض. في حين أن جبلا من الكوبالت لا يؤمن إلا قسطا قليلا جدا من الصخور لا يكفي لبناء الحيد اللازم.

 

حين عرضتُ تنبؤاتي هذه، كان قد مضى على البحث التجريبي في مجال إنتاج السبائك من العناصر، بهدف تحسين ألومينيد النيكل، نحو 15 عاما. كانت جميع الدلائل تشير إلى أن باحثين آخرين توصلوا إلى أن الحديد يؤدي إلى تحسين قابلية ألومينيد النيكل للطرق والسحب. وقد اكتشفت في اجتماع عقد في أواخر عام 1998، أن تجارب ذات صلة أظهرت أن لإحلال 10 في المئة من الحديد محل النيكل التأثير نفسه الذي توقعته.

 

التنبؤ بالمستقبل

ومع أن تنبؤاتي جاءت متأخرة كثيرا، بحيث لم يكن لها أثر يذكر في تطوير سبيكة ألومينيد النيكل، إلا أنها، مع ذلك، لاتزال تستحق الاهتمام. ذلك أن وضع نظرية لابتكار مواد تسلك على النحو المراد منها، يمكن أن يعد ثورة في مجاله: وهي قد تحل محل البحوث التقليدية المعتمدة على التجربة والخطأ والتي تكلف بلايين الدولارات علاوة على السنوات التي تقتضيها من وقت الباحثين.

 

لقد بدأ البحث فعلا عن سبائك جديدة تكون أكثر خفة ومتانة وأكثر قدرة على الاحتفاظ بهذه الخواص حتى عند درجات الحرارة المرتفعة. وسيكون لهذه السبائك المحسنة استخدامات في مجال الطيران الفوق الصوتي والفرط الصوتي في وقت ما بعد عام 2010. لكن برنامج تطوير هذه المواد سيتقدم بشكل مختلف عن أمثاله عبر التاريخ البشري.

 

فبدلا من البحث العشوائي عن سبائك أساس base alloys تتمتع بخواص ذاتية مثالية، سيستخدم مصممو المواد الحواسيبَ لحساب كثافة الشحنة الخاصة بالسبيكة الأساس المرشحة، وسيتمكنون بالاعتماد على هذه المعلومة من تحديد الكيفية التي يجب اتباعها لتغيير كثافة الشحنة من أجل إنتاج الخواص المطلوبة، ومن ثم التنبؤ بنوعية العناصر التي يمكنها إحداث هذه التغيرات. وهكذا سيصبح بالإمكان، وللمرة الأولى، تصميم سبيكة جديدة انطلاقا من تركيبها الإلكتروني.

 

 المؤلف

Mark E. Eberhart

تركز اهتمامه على المبادئ الأساسية لعلم الكيمياء في معالجة مشكلات قصور المواد، وذلك منذ أن كان يدرس الكيمياء في المرحلة الجامعية الأولى بجامعة كولورادو. وقد نمّى هذا الاهتمام لديه من خلال محاولاته تمتين وتقوية الزوارق التي بناها، وجعْلِها أقل عرضة للتهشم عند اصطدامها بصخور الأنهار. وقد قاده هذا الاهتمام إلى الدراسة في معهد ماساتشوستس للتقانة، حيث حصل على الدكتوراه في علوم المواد عام 1983. ومنذ ذلك الوقت، عمل على تطوير نماذج أكثر متانة للترابط الكيميائي، تفيد في تصميم مواد ذات خواص ذاتية يمكن التنبؤ بها. ويقوم حاليا، كأستاذ مشارك للكيمياء وكيمياء الأرض في مدرسة كولورادو للمناجم، بالإشراف على مركز الحوسبة والمحاكاة من أجل المواد والهندسة التابع لهذه المدرسة.

 

مراجع للاستزادة 

ATOMS IN MOLECULES: A QUANTUM THEORY Richard F. W. Bader Oxford University Press, 1994.

COMPUTATIONAL METALLURGY. Mark Eberhart in Science, Vol. 265, pages 332-333; July 15, 1994.

STUFF. Ivan Amato. Basic Books, 1997.

THE VISUALIZATION AND USE OF ELECTRONIC STRUCTURE FOR METALLURGICAL APPLICATIONS. M. E. Eberhart and A. E. Giamei in Materials Science and Engineering A: Structural Materials, Vol. 248, No. 1, pages 287-295; 1998.

Further information on molecular structure is available at www chemistrymcmastecca/faculty/baderl on the World Wide Web.

Scientific American, October 1999

 

(*)Why Things Break

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى