جغرافياجيولوجياعلم الإنسان

منذ أمد بعيد كانت مدن الأمازون الضائعة يوماً مأوى لملايين البشر

بقلم: مايكل مارشال

ترجمة: محمد قبازرد

لطالما اعتقدنا أن غابات الأمازون المطيرة كانت بكراً وغير مأهولة بالبشر، لكن تبين حاليا أنها غصت منذ زمن بعيد بالمستوطنات البشرية المترامية التي صاغ عمّارُها الأرضَ.

تعد غابات الأمازون المطيرة ضخمة جدا لدرجة تذهل معها الخيال. وبمقدور أي إنسان الدخول إليها من حدّها الشرقي والسّير مسافة 3000 كم مباشرة باتجاه الغرب مستظلا بدوحتها الوارفة العظيمة.

ولطالما اعتقدنا منذ زمن بعيد أن هذا الملاذ الذي يحوي 10% من الكائنات الحية في العالم لا يزال ملاذا بريّا بكرا، لم تطأه البشرية إلا نادرا. وهو يقدم لمحة عما كان عليه العالم قبل انتشار البشر في قارات العالم ويعيثوا بها وصُوِّرت هذه الفكرة كنقيض حاد للغابات المُحتَطبة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

 لكن يبدو أنّ هذه الفكرة خاطئة تماما؛ فعلى النقيض من كون غابات الأمازون طبيعة بكرا، صرنا ندرك أن المشهد الأرضي والنظام الإيكولوجي لها شكله البشر لآلاف السنين. فقد سُكنت غابات الأمازون قبل وصول الأوروبيين والأمريكيين بزمن بعيد، ولم تكن القبائل المتفرّقة المعزولة هي المستوطن الوحيد فيها. إذ عاش هناك مجتمع من ملايين البشر، مؤسسين طرقاً ومدناً ومباني واسعة، ومستـزرعين العديد من النباتات والأسماك.

 وما زلنا نجهل سبب اختفاء آثار ذلك المجتمع المزدهر قبل قرون عدة، لكن أسلوب حياته قد يمنحنا مفاتيح مهمة لفهم الكيفية التي استطاع بها البشر والغابة المطيرة أن يتعايشا ويزدهرا معا، على الرغم من أنّ حكومة البرازيل الجديدة تهدّد بتدمير أسلوب المعيشة هذا.

لقد دوّن بعض أوائل الأوروبيين المستكشفين لغابات الأمازون في القرن الـ 16 وجود مدنٍ وطرقٍ وحقولٍ مزروعة. وأرّخ الراهب الدومينيكي غاسبار دي كارفاخال Gaspar de Carvajal رحلة استكشاف في أوائل عام 1540 ادّعى أنه شاهد فيها قرى ممتدة ومباني كبيرة. لكن الزائرين اللاحقين لم يروا أيَّا من هذا.

لم تخمد جذوة الأسرار والإشاعات، وأشهرها أسطورة إلدورادو ElDorado تلك المدينة الخرافية الغنية بالذهب. وقد مات عدد كبير من المستكشفين أثناء محاولاتهم الفاشلة لبلوغ تلك المدينة المفقودة. ففي بدايات القرن الـ20 كان الجغرافي والجندي البريطاني بيرسي فاوسيت Percy Fawcett مقتنعا بوجود مدينة مفقودة رُمز إليها بالرمز “Z” في إقليم بالبرازيل يسمّى ماتو غروسو Mato Grosso. لكن في عام 1925 اختفى فاوسيت أثناء بحثه عنها، ولم يعثر عليه حتى الآن.

تدريجيا، تعززت أطروحة أصالة وفطرية غابات الأمازون أكثر فأكثر. وعندما استكشفت عالمة الآثار الأمريكية بيتي ميغرز Betty Meggers المنطقة منذ أربعينات القرن الماضي، جادلت في أن الطبيعة الخضراء الوارفة للأمازون كانت فكرة خادعة، ولم يكن بوسعها تلبية احتياجات عدد كبير من البشر؛ إذ إن أكثر الأراضي حمضية وشحيحة بالمغذّيات.

لم تتغير موجة ذلك المفهوم السائد حتى تسعينات القرن الماضي، حين تبلور تحدّ مهم لنظرية البريّة البكر عندما زار عالم الآثار مايكل هيكنبيرغر Michael Heckenberger – الذي يعمل حاليا في جامعة فلوريدا بغينسفيل- غابات الأمازون للمرة الأولى. أمضى هيكنبيرغر عام 1993 في قرية لقبيلة كيوكورو Kuikuro بإقليم زينغو الأعلى    Upper Xinguفي البرازيل. ويقول هيكنبيرغر: “في غضون أسبوعين، أخذني شيخ القبيلة إلى حفرة كبيرة، أدركنا أنها كانت خندقاً متصلاً بجرف اختفت فيه قرية كانت على أقل تقدير أكبر بعشرة أضعاف حجم القرية الحالية، ثم مضى بي شيخ القبيلة إلى قرى أخرى غيرها.”

ومن الواضح أن المنطقة استوطنها عدد أكبر بكثير من الأشخاص الذين شيّدوا مباني أضخم بكثير مما شيّد أحفادهم. كيف كان ذلك ممكنا لو لم تكن الأمازون ملائمة لعدد أكبر من السكّان؟

ومنذ سبعينات القرن التاسع عشر ونحن نعرف دليلاً مهماً لكنّه لم يـقدّر بالشكل الوافي؛ ألا وهو تيرا بريتا Terra Preta أو التربة الأمازونية الداكنة، وهي بـقـع أرضية سوداء لتربة خصبة على غير العادة، منتشرة بشكل متقطع على امتداد غابة الأمازون المطيرة. فقد شكّ علماء التربة منذ ستينات القرن العشرين في أنّ التيرا بريتا صارت خصبة جدا نتيجة لفترات الاستزراع المديدة من قبل السكان. وبعبارة أخرى، كانت التيرا بريتا اصطناعية، إذ إنها تكونّت من فضلات متراكمة كفضلات عظام الأسماك وقشور البذور التي أحرقت لتوليد الفحم، وفقا لكارولينا ليفي  Carolina Levis من المركز الوطني لأبحاث الأمازون في منطقة مانوس بالبرازيل. وتشك ليفي في أن الأمر بدأ كممارسة لعملية إدارة الفضلات. وتضيف: “لكن بعد ذلك ربما أدركوا لاحقاً أن هذه التربة صارت خصبة.”

 لـم يتسنَّ لليونان الـقديمة شيء كهذا، حتى فـي أوج مجدها.

 

تساعد التيرا بريتا على تفسير الكيفية التي أمكن بها لتربة غابات الأمازون المطيرة أن تُغذّي تلك المجتـمعات الكبيرة، لكن هذا ليس إلا جزءاً من الموضوع فحسب؛ فتاريخ الأراضي الأمازونية الداكنة تلك يعود إلى ألفي سنة وغابة الأمازون سُكنت منذ أقدم من ذلك الزمن بكثير.

لقد وصلت المستوطنات الأولى إلى الأمريكتين من شرق آسيا بين عامي 17000 و13000 سنة، على الرغم من أن الموقع الأثري في مونت فيردي Monte Verde بتشيلي يحتوي على معالم معمارية ومناطق محروقة يعود تاريخها إلى نحو 18500 سنة، الأمر الذي يشير إلى دخول مبكّر إلى المنطقة. في أيّ الحالين، بعضها وصل إلى الأمازون بسرعة وفقا لفحص جيني منشور في أغسطس 2018، قارن عينات الحمض النووي DNA لنحو 672 شخصا يسكنون الأمازون وأسس سجلّهم السكاني الوراثي. ويبدو أن التعداد السكّاني تضخّم بين نحو 17000 و13500 سنة مضت (Molecular Biology and Evolution, vol 35, p 2719).

وقبل نحو 9000 سنة، كان الأمازونيون قد استأنسوا عدداً من المحاصيل الزراعية. وأحد أهم المحاصيل كان المنيهوتManioc  المعروف أيضا بالكاسافا Cassava التي كانت مستأنسة قبل 7000 سنة على أقل تقدير. ويقول خوسيه إريارت Jose Iriarte من جامعة إكستر Exeter University في المملكة المتحدة: “ندرك حاليا أنّ كثيراً من أهم المحاصيل في العالم استُؤْنست في الأمازون.” ومع مرور بضعة آلاف من السنين بدأ البشر يغيّرون الغابة بشكل كبير. وقبل نحو 4500 سنة صارت النباتات الصالحة للأكل أكثر شيوعاً في السّجل الأحفوري؛ مما يدلّ على أن سكّان الغابة زرعوا الأشجار بشكل انتقائي لإنتاج الفواكه. وهناك استُؤْنس الأرز أيضا في التوقيت ذاته تقريباً.

وهناك حاليا 83 صنفاً أمازونياً معروفاً أنها استؤنست إلى حدّ ما. ويشمل ذلك البطاطا الحلوة، التبغ، الأناناس، الفلفل الحار، وحتى شجرة النخيل أي النخيل الخوخي. وكانت الأسماك المصدر الرئيسي للغذاء. وكشفت التحرّيات الأثرية في موقع هاتاهارا Hatahara، حيث تتلاقى كل من غابات الأمازون وأنهار النيغرو Negro Rivers، أنّ الأسماك كانت الحيوانات الأساسية لطعام السكان الذين استوطنوا هناك بين نحو 750 إلى 1230 بعد الميلاد. وهناك لائحة طعام ضخمة يبلغ عدد أصنافها 37 صنفا حيوانياً، كسلحفاة برك المياه العذبة. كما اكتشفت مزرعة أسماك كبرى بسدودها وسياجاتها المتعرّجة لاصطياد الأسماك في منطقة ليانوس دي موكسوس Llanos de Moxos بشمال بوليفيا، الواقعة في الركن الجنوبي الغربي من حوض الأمازون Amazon Basin.

أسهمت أنواع الغذاء المتزايدة في ازدياد عدد السكّان الذي بدأ قبل نحو 5000 عام، وبلغ ذروته قبل نحو 1000 عام. ويظل تحديد المدى الذي بلغ إليه عدد السكان مسألة جدلية. يقول إريارت: “إنّ تنبؤاتنا للحد الجنوبي فقط من رقعة غابات الأمازون هي من مليون إلى خمسة ملايين نسمة.” واستنادا إلى كمية التيرا بريتا، فقد قدر عدد السكان بما لا يقل عن ثمانية ملايين نسمة في الأمازون في عام 1492. وذكر الجغرافي الأمريكي وليام دينيفان William Denevan في بحث نشره عام 1992 بعنوان “الأسطورة البكر” The pristine myth: “هناك مشاهدة فعلية ذات قيمة مفادها أنّ البراري الأمريكية الفطرية الأم في بدايات القرن الـ16 كانت على الغالب مأهولة بالبشر” Annals of the Association of American Geographers, vol 82, p 369). ورأى دينيفان أن العدد الحقيقي لأولئك البشر كان عشرة ملايين نسمة.

لقد صار واضحا منذ اكتشافات هيكنبيرغر في أوائل عام 1990 أن هذه المجتمعات شيّدت أيضا بعض المنشآت المميّزة. وأطلال تلك المنشآت ليست ظاهرة فحسب، إلا أن الكثير منها اندثر بفعل الغابة بعد أن أتى الأوروبيون إليها جالبين معهم أمراضاً أبادت السكان الأصليين. وذهب مكتشفون من أمثال فاوست للعثور على “أهرامات وطرق مرصوفة” على حد تعبير هيكنبيرغر، لكن الأمازونيين لم يستخدموا موادَّ مقاومة للتلف على وجه خاص. ويقول هيكنبيرغر: “لم يستخدموا بشكل أساسي الحجارة أو المعادن.” وبدلا من ذلك، فإن مادة بنائهم الرئيسية كانت التربة.

 أمضى هيكنبيرغر 25 عاما يتفحّص خرائط المباني الضائعة المندثرة لأجداد قبيلة الكيوكورو، القبيلة الأقدم التي تمتد لنحو 1500 سنة على الأقل. فهناك نحو 20 قرية ومدينة على بعد كيلومترات قليلة من بعضها بعضا، بني كل منها حول المركز الأوسط الذي ربما تكون مساحته 150 متراً مربعا. وبعضها محاط بخنادق دفاعية يصل عمقها إلى خمسة أمتار وطولها إلى 2.5 كم. وفي زمن ما كانت القرى محاطة بحقول تحوي محاصيل زراعية، حيث زرع فيها المنيهوت. يبدو أنها قد كانت مأوى لنحو 50000 شخص.

وكانت القرى في الفترة الواقعة بين 1200 إلى 1300 قبل الميلاد، موصولةً بشبكة واسعة من الطرق المستقيمة المبنية من التربة المضغوطة. ويقول هيكنبيرغر: “امتلك الأمازونيون هذه الشبكة المقسّمة المنظّمة من الطرق عبر كل أنحاء المنطقة العلوية الخضراء لحوض زينغو، وهم أمر لم يتسنَّ لليونان القديمة إنجاز مثله في ذروة مجدها.” وكان عرض الطرق الرئيسية ما بين 10 و15 مترا، ومرصوفة ومؤطّرة بأرصفة جانبية.

ربما يوجد تناقض ساخر مريع هنا، إذ اقترح الصحفي ديفيد غرانDavid Grann في كتابه «مدينة زاي المفقودة» The Lost City of Z, أن هذه المواقع المعروفة بكوهيكوغو Kuhikugu ربما تكون هي المدينة التي كان فاوست يحاول العثور عندما فُقد. وربما يكون فاوست قد مشى خلالها دون إدراكه المعاني والإشارات التي تتضمنها تلك الهياكل الأرضية.

إنّ بناء عظيم الحجم كهذا لم يكن غير مألوف. ففي عام 2000، اكتشف الباحث أليسيو رانزي Alceu Ranzi من الجامعة الفيدرالية Federal University في آكري بالبرازيل رقعة أرضية للجيوغليف Geoglyphs، وهي أشكال كبيرة للتصاميم والهياكل الأرضية – في ولاية آكري بالبرازيل. وكل جيوغليف، أي تصميم أرضي، له شكل ذو أبعاد هندسية غالبا ما يكون دائريا أو مربعا، ومحاطا بحفرة. لكنها لا تحوي أي شكل من الأشكال الثقافية من مثل المشغولات الفخارية؛ مما يدل على أنها حفظت نظيفة ربّما لأغراض شعائرية طقوسية. وكانت على الغالب تمتد عبر 100 إلى 300 متر. ويقارنها إريارت بصخور آفيبوري Avebury الدائرية في المملكة المتحدة، وهو الموقع الذي يُدهش زوّاره بضخامته. وبحلول عام 2009 صار واضحاً أن من بنوا تصاميم الجيوغليف هذه كانوا قد انتشروا على مئات الكيلومترات من غابة الأمازون، الأمر الذي يطرح فرضية قيام وانتعاش مجتمع بشري معقّد متنوّع. وقد عثر على 450 من تصاميم الجيوغليف في آكري، بعضها يعود إلى 2000 سنة على أقل تقدير. وبقي المجتمع صامداً حتى عهد ليس ببعيد ربما كان قبيل وفود الأوروبيين. (انظر: من عاش هناك).

وظلّت الاكتشافات تتوالى، ففي مارس من عام 2018 وضع فريق إريارت تحليلا لصور التقطها قمر اصطناعي للمنطقة العلوية لحوض نهر تابايس Tapajs في البرازيل بحثا عن بقايا المباني. وأظهر التحليل وجود 81 مبنى تتراوح بين قرى صغيرة ومدينة احتلت مساحة قدرها 20 هيكتارا، طوّق كثير منها بالخنادق. إذا أخذنا بعين الاعتبار هياكل الجيوغليف والقرى، فستستنتج أنّ كل المنطقة الجنوبية للأمازون، وهي الحزام الذي يمتد طوله 1800 كم، كانت معمورة بمجتمعات شيدت تلك الأراضي بين عامي 1250 و 1500 قبل الميلاد.

هناك خلاف حول كيفية التعبير عن تلك المباني. فوفقا إلى إريارت: “إنها لا تبدو كمركز مدني كبير، بل كقرى متماثلة الحجم متناثرة على مساحة واسعة. ومن المذهل رؤية كل هذه الطرق المستقيمة التي تصل قرية بأخرى.” لكن القرى في آكري كثيفة ومكتظة ومتصلة بمسارات وحارات بين بعضها بعضا.

والأمر نفسه ينطبق على القرى التي اكتشفها هيكينبرغر، وقد قادته إلأى الافتراض بضرورة التفكير فيها على أنها نوع غير تقليدي من المدن؛ نوع على غرار مدن الحدائق The garden cities في المملكة المتحدة. ويقول هيكنبيرغر: “إنها ليست بتاتا كالمدن الأوروبية أو أي شيء مما كانت قد عاينته أو عايشته الخبرة التاريخية الغربية في عهد اليونان القديمة أو عهد بلاد ما بين النهرين، هم ولّدوا مدنهم بشكل أساسي من رحم الغابة.” وشبكة مسارات الطرق المخطط لها بشكل دقيق تشي بوجود إدارة مركزية، وأن كل قرية إنما هي “جوار” للـفيف من القرى المتناثرة، أكثر من كونها مبنى مستقلاً قائماً بذاته. وكان لكلّ تجمّع لهذه القرى ميدان مركزي مع ساحة شاسعة المساحة، ربما كان هذا الميدان مركزاً سياسيًّا أو شعائريًّا. وكانت مواقع المرافق السكنية قريبة من هذا، مع ميادين مركزية أصغر وأبعد نسبيًّا.

وفي الواقع، فإنه يمكن اعتبار المستوطنات الأمازونية صورة معاكسة للمدن “التقليدية”. ويضيف هيكنبيرغر: “كل شيء يفعلونه ويستخدمونه إنما هو بمثابة الروح المعاكسة لما نألف نحن رؤيته، هم استزرعوا الأسماك والأشجار، بدلا من القمح والشعير والماشية.” وبينما اعتمد المزارعون الأوروآسيويون على أصناف مستأنسة أقل، استخدم فلّاحو الغابات الأمازونيون نحو 100 صنف. أمّا مدنهم؛ فكانت أكثر توزيعا وانتشارا، وأقل مركزية منا.

ويرى هيكنبيرغر أنّ بمقدورنا تعلّم الكثير من الأسلوب الذي نظمت وفقه المجتمعات الأمازونية المندثرة المفقودة. ويضيف قائلا: “إنه على الأرجح الأسلوب الأمثل للتعداد السكاني الضخم الحضري غير المرتحل ليوجد ويحيا في غابات الأمازون الاستوائية المطيرة، وهم حققوا ذلك فعلا.”

حتى الآن، لم يستفد المجتمع الحديث من نظيره الأمازوني. فقد مسحت 20% من الغابات المطيرة منذ عام 1970، تحديدا لإنشاء طريق لمزارع الماشية. وعلى الرغم من أن معدّل تدمير الغابات قد تضاءل، فربما يتغيّر الأمر مع انتخاب جاير بولسونارو Jair Bolsonaro  رئيسا للبرازيل في أكتوبر الماضي. فقد قال إنه يخطط لنزع السلطة من منظمات البيئية البرازيلية.

   دقّ انتخاب بولسونارو رئيس للبرازيل ناقوس الخطر لدارسي الأمازون. وما يـقلق ليفي هو أن اكتشاف المجتمعات المدنية في غابة الأمازون قد يساء فهمه بشكل مقصود وموجّه على أنه ضوء أخضر للتدخل الفجّ في الغابة واستغلالها وتدميرها. وتتخوّف ليفي قائلة: “كان الناس ينتجون الطعام بمكايـيل صغيرة من خلال نظام زراعة الغابات، وما يجري حاليا في هذه الغابات هو استنزافها وتدميرها على نطاق هائل بالمحاصيل الفاخرة الباهظة كفول الصويا والعلف الحيواني.” ويبدو أن النظام القديم قد ضُبط ومُورس لآلاف السنين، لكن النظام الحديث مخرّب ويؤثر سلباً في التغيّر المناخي.

وحتى على مستوى المنظور الأحفوري الأثري، ما زال في جعبة غابات الأمازون الشيء الكثير لتقدّمه. ويـقدّر إريارت أن ثلاثة أرباع منطقة الأمازون لم تُسبر بعد. فالكثير من المدن المفقودة قد تبقى غير مكتشفة. ويقول إريارت: “إن معظم الجزء الشمالي الغربي للأمازون، والجزء الكولومبي، والجزأين الإكوادوري والبيروفي، لم تستكشف بعد. وسيظهر لنا البحث مفاجآت أكثر.”

من عاش هناك؟

هناك معلومات قليلة معروفة عن المستوطنين الأوائل للأمازون. ويطرح فحص الجين الوراثي فرضية مفادها أنّ ذكورا أقلّ احتكروا وتحكّموا في العديد من الإناث؛ مما يشير إلى أنهم عاشوا في مجتمعات تسيّدها زعماء متعدّدو الزوجات. وهذا يظهر أنّ بعض التعدادات السكانية كانت مبنية على أساس التزاوج بين الأفراد المختلفي اللغات linguistic exogamy، حيث يتزوّج الذكور بالإناث اللواتي يتحدّثن لغات مختلفة عنهم.

أما البقية؛ فهي على الغالب لغز. وهناك لغز آخر يتمثل في مصير هذه الحضارات المدنية. وقد بلغ عددهم ذروته قبل نحو 1000 عام، وتضاءل العدد تلقائيا بوصول الأوروبيين، فانحدر انحدارا شديداً. ونجهل حتى الآن أسباب ذلك الانخفاض الأوليّ أو أسباب تغير كثير من المجتمعات بشكل كبير خلال الـ 500 سنة التي سبقت وصول الأوروبيين. وقريبا من ذلك الوقت، يبدو أن الأشخاص الذين صمموا الجيوغليف الأرضية استبدلوا بأشخاص بنائين للقرى الدائرية الشكل، ما لم يكونوا هم الأشخاص نفسهم الذين غيّروا صناعاتهم.

ربما انخفض التعداد السكاني نظرا لبلوغ المجتمعات البشرية سقفها الإيكولوجي الأقصى، لكن يبدو أنّ العدد قد ازداد بسبب استخدام الهياكل الدفاعية في تلك الفترة كالحواجز والسدود.

©New Scientist

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق