فيزياء نظرية

أدلة تُشير إلى قوة أساسية جديدة في الطبيعة

يبدو أن هناك الكثير من المؤشرات على وجود قوة تتحكم في الطبيعة غير القوى الأساسية الأربع التي نعرفها، ونحن على طريق اكتشاف ماهيتها

بقلم:     دانيال كوسينس

ترجمة: همام بيطار

قدم الكوزمولوجيون عرضًا مقنعًا فيما يتعلق بالمهمة المنوطة بهم وهي رواية القصة الملحمية للكون Universe. لكن ما إنْ رُفعت الستارة على مشهد الانفجار الكبير Big bang قبل أن تتكشف تفاصيل حكاية جارفة لا يمكن وقفها. نجوم تتشكل وتنفجر، ومجرات تدور في أفلاكها لتشق طريقها في هذا الوجود. وتمضي الثقوب السوداء Black Holes بالالتهام والاندماج مُرسلةً موجاتها عبر مدرج المسرح.

إنها خيوط مفككة، وكلما راقبناها زمنًا أطول، اتضح أنها ليست متكاملة، فهذه القصة ليست متناسقة، ووتيرة روايتها تتغير عشوائيا، فبعض الشخصيات كُتبت أدوارها على نحوٍ سيىء، لتصدر عنها أفعالٌ مبهمةٌ، أو أنها لا تتقيد بالسيناريو المخصص لها فقط. وعموما، هناك ما يكفي من الخطأ في هذه المسرحية مما سيجعلك تعتقد أن أحدهم قد أضاع حيثيات حبكتها.

نعتقد على نحو متزايد أننا نعرف كيف حدث ذلك، فقد افترضنا سابقًا أن ما يحافظ على سير العمل الكوزمولوجي في مساره الصحيح هو أربع قوى أساسية فقط، لكن أدلة تجريبية ونظرية اتحدت لتشير إلى أنها ربما لا تكون أربع قوى فقط، وإنما خمس أو ست وحتى أكثر من ذلك. وعلى الرغم من سطحية هذه الأدلة، إلا أن قوة جديدة واحدة ستُضاف إلى الكتب، وستكون “مهمة جدا”، كما يقول فيليب براكس Philippe Brax من معهد ساكلاي للفيزياء النظرية Saclay Institute of Theoretical Physics في فرنسا.

والقوى هي المحرك الأساسي للقصة الكونية، فهي التي تخبرنا عن الممثلين المختلفين، من الجسيمات إلى الكواكب، والكيفية التي تتحرك بها وما هو سلوكها، وهي أمور كانت ستبدو مبهمة لولا ذلك (انظر: ماهي القوة؟). والقوى الأساسية الأربع التي نعرفها هي: الجاذبية Gravity ، والكهرومغناطيسية Electromagnetism ، والقوى النووية الضعيفة Weak Nuclear Force، والقوى النووية القوية Strong Nuclear Force، وما ينشز في هذه القائمة هي قوة الجاذبية، فهي القوة الوحيدة التي ليس لديها مجالٌ كميٌّ Quantum field أو جسيمات Particle خاصة بها ولا يمكن دراستها باستخدام “النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات” Standard Model. ومع ذلك، فإن الجاذبية التي تصفها نظرية النسبية العامة General relativity لآلبرت آينشتاين Albert Einstein، تحددُ خطوطَ الحبكةِ الكونية الشاملة.

ومشكلات قصة الكوزموس Cosmos بدأت منذ البداية، إذ تشير نظرية الانفجار الكبير إلى أن درجة حرارة المادة الموجودة في الكون وكثافتها ينبغي أن تكون اليوم غير متجانسة، وذلك نتيجة تضخم التذبذبات الكمية العشوائيةRandom quantum fluctuation في الكوزموس المبكر أثناء تمدده. ولكن عند النظر إلى نطاق أكبر، تبدو المجرات وغيرها من هياكل الكوزموس الهائلة غير متجانسة من حيث الانتشار. ولحل هذه المعضلة، اخترع الكوزمولوجيون في ثمانينات القرن العشرين التضخم الكوزموسي Cosmic Inflation، وهو مرحلة دامت جزءا من الثانية بعد الانفجار الكبير الذي اشتد خلالها انتفاخ الكوزموس وتضخم تضخماً كبيراً جداً، مُمسِّدا تجاعيده السطحية. إنه تغيرٌ غير متوقع في الأحداث، وغير مفسر حالياً.

” نحن لا نعرف ماذا نتوقع من الممثل الجديد سوى أنه قوة كمية “

في الفترة نفسها تقريبا، أقصد ثمانينات القرن العشرين وليس فجر الكون، صارت المشكلة الثانية بادية للعيان بعد أن أظهرت عمليات الرصد عدم وجود ما يكفي من المادة المرئية في معظم المجرات لتطبيق قوة جذب Gravitational pull اللازم لمنعها من التبعثر أثناء دوران مكوناتها. وحينها اخترع الكوزمولوجيون الاختراع الثاني الكبير؛ بعد التضخم، مادة إضافية غير مرئية؛ المادة المعتمة Dark Matter لتفسر قدرة المجرات على التماسك، والتي فشلنا في العثور عليها حتى الآن.

جاء منعطف الأحداث غير المنطقي الثالث في أواخر تسعينات القرن العشرين، حين أظهرت عمليات رصد انفجارات نجمية تُعرف بالسوبرنوفا (المستعرات الفائقة) Supernovae تسارع التمدد الكوني، على الرغم من أن الاعتقاد بتباطؤ ذلك التسارع نتيجة لقوة الجاذبية قد يكون بديهيا؛ لأن هذه القوة تعمل على تجميع المكونات مع بعضها البعض. وأفضل تفسير “للطاقة المعتمة” Dark Energy، التي نعتقد أنها مسؤولة عن التمدد المتسارع، هو أنها تحفز ظهور واختفاء جسيمات كمية Quantum particles في الفضاء الفارغ. ولكن ذلك يولد إجابة تُقدِّر حجم هذا التأثير بمقدار أكبر بـ120 مرة. وتقول كلير بورَج Clare Burrage، من جامعة نوتنغهام University of Nottingham في المملكة المتحدة: ” لو صحَّ ذلك؛ لكان الكون قد تمدد بسرعة كبيرة، لدرجة تمزق فيها كل شيء”.

لعل أبسط حلول هذه المشكلات هو الادعاء بأن الجاذبية لا تعمل كما نعتقد. ولكن النسبية العامة أثبتت صعوبة تعديلها، فقد اجتازت كل الاختبارات التي أخضعناها لها، بما في ذلك الكشف الأخير والمتعلق بموجات الجاذبية (الثقالية) Gravitational Waves التي نتجت من اصطدام ثقوب سوداء بغيرها من الأجرام فائقة الكتلة. وفي الوقت نفسه، لا تتوافق الأفكار التي حاولت أن تحل محل الجاذبية، كالديناميكا النيوتونية Newtonian dynamics المعدلة التي تحاول تفسير الطاقة المعتمة، لتتوافق مع نتائج الملاحظات الرصدية.

وهذا يضيف إلى التوق إلى إضافة ممثل جديد على خشبة هذا المسرح، ولذلك لا يزال الأمل بوجود قوة أساسية خامسة في الطبيعة منتظرة في الأروقة موجوداً. ويقول براكس: “لدينا الكثير من المؤشرات، هناك شيء ما قطعًا”.

 

الجانب المعتم The Dark Side

نحن لا نعرف ماذا نتوقع من الممثل الجديد سوى أنه قوة كمية Quantum force. ويتناسب ذلك مع اعتقاد الفيزيائيين بأنه على الرغم من عدم قدرتهم وصف الجاذبية في ظل النظرية الكمية حتى الآن، إلا أن ذلك سيحدث في النهاية، مع سعيهم المتواصل للمواءمة بين النسبية ونظرية المجال الكمي Quantum Field Theory. ويقول فرانز ويلتشيك Frank Wilczek، الاختصاصي بعلم الفيزياء الجسيمات النظرية من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا Massachusetts Institute of Technology (اختصارا: المعهد MIT) الذي فاز بحصة من جائزة نوبل للفيزياء عن عمله في مجال النظرية الكمية الكامنة وراء القوة النووية القوية Strong nuclear force: “يؤمن أي فيزيائي منطقي بوجود الجسيمات الحاملة لقوة الجاذبية”. وباتباع هذا المنطق، فإن أي قوة خامسة يجب أن تكون كمية.

يتمثل الجزء الأصعب بالعثور على قوة مطابقة للشروط. فعلى سبيل المثال، فالتضخم على الرغم من غيابه عن مسرح الأحداث، وهو الحدث الذي حصل لمرة واحدة فقط منذ 13.8 بليون عام، لم يردع العلماء عن ابتكار حبكات خلاقة حتى ولو تضمنت جسيمات وقوى نعرفها مسبقًا.

وبالمرور على ألغاز الكوزموس الأخرى، كالمادة المعتمة، والطاقة المعتمة، يبدو أنه لدينا أدلة مثيرة، ويقودنا أكثرها إثارة للجدل إلى عام 2015 عندما اكتشف فريق بقيادة أتيلا كراشنوهوركي Attila Krasznahorkay، من معهد الأبحاث الذرية في الأكاديمية الهنغارية للعلوم Institute

for Nuclear Research at the Hungarian Academy of Sciences، شذوذات Anomalies في تحلل (اضمحلال) النويات قصيرة العمر لنظير البيريليوم- 8 غير المستقر. وقد بدا أن ذلك يشير إلى تدخل جسيمات أقصر عمرًا وتتحرك ببطء، وتبلغ كتلتها 17 ميغا إلكترون- فولت (MeV) تقريبا، أي أكبر من كتلة الإلكترون بثلاثين ضعفًا تقريبًا، ولا يحجز هذه القيمة أي جسيم معروف حتى الآن. وبدا ذلك الجسيم مشابهًا للبوزون Boson، وهو حاملٌ للطاقة كالفوتون Photon، لكنه تفاعله ضعيف جدا، وهو ما قد يفسر التفاعل الخجول للمادة المعتمة مع باقي مكونات الكوزموس. وقد شكك الباحثون في أنه قد يكون “فوتونًا معتما” Dark photon، أي جسيما جديدا ناقلا للقوة بين جسيمات المادة المعتمة.

وكمعظم الراصدين، وجد الفيزيائي النظري جوناثان فنغ Jonathan Feng، من جامعة كاليفورنيا University of California في إيرفاين، أن الأمر عَصيٌّ على التصديق لدى سماعه بذلك للمرة الأولى. فقد برزت من آونة إلى أخرى شذوذات مماثلة، وغالبا ما كانت تؤدي إلى أخطاء تجريبية، لكن فنغ يقول: “عندما تمعنت في أوراق التجارب لمعرفة الكيفية التي أجريت بها، لم أجد أي خطأ”.

ففي نهاية عام 2019 ازداد زخم هذه الحبكة حين أبلغ الفريق الهنغاري عن شذوذ مماثل عند اضمحلال نواة الهيليوم. ويعتقد فنغ أن كلتا النتيجتين تتفق مع وجود “بوزون إكس نافر للبروتون” Protophobic X boson ويتفاعل عند المسافات القصيرة مع النيوترون Neutron داخل النواة الذرية بطريقة جديدة. وسيكون هذا اكتشافًا مذهلًا، ويتابع فنغ: “سيكون أمرًا رائعًا، فنحن نتحدث عن نوع من الاكتشافات يحدث مرة كل نصف قرن”.

أثارت الفكرة الكثير من الانتقادات، فقد أشار مات ستراسلر Matt Strassler، وهو الفيزيائي من جامعة هارفارد Harvard University، إلى أن وجود القوة التي اقترحها فنغ، متوافقة مع القوى التي نعرفها الآن، “يتطلب بعض الحيل المعقدة وغير المنطقية كليًّا”. كما أن خصائص الجسيم، ذي الكتلة المتوسطة الذي يتفاعل عند المسافات القصيرة، مفاجئة تمامًا مقارنة بتنبؤات نظرية المجال الكمي Quantum Field Theory. ويقول ويلتشيك Wilzcek: “هناك عنصران لم يُكتشفا ولكن يمكن إضافتهما إلى النموذج القياسي للجسيمات، وهي تتفق مع كل ما رصدناه: جسيمات ثقيلة جدا تحمل قوة قصيرة المدى، أو خفيفة جدًا تحمل قوة طويلة المدى”.

ولا يبدو الجسيم الجديد واحدًا منها، لكن يشدد فنغ على أهمية وجود تفكير يتقبل ذلك، إذ يقول: “ليس على الفيزياء الجديدة أن تأتي من مكانٍ تتوقعه”. ولمتابعة تقدم علماء الفيزياء النظرية في هذا المجال، يجب تأكيد النتائج أولا عبر تجربة مستقلة. فقد يأتي هذا عاجلًا، أم آجلا. وعلى سبيل المثال، يعمل باحثون في تجربة فناء البوزترون بالمادة المعتمة Positron Annihilation into Dark Matter Experiment (اختصارا: التجربة PADME) في فراسكاتي بإيطاليا، على جمع البيانات منذ أكثر من عام، ويتوقعون الحصول على نتائج في 2021.

في حال التحقق من صحة هذه النتائج، فإن هذا الجسيم سيُنسب إلى المفاجآت الكبيرة والعرضية التي قدمتها التجاربُ إلى الفيزيائيين النظريين: قوة جديدة ضعيفة التفاعل مع المادة الاعتيادية، ولم يسبق لنا التعرف عليها. وفي الوقت نفسه، يتحقق كل من براكس وبوراج من إمكانية وجود نوع خامس من القوى التي تعتمد مظهرًا متخفيًا ومختلفًا، أثارها كبيرة لا تظهرها إلا الجاذبية.

تُعرف هذه القوة الآن بقوة كاميليون (الحرباء) Chameleon Force، وتنص فكرتها على أن الجسيم الذي يحملها يُغيِّر كتلته اعتمادًا على الكثافة الموضعية للمادة. وستكون جسيمات كاميليون أثقل في الأماكن ذات الكثافة المرتفعة- حول الأرض مثلا- ويعني هذا أن القوة المرافقة لها ستعمل عبر مدى أقصر إذا كانت حولنا، وعمليا لن تكون مرئية بالنسبة إلينا. كما أن كتلة هذه الجسيمات ستكون أصغر بكثير في المساحات الشاسعة التي تملأ الفراغ بين المجرات، حيث يكون مدى تأثيرها أكبر- وقد تفسر تأثير الطاقة المعتمة للمجرات البعيدة التي تتسارع مبتعدة عنا دوما.

وفي إشارة إلى أن الفوتون عديم الكتلة يمر بمراحل التحول ذاتها عند عبوره بلازما جسيمات مشحونة ويخضع لقوى سحب؛ مما يكسبه كتلة فعليا تقول بورَج: “الأمر ليس غريبًا كما يبدو”، ويوافق ولتشيك على ذلك من حيث المبدأ بينما يبدي تشكيكه بالنماذج: “هذا مسموح به وفقًا لقواعد نظرية المجال الكمي”.

“لن تكون قوة الكاميليون مرئية لنا حيثما تكون المادة ذات كثافة عالية، كما على الأرض”

ربما تكون صحيحة، ففي عام 2018، أجرى فريق بقيادة باوجيو لي Baojiu Li، من جامعة دورهام Durham University في المملكة المتحدة محاكاة أظهرت أنّ نموذجًا كوزمولوجيا توجد فيه قوة كاميليون يشكل مجرات كالتي نراها اليوم، ويكمن التحدي حاليا في تحديد الفروقات الطفيفة في هذه المجرات مقارنةً بتوقعات النسبية العامة، ليتمكن الجيل القادم من التلسكوبات، كقمر وكالة الفضاء الأوربية EUCLID satellite الذي سيطلق عام 2022، من أن يرصد هذه الفروقات.

إنها مصيدة It’s a trap!

لا تعتقد بورَج أن علينا الانتظار، فمهما بلغت مهارة قوة كاميليون في التخفي، يبقى أمر الكشف عنها على الأرض ممكنًا، وتقول: “كل ما عليك فعله هو العثور على الوضع الذي لا يمكنها التخفي فيه”.

يتوفر ذلك في مختبر كلية إمبيريال كوليدج لندن Imperial College London، حيث تعاونت بورَج مع فيزيائيين تجريبيين لتصنيع حجيرة فراغ بحجم كرة بولينغ مع كرة معدنية صغيرة في مركزها، وهي مصممة لإلغاء تأثيرات القوى المعروفة. إنها مصيدة لجسيمات كاميليون، حيث يصير مجال كاميليون محصورا وفعالا بين الكرة المركزية وجدران الحجرة، وبهذا يفصح وضع ذرات وتعجيلها (تسريعها) Acceleration داخل هذه المنطقة عن وجود القوة.

في عام 2019 نشر الفريق نتائجه الأولى، وقد كانت غير ناجحة، إذ لم توجد أي إشارة على وجود قوة كاميليون، وكان ذلك مخيبا لآمال بورَج. ولكن ما استبعده الباحثون حتى الآن لا يتعدى أن يكون مجرد نموذج واحدٍ خاصٍّ بقوة كاميليون، ولا يزال المدى مفتوحًا لتجربة محسنة للكشف عن أمر حقيقي: إن وجود قوة أضعف ولكن أقوى بقليل من الجاذبية، قد تفسر الطاقة المعتمة.

عند الأخذ بالحسبان طبيعة جسيمات كاميليون المتغيرة، فإن تغير القوة التي تحملها، تحت شروط محددة، لن يكون مستبعدا، ومن ثم ستعمل كقوة مساعدة للجاذبية، بدلا من  أن تعطل مفعولها- وبذلك نضرب عصفورين بحجر واحد بالإشارة أيضًا بمعالجة موضوع المادة المعتمة. وتضيف بورَج: “أُجريت بعض التجارب لمعرفة ما إذا كان باستطاعة الكاميليون أن يؤدي دورًا على مستوى المجرات والعناقيد المجرية، وبذلك نستبعد الحاجة إلى وجود المادة المعتمة”. إلا أن ما وُجد من أدلة حتى الآن يشير إلى أن هذه القوى لا يمكنها تفسير كل التأثيرات التي ننسبها إلى المادة المعتمة.

لكن، عوضًا عن توحيد القوى، يدفعنا ذكاؤنا إلى تنويعها، فبفضل وجود القوى الأربع التي لدينا، أبدعنا في تفسير كل ما يتعلق بالمادة الذرية الاعتيادية، والتي يبدو أنها لا تؤلف سوى 5% من مجمل المادة والطاقة في الكون. ويعلق براكس على ذلك قائلاً: “من غير المرجح أن تتكون الغالبية العظمى من موجودات الكون من عنصر أو اثنين، ولن أتفاجأ إن عثرنا على أكثر من قوة جديدة”.

أما ولتشيك، فيتفق مع ذلك إلى حد ما، ويقول: “لن أحبط…، ولا أعرف ما يمكن توقعه، لكن من المؤكد أن وجود أكثر من قوة سيكون جميلًا”. وفعلًا، هو يسعى وراء مرشح آخر كقوة أساسية إضافية، وهي قوة مرافقة لجسيمات افتراضية وخفيفة وطويلة العمر، تدعى الإكسيونات Axions التي تمتلك العديد من خصائص المادة المعتمة، وقد تساعدنا على تفسير بعض المسائل الشائكة الأخرى في فيزياء الجسيمات، كسبب بقاء الأحداث عند المستوى تحت (دون) الذري  Subatomicعلى حالها سواء إن سار الزمن إلى الأمام أو إلى الوراء، ويقول ولتشيك: “أعتقد أن القوة الخامسة هي الغالبة”.

ووفقًا لبراكس، تشير جميع هذه الجهود إلى حقيقة أكبر، بأن النموذج الكوزمولوجي القياسي الذي لدينا الآن يشبه مسودة لإعداد سيناريو قصة الكون. ولجعل هذه النماذج جزءًا من شيء أكبر يمكن أن ندعوه نظرية، سيعني ذلك إضافة جسيمات ومجالات جديدة، تمنحك بدورها قوى جديدة”.

بعبارة أخرى، فحتى أفضل إنجازاتنا كالنموذج القياسي بدأ يعاني ضعفاً، ولذلك بدا لنا أنّ إضافة عناصر جديدة إلى الساحة هو من أفضل الطرق لإعادة التأكيد على السبب الذي دفع الجميع للاعتقاد أن القصة مقنعة منذ البداية.

ما هي القوة؟

عند حملك لهذه المجلة، أو سحبك نحو الأعلى على شاشة هاتفك المحمول فأنت تطبق قوة، إنّها تلك القوة المؤثرة عندما يكون الجسمان متصلين فيزيائيا. وقوى الجر Drag Forces، كالاحتكاك ومقاومة الهواء، واحدة من قوى التماس تلك، التي تؤثر في الحركة Movement والتعجيل (التسارع Acceleration ، ويمكن دراستها باستخدام قوانين نيوتن للحركة.

عندما يتحدث الفيزيائيون عن القوى الأساسيةFundamental forces ، فالأمر مختلفًا قليلًا: فهي التأثيرات المتبادلة بين أجسام ليست على تماسٍ ظاهريًّا. وقد حيَّر هذا “التأثير عن بعد” Action at a distance نيوتن حين طرح قانون الجاذبية العام للمرة الأولى. وقد كتب عن ذلك قائلاً: “كان ذلك غير منطقي لدرجة كبيرة جعلتني استبعد أن يؤمن به أي شخص لديه مؤهل في مجال المسائل الفلسفية”.

آنذاك، نُسبت مثل هذه الألغاز إلى فعل المجالات التي تملأ الفراغ . ويقول فرانك ولتشيك، عالم الفيزياء النظرية من المعهد MIT: “وفقاً لفهمنا المعاصر، تعتبر المجالات Fields أكثر الأشياء أساسية في عالمنا”.

إذن، ما هي المجالات؟ يقول مات ستارسلر  Matt Strassler من جامعة هارفارد Harvard University: ” هي وسيط أساسي بين جسمين”، وبالنسبة إلى ثلاث من القوى الأربع الأساسية التي نعرفها اﻵن، إنها مجالات كمية ترافقها جسيمات تعرف بالبوزنات Bosons التي تظهر وتختفي من وإلى حيز الوجود لتكون وسطا لنقل التأثيرات عبر مسافات مختلفة. فعلى سبيل المثال، الفوتون عديم الكتلة وسيطا للقوة الكهرومغناطيسية.

أما قوة الجاذبية؛ فمستثناة. ووفقا لنظرية النسبية العامة لآلبرت آينشتاين، والتي حلت محل قانون نيوتن، تُعتبر الجاذبية نتيجة لتشويه الكتلة لنسيج الزمكان Spacetime، وبذلك تُمثل قوة مجال الجاذبية في أي نقطة من نقاط ذلك النسيج درجة الانحناء التي يسببها جسم فائق الكتلة له.

عموما، ما يميز القوى الأساسية عن القوى المألوفة الأخرى التي نميل إلى ملاحظتها هو عدم قدرتنا على اختزالها إلى قوة أو مجال آخر. وعلى سبيل المثال، يُمكننا في نهاية المطاف اختزال قوة الاحتكاك أو مقاومة الهواء إلى التفاعلات الكهرومغناطيسية بين جزيئات مختلفة من المادة. ولكنّ عدد أولئك الوسطاء الأساسيين لا يزال مجهولا. (انظر: المقال الرئيس).

استنهاض قوة هيغز

مع اقتراب الفيزيائيين من اكتشاف قوة أساسية خامسة في الطبيعة (انظر: المقال الرئيس)، قد يواجهنا أحد المدققين بالقول إننا عثرنا على واحدة، وسيكون هذا الشخص محقًّا نوعًا ما.

بالعودة إلى مصادم الهادرونات الكبير Large Hadron Collider التابع لمنظمة الأبحاث النووية الأوروبية، سيرن (اختصارا: المختبر CERN ) بالقرب من جنيف في سويسرا، والمصمم لإجراء تجارب على تعجيل الجسيمات، صار بوزون هيغز Higgs boson ومجاله مشهوريْن بمنح الجسيمات المعروفة خاصية الكتلة. ولكن بوزون هيغز ليس جسيمًا مانحًا للكتلة فقط، ففي ظل شروط مناسبة، يمكنه أن يخلق قوى تجاذب وتنافر بين جسيمين أيضًا، وهذا سيجعل منه قوة أساسية جديدة تُضاف إلى الأربع الموجودة.

لكننا غالبًا، لن نسمع الفيزيائيين وهم يشيرون إلى ذلك على هذا النحو، لأن قوة هيغز فعالة على نطاقات ضيقة ولا صلة لها بالموضوع من الناحية العملية- وربما لا يمكن الكشف عنها، ولذلك السبب تعين علينا العثور على جسيم هيغز لتأكيد وجود هذا المجال. ويقول مات ستراسلر من جامعة هارفارد: “إذا عرّفنا مجال هيغز على أنه تفاعل، نكون بذلك قد اكتشفنا تلك القوة فعلاً. ولكن إذا قصدنا بها ذلك السحب الذي يتسبب به هذا المجال بين جسمين، فإننا لم نكتشفها بعد”.

ما يجعل الأمر مفاجئًا قليلًا هو أن الباحثين في الفيزياء النظرية، الذين اقترحوا أن مجال هيغز قد يكون سببا للتضخم الكوزموسي، وهو انفجار فائق التوسع لأجزاء من الثانية لحظة الانفجار الكبير، تذّرعوا به أيضا لتفسير التجانس المحير للكون عند الأحجام الأكبر. لكن من الممكن تعديل خصائص مجال هيغز ليكون قويا وقادرا بما يكفي ولفترة مؤقتة على تضخيم كل شيء في تلك اللحظة الأولى، قبل أن تخفت قوة هذا المجال التي هو عليها الآن، والتي بالكاد نرصدها.

وبالمزيد من الأبحاث، تبّين لنا أن مجال هيغز يعمل بهذه الطريقة -أي كـ “إنفلاتون” Inflaton- فقط إن اخترعت مجالا إضافيًّا آخر ينظم قوته. لذلك، وعلى الرغم من عدم قدرة قوة هيغز منفردة على تفسير التضخم، إلا أنها قد تكون مثلَ بوابة لقوى جديدة ربما ستتمكن من تحقيق ذلك.

القوى الأربع الأساسية المعروفة

ما نعلمه الآن هو وجود قوى أربع أساسية تحكم سلوك المادة في كوننا اليوم.

الكهرومغناطيسية ELECTROMAGNETISM: وهي تفسر سبب تماسك الذرات مع بعضها البعض، إضافة إلى سلوك الضوء

النظرية التي تحكمها هي: الإلكتروديناميكا الكمية Quantum electrodynamic (اختصارا: النظرية QED)

الوسيط: الفوتون Photon (الذي تنبأ آينشتاين بوجوده عام 1905)

المدى الأقصى: غير محدود

القوى النووية الضعيفة WEAK NUCLEAR FORCE: وهي تفسر تحلل (اضمحلال) بيتا المشع، وتفاعلات الاندماج النووي Nuclear fusion الحاصلة في النجوم والتي تمدها بالطاقة

النظرية التي تحكمها هي: نظرية الكهرباء الضعيفة Electroweak theory (وهي نظرية موحَّدة مع النظرية QEDعند مستويات الطاقة العالية)

الوسيط: بوزونات W و Z والتي تنبأ العلماء بوجودها في عام 1968، واكتُشفت عام 1983)

المدى النموذجي: 10-18 متر

القوى النووية القوية STRONG NUCLEAR FORCE: هي تلك القوة التي تحافظ على وجود البروتونات والنيوترونات مرتبطةً داخل النواة الذرية النظرية التي تحكمها هي: الديناميكا اللونية الكمية Quantum chromodynamics (اختصارا: النظرية QCD)

الوسيط: الغلونات Gluons، تنبأ العلماء بوجودها عام 1962، واكتُشفت عام 1979

المدى النموذجي:10-15 متر

الجاذبية GRAVITY: وهي القوة التي تحافظ على تماسك المجرات مع بعضها البعض، وعلى حركة الكواكب حول الشمس، وبقاء أقدامنا على الأرض

النظرية التي تحكمها: النسبية العامة General relativity

الوسيط: لا يوجد، وستكون الغرافيتونات Gravitons لو ثَبُتَ أنها جسيمات كمية

المدى: غير محدود

© 2020, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى