أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
فيزياء

هل نحن من ينتج الزمكان؟ منظـور جـديد لنسيج الواقع

للمــرة الأولى، يمـكن مشــاهـدة العـالـم الكمَّي من منظـورات مختلفة في الوقـت نفسه، ويشير ذلك إلى أمرٍ غريب جدا: يتخذ الواقع شكلاً فقط عندما نتفاعل مع بعضنا بعضا

في العالم الكمّي، لم توجد طريقة للتوفيق

بين المنظورات المختلفة والسماح بإلقاء

نظرة خاطفة على الواقع المشترك والكامن تحتها

تخيل الاقتراب من منحوتة تعود إلى عصر النهضة في معرض. ستبدو هذه المنحوتة مثيرة للإعجاب حتى عند النظر إليها من مسافة بعيدة. لكنك لن تبدأ بتقدير قيمتها حقّاً إلا مع اقترابك منها والتجول حولها: زاوية الفك، والأنف المعقوف، ونعومة الشعر المنحوت من الرخام.

في الفيزياء، كما في الحياة، من المهم رؤية الأشياء من أكثر من منظورPerspective . فبفعلنا هذا على مدار القرن الماضي، حصلت مفاجآت كثيرة. بدأ ذلك مع نظرية ألبرت آينشتاين Albert Einstein في النسبية الخاصة Special Relativity، والتي أثبتت أن الأطوال المكانية والفترات الزمنية تختلف باختلاف راصدها. كما أنها رسمت صورة غير متوقعة أبداً عن الواقع الكامن خلفها، صورةٌ اندمج فيها المكان والزمن معاً في اتحاد رباعي الأبعاد يُعرف بالزمكان Space-time.

بعد ذلك بسنوات، ومع ظهور نظرية الكم Quantum Theory، غدت الأمور أكثر غرابة. فمع هذه النظرية بدا أننا نؤدي دوراً في تحديد خصائص Properties الأشياء أثناء رصدها. لكن في العالم الكمي، وعلى خلاف النسبية، لم تكن هناك طريقة للتوفيق بين المنظورات المختلفة وإلقاء نظرة خاطفة على الواقع الموضوعي Objective reality خلفها. وبعد قرن من الزمن، يتساءل العديد من الفيزيائيين عما إذا كانت حقيقة موضوعية واحدة، يشترك فيها كل الراصدين، موجودة أصلاً.

والآن، تسهم مجموعتان من الأفكار ظهرتا مؤخرا في تغيير القصة. فللمرة الأولى، يمكننا أن نقفز من منظور كمي إلى آخر. وهذا يساعدنا فعلاً على حل مشكلات عملية عويصة تتعلق بالاتصالات عالية السرعة High-speed Communications. كما يمكن أن يسلط الضوء على حقيقة وجود واقع مشترك من عدمه على المستوى الكمي. ومن المثير للاهتمام أن الإجابة عن هذا السؤال هي بالنفي -إلى أن نبدأ الحديث مع بعضنا بعضا.

عندما طوَّر آينشتاين نظريته النسبية في مطلع القرن العشرين، انطلق من افتراضٍ أساسي واحد: قوانين الفيزياء هي ثابتة في كل إطار مرجعي Reference Frame بالنسبة إلى الجميع. ولكن المشكلة هي أنّ قوانين الكهرومغناطيسية Laws of electromagnetism تَتطلُّبَ تحرك الضوء بسرعة ثابتة هي 299,792 كم/ث، وقد أدرك آينشتاين تلك المشكلة. فإذا كان لك أن تسابق حزمة ضوئية في مركبة فضائية؛ فستتوقع أن سرعة هذه الحزمة الضوئية ستكون أقل بكثير من المعتاد -تماماً كما يحصل عندما تنطلق مسرعا على الطريق السريع، فالسيارات المجاورة لك لن تبدو متحركة بسرعة كبيرة. غير أن الأمر مختلف بالنسبة إلى الضوء لأن ذلك ينتهك قوانين الفيزياء.

كان آينشتاين على قناعة بأن هذا لا يمكن أن يحدث، لذا اضُطر إلى افتراض ثبات سرعة الضوء بالنسبة إلى الجميع بصرف النظر عن سرعة تحركهم. وللتعويض عن ذلك، كان على المكان والزمن أن يتغيرا من منظور إلى آخر. في الحقيقة، سمحت معادلات النسبية لآينشتاين بالانتقال من منظور راصد، أو إطار مرجعي إلى آخر. وقد قادت هذه الفكرة إلى نشوء صورة للعالم تكون هي نفسها من أي منظور.

واصل أينشتاين تطوير هذه الأفكار في نظرية النسبية العامة General Relativity، والتي لا تزال أفضل نظرياتنا عن الجاذبية. لكنها ليست القصة كاملة. ففي كتابات آينشتاين، يُحدد الإطار المرجعي دائماً بـ (قضبان وساعات)، وهي أغراض فيزيائية نقيس بها المكان والزمن. ولكن النظرية التي تحكم تلك الأدوات مختلفة تماماً.

تتعامل النظرية الكمية مع المادة Matter والطاقة Energy وهي أكثر نجاحاً من النظرية النسبية. لكنها ترسم صوراً غير مألوفة أبداً عن الواقع، صورة ليس للجسيمات فيها خصائص محددة قبل أن نقيسها، وإنما توجد في حالة تراكب Superposition من حالات متعددة. كما أن هذه النظرية تقترح أنّ الجسيمات بإمكانها أن تتشابك كميا Entangled – أي ترتبط خصائصها ترابطا وثيقا حتى ولو فصلت بين تلك الجسيمات مسافات هائلة. وذلك يهدد تعريف الإطار المرجعي، فكيف يمكنك قياس الزمن باستخدام ساعة متشابكة كميّا، أو قياس المسافة بمسطرة تقع في أماكن متعددة في اللحظة نفسها؟

يتجنب فيزيائيو الكم هذا السؤال بمعاملتهم لأدوات القياس كما لو أنها تخضع لقوانين الحركة الكلاسيكية التي طوّرها إسحق نيوتن Isaac Newton. أي أن الجسيم الذي يجري قياسه كمي، أما الإطار المرجعي فليس كذلك. ويُعرف الخط الفاصل بين الاثنين بقطع هايزنبرغ Heisenberg Cut: خط عشوائي وقابل للحركة، لكن ينبغي أن يوجد في موضعٍ يسمح لأداة القياس بتسجيل نتيجة محددة.

لنتأمل قطة شرودينغر Schrödinger’s Cat، وهي تجربة ذهنية توجد فيها قطة عاثرة الحظ داخل صندوق مع جسيم مُشعّ. إذا تحلل هذا الجسيم، فإنه يحرر مطرقة تكسر قارورة تطلق بدورها سمّاً يقتل القطة. وإن لم يحدث ذلك، تبقى القطة على قيد الحياة. أما أنت؛ فتقف خارج الصندوق. ويكون المحتوى من وجهة نظرك متشابكاً، وفي حالة تراكب. فالجسيم قد تحلل ولم يتحلل في الوقت نفسه؛ والقطة كذلك هي حية وميتة أيضاً. إلا أنه، وكما هي الحال في النسبية، هل يمكن وصف الحالة من منظور القطة؟

أرقت هذه المعضلة دوما إسلاف بروكنر Časlav Brukner من معهد البصريات الكمية والمعلومات الكمية Quantum Optics and Quantum Information in Vienna في فيينا بالنمسا. فقد أراد فهم كيفية رؤية الأشياء من منظورات مختلفة من منطلق النظرية الكمية. وعلى خطى آينشتاين، بدأ بافتراض أن قوانين الفيزياء لا تتغير من راصد إلى آخر، ومن ثمّ طوّر طريقة للانتقال رياضياتيا بين الأطر المرجعية الكمية المختلفة. وقد توقع بروكنر أنه إذا أمكننا وصف حالة ما من كلا جانبي قطع هايزنبرغ فقد تتكشف لنا بعض الحقائق عن عالم كمي مشترك.

التفكير داخل الصندوق

ما وجده بروكنر وزملاؤه عام 2019 كان مفاجئاً. فعند القفز إلى داخل منظور القطة، تبين أنه -وكما هي الحال في النسبية- يجب أن تتشوه الأشياء بطريقة تضمن ثبات قوانين الفيزياء في الأطر المرجعية المختلفة. فالكمية Quantumness التي عزوناها سابقاً إلى القطة هي الآن تتخبط على جانبي قطع هايزنبرغ. أما عند تبني وجهة نظر القطة؛ فهذه الأخيرة تكون في حالة محددة، أما الراصد الموجود خارج الصندوق؛ فهو الذي يكون في حالة تراكب، ومتشابكاً مع المختبر في الخارج. اعتقدنا على مدار فترة طويلة أن التشابك هو إحدى خصائص الواقع المطلقة. ولكن وفقا لهذه الصورة الجديدة، فالمسألة برمتها مسألة وجهة نظر، فوفقاً لبروكنر «ما هو كمِّي وما هو كلاسيكي يعتمد على الإطار المرجعي الكمي».

يقول جاك بينار Jacques Pienaar من جامعة ماساتشوستس أن هذا يسمح لنا بطرحٍ أسئلة رائعة بمنتهى الدقة. لنأخذ تجربة الشق المزدوج الشهيرة Double-slit Experiment والتي أثبتت أنه بإمكان جسيم كمي عبور شقين في جدار شبكي في اللحظة نفسها، يقول بينار: «إننا نرى أنّ الشقين في حالة تراكب بالنسبة إلى الإلكترون. وفي رأيي هذا رائع جدا». فعلى الرغم من أنّ ذلك لا يبدو إلا أنه مجرد اقتراحات نظرية، فإن أمراً واحداً يسبغ على أفكار بروكنر مصداقيتها، لقد ساعدت في السابق على حل مسألة مستعصية ومرتبطة بالاتصالات الكمية (انظر: الكيوبيتات الطائرة).

لكن للإطار المرجعي الكمي نقطة ضعف مع أنّ إحداها قد يرشدنا في نهاية المطاف لتقييم أعمق للواقع. إنها تأتي بصيغة تجربة «صديق فيغنر»Wigner’s Friend : وهي تجربة ذهنية تخيلها الفيزيائي يوجين فيغنر Eugene Wigner في خمسينات القرن العشرين، وهي تضيف حيلة محيرة إلى لغز شرودينغر.

مجهزاً بالأدوات المعتادة، يفتح صديق فيغنر الصندوق ليجد أن القطة على قيد الحياة. ولكن ماذا لو كان فيغنر نفسه يقف خارج أبواب المختبر؟ ففي إطاره المرجعي، لا تزال القطة في حالة تراكب من الموت والحياة، إلا أنها الآن متشابكة مع الصديق، والذي هو في حالة تراكب مع رؤيته للقطة على قيد الحياة ورؤيته للقطة ميتة بالنسبة إلى فيغنر. إن وصف فيغنر للقطة ووصف الصديق لها متناقضان، لكن ووفقاً لنظرية الكم، منظور كلاهما صحيح. وهذه مفارقة عميقة يبدو أنها تكشف النقاب عن واقع ممزق.

لا تقدم قواعد بروكنر Brukner’s rules أي مساعدة هنا. إذ لا يمكننا القفز من أحد جوانب قَطْع هايزنبرغ إلى الآخر لأن الراصدين يستخدمان خطيّ قطع مختلفين. فالصديق لديه خط قطع يفصل بينه وبين الصندوق، أما فيغنر فيفصل الخط بينه وبين المختبر. وهما لا يحدقان ببعضهما البعض عبر الفجوة الكلاسيكية الكمية. إنهما لا ينظران إلى بعضهما .ويضيف بروكنر: «أملت مع زملائي بإعادة صياغة حالة صديق فيغنر في إطار مرجعي كمي. ولكن لم يكن ذلك ممكنا حتى الآن»، ويتنهد قائلاً: «لا أدري ما العائق، يبدو أن هناك عنصرا مفقودا».

يسلط عمل فلافيو ميركاتي Flavio Mercati من جامعة بورغوس Burgos في إسبانيا وجيوفاني أميلينو-كاميليا Giovanni Amelino-Camelia من جامعة نابولي فيديريكو Naples Federico في إيطاليا الضوء على ما قد يجري، إذ يقترح بحثهما أنه عند تبادل المعلومات الكمية، يمكن للراصدين خلق واقع مشترك حتى ولو لم يكن موجوداً منذ البداية.

استلهم الباحثان ذلك من بحث علمي نشره كل من ماركوس مولر Markus Müller وفيليب هون Philipp Höhn عام 2016، وحينها كانا في معهد بيرميتر Perimeter Institute in في واترلو بكندا. تخيل الباحثان حينها سيناريو يرسل فيه شخصان، أليس وبوب، لبعضهما البعض جسيمات كمية Quantum particles في حالة «دوران مغزلي» Spin مُعيَّنة، والدوران مغزلي هو خاصية كمية يمكن تشبيهها بسهم يشير إلى الأعلى أو إلى الأسفل على امتداد المحاور المكانية الثلاثة. ترسل أليس إلى بوب جسيماً، وعلى بوب معرفة اتجاه دورانه المغزلي. بعد ذلك، يهيئ بوب جسيماً جديداً بالدوران المغزلي نفسه ليرسله ثانية إلى أليس، التي تؤكد تلقيه بشكل صحيح. وتكمن الحيلة في أن كلا من أليس وبوب لا يعرفان التوجه النسبي لإطاريهما المرجعيين: فمحور X لأحدهما قد يكون المحور Y للآخر.

إذا أرسلت أليس إلى بوب جسيماً واحداً فقط، فلن يتمكن مطلقاً من معرفة قيمة الدوران المغزلي. فأحياناً في الفيزياء، يكون متغيران Variables على درجةٍ من الاتصال بحيث إذا قيس أحدهما بدقة، لن يبقى الآخر في حالة محددة. وتنطبق هذه المسألة المرواغة -التي تعرف بمبدأ عدم اليقين لهايزنبرغ Heisenberg Uncertainty Principle – على الدوران المغزلي للجسيمات على طول المحاور المختلفة. فلو أراد بوب قياس الدوران المغزلي في الاتجاه الذي يعتقد أنه X بالنسبة إلى أليس، فعليه أن يخمن ذلك عشوائيا. وإذا كان مخطئاً، فهو يمسح كل المعلومات. غير أنه، يمكن لأليس وبوب أن يرواغا، إن تبادلا العديد من الجسيمات. يمكن لأليس أن تقول لبوب :«إنني أرسل إليك 100 جسيماً دورانها المغزلي جميعا يتجه نحو الأعلى في الاتجاه X، ومع قياس بوب للمزيد منها، يمكنه استنباط الاتجاه النسبي لإطارها المرجعي.

وهنا تصير الأمور مثيرة للاهتمام. فقد أدرك مولر وهون، أنهما، عند قيامهما بذلك، فهما يشتقان تلقائيا المعادلات التي تمكنك من الانتقال من منظور إلى آخر في النسبية الخاصة لآينشتاين. إننا نميل إلى التفكير في الزمكان على أنه بنية موجودة مسبقاً يتواصل الراصدون عبرها. ولكن مولر وهون قلبا الوضع: ابدأ براصدين يتبادلان الرسائل وستشتق حينها الزمكان.

بالنسبة إلى ميركاتي وأميلينو-كاميليا، اللذين تعرفا إلى هذا العمل منذ بضع سنوات، كان هذا الانقلاب لحظة ملهمة. فقد أثار سؤالا رئيسيا تبين أن له أثره الحاسم على عمل بروكنر: هل كانت أليس وبوب عارفين مسبقا بوجود الزمكان، أم أنه ظهر عند اتصالهما؟

كيف يمكنك قياس الزمن باستخدام ساعة متشابكة، أو سبر

المسافة بمسطرة تكون

في أماكن متعددة في اللحظة نفسها؟

اصنع بعض المكان

هناك طريقتان لحدوث ذلك. الحالة الأولى مرتبطة بمقايضة ميكانيكا الكم بين المعلومات والطاقة، يقول ميركاتي: «للحصول على معلومات عن نظام كمي، يجب أن تدفع مقدارا من الطاقة». ففي كل مرة يختار فيها بوب المحور الصحيح، يخسر بعضا من الطاقة، وحين يكون اختياره خاطئاً ويمحي معلومات أليس، يكتسب بعضا الطاقة. وبسبب اعتماد انحناء الزمكان على الطاقة المُقدمة، فإن بوب يغير من اتجاهه بعض الشيء عند قياسه لاتجاهه النسبي.

قد يكون هناك منطقٌ أكثر عمقاً تولِّد من خلاله الاتصالات الكمية الزمكانَ. ويصير هذا السيناريو ممكنا إذا كان للمكان صفة تعرف بـ«اللاتبادلية» Non-commutative. فإذا أردت الوصول إلى نقطة على خريطة عادية، فلن يكون الترتيب الذي تحدد وفقه الإحداثيات مهماً. ويمكنك أن تذهب يميناً خمس وحدات وإلى الأعلى وحدتين، أو أن تذهب أولاً إلى الأعلى ثم يميناً خمساً، وكلتا الطريقتين ستوصلك في نهاية المطاف إلى مقصدك. ولكن لن يكون ذلك صحيحا إذا طبقت قوانين ميكانيكا الكم على الزمكان. ووفقا للطريقة نفسها التي تمنعك فيها معرفة موضع Position جسيم من قياس زخمه Momentum، فالذهاب نحو الأمام خمس مربعات ربما يعيقك عن المضي نحو الأعلى مربعين.

يقول ميركاتي وأملينو-كاميليا إنه إذا عمل الزمكان بهذه الطريقة، فمحاولات أليس وبوب لمعرفة اتجاهاتهما النسبية لن تكشف فقط عن بنية الزمكان، وإنما ستشكله أيضا. إذ ستغير الخيارات التي يتخذانها، كأي المحاور يجب قياسها مثلا، الشيء الأساسي الذي كانت ستكشف عنه اتصالاتهما. وقد ابتكر الباحثان طريقة لاختبار ما إذا كانت هذه هي الحالة حقاً (انظر: هل الزمكان تبادلي؟)

يقود كل هذا الجهد إلى استنتاج مذهل: عندما يتبادل الأفراد معلومات كمية، فإنهم يسهمون في بناء واقعهم المشترك. وهذا يعني أننا إذا نظرنا ببساطة إلى المكان والزمن من منظور واحد، فإننا لن نفقد جماله الأخاذ فحسب، وإنما ربما لا يوجد أي واقع مشترك أعمق [ومستقل عن الراصد]. وفي رأي ميركاتي وأملينو-كاميليا، لا يصنع راصد وحيد زمكاناً.

يعود بنا هذا إلى مفارقة صديق فيغنر التي أربكت بروكنر. ففي عمله، يمكن النظر إلى الراصدين على أنّ لكلٍ منهم منظوره الخاص عن الواقع نفسه فقط عندما ينظرون إلى بعضهما البعض عبر قطع هايزنبرغ. بعبارة أخرى، عندما يكون التواصل بينهم ممكناً، وهو ما لا يستطيعه فيغنر وصديقه أبدا. ربما يخبرنا ذلك أن أي فردين لن يشتركا بالواقع نفسه إلا عند تفاعلهما، لأنّ اتصالهما هو الذي يولّد ذلك الواقع.

الكيوبتات الطائرة

أُنشئت الشبكات السلكية التي تحمل معلومات كمية حول العالم كنموذج مبدئي لإنترنت كميQuantum internet . تنقل هذه الشبكات المعلومات على شكل كيوبتات Qubits أو بتات كمية، والتي يُفك ترميزها لاحقا بالاعتماد على خصائص الجسيمات: خاصية كمية تُدعى الدوران المغزلي Spin. ووفقا لهذه الآلية، يُرسل شخصٌ ما تدفقاً من المعلومات إلى آخر على هيئة جسيمات، ليقيس الأخير بدوره دورانها المغزلي ومن ثمّ يفك ترميز الرسالة.

مع ذلك، لا يحصل هذا الحدث سريعاً. ولكي تكون أداة تواصل فعالة، على هذه الجسيمات أن تنتقل بسرعة قريبة من سرعة الضوء. ولكن عند هذه السرعات، يتشابك الدوران المغزلي للجسيم كمياً مع زخمه Momentum بطريقة يفقد معها المتلقي المعلومات إذا قاس الدوران المغزلي فقط. ووفقا لفلامينيا جياكوميني Flaminia Giacomini من معهد بريميتر في كندا: «هذا صحيح. فالكيوبت هو أساس المعلومات الكمية. لكن بالنسبة إلى جسيم يتحرك بسرعات كبيرة جداً، لن نتمكن أبداً من تمييز الكيوبت». وإضافة إلى ذلك، لا يتحرك الكيوبت بسرعة واحدة: تنص ميكانيكا الكم على أن الحركة ستكون في حالة تُعرف بتراكب السرعات .Superposition of Velocities

قد تكمن الإجابة في قواعد جمل الإحداثيات الكمية التي طورها إسلاف بروكنر Časlav Brukner (انظر: المقالة الرئيسية). فقد أظهرت جياكوميني كيفية استخدام هذه القواعد للقفز إلى داخل الإطار المرجعي للجسيم، حتى عند وجوده في حالة تراكب Superposition. فمن هذا المنظور، تعبر بقايا الواقع تتحرك مُسرعة عبر تراكب مشوش. ويمكنك عندئذ أن تحدد التحويل الرياضياتي Mathematical Transformation المُطبق على الجسيم لاستعادة المعلومات الموجودة بالكيوبت الأصلي، مسلحاً بمعرفتك بطريقة رؤية الكيوبت للعالم.

هل الزمكان تبادلي؟

في المكان الاعتيادي، لا تكون الرحلة مهمة بقدر الوجهة. فإذا كنت تحاول الوصول إلى مكان محدد، فلن يُحْدث اتجاهك 5 كم نحو الجنوب ومن ثم 3 كم نحو الغرب، أو العكس، فارقاً. ينتج ذلك من كون الإحداثيات تبادلية، فهي تنقلك إلى الوجهة ذاتها بغض النظر عن ترتيبها.

عند المقاييس الصغيرة جداً التي تخضع للنظرية الكمية، ربما لا يكون هذا صحيحاً. ففي نظرية الكم، يمحي قياس موضع Position الجسيم المعلومات المتعلقة بزخمه .Momentum وبالمثل، يمكن أن يكون الترتيب الذي تُنجر عبره الحركة مؤثراً في بنية المكان. وإن كان ذلك صحيحا، فليس من المنطق تناول الزمكان على أنه ميدان ثابت.

يعتقد الفيزيائيان فلافيو ميركاتي Flavio Mercati وجيوفاني أملينو- كاميليا Giovanni Amelino-Camelia أنه لديهما طريقة لمعرفة فيما إذا كان الزمكان تبادلياً. وقد استلهما ذلك من بحثٍ يتخيل فردين يتبادلان جسيمات كمية ويقيسان خصائصها لاستنباط التوجه النسبي لكل منها (انظر: المقالة الرئيسية). ويمضي الباحثان ليتساءلا عما ستكون عليه الحال إذا جرت هذه اللعبة على أرض الواقع؟

عند زيادة عدد الجسيمات التي يتبادلها الأفراد، ينبغي أن يتناقص عدم اليقين Uncertainty الذي يكتنف توجهها. لكن، هل يمكن أن تصل قيمة عدم اليقين هذا إلى الصفر؟ في الزمكان الاعتيادي، ستصل إلى الصفر. ولكن إذا لم يكن الزمكان تبادليّاً، سيتبقى بعضٌ من عدم اليقين دائماً نتيجة لتغير اتجاهها بشكل طفيف أثناء كل قياس .فقد يتعين على هذين الفردين تبادل تريليونات الجسيمات قبل أن نحظى بإجابة شافية -لكن ميركاتي يعتقد أن الأمر يستحق المحاولة.

بقلم آمندا غيفتر

ترجمة همام بيطار

 2022, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC©

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى