غير مصنف

وشاح الأرض تحت المحيطات

وشاح الأرض تحت المحيطات

لقد أظهرت العينات التي التقطت من قاع المحيط كيف أن قوى الحمل في الوشاح

تشكل سطح الأرض وتكوِّن قشرتها، وربما قد تؤثر أيضا في دورانها.

<E. بوناتي>

 

قد يظن المرء للوهلة الأولى إذا نظر إلى الكرة الأرضية، أن القارات والمحيطات خالدة وأنها مظاهر مستقرة لسطح الأرض، غير أن الجيوفيزيائيين يعلمون الآن أن مظاهرَ الدوام وهمٌ سببه قصر زمن حياة الإنسان على الأرض. فعلى مدى ملايين السنين تتحرك كتل من الطبقة الصلبة (الجاسئة) الخارجية للأرض؛ الغلاف الصخري lithosphere، متباعدة عند ضهور (حيود) وسط المحيطmidoceanic ridges ومنزلقة عند الصدوع (الفوالق) faults ومتصادمة عند حواف بعض المحيطات. وتسبب تلك التحركات الانجراف (الانزياح) القاري continentaldrift وتحدد التوزيع العالمي للزلازل والبراكين.

 

وعلى الرغم من أن نظرية الصفائح راسخة تماما، فإن آلية الحركة التي تدفع صفائح الغلاف الصخري ما زالت تتحدى التحليل السهل، حيث إنها مستترة تماما. ولمواجهة هذه الصعوبة ركز العديد من الباحثين ـ وأنا منهم ـ أبحاثهم على ضهور وسط المحيط، والضهورُ مواقع ضخمة أخّاذة ينشق عندها قاع المحيط. وأسفر اختبار التركيب والتضاريس والبنية السيزمية للإقليم على طول ضهور وسط المحيط عن نتائج تتجه غالبا عكس التوقعات التقليدية.

 

إن العمليات الأكثر تعقيدا وإثارة هي العمليات الكيميائية والحرارية في الوشاح تحت ضهور وسط المحيط التي تحدد كيف تتكون قشرة محيطية جديدة. كما قد يسبب نشاط الوشاح بروز أنواع مختلفة من الجزر في وسط المحيطات وتكوين بعض الأخاديد العميقة عند حوافها. وفي الحقيقة قد تكون هذه العمليات فعالة لدرجة كبيرة حتى إنها قد تؤثر بدقة في دوران كوكب الأرض.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N1_H03_004594.jpg

لقد تأثرت ولادة المحيط الأطلسي ـ منذ مئة مليون عام ـ بعمليات تيارات الحمل في الوشاح. وربما كان الغلاف الصخري في النطاق الاستوائي جاثما فوق الوشاح الهابط. ولكونه أبرد وأسمك من المتوسط، فقد قاوم النطاق انتشار الأخدود المحيطي. وقد يخلق الانفتاح البطيء نطق كسر ضخمة تزيح أجزاء قصيرة من الأخدود وتحدد شواطئ الأطلسي لأمريكا الجنوبية وأفريقيا.

 

في الحقيقة، إن الأرض تتضمن باطنا ديناميكيا قد يكون له جذوره في القرن السابع عشر. فقد قام الفيلسوف الفرنسي <R. ديكارت> بواحدة من المحاولات الأولى للتخمينات العلمية عن باطن الأرض. ففي مؤلفه مبادئ الفلسفةPrinciples of philosophy المنشور عام 16444، ذكر ديكارت أن الأرض لها نواة مركزية تتكون من سائل بدائي primordial مثل الشمس، محاطة بطبقة صلبة معتمة، تليها طبقات متمركزة من صخر وفلز وماء وهواء تكوِّن سائر الكوكب.

 

وما زال الجيوفيزيائيون يقرون بفكرة الأرض المتطبقة، ولو أن فكرتهم تطورت كثيرا منذ زمن ديكارت. والفكرة السائدة هي أن الأرض لها لب داخلي صلب ولب خارجي منصهر، وكلاهما يتكون من سبائك غنية بالحديد. ويتغير تركيب الأرض فجائيا عند عمق 2900 كيلو متر تقريبا تحت السطح حيث يفسح اللب المكان لوشاح يتكون من معادن سيليكات مغنيزيوم ـ حديد صلبة. ويوجد انقطاع discontinuity آخر مهم، على عمق 670 كيلو مترا تحت السطح، يميز الحد بين الوشاح الأعلى والأسفل (تتغير البنية الشبكية لمعادن الوشاح عبر هذا الحد بسبب الضغط العالي). ويفصل تغير انتقالي كبير آخر، يُعرف بانقطاع موهوروڤيسك Mohorovicic discontinuity أو موهو Moho، الوشاحَ الكثيف عن القشرة. ويقع الموهو على عمق 30 إلى 50 كيلو مترا تحت سطح القارات، وعلى عمق أقل من 10 كيلو مترات تحت قاع البحر في الأحواض المحيطية. ويسلك الغلاف الصخري، الذي يشتمل على القشرة والجزء الأعلى من الوشاح، سلوك صفائح صلبة مستقرة على جزء سفلي أسخن وأكثر مرونة من الوشاح يسمى غلاف الانسياب asthenosphere.

 

توحي هذه البنية المتطبقة المنتظمة بأن باطن الأرض ستاتيكي (متوازن). ولكن الحقيقة عكس ذلك، فباطن الأرض ديناميكي تماما. إن الطاقة الحرارية المتخلفة منذ نشأة الأرض، المعززة بالطاقة المنطلقة بطريق التحلل الإشعاعي لعناصر مثل اليورانيوم والثوريوم، تخض (تمخض) churns المواد داخل الأرض. وتنتشر الحرارة عبر الحدود الداخلية للأرض وتولد حركة في تيارات حمل ضخمة تحمل أقاليم ساخنة إلى أعلى وأخرى باردة إلى أسفل. وتسبب هذه العمليات في النهاية الكثير من الظواهر الجيولوجية الواسعة على السطح، شاملة بناء الجبال والتبركن وتحركات القارات.

 

تعتبر ضهور وسط المحيط من المناطق التي تقدم مدخلا جيدا لتعرُّف باطن الأرض. وتشطر هذه الضهور جميع المحيطات الكبيرة. وفي الواقع، فهي تشكل نظاما يلتف حول الكرة الأرضية مثل دروز seams  كرة البيسبول، التي تمتد في مجموعها إلى ما يزيد على 60000 كيلو متر. وضهر وسط المحيط الأطلسي هو جزء من منظومة الضهور العالمية ويكوّن ندبة ضخمة تمتد في اتجاه شمال ـ جنوب نتيجة لتباعد الأجزاء الشرقية والغربية للأطلسي بعضها عن بعض بمقدار سنتيمتر واحد في العام تقريبا. وإضافة إلى الزلازل المتكررة التي تحدث هناك، فإن قمة ضهر وسط الأطلسي تدفق مهلا (مغما) ساخنا أثناء الثورانات البركانية ويبرد المهل ويتصلب مكونا قشرة محيطية جديدة. إن الضهور أعلى من بقية حوض الأطلسي. يصبح قاع البحر عميقا تدريجيا بالنسبة لمستوى سطح البحر كلما ابتعد عن الضهر؛ وقد يكون سبب ذلك أن صفيحة الغلاف الصخري التي تكوّن قاع الأطلسي تنكمش نتيجة تبردها تدريجيا بالتقادم.

 

من الواضح أن المهل، الذي يرتفع عند ضهر وسط الأطلسي، ينشأ في الوشاح الأعلى. غير أن الجيولوجيين يعلمون منذ سنين أن المواد التي تصل إلى السطح عند ضهور وسط المحيط تختلف كثيرا عن تلك التي تكوّن الوشاح. فالمهل عند ضهور وسط المحيط يشكل نوعا معروفا من الصخر يعرف بالبازلت. غير أن الباحثين لاحظوا أن الأمواج السيزمية تنتقل خلال الوشاح الأعلى بسرعة تزيد على ثمانية كيلو مترات في الثانية، وهذا أسرع بكثير من انتقالها في البازلت.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N1_H03_004595.jpg

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N1_H03_004596.jpg

باطن الأرض كما تخيله الفيلسوف الفرنسي <R.ديكارت>  في القرن السابع عشر (في الأعلى).

لقد أظهر أن الأرض لها لب (نواة) يتكون من سائل ساخن كنظيره على الشمس، يغطيه جزء صلب كثيف ومعتم. وتتألف الطبقات التالية من فلز وماء وغاز وصخر وهواء. أما النظرة الحديثة (في الأسفل) فهي تعتبر باطن الأرض مكونا من لب داخلي صلب وآخر منصهر يحيط به، ويتكون كلاهما من خليط حديدي. وتتألف غالبية الوشاح من سيليكات صلبة وأكاسيد حديد ومغنيزيوم.

 

إن المادة الوحيدة التي قد تسمح بهذه السرعة العالية لانتقال الصوت هي نوع كثيف من صخر أخضر داكن اسمه بيريدوتيت peridotite. يتألف البيريدوتيت في الغالب من ثلاثة معادن سيليكاتية: أوليڤين olivine، وهو سيليكات كثيفة تحتوي على مغنيزيوم وحديد؛ وأورثوبيروكسين orthopyroxene، وهو يشبه الأوليڤين ولكنه أقل كثافة؛ وكلينوبيروكسين clinopyroxene، ويشتمل على بعض الألمنيوم وعلى أكثر من 20% من الكالسيوم. وتحتوي صخور البيريدوتيت أيضا على مقادير صغيرة من السبينيل spinel، وهو أكسيد الكروم والألمنيوم والمغنيزيوم والحديد.

 

كيف يمكن لمهل بازلتي أن ينتج من وشاح يتكون من بيريدوتيت؟ منذ أكثر من 20 عاما، قام علماء صخور (بترولوجيون) تجريبيون منهم <E .A. رنگوود> و<H .D. گرين> وزملاؤهم في الجامعة الوطنية الأسترالية، بتعريض عينات من البيريدوتيت لدرجات حرارة عالية (1200 إلى 1300 درجة سيلزية “مئوية”) ولضغوط عالية (أكثر من 10000 ضغط جوي). وتماثل هذه القيم الحرارة والضغط اللذين يوجدان في الوشاح الأعلى تحت المحيطي على عمق 100 كيلو متر تقريبا تحت قاع البحر. وبيّن الباحثون أن إزالة الضغط decompressionالتدريجي عن البيريدوتيت عند هذه الحرارة العالية يصهر ما يقرب من 200% من الصخر، ولهذا الصهير تركيب بازلتي شبيه بتلك الصهارات في ضهور وسط المحيط.

 

تعضد نتائج هذه التجارب الرأي بأن المواد البيريدوتيتية الساخنة ترتفع تحت ضهور وسط المحيط من أعماق تزيد على 100 كيلو متر تحت قاع البحر. وأثناء تحركها إلى الأعلى، يزول الضغط عن بيريدوتيت الوشاح وينصهر جزئيا. ويتخذ الجزء المنصهر تركيب الصهير البازلتي وينفصل عن البيريدوتيت الذي لم ينصهر ويصعد سريعا إلى السطح. وينبثق جزء من الصهير على قاع البحر على طول قمة ضهر وسط المحيط حيث يبرد ويتصلب ويضاف إلى قمة الضهر. أما المتبقي فيبرد ويتصلب ببطء تحت السطح مكونا قشرة محيطية جديدة.

 

وإذا كان النموذج المذكور آنفا قد حدث على طول ضهر وسط الأطلسي، فإن قمة الضهر سوف تكون تقريبا عند العمق نفسه تحت سطح البحر على امتداد طوله. وسوف يميز هذا العمق مستوى توازن يتحدد بالحرارة والتركيب الأولي للوشاح الأعلى تحت الضهر.

 

إن هذا الاتساق بعيد الاحتمال في العالم الواقعي. فتغيرات طفيفة في حرارة الوشاح على طول الضهر قد تؤدي إلى استقرار القمة عند ارتفاعات مختلفة. وأقاليم الوشاح تحت المحيطي، حيث الحرارة أكثر ارتفاعا، لها كثافات أخفض. نتيجة لذلك ستكون قمم الضهر هناك أعلى. وإضافة إلى ذلك، فإن وشاحا أسخن قد ينصهر أكثر منتجا قشرة بازلتية أكثر سماكة.

 

تظهر قمة ضهر وسط الأطلسي هذه التغيرات في العمق تحت مستوى سطح البحر. فمثلا، على طول الضهر بين خطي عرض 35 و45 درجة شمالا تقع منطقة لها تضاريس مرتفعة بشكل غير عادي. وكشفت الأقمار الصنعية المدارية للأرض أن في الإقليم نفسه انتفاخا إلى أعلى في المجسم الأرضي geoid (مستوى  التوازن لسطح الأرض ويعادل تقريبا مستوى سطح البحر).

 

ويعزو الباحثون بصفة عامة هذا الانتفاخ لتأثير ما يعرف بالبقع الساخنةhot spots المتمركزة على مجموعة جزر الأزورس Azores. والبقع الساخنة هي نُطُق لها تضاريس عالية وبركنة مفرطة، وتنسب بصفة عامة إلى الحرارة الشديدة غير العادية للوشاح. ومن المعتقد أن غالبية الجزر المحيطية، بما فيها جزر الهاواي وأيسلندا، هي تعابير سطحية للبقع الساخنة: ويظن أن مصدر الحرارة يقع في النُّطُق الحدودية العميقة داخل الأرض وحتى إلى عمق حد اللب ـ الوشاح [انظر: “الحدود بين لب الأرض ووشاحها”، مجلة العلوم، العدد 3 / 4 (1994)، صفحة 48].

 

وقد شرعت مع زملائي باختبار هذه النظرية بالكشف عن مدى ارتباط التضاريس على طول ضهر وسط الأطلسي بالحرارة والبنية وتركيب الوشاح تحته. وإحدى طرائق الحصول على هذه المعلومة هي اختبار سرعات الأمواج السيزمية التي تمر خلال الوشاح تحت الضهر. وهناك طريقة أخرى تتضمن البحث عن تغيرات محلية في كيمياء صخور البازلت التي انبثقت على طول محور الضهر. ويمكن استخدام هذه التغيرات لاستنتاج مدى الانصهار والطبيعة الفيزيائية للمصدر الوشاحي الذي اشتقت منه.

 

كما اتبعتُ طريقة ثالثة، فقد حاولتُ التقاط عينات صخرية من بيريدوتيت الوشاح. إن جزءا من البيريدوتيت يبقى كراسب صلب بعد أن تنصهر مركبة المهل البازلتي من صخور الوشاح الأعلى. وعادة ما توجد صخور الوشاح مطمورة بعدة كيلو مترات من القشرة المحيطية، ولكن أحيانا يمكن الوصول إلى كتل من بيريدوتيت الوشاح. وهذه توجد أساسا حيث يزاح محور ضهر وسط المحيط جانبيا بوساطة صدوع التحولfaults transform، أو حيث تنقل صخور الوشاح إلى مقربة من قاع البحر بحيث يمكن جمع عينات منها بالحفر أو التجريف أو استرجاعها مباشرة باستخدام غواصة submersible.

 

في عام 1989، أثناء بعثة غالبيتها من الفرنسيين نظمت بوساطة <M .J. أوزندي> (من معهد IFREMER لعلوم البحار في بلوزان بفرنسا) استخدمنا غواصة صغيرة لجمع عينات من قطاع في الوشاح الأعلى عند نطاق التحول ڤيما Vema transform zone في الأطلسي، يبعد 10 درجات شمال خط الاستواء، وهنا يزيح صدع تحول ـ وهو الذي يشق واديًا عميقًا عبر القشرة المحيطية ـ طرفي محور ضهر وسط الأطلسي بمقدار 320 كيلو مترا. وقد خططنا للهبوط إلى قاع البحر ـ أكثر من خمسة كيلو مترات إلى أسفل ـ في الغواصة نوتيلNautile لاستكشاف جدران هذا الوادي التحولي. وكان أملنا أن نجد قطاعا أصليا متكشفا من الوشاح والقشرة. وقد نظر غالبية زملائنا إلى عملنا بتشكك: فقد كان الرأي السائد هو أن التتابع العادي للوشاح الأعلى والقشرة قد تمزق تماما بالقرب من صدع التحول.

 

واستمر عملنا بحماس على الرغم من ذلك، فقد بدأنا بسلسلة غوصات بدأت عند جدران قاع الوادي التحولي وتحركنا صاعدين المنحدر، وقد استغرقت كل غوصة ما يقرب من 12 ساعة قضينا ما يقرب من نصف وقتها في الهبوط إلى قاع البحر والعودة إلى السطح. يسمح المأوى الضيق للغواصة نوتيل بإسكان ربانَيْن وعالم يستلقي ووجهه إلى الأسفل خلال الرحلة.

 

في غوصتنا الأولى تبين لنا أن أسفل القطاع يتألف من بيريدوتيت الوشاح. وفي اليوم الثاني اكتشفنا طبقة من صخور الگابرو gabbros، وهي صخور تتكون تحت قاع البحر عندما تبرد الصهارات البازلتية ببطء ـ مستقرة على البيريدوتيت. وتبعا لنماذج جيوفيزيائية شائعة القبول، فإن صخور الگابرو هي المكون الأساسي للجزء السفلي من القشرة المحيطية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N1_H03_004597.jpg

تظهر خريطة القمر الصنعي لشمال الأطلسي تضاريس قاع البحر. استخدم القمر الصنعي رادارا لقياس التغيرات في مستوى سطح البحر، التي ترتبط بنتوءات وانخفاضات تحت الماء.

ويظهر ضهر وسط الأطلسي بوضوح. ويتضخم الضهر مشكلا أرصفة واسعة فوق البقع الساخنة المصاحبة لايسلندا ولأزورس. ويخترق الضهَر نطاقُ كسرٍ ضخم بين البقعة الساخنة.

 

وفي اليوم الثاني، غاصت نوتيل بدءا من المستوى الذي وصلنا إليه بالغواصة في اليوم الماضي. وأثناء تقدمي على المنحدر، ممشطا قاع البحر، انكشف لنظري تدريجيا، مكون صخري مدهش يدعى معقد جُدد قاطعة dikecomplex، ويعتقد نظريا أن معقدات الجدد القاطعة تتكون حيث تنبثق من الوشاح مواد منصهرة ساخنة إلى أعلى نحو قاع البحر من خلال شقوق ضيقة كثيرة في القشرة، ولم يسبق إطلاقا أن شوهد معقد جدد قاطعة على قاع البحر.

 

إن معقد الجدد القاطعة، بسماكة كيلو متر واحد تقريبا، مغطى بطبقة من بازلت وسائدي pillow basalt، وهو الشكل الذي اتخذه المهل البازلتي حينما برد وتصلب بسرعة عند انبثاقه على قاع البحر. وأثناء الأيام العديدة التالية، اكتشفنا قطاعا آخر مما أكد مكتشفاتنا السابقة. ولقد كنا في غاية الإثارة حيث لم يسبق لأحد أن شاهد قطاعا كاملا وغير مشوش نسبيا للوشاح المحيطي الأعلى والقشرة. وسجلنا فورا اكتشافنا في مقال مختصر، وأرسلناه إلى مجلة (Nature) فور رسونا بعد عدة أسابيع.

 

وأثناء الغوصات، استخدمنا الذراع الميكانيكية للغواصة نوتيل لالتقاط عدد من عينات بيريدوتيت الوشاح. وهذه العينات، مع كثير غيرها جمعتُها مع باحثين آخرين على طول الضهر، مكنتنا من البحث عن اللاتجانس الإقليمي في كيمياء الوشاح الأعلى.
لتحليل معادن الوشاح في عينات البيريدوتيت الأطلسي استخدمت مع زملائي <J.P. ميخائيل> و <M. سيلر> بمرصد لامونت ـ دوهرتي الجيولوجي، الماسح الإلكتروني electron microprobe، وهذا الجهاز يركز حزمة من الإلكترونات بقطر عدة مليمترات فقط على شريحة من الصخر حيث يستجيب لها المعدن بأن يبعث أشعة سينية (x-rays) ذات أطوال أمواج مميزة. يسمح تحليل أطوال أمواج الأشعة السينية وشدتها بتعيين التركيب الكيميائي للمعادن. وبالتعاون مع <N. شيموزو> (من معهد وودز هول لعلوم البحار) استخدمنا أيضا جهاز الماسح الأيوني ion microprobe لتعيين تركيز العناصر النزرة مثل التيتانيوم والزركونيوم وعناصر الأرض النادرة. ويركز الماسح الأيوني على العينة حزمة من الأيونات التي تزيح أيونات أخرى في العينة لقياسها. وأتاحت لنا هذه الطريقة تعيين تراكيز العناصر النزرة حتى بضعة أجزاء من البليون.

 

أظهرت هذه التحاليل الكثير عن الظروف في الوشاح حيث تكونت صخور العينة، لأنه نشأ عن درجات الحرارة والضغوط تراكيبُ مميزة في البيريدوتيت. ولقد بين علماء الصخور، ومنهم <گرين> و<L.A. جاك> (من هيئة المساحة الجيولوجية الأسترالية) أن الانصهار الجزئي يغير الوفورات (الوِفار) النسبية للمعادن الأصلية في البيريدوتيت.

 

فبعض المعادن مثل الكلينوبيروكسين clinopyroxene ينصهر بسهولة أكثر من غيره، وعلى هذا تقل وفرته سريعا أثناء الانصهار.

 

وفضلا عن ذلك، تغير عملية الانصهار الجزئي تركيب المعادن الأصلية: فبعض العناصر بها مثل الألمنيوم والحديد، تميل إلى أن تتبع الصهير. لذا فإن تركيزها في المعادن يقل بتقدم الانصهار، في حين تميل عناصر أخرى مثل المغنيزيوم والكروم إلى التخلف وبذلك تصبح البقايا الصلبة غنية فيها. وهكذا، نتيجة للانصهار الجزئي، يصبح الأوليفين (سيليكات حديد ومغنيزيوم) أكثر غنى بالمغنيزيوم وأكثر فقرا بالحديد، في حين يفقد الأورثوبيروكسين والكلينوبيروكسين بعض الألمنيوم، وتزيد نسبة الكروم إلى الألمنيوم في السبينيل، وهكذا.

 

وقد أظهرت معطياتنا أن تغيرات جوهرية إقليمية تحدث في تركيب الوشاح، فمثلا نسبة الكروم إلى الألمنيوم في السبينيل أعلى في صخور بيريدوتيت جُمعت من المنطقة الشاسعة بين خطي عرض 35 و 45 درجة شمالا تقريبا. وتوحي هذه النسبة أن درجة الانصهار في الوشاح العلوي الموجود تحت هذا الإقليم قد تصل إلى نحو 25%. وفي معظم أجزاء الوشاح، ينصهر نحو 10 إلى 20% منه أثناء صعوده إلى الأعلى. وهذه المنطقة التي يكون انصهارها فوق ـ المعدل تماثل إقليم بقعة أزورس الساخنة، مما يعطي سندا لنظرية أن البقع الساخنة تنتج من ثواقب (أعمدة) plumes وشاح ساخنة غير عادية منبثقة داخل أعماق الأرض.

 

والمكتشفات الأخرى التي تعضد هذا الرأي تشمل عمل كل من <B.J.H. ديك> (من معهد وودز هول) الذي درس أيضا صخور بيريدوتيت محيطية، وكذلك <M.E. كلاين> (الذي يعمل مع <H.C. لانگموير> (من لامونت ـ دوهرتي) الذين فحصوا بشكل مستقل كيمياء صخور البازلت، على طول ضهر وسط الأطلسي.

 

من الواضح أن البقعة الساخنة تبدو وكأنها السبب في هذا القدر من الانصهار. وفي الحقيقة، إذا افترضنا أن الحرارة وحدها تسبب الانصهار في إقليم بقعة الأزورس الساخنة، فحساباتنا تدل على أن وشاح البقعة الساخنة يحتاج إلى أن يكون أسخن من الوشاح في أي مكان آخر تحت الضهر بمقدار 200 درجة سيلزية.

 

هل هناك طريقة لاختبار صحة هذا التقدير للحرارة وما يتضمنه من افتراضات؟ لقد اقتُرح وضع عدد من أجهزة قياس الحرارة الأرضيةgeothermometers، وهذه اعتمدت على المشاهدة بأن بعض الأزواج المعدنية التي تتعايش في توازن بالوشاح تخضع لتفاعلات كيميائية تعتمد على الحرارة. فمثلا، الأورثوبيروكسين والكلينوبيروكسين في بيريدوتيت الوشاح يتفاعلان معا إلى أن يصلا إلى تركيب متوازن يعتمد على الحرارة. وقد عايرت التجارب المعملية (المخبرية) هذه العلاقة. وهكذا، فإن تقدير تركيب الزوج المعدني المتعايش يمكن أن يدل على درجة الحرارة التي وصل عندها عضو الزوج إلى التوازن.

 

وقد استعملتُ اثنين من أجهزة قياس الحرارة الأرضية لصخور بيريدوتيت ضهر الأطلسي، أحدهما صممه <H.D. لندزلي> (من جامعة ولاية نيويورك في ستوني بروك) والآخر صممه <A.R.P. ويلز> من جامعة أكسفورد. ولقد كانت النتائج مدهشة، فلم تظهر درجات حرارة أعلى في إقليم البقعة الساخنة: وإذا كان هناك من شيء، فالإقليم يعطي درجات حرارة أخفض قليلا.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N1_H03_004598.jpg

إن استكشاف قاع البحر بوساطة الغواصة “النوتيل” حدث عند صدع ڤيما (vema) التحولي الذي يقع في القطاع الشمالي من ضهر وسط الأطلسي. وعلى طول الحائط الجنوبي، وجد أن صخور بيريدوتيت الوشاح تنكشف في الجزء السفلي من المنحدر. ويوجد فوقها صخور گابرو، وهي صخور تشكلت بالتبريد البطيء لصهير بازلتي (الجزء المنصهر من البيريدوتيت). وقد اكتشفت النوتيل أيضا معقد جدد قاطعة dike complex تتكون حينما يبرد صهير البازلت ويتصلب قبل أن يصل إلى قاع البحر. يستقر فوق معقد الجدد القاطعة بازلت وسائدي، وهو الشكل الذي يتخذه صهير بازلتي يتدفق على قاع البحر ويبرد سريعا عند ملامسته لمياه المحيط.

 

لماذا لم نجد درجات حرارة أعلى للوشاح في الإقليم الذي يظهر انصهارا شديدا؟ أحد الاحتمالات هو أن الوشاح الأعلى هناك له تركيب يؤدي إلى انصهاره بسهولة أكثر.

 

وقد يكون الماء هو العامل الأساسي. فقد أثبتت تجارب <J.P. ويلي> (من معهد كاليفورنيا للتقانة) و <I. كوشيرو> (من جامعة طوكيو، ومعهد كارنيگي بواشنطن) وكثير غيرهم، أن كميات نزرة من الماء وعناصر أخرى طيارة في البيريدوتيت تخفض بشدة درجة حرارة انصهاره. وعلى هذا، فإذا ما صعد هذا الوشاح “الرطب” تحت امتداد ضهر وسط المحيط فإنه سيبدأ بالانصهار عند عمق أكبر في الأرض عنه في الوشاح “الجاف” العادي. وبوصول البيريدوتيت إلى السطح يكون قد تعرض لقدر من الانصهار أكبر بكثير من الوشاح الجاف تحت درجات حرارة مماثلة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N1_H03_004599.jpg

إن تغير محور دوران الأرض قد يتأثر بهبوط ألواح حجرية باردة وكثيفة من الوشاح. ويحدث هذا الهبوط في نطق الغوص مثل تلك التي تحيط بالمحيط الهادي. ويجنح محور دوران الأرض للتغير بحيث يقترب خط الاستواء من الصفائح الكثيفة.

 

هل هناك دليل على أن الوشاح الأعلى تحت منطقة بقعة الأزورس الساخنة رطب أكثر من الوشاح في أمكنة أخرى تحت ضهر وسط الأطلسي؟ في الحقيقة يوجد ذلك، فمنذ بضع سنوات بيّن <E.G.J. شيلينگ> وزملاؤه في جامعة رود أيلاند، أن صخور البازلت في جزء البقعة الساخنة الواقع بين خطي عرض 35 و 45 درجة شمالا، تحتوي على ثلاثة إلى أربعة أمثال الماء الذي تحويه صخور بازلت ضهر وسط المحيط العادية. وتحتوي صخور البازلت أيضا على تراكيز عالية غير عادية من العناصر الطيارة مثل الكلور والبروم، كما وجد شيلينگ أن صخور البازلت، في الجزء من الضهر حيث البقعة الساخنة، تحتوي على كميات من عناصر كيميائية عديدة (غالبيتها عناصر الأرض النادرة الخفيفة) أكثر مما تحويه صخور بازلت ضهر وسط المحيط العادية. والتركيز العالي الشاذ لتلك العناصر يعني أن الوشاح الأم (الأصلي) في منطقة البقعة الساخنة يحوي مخزونا غنيا من هذه العناصر.

 

ولذلك، يبدو أن الوشاح تحت بقعة أزورس الساخنة يختلف عن الوشاح العادي تحت ضهر وسط الأطلسي، ليس لكونه أسخن فحسب ولكن لاحتوائه في إحدى المراحل على الماء وعلى موائع أخرى غيرت من تركيبه ومسلكه الانصهاري. والتحولات الكيميائية لبيريدوتيت الوشاح بالموائع تسمى الإحلال المعدني metasomatism. وهذا قد يفسر لماذا يتعرض الوشاح الرطب بالقرب من السطح لانصهار أكثر من الوشاح العادي. وقد يفسر هذا أيضا لماذا لا تبدو درجات حرارة التوازن التي قدرت من صخور البيريدوتيت عند بقعة أزورس الساخنة أعلى من المتوسط. تستهلك تفاعلات الانصهار حرارة بحيث إن الانصهار الجزئي للوشاح الصاعد قد يبرّد فعلا الوشاح المحيط به. وكلما ارتفعت درجة الانصهار كان فقدان الحرارة أكبر.

 

من أين يأتي الماء الذي يسبب الإحلال المعدني في الوشاح؟ أحد المصادر المحتملة هو هبوط ألواح حجرية (صُفاحات) من الغلاف الصخري المحيطي القديم في نُطُق الغوص عند حافة المحيطات. وتعيد هذه العملية الماء إلى الوشاح. وقد يتحرر الماء في الوشاح الأعلى أثناء عمليات تحرر من الغازاتdegassing. فالميثان مثلا، وهو غاز يحتمل وجوده في الوشاح العميق، قد يتأكسد فور وصول الصاعد إلى منطقة الوشاح الأعلى. وقد ينتج من التفاعل ماء (إضافة إلى كربون وألماس أو گرافيت).

 

ونظرا لأن درجة الحرارة المستنتجة للوشاح هي أقل من المتوسط، فمن الواضح أن بقعة الأزورس الساخنة لا تتوافق مع التعريف العادي. فكيف تميز الأنواع المختلفة للبقع الساخنة (تلك التي هي ساخنة حقا وتلك التي ليست ساخنة مثلها)، وتُستنتج نشأتها؟ قد يقودنا غاز الهيليوم إلى إجابة. فالهيليوم يمكن أن يكون له نظيران ثابتان: الهيليوم 3 والهيليوم 4. ينتج الهيليوم 4 باستمرار في القشرة الأرضية من التحلل الإشعاعي لليورانيوم والثوريوم. ويعتقد أغلب الباحثين أن الهيليوم 3 ينتج من تسرب غير كامل للغازات الأصلية التي كانت مندمجة في الأرض في المراحل الأولى من تاريخها.

 

ونسبة الهيليوم 3 إلى الهيليوم 4 في الغلاف الجوي للأرض وفي ماء البحر هي تقريبا واحد إلى مليون.

ولكن تلك النسبة تختلف في عينات الصخور الملتقطة من ضهر وسط المحيط. ولقد أثبتت مجموعات بقيادة <H. كريگ> (من معهد سكريب لعلوم البحار) و <D.M. كورز> (من معهد وودز هول) أن نسبة الهيليوم 3 إلى الهيليوم 4 لصخور البازلت على امتداد ضهور وسط المحيط هي أعلى بثمان مرات من تلك النسبة في الغلاف الجوي. بل قد تكون النسبة أعلى عند البقع الساخنة مثل تلك التي تحت هاواي وأيسلندا، ربما تصل إلى أعلى بثلاثين مرة من النسبة في الغلاف الجوي. وتوحي كمية الهيليوم 3 الكبيرة بأن غازات قديمة تتسرب عند هذه المواقع.

 

وهكذا، فمناطق البقع الساخنة ذات النسب العالية تؤكد الفكرة بأنها تمثل ثواقب ساخنة صاعدة من أعماق الأرض.

 

وقليل من البقع الساخنة ـ الأزورس إحداها ـ فيها صخور بازلت فيها نسبة الهيليوم 3 إلى الهيليوم 4 أقل من تلك التي لصخور بازلت ضهر وسط المحيط. والمكون الأصلي لتلك البقع الساخنة قد يكون فُقد أو ترقق diluted بطريقة ما. ولذلك قد تمثل بقعة الأزورس الساخنة شاذة انصهارية من مصدر سطحي نسبيا في الوشاح. وقد لا تكون مرتبطة بثاقب حراري thermal plume  ينشأ عن  الوشاح العميق أو حدود اللب ـ الوشاح. وقد تكون هذه البقع الساخنة غير ساخنة حقا وربما يفضل تصنيفها “كبقع رطبة” wet spots، نظرا للدور الأساسي الذي قد تؤديه الموائع في تشكيلها.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N1_H03_004600.jpg http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N1_H03_004601.jpg

تظهر قطاعات على طول محور ضهر وسط الأطلسي الطبيعة الشاذة لمنطقة الأزورس. هنا ينتفخ قاع البحر عرضيا (a). وتبين قياسات نسبة الكروم إلى الألمنيوم في السبينيل، أحد مكونات بيريدوتيت الوشاح، أن الجزء الأعظم من الوشاح انصهر هنا (b). وتشير هذه المعطيات إلى أن إقليم الأزورس هو بقعة ساخنة، أي منطقة من وشاح ساخن. ولكن يظهر التناقض عندما تدخل حسابات الحرارة: إذ يبدو إقليم الأزورس أبرد قليلا (c). وربما تعرضت منطقة الأزورس لقدر كبير من الانصهار حيث إن مادة الوشاح هناك رطبة كما بينت قياسات سرعات الأمواج السيزمية المنتشرة عبر الوشاح الأعلى (d). وللمناطق الرطبة كثافات أقل من المعدل، ولهذا تنتشر الأمواج السيزمية ببطء أكثر (الأصفر) خلال هذه المناطق وتظهر المنطقة الاستوائية سرعات سيزمية كبيرة (الأزرق) مما يوحي بوجود مادة كثيفة وربما تميز موقع وشاح هابط.

 

وتوحي دراساتنا لصخور بيريدوتيت الوشاح من ضهر وسط الأطلسي أن بعض المناطق، التي فيها وشاح بدرجات حرارة أبرد، قد تمثل الضربات المرتدة لدورة تيارات الحمل في الوشاح ـ أي أقاليم الهبوط. ولكي نفهم هذا الاستنتاج، يجب علينا أن ننظر نحو جنوب إقليم الأزورس، إلى النطاق الاستوائي لضهر وسط الأطلسي. يبشر التركيب المعدني لصخور البيريدوتيت الملتقطة من الأطلسي الاستوائي أن الصخور تعرضت لقليل من الانصهار أو لعدمه، مما يعني أن درجة حرارة الوشاح كانت ـ استثنائيا ـ منخفضة. وقد توصلت <N. سوشيفسكايا> (من معهد فرنادسكي للجيوكيمياء التابع لأكاديمية العلوم الروسية) إلى نتائج مشابهة عند دراستها لصخور البازلت من الأطلسي الاستوائي.

 

إضافة إلى ذلك، فإن قشرة ضهر وسط الأطلسي الاستوائي تقع على عمق تحت سطح الجسم الأرضي أكبر من الضهر الواقع عند خطوط عرض أعلى. كما أن سرعة الأمواج السيزمية أكبر في الوشاح الأعلى تحت ضهر وسط الأطلسي الاستوائي منها تحت خطوط عرض أعلى. وتشير كلتا المشاهدتين إلى وجود وشاح أعلى أكثف وأبرد تحت الإقليم الاستوائي الأطلسي.
وهناك قد تقل درجة حرارة الوشاح الأعلى بأكثر من 150 درجة سيلزية عن درجات حرارة الوشاح في أمكنة أخرى تحت الضهر.

 

وهناك تفسير معقول للوشاح الأعلى الاستوائي الكثيف والبارد نسبيا، هو أنه نتج من تيارات الوشاح الهابطة. وقد تلتقي هنا ثواقب صاعدة من حقلي الوشاح الشمالي والجنوبي حيث تفقد حرارتها في الوسط المحيط الأبرد ثم تهبط.

 

لقد عثر <كلين> و <جفري> و <ويزل> و <E.D. هايس> وزملاؤهم في لامونت ـ دوهرتي، على ظاهرة مشابهة تقريبا على طول ضهر وسط المحيط الذي يمتد بين أستراليا وانتاركتيكا (القارة القطبية الجنوبية). وهذا الضهر يتميز بالعمق، وتقدِّم صخور البازلت الملتقطة من قمته الدليل على أنها نتجت من انصهار محدود للغاية في الوشاح، وتتوافق نتائجهم مع الفكرة القائلة: إن تيارات حمل عريضة في الوشاح كاسحة من المحيط الهادي والمحيط الهندي تتقارب وتهبط بين أستراليا وانتاركتيكا.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N1_H03_004602.jpg

إن مدى انصهار وشاح صاعد يعتمد على ما إذا كان الوشاح ساخنا (في اليسار) أو باردا (في اليمين). وتشير النسب المئوية إلى مقدار البيريدوتيت المنصهر. ويتقدم الانصهار حتى يتوقف صعود البيريدوتيت ويبدأ بالانسياب جانبيا. وكلما كان الوشاح أسخن، كان بدء الانصهار أعمق. ونتيجة لذلك، ينصهر مزيد من الوشاح مكونا قشرة أسمك. وينصهر الوشاح البارد بدرجة أقل، إلا إذا احتوى على موائع، في هذه الحالة يبدأ بالانصهار عند عمق أكبر في الأرض، بل قد يكون انصهاره أكبر من قدرة انصهار وشاح ساخن. قد يفسر الوشاح الرطب لماذا تكون بقعة الأزورس الساخنة باردة نوعا ما.

 

والوضع الاستوائي لحزام الوشاح الأطلسي الهابط قد لا يكون عشوائيا، فمن المحتمل أن يكون دوران الأرض وتيارات الحمل في الوشاح ظاهرتين شديدتي الارتباط. ففي نهاية عام 1800 أشار <j. داروين> (الابن الثاني لتشارلز) إلى أن توزيع الكتل الضخمة على السطح (مثل القارات) يؤثر في وضع محور دوران الأرض. ومنذ ذلك التاريخ تدارس العديد من العلماء كيف أن لاتجانسات الكثافة في الوشاح تسبب رحيلا (تجولا) قطبيا حقيقيا (بمعنى زحزحة كل الوشاح بالنسبة لمحور الأرض). وينشأ الرحيل عن الميل الطبيعي لجسم يدور حول محوره لكي ينقص من الطاقة المستهلكة في دورانه.

 

وإعادة توزيع الكتل داخل الأرض يمكن تسجيلها في الوشاح. فقد اقترح <W.H. مينارد> و <M.L. دورمان> (من معهد سكريبس) أن عمق ضهور وسط المحيط يعتمد بصفة عامة على خطوط العرض: فالضهور تصبح أكثر عمقا قرب خط الاستواء وأكثر ضحالة قرب القطبين. فضلا عن ذلك، فقد أظهرت القياسات الثقالية أن كميات كبيرة من الكتل تستقر تحت المناطق الاستوائية. وتعني هذه المعطيات أن كتلا باردة وكثيفة بشكل شاذ موجودة في الوشاح الأعلى الاستوائي.

 

يبدو أن هبوط أحجار لوحية باردة وكثيفة إلى الوشاح يؤثر في رحيل قطبي حقيقي. ويشير دليل قوي إلى أن الوشاح أقل لزوجة بالقرب من السطح منه في الأعماق. فأية كتل كثيفة تجد طريقها إلى الوشاح، مثل تلك التي توجد في نطق الغوص عند طرف بعض المحيطات، سوف تؤثر في وضع محور الدوران. وقد يجنح خط الاستواء إلى الانزياح نحو الكتل الكثيفة. فعندما تكون كتل عالية الكثافة قريبة من خط الاستواء، فإنه يحتمل أن تسود بقع الوشاح الأبرد الهابطة في الوشاح الأعلى الاستوائي. وقد تفسر هذه الظاهرة، على الأقل كيفيا، حزام الوشاح الأعلى البارد وما نتج منه من افتقار في الانصهار العادي في النطاق الاستوائي للأطلسي وربما للهادي أيضا.

 

قد يعلل هبوط حد الوشاح جيولوجية الإقليم الاستوائي المتميزة. ففي عام 1935 هبط <ch. داروين> – أثناء رحلته الشهيرة بوساطة السفينة <S .M .H. بيگل> على بعض جزر صغيرة مقفرة وصخرية مرتفعة قليلا فوق مستوى سطح البحر. هذه الجزر الصغيرة، التي تعرف الآن باسم صخور سانت بيتر ـ بول، توجد في وسط الأطلسي على بعد بضعة أميال فقط شمال خط الاستواء. ولقد وصف داروين كيف أن مجموعات معششة من طيور البحر تسمى (سولاي) تتنافس مع سرطانات حمراء كبيرة على كل جزء من المساحة المتاحة على الصخور. ويمكن مشاهدة هذا التنافس ذاته حاليًا.

 

لقد لاحظ داروين أيضا أن الجزر تختلف جيولوجيا عن غالبية جزر المحيط في أنها ليست بركانية. وقد تأكدتْ هذه المشاهدة مؤخرا بوساطة <G .W. ميلسون> (من معهد سميثونيان) و <K .M. رودين> (من جامعة ستيت بولاية نيويورك) في آلباني، وزملائهما. وتتكون صخور جزر سانت بيتر ـ بول في الحقيقة من صخور بيريدوتيت وتمثل كتلة رفعت من الوشاح الأعلى.

 

غير أن صخور سانت بيتر ـ بول البيريدوتيتية تختلف عن تلك الملتقطة من أمكنة أخرى على امتداد ضهر وسط الأطلسي. وتبين كيمياء معادن صخور جزر سانت بيتر ـ بول أنها لم تتعرض للانصهار، أو أنها تعرضت قليلا له. وقد توازنت المواد في الوشاح عند درجات حرارة منخفضة. وهي تشبه صخور البيريدوتيت الناتجة من أخاديد قارية، أو “ما قبل محيطية” preoceamic (مثل تلك المتكشفة في جزيرة زبرجد في البحر الأحمر) وليس تلك الناتجة من ضهور المحيط. وإضافة إلى ذلك، فإنها تُظهر إشارات تدل على أنها تأثرت بشدة في الوشاح بالإحلال المعدني ـ أكثر مما حدث للعينات التي التقطناها من ضهر وسط الأطلسي.

 

وعلى ذلك، تكشف جزر سانت بيتر ـ بول ما يشير إلى أنها وشاح مثالي لأخدود قاري أكثر منه لضهر وسط المحيط. وفي الحقيقة، توحي دراسة جيوكيميائية أجرتها <رودين> وزملاؤها أن الإحلال المعدني الذي أثر في وشاح سانت بيتر ـ بول حدث منذ 150 مليون سنة، ويميز هذا الزمن مرحلة التخدد الذي سبق انفصال أفريقيا وأمريكا الجنوبية في الأطلسي الاستوائي (أي في وقت ما أثناء تكسر وانفصال منطقة بنجايا pangaea). كيف أمكن لكتل مكونة أصلا من وشاح تحت قاري أن تبقى في وسط المحيط الأطلسي؟ قد يكمن الجواب في طريقة تكسر وانفصال بنجايا مقابل وشاح أعلى، بارد وكثيف، في الإقليم الاستوائي.

 

إن وشاحا استوائيا أبرد من العادي عند بدء انفتاح الأطلسي، قد يعني غلافا صخريا قاريا أبرد وأسمك على امتداد الحزام الاستوائي (منذ 100 مليون سنة كان خط الاستواء يقطع السواحل الأطلسية المستقبلية لأفريقيا وأمريكا الجنوبية في الموقع نفسه الذي يقطعه الآن). ولا بد أن الغلاف الصخري البارد والسميك قد قاوم الأخدود المنتشر من الجنوب وربما سلك الإقليم الاستوائي سلوك “نطاق مقفل” (بالمعنى الذي استخدمه الجيولوجي الفرنسي <E.V. كورتيلو>) ونتيجة لذلك، انفتح الأطلسي الاستوائي ببطء. وربما خلق هذا الانفتاح البطيء نطق الكسر الاستوائية الضخمة التي تشاهد اليوم كتكسرات باتجاه شرق ـ غرب والتي زحزحت أجزاء قصيرة من ضهر وسط المحيط.

 

وأثناء انفتاح الأطلسي الاستوائي تعرضت نطق الكسر هذه لإجهادات ضغط قوية وحركات شاقولية شديدة لكتل من الغلاف الصخري. ونتيجة لذلك فإن كتلا من القشرة ربما قفزت دوريا خلال المحيط ثم عادت وغطست إلى أسفل. ولكن يحتمل أن تكون بعض الشظايا من الغلاف الصخري القاري قد تُركت في وسط المحيط ـ مثل تلك التي سمينا قمتها جزر سانت بيتر ـ بول. ومن ثم، فكما تكوِّن أقاليم الوشاح الساخنة الصاعدة أنواعا متميزة من الجزر البركانية كذلك يمكن أن تسبب النطق الباردة الهابطة بروزَ جزيرة من نوع آخر.

 

ومن الممتع تخمين كيف أن صعود وهبوط مثل هذه الجزر قد أثر في الحياة على الأرض. ومثال ذلك هو السلوك الترحلي (حب الهجرة) لسلحفاة البحر الخضراء (chelonia mydas). فهذه السلاحف تعيش على طول الساحل البرازيلي ولكن تقوم برحلة شاقة طولها 2000 كيلو متر إلى جزيرة اسنشن للتوالد. وهذا التصرف الغريب قد يرجع في جذوره إلى مسلك أسلافها التي ازدهرت منذ 80 مليون سنة، عندما كان الأطلسي الاستوائي ضيقا. ولربما استخدمت السلاحف القديمة جزرا برزت بالقرب من الساحل البرازيلي كمناطق للتوالد. وبانفتاح الأطلسي وهبوط بعض الجزر اضطر أحفادها إلى مد هجرتهم مئات الكيلو مترات.

 

ويبقى الكثير لإنجازه قبل أن يطور الجيولوجيون صورة كاملة لتيارات حمل الوشاح وأثرها في جيولوجية السطح. ولما كان إرسال غواصات إلى قاع المحيط أمرا غير عملي دائما، فإنه يجب تطوير تقنيات أخرى مثل التصوير الطبقي السيزمي seismic tomography، لتمييز البقع الرطبة من البقع الساخنة. ويستمر الجدل حول تيارات حمل الوشاح وعما إذا كانت تمتد إلى الوشاح الأسفل. وفي الحقيقة، فإن الندوات التي ضمت نظريين وجيوفيزيائيين وجيوكيميائيين وبترولوجيين (علماء صخور)، نتج منها دائما مناقشات ساخنة وكثير من الخلاف. ولكن كان هناك دائما اتفاق على نقطة واحدة هي أن وشاح الأرض نشيط جدا وإقليم مثير للدراسة.

 

 المؤلف

Enrico Bonatti

يحمل بوناتي درجات علمية في الجيولوجيا من جامعة پيزا ومن مدرستها العامة العليا. أمضى بعد قدومه إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1959 بضع سنوات باحثا علميا في علم الصخور والجيولوجيا البحرية في معهد سكريبس لعلوم البحار بجامعة كاليفورنيا وأستاذا في مدرسة روزنستيل للعلوم البحرية بجامعة ميامي.
ويعمل منذ عام 1975 في المرصد الأرضي لامونت ـ دوهرتي بجامعة كولومبيا. ويقوم حاليا بالتدريس والبحث في مسقط رأسه. وقد قاد وشارك برحلات إلى جميع المحيطات الكبرى وإلى بعض الأراضي البعيدة مكانيا ولكنها مثيرة جيولوجيا، وأحدثها في إقليم الأورال القطبي بروسيا.

 

مراجع للاستزادة

THEORY OF THE EARTH. D. L. Anderson. Blackwell Scientific Publications, 1989.

NOT SO HOT “HOT SPOTS” IN THE OCEANIC MANTLE. E. Bonatti in Science, Vol. 250, pages 107-111; October 5, 1990.

RIDGES, HOTSPOTS AND THEIR INTERACTION AS OBSERVED IN SEISMIC VELOCITY MAPS. Y. S. Zhang and T. Tanimoto in Nature, Vol. 355, No. 6355, pages 45-49; January 2, 1992.

A COLD SUBOCEANIC MANTLE BELT AT THE EARTH’S EQUATOR. E. Bonatti, M. Seyler and N. Sushevskaya in Science, Vol. 261, pages 315-320; July 16, 1993.

Scientific American, March 1994

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق