أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

الرؤية المجسَّمة مَلَكةٌ لم تُقدَّر حق قدرها

الرؤية المجسَّمة مَلَكةٌ لم تُقدَّر حق قدرها

تمكننا الرؤية المجسمة من استعادة رونق ووضوح الصور المشوشة،

وهي تستخدم عدة طرائق لا تؤدي دائما إلى النتيجة نفسها،

لذا تختلف الأشكال المرئية باختلاف الأشخاص.

<J.نينيو>

 

حالما نفتح أعيننا فإننا، من دون تفكير، ندرك الألوان ونكتشف الحركات ونتعرف الأشكال المألوفة المحيطة بنا؛ وليس هذا إلا ملكة بصرية لا نستعملها إلا من حين إلى آخر وهي الرؤية المجسمة stereoscopic vision. فإغماض عين واحدة عند بعض الأشخاص لا يغير شيئا ظاهريا، إذ تظل الأشياء في مكانها وتحافظ على شكلها، ولكن أولئك الذين يستعملون الرؤية المجسمة باستمرار يفقدون الإحساس بتضاريس المشاهد وتختلط المستويات المختلفة فتصبح في مستو واحد كما في الصور الفوتوغرافية.

 

وتستفيد الرؤية المجسمة من الاختلافات الهندسية بين المشهدين اللذين تراهما العينان لتستنتج منها معلومات عن شكل الأجسام في الأبعاد الثلاثة وعن المسافات النسبية بينها، ولدراسة هذه الظاهرة نلتقط صورتين تمثلان المشهد نفسه كما لو كان يُلتقط من موضعين مختلفين، ونتدبر أمرنا بحيث لا تَرى العين اليمنى إلا إحدى الصورتين في حين لا ترى العين اليسرى إلا الصورة الأخرى، ونستخدم لهذا الغرض عمليات ضوئية مختلفة أساسها المناشير (المواشير) prisms أو المرايا أو مناظير ذات مرشحات filters خضراء وحمراء أو المقطبات، فيستطيع معظم الأشخاص الذين لديهم ملكة الرؤية المجسمة، بعد عدة دقائق من التمرين، رؤية التضاريس المكوَّدة في مثل هذه الأزواج المجسمة من دون استعمال أي أداة [انظر الشكل 1a].

 

ونتساءل: كيف يمكننا التأكد من أن رؤيتنا للتضاريس ليست ناتجة من تخيلنا وإنما من الدماغ الذي قدّرها بوساطة المقارنة الهندسية بين الصورتين؟ وجوابنا هو بإزالة كل ما يدل عادة على العمق مثل ظل الأشياء أو منظورها أو وجوهها الخافية. وقد أحيا <B. جيوليز> (من مخابر بل) الدراسة العلمية للرؤية المجسمة في بداية الستينات باختراع الصور المجسمة المموهة والمحسوبة بوساطة الحاسوب، ففي هذه الصور التي تظهر مثل نسيج عشوائي [انظر الشكل 1c] لا يوجد أي شيء يدعونا لحدس الشكل المعروض الذي يكوَّد فقط عن طريق الاختلافات بين الصورتين، وهذا يشبه «لعبة الأخطاء السبعة» التي يجب فيها تعيين مواضع الأخطاء ثم إيجاد الشكل السليم والصحيح المكون من مجموعة المواضع. وهكذا ينحصر دور الصورة الأصلية في كونها ركيزة للأخطاء.

 

ويُجري الدماغ تمرين المقارنة آليا بطرائق لاشعورية، لذلك عند تشكيل صور مجسمة تُخفي ألغازا مختلفة ومن ثم ملاحظة كيفية تفسير أشخاص عديدين لها، فإننا نأمل الإحاطة بالعمليات الهندسية التي يستعملها الدماغ. وما الرؤية المجسمة إلا وجه من أوجه النشاط الإدراكي للدماغ، صحيح إن أهميتها تقل عن أهمية الذاكرة أو فهم اللغات ولكنها تتميز بإمكان دراستها في حالتها الصرفة بفضل الصور المجسمة المموهة.

 

هذا وليس التمويه اختراعا بشريا، إذ يغطي الحيوانات ـ في معظم الأحيان ـ فروٌ يجعل الكشف عنها عسيرا في الوسط الذي تعيش فيه. وتساعد الرؤية المجسمة، التي تعطي دلائل موضوعية عن المسافة من دون تأثرها بالتمويه، على تعيين مواضع الحيوانات في الطبيعة، ولهذا من المؤكد أنها كانت مفيدة لأسلافنا في عصور ما قبل التاريخ. وأظن أيضا أنها قد أدت دورا مهما في نشاطهم اليدوي المنمنم، مثل صنع صنارات الصيد أو إبر الخياطة أو تقطيع الأدوات الحجرية وفقا لمستويات محددة.

 

وقد أولى الفيزيولوجيون اهتماما كبيرا بازدواج الرؤية diplopia منذ أواخر القرن الماضي، فعندما نركّز نظرنا على نقطة معينة في الفضاء ـ مثل رأس قلم رصاص ممسوك بطرف أيدينا ـ فإننا نرى (أو يجب أن نرى) ازدواج الأجسام الموجودة في المستوي الخلفي. وقد ظُن حينذاك أن الرؤية المجسمة تعمل وفق مبدأ مشابه لعمل مقاييس المسافة telemeters في آلات التصوير، وهو إرجاع قياس المسافة إلى إيجاد تعيير لمقياس المسافة (أو زاوية تقارب العينين) بحيث يطابق صورتي الجزء الذي يعنينا من الفضاء.

 

ومع ذلك، تعلمنا الرؤية المجسمة الكثير عن شكل الأشياء إضافة إلى قياس بعدها عنا. لندرس على سبيل المثال مربعا مرسوما في مستو أفقي وأربع نقاط في الفضاء متعامدة مع زواياه [انظر الشكل 2a]. إذا كنا نعلم أن ارتفاعات النقاط هي 1، 2، 3، أمتار على التوالي فإنه يجب علينا معرفة شكل رباعي الأضلاع المحدد في الفضاء انطلاقا من هذه النقاط، هل هو مستو أم منحن؟ وإذا كان مستويا فهل هو مستطيل أو متوازي الأضلاع أو أنه رباعي الأضلاع؟ تجيب الرؤية المجسمة عن هذا النوع من الأسئلة [انظر الشكل 2b]، فهي تمتاز في كشف ما إذا كان السطح مستويا أو منحنيا وما إذا كانت الخطوط واقعة في مستو واحد أو لا.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N3_H03_004819.jpg

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N3_H03_004820.jpg

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N3_H03_004821.jpg

1 ـ يمكن دراسة الصور المجسمة عن طريق الرؤية المتصالبة (ترقب العين اليسرى الصورة اليمنى وترقب العين اليمنى الصورة اليسرى)، أو عن طريق الرؤية العادية، أو المتوازية، التي يوصي بها ويُطْريها «الصفوة» (ترقب كل عين الصورة التي توجد أمامها). ومن أجل رؤية التضاريس يمكننا تقريب الصورتين من عينينا ثم إبعادهما ببطء كبير، وبعد محاولة واحدة أو عدة محاولات تندمج الصورتان ونرى إما صورة واحدة أو ثلاث صور، وفي هذه الحالة نرى التضاريس في الصورة الوسطى. ويمكننا أيضا وضع الصورة على مسافة مريحة وتحريك العينين يمينا ويسارا من دون تحريك الرأس، ويحدث اندماج الصورتين حين تحريك العينين باتجاه المركز. وهناك طريقة فعالة تجبرنا على الرؤية التصالبية، وهي تقتضي وضع جسم رفيع وحاد بين الصورتين، ونركِّز عينينا على الحرف الحاد ونقرِّبه ببطء من الأنف، ثم نتوقف عن ذلك عندما تندمج الصورتان. أما من أجل الفحص في حالة الرؤية المتوازية فإنه ينصح بوضع الصورة المجسمة على بعد 50 سنتيمتر من الفاحص والمطابقة على علامة بعيدة أعلى من الصورة المجسمة، ثم خفض النظر نحو الصورة المجسمة وعدم المطابقة على مستويها إلا بعد الاندماج. وفي جميع الأحوال، تحاول الصور الابتعاد بعضها عن بعض بسرعة في بادئ الأمر، ولكن تصبح الصورة بالتمرين مستقرة مدة طويلة نسبيا في الحالة المندمجة، بحيث نستطيع رؤية تكوُّن التضاريس. كما يرى بعض الأشخاص التضاريس تلقائيا في رسوم تكرارية مثل بلاط الحمام، وهو ما يعرف بمفعول «ورق الجدران». لرؤية التضاريس في الصورة يجب دمج رسمين متشابهين ومتجاورين وفق النصائح المقدمة أعلاه. أما الصورة المجسمة السفلية فهي مموهة بصورة تامة وفق طريقة <جوليز>، وهي تمثل مربعا أجوف في أسفل المستوي أو أعلاه وفق الطريقة التي نتبعها، المتصالبة أو غير المتصالبة (العادية). يلغي إخفاء الصورة دلائل الانضغاط المرئي في الصورة المجسمة العليا، ولكن تكمن سيئته في تمثيله للتضاريس على شكل مستويات منفصلة فقط، حيث يرتبط الفاصل الأدنى بقد (حجم) المربعات الأولية.

 

لقد كان علينا، قبل كل شيء، حل مشكلة التقابل، فلنتأمل مشهدا مشوش المعالم، وليكن ركاما من الأحجار الناتجة من تهدم منزل، ولنفترض أن لدينا صورتين ملتقطتين من موضعين مختلفين لهذا المشهد، ولكن المصور لم يشر إلى موضع آلة التصوير واتجاهها حين التقط الصورتين. تتم المقارنة بين الصورتين أولا بمحاولة تحديد أي حجر في الصورة الأولى يقابل الحجر نفسه في الصورة الثانية، فإذا ما عرفنا مواضع آلة التصوير تماما حين التقاط الصور فإننا نستطيع، عن طريق الهندسة geometry فقط، معرفة أن ما يقابل نقطة معينة من الصورة يوجد في موضع معين على مستقيم ما ـ يمكن تعيينه في الصورة الأخرى ـ ونحد بهذه الطريقة من مجال البحث. وعندما تكون معطيات التقاط الصورة غير معروفة، يمكننا الوصول إلى النتائج نفسها حال نجاحنا في تعيين عدد من التقابلات بين الصورتين. وقد بين <Ch. لونگيت ـ هيگنز> (من جامعة ساسِكس) عام 1981 أن ثمانية تقابلات تكفي لذلك في الحالة العامة، وكنت قد برهنت عام 1977 على أن سبعة منها تكفي من أجل توضع معين للنقاط.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N3_H03_004822.jpg
2 ـ عندما نقيس ارتفاع النقط الأربع: A, B, C, D عن المستوي P (الشكل الأيسر) فهل نعلم ما إذا كانت هذه النقاط موجودة في مستو واحد، وفي حالة الإيجاب ما إذا كانت تشكل متوازي أضلاع أو مستطيلا. تزودنا الرؤية المجسمة بهذا النوع من المعلومات وربما نستطيع التخمين أولا بأن الوجهين ABDC و ABFE هما مستويان، ولكننا نرى بوضوح لدى استعمالنا الرؤية المجسمة أن هذين الوجهين يشكلان رباعيّي أضلاع، فالخطان AD و BC غير متقاطعين وكذلك الأمر بالنسبة للخطين AF و BE.
http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N3_H03_004823.jpg

c

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N3_H03_004824.jpg

3ـ تُخبأ في المثال الأول، إحدى الصورتين، إما اليمنى أو اليسرى، من أجل رصد الصورة المجسمة التي تكونها الصورتان الأخريان. يُرى المستطيل الأفقي مستويا عندما يكون أمام المستطيل العمودي، ومنحنيا في الحالة المعاكسة وفي المثال التالي، يجب أن نرى ـ من حيث المبدأ ـ القطعة المركزية في وضع أفقي والقطعتين الأخريين اللتين تحيطان بها في وضع مائل، ولكننا نرى في الواقع القطعة المركزية مائلة في اتجاه معاكس للوضع المتوقع للقطعتين الأخريين. في المثال الثالث، يجب أن تؤلف الإبر الصغيرة خلفية مستوية تماما، أما الإبر القريبة من حدوة الفرس فترتفع أو تنخفض لتصبح في مستوي الحدوة. وهكذا تحدث التقابلات بين الصورتين اليسرى واليمنى قرب العنصر القوي حسب مبدأ الجوار.

 

ربما تبدو مسألة البحث عن التقابلات أو التطابقات تقليدية (أكاديمية) أو عادية عند ملاحظة الصور المجسمة المبينة في هذا المقال ولا سيما الشكل 4، فكل عنصر في الصورة اليسرى يقابل عنصرا يقع على الخط الأفقي نفسه في الصورة اليمنى. ومع ذلك فنحن قادرون أيضا على تفسير صور مجسمة مشوهة حيث لا تحدث التقابلات فيها بصورة دقيقة على خط أفقي. ومن ناحية أخرى، ينعدم الانتظام الأفقي عندما تتشكل الصور على شبكيتي العينين. وفي الواقع تُجري العينان حركات استكشاف من أجل رؤية الصور المجسمة، كما تخضع الصور حين اقتنائها إلى تحولات هندسية مختلفة أثناء تلقي العين لها.

 

خدع التجسيم

على الرغم من إثبات الرؤية المجسمة للكفايات الهندسية الرائعة فإنها تأخذ بعين الاعتبار دلائل ليست هندسية صرفة. فإذا ما وجدت نقطة A أمام نقطة Bفإن من الطبيعي أن نرى A على يسار B من قِبَل العين اليمنى وعلى يمين B من قبل العين اليسرى [انظر الشكل 4b]. وبصورة أكثر عمومية، تدل الانزياحات النسبية (نحو اليسار أو نحو اليمين) بين المشهدين على وجود فروق في العمق، فإذا ما عكسنا الصورتين اليسرى واليمنى في صورة مجسمة مثل تلك التي في الشكل 1a فإننا نعكس اتجاه الانزياحات، وينتج أن ما كان يُرى محدبا يُرى مقعرا. مع ذلك، عندما نرى صورا مجسمة لمشاهد طبيعية فإننا نفسر عادة هذه المشاهد بتضاريسها الصحيحة حتى بعد عكس الصور. ويرى بعض الأشخاص التضاريس الطبيعية في البداية ثم يرون ـ بعد التركيز على نقطة الصورة المجسمة ـ الصورة وهي تبدأ بالانقلاب مثلما يحدث في حالة خلع قفاز اليد، وهكذا يمتد الإحساس بالتضاريس شيئا فشيئا إلى باقي الصورة.

 

ومع ذلك يصعب التحكم في المناطق المحجوبة، فإذا ما حجبنا قسما من السطح X بالسطح Y الموضوع أمامه، فإن الرؤية المجسمة تجد صعوبة في إبرازY أمام X  في صورة مجسمة مقلوبة؛ وتظهر هذه الفكرة في المثال البسيط جدا للشكل 3a.

 

a

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N3_H03_004825.jpg

b

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N3_H03_004826.jpg

4 ـ من أجل بناء زوج تجسيمي (a) نستطيع لصق نسيج (هو قِطَع في مثالنا هذا) على الجسم الذي يراد تمثيله (قرص موجود أمام مربع) وعرض النسيج على شاشة يتم إعدادها بحيث ينفصل المسقطان المترافقان مع العينين اليمنى واليسرى. وعندما نفحص المسقطين في رؤية مجسمة نرى القرص منفصلا، يوضح المخطط (b) كيف يبين موضع مسقطي النقطتين A و B ما إذا كان A أمام B أو بالعكس. في الصورتين الموجودتين، في يمين الجانب السفلي من الشكل، الملتقطتين لمسلتين ـ بابتعاد مبالغ فيه ـ نرى دلائل هندسية للنوعين اللذين تستعملهما الرؤية المجسمة في حساباتها. فمن جانب تكون المسلة الموجودة في المستوي الخلفي مُزاحة أفقيا بالنسبة إلى المسلة الموجودة في المستوي الأمامي (وهو مفعول اختلاف المنظر أو عدم التناسب الأفقي parallaxe). ومن جانب آخر، ليس للخطوط التي تشكل أضلاع رأس المسلة المائلة الاتجاهات نفسها في الصورتين (مفعول المنظور أو عدم تناسب التوجه perspective ).

 

وبصورة أعم، تواجهنا مشكلة معرفة إلى أي درجة تكون الرؤية المجسمة تابعة لتحليل مسبق للأشكال، وقد اعترض باحثون نفسانيون ألمان من أنصار المدرسة الجشتالتية(1) gestalt school في بداية هذا القرن على النظر إلى الصورة المجسمة على أنها نتيجة الربط هندسيا، نقطة إثر نقطة، بين صورتين. ففي رأيهم يتكون إدراك الصورة من تعيين الأشكال البسيطة ـ بأكمل وجه ممكن ـ في كلتا الصورتين، ثم ترك هذه الأشكال ليتفاعل بعضها مع بعض. وقد اقترح باحث منهم، وهو <E. لوLau> عام 1925 طريقة عبقرية لاختبار هذه النظرية باستعمال خدع هندسية.

 

يُرى في أي صورة من صور الشكل 5، قضيبان منحنيان بعض الشيء على خلفية من إهليلجات متمركزة، ولكن هذا خداع عرف منه خدع كثيرة، فالحقيقة هي أن القضيبين لا يبدوان منحنيين إلا بسبب وجود الخطوط الكثيرة التي يقطعانها. ماذا نتوقع عند دراسة صورة مجسمة شُوهت فيها الخطوط المستقيمة بصورة خادعة ولكن تشويهها كان غير متساو في الصورتين اليسرى واليمنى؟ إذا ما افترضنا أن الرؤية المجسمة تعتمد على صورة مفسرة سابقا، فإن التشوهات تؤلف انزياحات خادعة يجب تفسيرها على أساس آثار انحناء في العمق.

 

يرى شخص من بين كل اثنين تقريبا القضيبين وهما ينحنيان في العمق ضمن الصورة المجسمة للشكل 5a، ولكن يقترح الاستقصاء ـ الذي جرى بالمشاركة مع <Ph. هربومل> على مختلف أشكال الصور المجسمة من هذا النمط ـ أن مفعول الانحناء في البعد الثالث (العمق) لا ينتج من حساب الانزياحات الخداعية، بل من تشوهات صيَّرتها الرؤية المجسمة قبل عملية المقابلة.

 

ومن أجل أشخاص آخرين يزول أثر الخداع تماما في الرؤية المجسمة، فهم لا يرون في القضيبين أي انحناء. ويجب أن يكون هؤلاء الأشخاص مجسِّمين «خالصين» pures يعملون نقطة إثر نقطة على صور غير مفسَّرة.

 

وترى مجموعة ثالثة من الأشخاص القضيبَيْن وقد انحنيا في المستوي الأفقي فقط، أي كما هي عليه الحال في الصور الأصلية. في الحقيقة، يجري هؤلاء الأشخاص حساباتهم المجسمة بصورة صحيحة انطلاقا من الصور غير المشوهة، ثم يصححون النتيجة آخذين بالحسبان مظهر الصور الأصلي.

 

وهكذا تساعد دراسة الصور المجسمة ـ التي تحوي خدعا هندسية ـ على وضع التخطيطات (الاستراتيجيات) المختلفة للتفسير المجسم. وهي تعطينا أيضا معلومات عن الخدع نفسها. وفي عام 1961 ـ بيَّن <S. پاپرت> (من معهد ماساشوستس للتقانة) أنه عند عرض شكل «مولر ـ لاير» ـ وهو من الخدع الهندسية الأكثر انتشارا ـ في صورة مموهة ضمن صورة مجسمة، فإن الخداع ظل ملحوظا؛ في حين أنه لا يمكن ظهور الشكل في المخ (نتيجة للتمويه) إلا بعد مقارنة مجسمة بين الصورتين، وهذا يثبت أن أصل الخداع لم يكن في شبكية العين.

 

عصبونات التضاريس

تُعالَج الصور المتكونة على الشبكية بوساطة الخلايا العقدية التي تحلل التباين المحلي في مناطق دائرية صغيرة، ثم تُرسل النتائج فيما بعد عن طريق 500000 ليف للعصب البصري نحو مناطق مخية أكثر عمقا. وينقسم العصب البصري لكل من العينين إلى حزمتين تتجه إحداهما مباشرة إلى أحد نصفي الكرة المخية cerebral hemisphere في جهتها، أما الثانية فتتجه إلى نصف الكرة المخية الآخر مارة بالتصالبة البصرية visual chiasma، وهي الحزمة غير المباشرة. ويلتقي في كل نصف كرة مخية حزمتان، الأولى مباشِرة قادمة من إحدى العينين والأخرى غير مباشرة قادمة من العين الأخرى، ويتم تلاقيهما في مركز مخي يسمى الجسم الركبي الوحشي (الجانبي). ويحتمل حدوث مواجهة بين إشارات قادمة من كلتا العينين في الجسم الركبي الوحشي، ولكن حتى الآن لا يوجد دليل أكيد على ذلك.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N3_H03_004827.jpg
 a) – 5) القضبان العمودية مستقيمة فعلا ولكنها تظهر منحنية نتيجة تقاطعها المتعدد مع الإهليلجات (القطوع الناقصة). إذا اعتمدت الرؤية المجسمة على القضبان، كما هي مشوهة بوساطة الخداع، علينا رؤية القضبان العمودية وهي تنحني عميقا. ويحس بهذا المفعول (التأثير) نحو نصف عدد المشاهدين. في المثال (b) يتشابه توضع النقاط في الصور الثلاث، ولكن النقاط المركزية تبدو مدفوعة نحو داخل الزاوية المنفرجة. فإذا ما اعتمدت الرؤية المجسمة على الصور المشوهة بوساطة الخداع شاهدنا الخط الأفقي للنقاط يصنع قوسا خارجا من ثنائي السطح المتشكل بوساطة الكفاف contours الخارجي. ويرى نصف عدد المشاهدين قوسا، فعلا، لكنه غائر في ثنائي السطح. في الصورتين السفليتين، تبدو الدوائر المتمركزة مشكلة حلزونا، وهو خداع «حلزون فرازر» Fraser spiral. إذا ما جُعلت الدوائر بأعماق مختلفة فإن الخداع يستمر مع ذلك في الرؤية المجسمة، كما ترينا الصورة المجسَّمة C، التي قدمها <B .J. فايس> من مؤسسة روتشيلد للدراسات البصرية.

 

ثم تغادر العصبونات الجسم الركبي الوحشي نحو سائر أنحاء المناطقregions المخية، ولا سيما تلك العائدة إلى القشرة البصرية الأولية primary visual cortex، وهنا تبدو المعالجة مدهشة. فمن أجل وصف مشهد معين يكون من عادتنا معرفة مواضع الأشياء في الاتجاهات المعرَّفة انطلاقا من الراصد (في أعلى اليسار، أخفض قليلا على اليمين، … الخ)، مع ذلك، فإن ما تكشفه العصبونات في منطقة (باحة) area القشرة البصرية الأولية المسماة المنطقة V1، هي عناصر كفافات contours لها اتجاهات معينة من أجل أي جسم يعبر حقل  الرؤية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N3_H03_004828.jpg
6 ـ يكشف عصبون من المنطقة (الباحة) V2 في القشرة البصرية بصورة جيدة خطا حقيقيا ذا اتجاه محدد مثلما يكشف خطا حدوديا تخيليا له الاتجاه نفسه (a)، كما بين ذلك <R. فون در هايدت> وزملاؤه في جامعة زوريخ بسويسرا. تعتمد الرؤية المجسمة على مثل هذه الكفافات من أجل بناء سطوح يمكن أن تكون مستقيمة أو منحنية كما في المثال (b) الذي يُعزى إلى <R. گريگوري> و <J. هاريس>. فضلا عن ذلك، يمكن أن تبني الرؤية المجسمة سطحين تخيليين وتظهر تقاطعهما كما هي الحال في المثال (c) الذي يعزى إلى <M. إيدزاوا>.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N3_H03_004829.jpg
7 ـ كيف نمثل سطحا كي يُفسَّر بصورة سهلة في ضوء الرؤية المجسمة؟ نصنف هنا ثمانية نسج حسب ترتيب متناقص لفعاليتها، ويتضاعف زمن التفسير ثلاث مرات من النسيج الأول إلى الأخير. بخلاف كل ما نتوقعه، لا تكون النسج المنتظمة ـ التي تعطي فكرة سهلة عن السطح عن طريق دلائل الانضغاط (مثلا، النسيجان 3 و 7 اللذان يوحيان بوجود خمسة إهليلجات) ـ هي الأفضل. ويسهل التفسير المجسم عندما تكون عناصر الصورة (غير مستمرة) وموزعة توزيعا غير منتظم (النسيجان 2 و 6)، لا سيما إذا ما كانت توزعات مختلفة (النسيج 1).

 

وخلف المنطقة V1، تخبيء المنطقة V2 مفاجأة جديدة، فالعصبونات مازالت  حساسة لتلقي عناصر من الكفافات الموجهة، ولكنها حساسة أيضا لكفافات تجريدية أو وهمية. فمثلا، يثار عصبون يتفاعل عادة مع قضيب عمودي ولا يتفاعل مع قضيب أفقي عند مواجهة شكل مكون من قضبان أفقية تنشيء أطرافه خط انقطاع عموديا مجردا [انظر الشكل 6a]. وتكشف هذه الغرابة الظاهرية عن استراتيجية عصبونية ذكية، لأن الخطوط المهمة (من أجل تحليل الأشكال) لا تكون غالبا تلك التي تعود إلى أشكال مرسومة على السطح، بل تعود إلى الخطوط المجردة التي تشكل حدود جسم معين.

 

والسؤال المطروح هو كيف يكشف عصبون عن عنصر كفافي في الفضاء الثلاثي الأبعاد؟ الفكرة الحالية هي أن أحد عصبونات النطاق V1 يكون مربوطا وظيفيا بمنطقة معينة تماما من الشبكية اليسرى من ناحية، ومعينة تماما من الشبكية اليمنى من الناحية الأخرى. وحالما تصبح منطقتا الشبكية ـ اللتان يراقبهما العصبون ـ مثارتين بصورة آنية، فإن هذا الأخير يصدر إشارة، وتقابل الإشارة المضاعفة عنصرا كفافيا في الفضاء speace. ولكن أين يوجد هذا العنصر؟ فالعينان تمسحان الفضاء وتدوران حول محوريهما أثناء تركيزهما، كما تربط متغيرات عديدة العلاقة بين نقاط على الشبكية ونقاط في الفضاء، لأن العين تتحرك باستمرار، ولا يمكن الحصول على المعلومات الثلاثية الأبعاد إلا بمقارنة الصور الغنية بالمقدار الكافي، والتي لم تجد فيزيولوجية الأعصاب إليها سبيلا بعد.

 

في المخطط التشريحي التقليدي، تنطلق العصبونات من الجسم الركبي الوحشي لنقل الإشارات إلى منطقة أبعد في القشرة البصرية. كما تتجه في الواقع عشرة أضعاف العصبونات في الطريق المعاكس (أي من القشرة البصرية إلى الجسم الركبي الوحشي). وحسب ما يقول الباحث في التشريح العصبي <D. ڤان إيسن> (من معهد كاليفورنيا للتقانة)، فإن هذا الترتيب يحتمل أن يتيح للجسم الركبي الوحشي إدخال البيانات فيزيائيا من أجل تركيبها بشكل أفضل. ويتعزز تحقيق توافق دقيق في الجسم الركبي الوحشي إذا ما رافقه توافق التوجهات في القشرة البصرية.

 

عودة إلى الصور

ولكي أسبر الآليات المخية للرؤية المجسمة كنت أستعمل عادة صورا مجسمة تمثل سطوحا ذات هندسة بسيطة مكونة من نسج مختلفة تتألف إما من خطوط مستمرة من مئات الأقسام أو العناصر المنفصلة. وقد بحثت مع <I. هرلان> ثم مع <Ph. هربومل> تحديد أي نوع من الإشارات في صورة ما يتيح أفضل معالجة مجسمة، أي بمعنى آخر أي نوع منها يسمح بتفسير التضاريس بأسرع زمن ممكن. وهكذا صنعنا نحو 30 نسيجا يظهر بعضها في الشكل 7، والعامل الأهم لتيسير تفسير التجسيم هو وجود عدد كبير من الاتجاهات المختلفة في عناصر الكفاف. وتظل النسج المؤلفة من إبر موجهة عشوائيا هي الأفضل من دون منازع حتى اليوم.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N3_H03_004830.jpg

8 ـ تتألف هذه الصورة المجسمة ذات الأشرطة الخمسة من نسيجين. يمثل النسيج الملون أربعة رسوم مشابهة لرسم الشكل (1a)، ورسمين لهما تضاريس مقلوبة. ومن ناحية أخرى، حُسب النسيج المشكل بوساطة السياج الأسود بطريقة يقترن فيها مع النسيج الآخر في الرسمين العلويين، ويظل مستويا في الرسوم السفلية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/11/SCI95b11N3_H03_004831.jpg
9 ـ تحتوي الصور المجسمة المجزأة، مثل ورق الجدران، على بنية متكررة. ومن أجل رؤيتها يجب دمج رسمين متلاصقين. وتمثِّل هذه الصورة التكرارية، المؤلفة من خمسة أشرطة متجاورة، نَفَلا من ثلاث ورقات (نافرة أو غائرة حسب المشاهد) موجودة على قلنسوة كروية. بسبب محدودية الأشرطة على هذه الصورة الصغيرة، فإنه من المحتمل أن يندمج الشريط 2 مع الشريط 4 (بدلا من اندماجه مع الشريط 3) ورؤية صورة منضغطة ذات تضاريس غير متوقعة. ويقابل القوسان الملونان تراجعين جانبيين، وقد كان بإمكاننا تمويههما عن طريق تمثيلهما بالطريقة نفسها كباقي الصورة. تسمح عملية حساب الصورة المستعملة هنا بتغيير التضاريس بصورة مستمرة. أما العملية الأصلية، والأبسط تحقيقا، التي ابتدعها <Ch. تايلر> فهي تولد صورا من نمط الشكل 1c.

 

وبما أن تفسير بعض أنواع النسج يكون أسرع من أنواع أخرى، فماذا يحدث عند وضع نسيجين معا على سطح واحد؟ وهل نرى التضاريس شيئا فشيئا في حالة النسيجين؟ الجواب بالنفي، لكن بعض المجسمين سيرون أن السطح قد صار سطحين متماثلين، على عمقين مختلفين، يحمل كل منهما أحد النسيجين. ويبدو لي رد الفعل هذا موافقا لأحد الأدوار الطبيعية للرؤية المجسمة. ويقول <V. راماشاندران> (من جامعة سان دييگو): دعونا نفكر في «فهد» مختف داخل شجرة، فما تتلقاه أعيننا هو صورة مجزأة. وتفيد الرؤية المجسمة في هذه الحالة في إعادة إنشاء وحدة «الفهد» انطلاقا من أجزاء الفرو، فتكون هذه الوحدة متمايزة تمام التمايز عن وحدة «الشجرة» المكوَّنة من نسج نباتية.

 

فلماذا تتفوق بعض النسج على النسج الأخرى؟ إننا نفهم سبب كون النسج المتقطعة متفوقة على النسج المتصلة، فالنقاط التي توجد على طرفي قطعة ما تعطي علامات دقيقة عن التقابل، والقطع العمودية تعامل بسهولة أكثر من الأفقية، والظاهر أن المعالجة المجسمة لا تَنتج من حساب صورتين مفصولتين ولكن من عملية فيزيائية للبحث عن التطابق بالحركة النسبية للصورتين. وقد أظهرت أهميةُ وجود التنوع في التوجهات أن الرؤية المجسمة تبحث عن مضاعفة المعالم (النقاط الفارقة) في الصورة بدلا من معالجتها كوحدات مجردة من النقاط السوداء أو البيضاء.

 

تقيِّم الرؤية المجسمة بدقة ميل المستويات والخطوط، ولكن عندما تقيِّم الميل ضمن فضاء قطعة معينة هل تَستعمل ـ كما يفعل مهندس ديكارتي جيد ـ إحداثيات أطرافه، أم أنها تلجأ إلى أداة خاصة لتقدير التوجهات؟

وللإجابة عن هذا السؤال بنيتُ صورا مجسمة تكون هندسة الإسقاط فيها مغلوطة. وقد لاحظت أنه في بعض الحالات تحفظ المعلومات المتعلقة بالتوجه، ولكن المعلومات المتعلقة بالموضع تصبح عديمة الفائدة، وفي حالات أخرى يحدث الوضع المعاكس. وقد بيّنت اختبارات عديدة أن قسما من الناس يفضل التوجهات لاشعوريا، وأن قسما آخر يفضل المواضع بحيث إن هرما معينا يبدو أملسَ بالنسبة لبعض الأشخاص وخشنا بالنسبة لآخرين.

 

وفيما يتصل برؤية الألوان، يستطيع معظم الناس الموافقة على الأسماء التي يَدْعون بها الألوان حين رؤيتها، وإن كانت تشعرهم بأحاسيس مختلفة. ففي الرؤية المجسمة تظهر اختلافات مهمة في الأوصاف التي يصف بها الناس الصورة المجسمة نفسها. وفضلا عن ذلك، وفقا لتجارب نشرها <W. ريتشارد> (من معهد ماساشوستس للتقانة) عام 1970، يمثل 30% من الناس قصورا جزئيا في إدراك تجسيم الأجزاء الموضوعة أمام مستوي تركيز العينين من أجل البعض، وخلف هذا المستوي من أجل آخرين. ولهذا السبب يصعب عرض صور مناسبة لجميع الناس.

 

الصورة المجسمة والواقع

إن إحدى الحجج المقدمة لترويج التلفزيون العالي الميز هي أنه سيسمح بعرض أفلام مجسمة، ومع ذلك إذا ما أحس بعض المشاهدين بحرمانه من عدم وجود الألوان والصوت في الفيلم فإن التجسيم ليس له أي ضرورة كما يبدو.

 

ومن جهة أخرى، يستطيع مُخْرج متقن نقل إحساس جيد بالتضاريس، باستعمال الوسائل التقليدية المألوفة، إذا ما أجاد التحكم في مكان آلة التصوير السينمائي وحركتها. وإذا ما رفض خيالنا قبول رؤية تضاريس الصورة، فإن ذلك نابع غالبا من كون الصورة محدودة بوجود الشاشة التي لا تكون ممتدة بقدر كاف في الاتجاه العمودي. وللتخلص من مفعول الشاشة يمكننا النظر عبر بُويق (مخروط) مكون بضم راحة اليد أمام عين الناظر.

 

ويمكن أن تعطي شريحة تصوير إيجابية أو شريحة سلبية مضاءتين بالنفوذ إحساسا بالتضاريس مشابها للإحساس المجسم عند رؤيتهما عبر عدسة مكبرة، وهو مفعول وصفه في بداية هذا القرن الطبيب السويسري <E. كلاپارد> ويؤدي هذا المفعول دورا مهما عندما تحتوي الصورة على نسج مضغوطة أو ممدودة بسبب المنظور، ويمكنها، في رأيي، أن تكشف عن مرحلة انتقالية في المعالجة المجسمة العادية.

 

وعلى العكس، من الشائع أن تزودنا الصور المجسمة بإحساس سيئ عن التضاريس عند احتوائها على سطوح متحدة بصورة مفرطة من دون دلالة هندسية كافية. وبدلا من رؤية كتل جميلة، فإننا لا نرى في الغالب إلا سلسلة من المستويات المتجابهة، التي يظهر فيها الأشخاص مثل دمى مقصوصة من الرسوم المتحركة.

 

يجب أن يُعد التجسيم نشاطا فكريا خاصا جدا، يزودنا بمتعة مشابهة لمتعة رياضات التوازن من مثل ركوب الدراجات أو الانزلاق على الأمواج. وقد أدى الجيل الجديد من الصور المجسمة، التي اخترعها <Ch. تيلر> (من معهد سميث ـ كتلويل للدراسات البصرية في سان فرانسيسكو) إلى ظهور كثيرين من المهتمين الجدد بالتجسيم في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وبصورة خاصة في اليابان، حيث تلاقي هذه الصور نجاحا منقطع النظير بسبب جماليتها (لعل الرسام النمساوي <شيلنك> أول من صمم رسوما اعتمادا على هذا المبدأ).

 

وتتألف هذه الصور المجسمة التي تسمى أحيانا «صورا مجسمة ذاتيا»autosteriogrammes، والتي أفضل تسميتها «صورا مجسمة مجزأة» fragmented steriogrammes، من أشرطة (شُرط) متلاصقة وعمودية ولكن أطرافها ليست محدودة بخطوط مستقيمة بالضرورة. ويمكن أن يشكل الشريطان الأول والثاني ابتداء من اليسار ـ على سبيل المثال ـ زوجا تجسيميا، وأن يشكل الشريطان الثاني والثالث زوجا آخر.. وهكذا. ويشكل تجاور جميع الأشرطة صورة وحيدة. فعلى سبيل المثال تظهر التضاريس على الشكلين 8 و 9 المؤلفيْن من خمسة أشرطة عندما تكتشف العين اليمنى، في رؤية غير متصالبة (عادية)، الأشرطة 2، 3، 4، 5، في حين تكتشف العين اليسرى الأشرطة 1، 2، 3، 4 (أو العكس إذا ما رأينا الصور المجسمة في رؤية متصالبة). ونحصل في الحقيقة على النتيجة نفسها عند عرض صورتين منفصلتين، كما هي الحال في زوج تجسيمي تقليدي، حيث تتألف الصورة الأولى من أشرطة البداية وتتألف الصورة الثانية من أشرطة النهاية. والميزة الأساسية للصورة المجسمة المجزأة هي أنه يمكننا عملها بالمقاسات التي نريدها، بزيادة عدد الأشرطة، ومن أجل الراحة البصرية يجب أن يكون عرض الشريط أصغر من المسافة التي تفصل بين العينين أو مساويا لها.

 

ويمكننا أن نختار كيفيا رسم ولون الشريط العمودي الذي يشكل أصل الصورة المجسمة، ولكن بما أن الأشرطة الأخرى تكون محسوبة ابتداء من هذا الشريط فإن الصورة المجسمة المجزأة تمثل مظهرا تكراريا في الاتجاه الأفقي. ولا نستطيع استخدام أنماط مختلفة، باستثناء حالات خاصة، لتمثيل جسمين متمايزين إذا ما كان هذان الأخيران في المستوي الأفقي نفسه من الصورة. وبهذا المعنى تكون الصور المجسمة مموهة بالضرورة.

 

لكنَّ التمويه، على كل حال، يتفق مع ممارسة الرؤية المجسمة. وتعتمد المتعة التي نلقاها على مفاجأة رؤية سطح لا يشير أي دليل إليه، وعلى التعيين البطيء والمتتالي للفضاء الذي يتطور تفسيرنا خلاله. ويكمن هنا أيضا الاهتمام العلمي العملي بالرؤية المجسمة، إذ لا يوجد الكثير من الأنشطة الإدراكية التي نستطيع أن نرصد فيها عمل الدماغ على هذا النحو بصورة بطيئة، والتي لنا فيها أمل جيد في تحليل مراحل تقدمها في تكوين تمثيل للواقع تمثيلا مترابطا.

 

 المؤلف

Jacques Ninio

مدير البحوث في المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية (CNRS)، ويقوم باستكشاف الرؤية المجسمة في مخبر الفيزياء الإحصائية في دار المعلمين العليا بباريس.

 

مراجع للاستزادة 

N. AYACHE, Vision stereoscopique et perception multisensorielle, application d la robotique mobile, InterEditions, 1989.

O. CAHEN, L’image en relief, Editions Masson, 1989.

J.-P, FRISBY, De l’ceil d la vision, Editions Nathan, 1981.

Jacques N1NIO, L’empreinte des sens, Editions du Seuil, coll. Points Odile Jacob,1991.

N. J. WADE, On the late invention of the stereoscope, in Perception, 16, pp. 785-818,1987.

Le cerveau, Bibliotheque Pour la Science, 1982.

Pour La Science N° 197 Mars 1994

(1) الجشتالت: بنية أو صورة متكاملة من الظواهر الطبيعية أو البيولوجية أو السيكولوجية بحيث تؤلف وحدة وظيفية ذات خصائص لا يمكن استمدادها من أجزائها بمجرد ضم بعضها إلى بعض. وسيكولوجيا الجشتالت أو سيكولوجيا الكل: دراسة الإدراك والسلوك من زاوية استجابة الكائن الحي لوحدات أو صور متكاملة.       (التحرير)

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى