غير مصنف

الاتصالات والحواسيب والشبكات


الاتصالات والحواسيب والشبكات

إن دمج تقانات الحوسبة والاتصالات سيمكننا من خلق بنية

أساسية من شأنها أن تعيد صياغة اقتصاداتنا ومجتمعاتنا.

< L .M. ديرتوزوس>

 

بُني عصر الزراعة على المحاريث والحيوانات التي تجرها، وبني عصر الصناعة على الآلات والوقود الذي يغذيها، أما عصر المعلومات ـ الذي نصنعه الآن ـ فسوف يبنى على الحواسيب والشبكات التي تربط بعضها ببعض.

 

يشترك مؤلفو هذا العدد من مجلة العلوم في تطلعات كلها أمل في مستقبل قائم على بنية أساسية معلوماتية تثري حياتنا، وذلك بإعفائنا من أعمال روتينية، وتحسين الطرق التي نعيش ونتعلم ونعمل بها، وإطلاق حريات شخصية واجتماعية جديدة.

 

ومنذ البداية المتواضعة لأول الحواسيب المفيدة ـ منذ ما يقارب نصف قرن ـ كان هناك الكثير من الآراء والتخمينات والتنبؤات بشأن العالم الساحر الجديد الذي تَعِد به تلك الحواسيب. لماذا إذًا تخصيص هذا العدد بأكمله لهذا الموضوع الآن؟ ما الجديد في هذا الأمر؟

 

لقد تنامت الفرص المتاحة في عالم المعلومات إلى حدّ أشبه “بالكتلة الحرجة”critical mass، وذلك نتيجة لسرنديبية(1) serendipity ذات شقين هي: التحسن المثير  في نسبتي التكلفة إلى الأداء لكل من الحواسيب وتقانات الاتصالات. فقد تحسنت الحوسبة وأجهزة الاتصالات، كل على حدة، بمعدل سنوي يقدر بنحو 25 في المئة خلال العقدين الماضيين على الأقل. ولقد حَوّل هذا التلاحم المثير لقدرات هاتين التقانتين بصيص الأمل إلى احتمال هائل وحقيقي.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/12/SCI96b12N7-8_H03_006073.jpg

هذه “النوافذ”، جدارية طولها 30 قدما وعرضها 8 أقدام، صنعتها <C .A.بليس> من الصلب المطلي بالمينا، تستكشف الآفاق التي أتاحتها الاستعمالات المبتكرة للحاسوب. تحاول الفنانة اجتياز الزمان والمكان وتبين كيف تجعلنا الحواسيب نرى ظواهر تتراوح في حجمها بين ما يمكن وبين ما لا يمكن رؤيته بالعين المجردة. الألوان (في اليسار) للوحة هي أنموذج لبرامج الرسوم. وُضع تمثيل الفضاء الخارجي بجوار صور تعود إلى عصر ما قبل كولومبوس في پيرو وصور مدينة سالت ليك الحالية. وتضع الفنانة بليس بشكل متباين الخطوط الصينية مع طباعات من حروف الهجاء والأرقام المولدة بشكل عشوائي، ثم يتبعها تفسير لذاكرة حاسوبية. ويستحضر المشهد المتجزئ fractalscape المستقبل. يُعرض هذا العمل الفني في مركز البيانات Data Center الموجود في مبنى الكونگرس بولاية يوتا.

 

لقد تطورت الحواسيب إلى درجة من القوة وقلة التكلفة نسبيا، بحيث يمكننا أن نجدها في كل مكان تقوم بعمل كل شيء تقريبا. وكأمثلة على ذلك: حواسيب فائقة تقوم بتنفيذ بلايين الأوامر بالثانية للتنبؤ بالطقس وتحليل الصور الطبية المعقدة، وحواسيب حسّية sensory  تستجيب لجمل منطوقة وتتعرف بصريا أجزاءَ في خطوط التجميع الصناعية، ثم تقوم حواسيب إنسالية بتجميع تلك الأجزاء على صورة منتجات كاملة. تفتح الحواسيب، مثلها مثل المقراب والمجهر، آفاقا جديدة للعلماء، وذلك بمحاكاة كل شيء بدءا من التصادمات الفلكية وحتى التفاعلات الجزيئية. وكذلك فهناك خمسون مليونا من الحواسيب الشخصية مع آلاف أصناف الحزم البرامجية تقوم بمساعدة الناس في أمكنة العمل وفي المنازل. وتركب الملايين من الحواسيب سنويا داخل السيارات والهواتف والتلفزيونات للتحكم فيها.

 

وفي الوقت نفسه فقد ازدادت سرعة الشبكات ومداها بخطى مذهلة مماثلة: فملايين الأميال من الألياف الزجاجية تتولى أمر معظم الاتصالات البعيدة، وبمقدرتها إيصال البيانات بسرعة تصل إلى بليون بتة Bit (گيگابتة) في الثانية. ولقد أصبحت الشبكات المحلية LAN، التي تماثل الشبكات العنكبوتية، لا غنى عنها. وهي تصل إلى الأبنية والأمكنة المتجاورة بعضها مع بعض. كما تقوم الشبكات الخلوية cellular والشبكات اللاسلكية بالاتصال بالناس أثناء قيادتهم سياراتهم، وحتى أثناء سيرهم. والآن يمكن دمج هذين العملاقين، أي الحواسيب والشبكات، لتكوين بنية أساسية أكثر وعدًا بالنجاح من أي من التقانتين عندما تكون بمفردها.

 

وإضافة إلى ذلك، فلقد تعلمنا خلال العقد الماضي دروسا عن العديد من الإمكانات المفيدة، التي تقدمها البنية الأساسية للمعلومات، وعن الصعوبات التي قد تعترضنا عند بنائها. وعلى سبيل المثال، فإن خلط الحواسيب والشبكات معا ـ دون تطوير حريص لمصطلحات التخاطب والتراسل المتعارفة ـ لن يؤدي إلى نتائج جيدة.

 

وفي الوقت الذي نضع فيه لبنات عصر المعلومات، فإن محاولة تصور صرحه النهائي واستعمالاته، تمثل تحديا مماثلا لما كان سيواجهه كتّاب أواخر القرن الثامن عشر، لو أنهم حاولوا توقع ظهور السيارة والحوّامة والطائرة النفاثة والعدد الهائل من الآلات الحديثة مع كل ما تقدمه من استعمالات. وعليه فسوف نقدم للقارئ، ببساطة، أفضل ما لدينا من لمحات انطباعية عن ذلك المستقبل وما يحمل من تقانات في طياته وما يحيط به من مشكلات.

 

في عالم فيه مئات الملايين من الحواسيب الخدومة، التي تتصل ببساطة ببنية أساسية عالمية للمعلومات، سوف يصل بريد رجال الأعمال إلى وجهته بشكل روتيني في خمس ثوان بدلا من خمسة أيام، مغيرا بذلك وبصورة مثيرة نوعية تلك الاتصالات. ولسوف يتعاون مصممو ومسوقو شركة ما على منتج، حتى لو كانوا على بعدٍ قاريّ من بعضهم بعضا، وكان من المستحيل اجتماعهم في آن واحد. وسيبلِّغ المستهلكون الموردين عن احتياجاتهم محدثين بذلك نوعا من الإعلان المعاكس. وستُطلب الكثير من السلع ويُدفع ثمنها إلكترونيا. وسيتمكن الأب أو الأم من القيام بأعمالهما الوظيفية في المنزل وإرسالها عبر الحاسوب إلى مواقع عملهما البعيدة. وسيقوم مهندس متقاعد بولاية فلوريدا بتدريس مادة الجبر لطلبة المدارس الثانوية بمدينة نيويورك. وبينما تجلس أنت باسترخاء يمكنك التمتع بجولة خلال مكان عطلتك القادمة أو خلال متحف اللوڤر، أو مشاهدة فيلم فائق الوضوح تختاره وتستأجره إلكترونيا من بين ملايين الأفلام المتاحة.

 

ومع ذلك، فإن عصر المعلومات له انعكاساته أيضا، وهذا ما سأوضحه في جملة التساؤلات التالية: هل ستوسع تلك التقانات الجديدة الهوة بين الغني والفقير؟ أنا شخصيا أشك في ذلك. وهل ستتسبب في إغراقنا بجبال من نفايات المعلومات غير المهمة؟ نعم، ولكن بإمكاننا أيضا استعمال تلك التقانات لحمايتنا من مثل هذه الأخطار.

 

هل ستهدد تلك التقانات بسلب البشر إنسانيتهم؟ إنني أرتاب في هذا. هل ستزيد تلك التقانات أيضا جرائم النخبة من ذوي الياقات البيضاء وانتهاكات خصوصية الأفراد؟ نحن لا نعلم هذا، ولكن يجب أن نكون يقظين.

 

وكما هي الحال في كثير من التغيرات التقانية، فإن الإمكانات الرائعة للمعلومات ـ التي نستعرضها في هذا العدد ـ هي نتيجة لسياسة انتهاز الفرص أكثر من كونها حاجة إنسانية ماسة. وعليه فنحن ـ مصممي ومستعملي تلك البنية الأساسية للمعلومات ـ نتحمل مسؤولية خطيرة تتمثل في فهم قيمة ودور المعلومات، بحيث يمكننا بطريقة أفضل تحويل معجزة تقاناتنا في اتجاهات ذات فائدة بدلا من اتجاهات إن لم تكن خطيرة فهي عبثية.

 

تمس المعلومات جميع فعاليات البشر. فهي تظهر في أشكال متنوعة كثيرة، مثل الكلام والصور والمرئيات والعمل المكتبي والبرامجيات والفن والموسيقى والفواتير وأسعار الأسهم وإقرارات الضرائب والأوامر بالهجوم ورسائل الحب والقصص والأخبار. وكذلك فقد أبدعنا أيضا طرائق عديدة لإيصال المعلومات بدءا من صفحات الجرائد الكبيرة والرخيصة الثمن إلى نظم بريدية وشبكات الإذاعة والهاتف والتلفزيون. وفي الواقع، فإن كل تلك النظم تتطلب وجود عنصر بشري عند نقاط الاستقبال؛ لفهم وتنفيذ المعلومات عند وصولها.

 

وبالمثل، تقوم المعلومات بربط الحواسيب بالشبكات، التي يمكنها تأدية أدوار مشابهة تقريبا لدور البشر ونظم اتصالاتهم. فالحواسيب تقبل وتخزن وتعالج وتعرض المعلومات، في حين تقوم الشبكات، التي تربط الحواسيب بعضها ببعض، بنقل المعلومات بين هذه الحواسيب. يمكن للحواسيب أن تعالج المعلومات بطريقة أسرع بكثير مما يستطيعه الإنسان، ولكن لا يمكن للحواسيب، إطلاقا، فهم محتوى تلك المعلومات ـ التي تقوم بمعالجتها ـ كما يستطيع الإنسان فهمها. فالمعلومات بالنسبة للحواسيب هي منظومة من الأصفار والآحاد.

 

إن إحدى الأفكار الأساسية الكامنة وراء البنية الأساسية للمعلومات هي إعفاء الناس من جزء كبير من العمل المطلوب لإيصال ومعالجة المعلومات. ولكي يتم ذلك يجب على الآلات أن تعالج، بذكاء، بعض المفاهيم الهائلة التنوع التي تمثلها تلك المعلومات. وعلى تلك الآلات إذًا أن تبدأ بفهم، ولو بطريقة بدائية، معنى تلك الأصفار والآحاد. وبالمقارنة، فإن ما يحدث حاليا يماثل مجموعة من المتهاتفين يحاولون التفاهم مع بعضهم بلَغَط لا معنى له للإفصاح عن رسالة ما.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/12/SCI96b12N7-8_H03_006074.jpg

إن ڤويجر، أي الرحالة، عبارة عن نظام تخاطبي، يتعرف الكلام ويستجيب له، ويعمل كدليل لشوارع مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس، ويقوم معهد ماساتشوستس للتقانة بتطويره.

 

ومع ذلك، فإن عصر المعلومات له انعكاساته أيضا، وهذا ما سأوضحه في جملة التساؤلات التالية: هل ستوسع تلك التقانات الجديدة الهوة بين الغني والفقير؟ أنا شخصيا أشك في ذلك. وهل ستتسبب في إغراقنا بجبال من نفايات المعلومات غير المهمة؟ نعم، ولكن بإمكاننا أيضا استعمال تلك التقانات لحمايتنا من مثل هذه الأخطار.

 

هل ستهدد تلك التقانات بسلب البشر إنسانيتهم؟ إنني أرتاب في هذا. هل ستزيد تلك التقانات أيضا جرائم النخبة من ذوي الياقات البيضاء وانتهاكات خصوصية الأفراد؟ نحن لا نعلم هذا، ولكن يجب أن نكون يقظين.

 

وكما هي الحال في كثير من التغيرات التقانية، فإن الإمكانات الرائعة للمعلومات ـ التي نستعرضها في هذا العدد ـ هي نتيجة لسياسة انتهاز الفرص أكثر من كونها حاجة إنسانية ماسة. وعليه فنحن ـ مصممي ومستعملي تلك البنية الأساسية للمعلومات ـ نتحمل مسؤولية خطيرة تتمثل في فهم قيمة ودور المعلومات، بحيث يمكننا بطريقة أفضل تحويل معجزة تقاناتنا في اتجاهات ذات فائدة بدلا من اتجاهات إن لم تكن خطيرة فهي عبثية.

 

تمس المعلومات جميع فعاليات البشر. فهي تظهر في أشكال متنوعة كثيرة، مثل الكلام والصور والمرئيات والعمل المكتبي والبرامجيات والفن والموسيقى والفواتير وأسعار الأسهم وإقرارات الضرائب والأوامر بالهجوم ورسائل الحب والقصص والأخبار. وكذلك فقد أبدعنا أيضا طرائق عديدة لإيصال المعلومات بدءا من صفحات الجرائد الكبيرة والرخيصة الثمن إلى نظم بريدية وشبكات الإذاعة والهاتف والتلفزيون. وفي الواقع، فإن كل تلك النظم تتطلب وجود عنصر بشري عند نقاط الاستقبال؛ لفهم وتنفيذ المعلومات عند وصولها.

 

وبالمثل، تقوم المعلومات بربط الحواسيب بالشبكات، التي يمكنها تأدية أدوار مشابهة تقريبا لدور البشر ونظم اتصالاتهم. فالحواسيب تقبل وتخزن وتعالج وتعرض المعلومات، في حين تقوم الشبكات، التي تربط الحواسيب بعضها ببعض، بنقل المعلومات بين هذه الحواسيب. يمكن للحواسيب أن تعالج المعلومات بطريقة أسرع بكثير مما يستطيعه الإنسان، ولكن لا يمكن للحواسيب، إطلاقا، فهم محتوى تلك المعلومات ـ التي تقوم بمعالجتها ـ كما يستطيع الإنسان فهمها. فالمعلومات بالنسبة للحواسيب هي منظومة من الأصفار والآحاد.

 

إن إحدى الأفكار الأساسية الكامنة وراء البنية الأساسية للمعلومات هي إعفاء الناس من جزء كبير من العمل المطلوب لإيصال ومعالجة المعلومات. ولكي يتم ذلك يجب على الآلات أن تعالج، بذكاء، بعض المفاهيم الهائلة التنوع التي تمثلها تلك المعلومات. وعلى تلك الآلات إذًا أن تبدأ بفهم، ولو بطريقة بدائية، معنى تلك الأصفار والآحاد. وبالمقارنة، فإن ما يحدث حاليا يماثل مجموعة من المتهاتفين يحاولون التفاهم مع بعضهم بلَغَط لا معنى له للإفصاح عن رسالة ما.

 

إن فهم قيمة المعلومات صعب حتى على الإنسان. وعلى الرغم من أننا محاصرون بالمعلومات باستمرار، فكل ما لدينا هو فهم حدسي لمعناها وإحساس ضئيل بكيفية تقييمها. مثلا، ما قيمة تقرير من 300 صفحة عن أسهم شركة ما؟ وما الذي يجعل كتيبا من 15 صفحة أو معلومة سرية منتقاة بعناية، عن أسهم تلك الشركة، أكثر قيمة من ذلك التقرير؟

 

وإلى أن نضع تفسيرا أفضل، اسمحوا لي أن أقترح التفسير التالي لقيمة المعلومات: تكون للمعلومات قيمة اقتصادية إذا ما مكنت الناس من الحصول على سلع مادية ملموسة. وبالمثل تكون للمعلومات قيمة غير مادية إذا ما مكنتهم من إشباع رغباتهم الحسية. وعلى سبيل المثال، فإن قائمة بأسماء وعناوين مشترين محتملين هي ذات فائدة لناشر ما؛ لأنها ستمكنه من زيادة مبيعاته، أما مشاهدة مسلسل تلفزيوني فلها فائدة لأولئك الراغبين في المشاركة بتجربة عاطفية جياشة.

 

ولأن المعلومات تؤدي بطريقة غير مباشرة إلى الحصول على المنتجات، فيبدو أنه من المعقول تقييم المعلومات كجزء من قيمة تلك المنتجات المادية. وإذا كانت المعلومات تؤدي إلى الحصول على المنتجات عن طريق أجزاء معلوماتية وسيطة يؤدي كل منها إلى الآخر، بوساطة المعالجة، فيجب تقييم جميع البيانات (المعطيات) data والبرامج programs الوسيطة بطريقة معاكسة، أي بدءا من النتائج النهائية.

 

وباستعمال الأفكار الآنفة الذكر، يمكننا قياس القيمة الاقتصادية لكل ما سوف ينتج من انتشار أنظمة الحواسيب والشبكات في المستقبل على أنها جزء من السلع المادية التي تؤدي إليها تلك الأنظمة. وحاليا يُقدِّرُ بلد متقدم صناعيا، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، قيمة ما يملكه من المكونات المادية (المعدات) hardwareللحواسيب وبرامجياتها software ـ بما في ذلك الجهد الذي يتطلبه تشغيل الأنظمة الحاسوبية الخاصة بالمؤسسات ـ بما يقارب عُشر الناتج القومي الإجمالي GNP أي نحو 500 بليون دولار أمريكي. ومع ذلك، ولأن نحو ستين في المئة من القوة العاملة لديها وظائف ذات صلة بالمعلومات، فإن قيمة معالجة المعلومات المحوسبة ربما تنمو إلى نسبة أكبر في اقتصاد الولايات المتحدة.

 

إن تقييم المعلومات بهذه الطريقة يبرز بعض الدروس المنبهة التي يجب أن تكون في ذهننا ونحن نهم بدخول عصر المعلومات. ولكي تكون ذات قيمة لنا، فيجب على الحواسيب وشبكات الغد أن تساعدنا على تحقيق أهدافنا المادية، وفي الوقت نفسه يجب أن تحمينا من وابل نفايات المعلومات التي ينتجها الآخرون أثناء عملهم لتحقيق أهدافهم. هذا الهدف يرفع من أهمية حاجة الحواسيب والشبكات إلى فهم قدر كاف من محتويات المعلومات، بحيث تستطيع عزل وتبسيط وتقديم المعلومات المفيدة واستبعاد غيرها، قبل أن تزحم بشكل فوضوي حياة مستخدميها.

 

إن التفكير في قيمة المعلومات يمدنا بدرس آخر: إن المعلومات ومعالجتها ذات قيمة أقل في البلدان الفقيرة لأنها لا تؤدي إلى كثير من السلع والمنتجات المادية. ومع ذلك فهناك طرق أخرى يمكن أن تؤدي المعلومات بوساطتها دورا مهما في تلك البلاد. ففي إمكانها مثلا، مساعدة الناس في تعلم كيفية العناية بصحتهم بطريقة أفضل، أو في إصلاح الآلات، أو في إيجاد طرق أفضل للفلاحة. ومن الممكن أيضا أن تؤدي المعلومات إلى تحسن طرق توزيع الأدوية والمواد الغذائية. والبلاد التي لديها مخزون من العمالة المدربة، مثل الهند، يمكنها أن تزيد من دخلها من العملة الصعبة من خلال إنتاج برامج للحاسوب يتم تصديرها للخارج.

 

وبالمقارنة، فإن المعلومات تزيد من ثروة أولئك الذين لديهم منتجات مادية، لأن تلك المجتمعات باستطاعتها استعمال نظم المعلومات التي تؤدي إلى إنتاج تلك المنتجات المادية. وإذا لم تدرك الدول الغنية أن من واجبها مساعدة الدول النامية، لاستعمال التقانات المتطورة استعمالا جيدا، فإن عصر المعلومات سيكون من شأنه زيادة الهوة بين من يملكون ومن لا يملكون.

 

ويجب أن تتذكر الدول الغنية أنه إذا ما فتنها وأعماها بريق عصر المعلومات وأهملت إنتاج وتحسين الثروات المادية، مثل الغذاء والبضائع المصنَّعة والموارد الطبيعية والخدمات الإنسانية، فإن المعلومات بكمها الهائل لن تؤدي إلى شيء، ومن ثم فسوف تنهار. إضافة إلى ذلك، فإن المعلومات ذات قيمة ثانوية بالنسبة إلى احتياجات الناس الأساسية، مثل الغذاء والمسكن والصحة والعلاقات الإنسانية. ففي الأزمات ستجد حتى أكثر البارعين والملتزمين في علم الحاسوب يقايضون ملايين البايتات bytes من البرامجيات مقابل كِسَر قليلة من الخبز.

 

بعد أن نبني بنية معلوماتية أساسية تدعم عملنا، سوف نبدأ بجني قيمة المعلومات. فشبكة النسيج (العنكبوتية) الحالية المكونة من الحواسيب والهواتف والإذاعة والأنواع الأخرى من الشبكات، لا تكوّن نوع البنية الأساسية القوية للمعلومات التي نتخيلها، مثلما لم تمثل الآلاف من الطرق الترابية في أوائل هذا القرن شبكة الطرق السريعة القومية في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد استطاع المسافرون ذوو الجرأة التنقل بسياراتهم من مكان إلى آخر على تلك الطرق الترابية الملتوية، ولكن مثل تلك الرحلات كانت بطيئة ومرهقة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/12/SCI96b12N7-8_H03_006075.jpg

نموذج أولي لأداة طبية متعددة الوسائط، طورته شركة نينكس ويعرض على شاشة عالية المَيْز resolution، ويبين نوع المعلومات التي يستطيع الوصول إليها أطباء أربع مستشفيات بمدينة بوسطن عن طريق شبكة تجريبية.

 

إن البنى الأساسية العريقة والراسخة، مثل نظام الطرق السريعة الحالي وشبكات الهواتف والكهرباء، لها خصائص بسيطة عديدة ولكنها مؤثرة. فكلها متاحة بشكل واسع: الطرق المرصوفة جيدا وهاتف واحد على الأقل وعدة مقابس كهربائية، كل هذا متاح لكل أمريكي تقريبا. تلك البنى الأساسية سهلة الاستعمال أيضا ولا تحتاج إلى أكثر من إدخال قابس في مقبس (مأخذ) كهربائي أو التحدث في الهاتف. والأكثر أهمية من ذلك هو أن هذه البنى الأساسية تعمل كأساس لعدد لا يحصى من الفعاليات المفيدة. نقوم بإتمام الصفقات والثرثرة مع أفراد العائلة عن طريق الهاتف ونقل الناس والغذاء والبضائع التي لا حصر لها على الطرق السريعة، وهلم جرّا.

 

وباستعمال تلك المقاييس، نرى أن البنية الأساسية للمعلومات غير متوافرة في أي مكان في العالم. فلا يزال تعلم استعمال الحاسوب يصيبنا بالصداع. ومن المستحيل عمل برنامج تطبيقي واحد يمكن استعماله في جميع حواسيب الولايات المتحدة.

 

ولكي نتخلص من الفوضى الحالية ونصمم حواسيبنا وشبكاتنا كبنية أساسية حقيقية، يجب علينا أن نمنح الشبكات ثلاث قدرات أساسية: مقدرة مرنة لنقل المعلومات وخدمات مشتركة ومصطلحات للاتصال متعارفة.

 

إن النقل المرن يعني أنه يمكن للبنى الأساسية حمل المعلومات، بين الحواسيب، بدرجات متفاوتة من السرعة والسرية والوثوقية. وهذا مختلف تماما عن مقدرة البنية الأساسية للهواتف، التي صممت لحمل إشارات رقمية صوتية بسرعة ثابتة مقدارها 64000 بتة في الثانية بدرجة منتظمة من السرية والوثوقية.

 

صممت الهواتف للاستعمال البشري فقط، في حين تحمل الحواسيب فعاليات أكثر تنوعا. وبإمكان الحواسيب إيصال   المعلومات بسرعات تتراوح ما بين بضعة آلاف من البتات في الثانية لإرسال رسالة قصيرة، وعشرات الملايين من البتات (ميگابتة) في الثانية لإرسال صورة مرئية عالية الوضوح.

 

وتبعا للأعمال المنوطة بها، فإن الحواسيب لها متطلبات أمنية وأحقية ولوج متغيرة: فترتيب قرض شخصي إلكترونيا يتطلب سرية أكثر من الثرثرة بحرية خلال لوحة إلكترونية عن فريق لكرة السلة ذائع الصيت. وهناك أيضا رسائل تتطلب دقة في إرسالها أكثر من غيرها. فنقل برامجيات أو أموال أو بيانات طبية تتعلق بها حياة شخص ما تتطلب دقة متناهية. ومن ناحية أخرى فإنه يمكن التغاضي عن بعض الدقة عند إرسال الصور: ففقدان قليل من البِتات في هذه الحالة لا يغير من مضمون الصورة.

إذا كان للحواسيب أو مستخدميها القدرة على التحكم في اختيار سرعة وأمن ووثوقية تراسل البيانات المناسبة لعملهم، ففي هذه الحالة، ما على مستخدمي الحواسيب إلا أن يدفعوا نفقات الخدمات التي يريدونها فقط. أما البديل، أي وجود خدمة ذات أمن عال وسرعة فائقة في التراسل من شأنها الوفاء بكافة الاحتياجات المتوقعة، فسيكون بالغ التكلفة لدرجة يصبح معها شيوع استعماله أمرا مستحيلا.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/12/SCI96b12N7-8_H03_006076.jpg

http://oloommagazine.com/images/Articles/12/SCI96b12N7-8_H03_006077.jpg

مصنع من دون أوراق، وهو مصنع رايشم أدڤانتر بمدينة ريتشموند في ولاية برتش كولومبيا بكندا، ويعتمد على الحواسيب في كل خطوة من خطوات إنتاج مجموعات صغيرة جدا من مهايئات adapters الألومنيوم بآلاف الأحجام. يستقبل عامل فني معلومات مباشرة (فورية) on-line عن العمل التالي، ويستعمل نظاما بصريا لقياس خصائص القطع الجديدة، ويمكن بالتالي ضبط المخرطة في 12 دقيقة فقط (في الأعلى). وحينما تبدأ المخرطة ـ المحوسبة التحكم ـ بقطع الأجزاء (في الأسفل)، يمكن لعامل فني آخر مراقبة العمل باستعمال سلسلة متصلة من بيانات التحكم في الجودة.

 

وكما يبين <G .V. سرف>، فإن الولايات المتحدة تتقدم بالتدريج نحو بناء المكونات المادية لشبكات مرنة [انظر: “الشبكات الحاسوبية”، في هذا العدد]. وتقوم شركات الاتصالات الهاتفية أو الشبكات الأخرى بصفة مستمرة بتركيب خطوط الألياف الضوئية optical fiber lines التي بإمكانها إرسال آلاف أضعاف، أو حتى مئات آلاف أضعاف الرسائل، التي تحملها خطوط النحاس التقليدية. وقد ظهر حديثا نظام للخدمات الهاتفية المستقبلية، ويدعى الشبكة الرقمية العريضة العُصبة والمتكاملة الخدمات، سيمكِّن مستخدميه من إرسال البيانات بسرعة تبلغ 150 ميگابتة في الثانية. ومن المحتمل أن تتمكن الولايات المتحدة الأمريكية، في نهاية التسعينات من هذا القرن، من وضع شبكة بسعة گيگابتة موضع الاستعمال، يكون بإمكانها نقل صور مرئية تضاهي أفضل صور المعارض الفنية، من حيث حيويتها ووضوحها.

 

وتعني الخدمة المرنة أيضا أن يتمكن الناس من الولوج إلى البنية الأساسية المعلوماتية متى وأينما يشاؤون. إن الشبكات اللاسلكية ـ المبنية على النظام الخلوي ـ والأقمار الصنعية ستجعل هذا ممكنا، وذلك بالسماح للسيارات والمارة في الطرقات بأن يكونوا جزءا من البنية الأساسية العالمية للمعلومات.

 

أما العنصر الثاني لبنية أساسية لائقة للمعلومات، فهو مجموعة من الخدمات المشتركة والمتاحة لكل فرد. يجب على الأقل أن يتوافر حد أدنى أساسي وضروري من الموارد (البيانات) المشتركة كالفهارس (دليل الهاتف مثلا) تضم قائمة بالخدمات والمستخدمين. ومن الممكن أيضا وجود بيانات أكثر ثراء يمكن استعمالها على نطاق العالم، مثل: التعليمات الخاصة بالضرائب الحكومية وقوانينها وبيانات الإحصاء السكاني واللوحات الفنية الموجودة بالمتاحف القومية، والخمسة عشر مليون كتاب الموجودة بمكتبة الكونگرس الأمريكي.

 

ولكي نفهم العنصر الثالث والأكثر أهمية للبنية الأساسية للمعلومات، وهو مصطلحات الاتصال المتعارفة، لنتأمل مرة أخرى الإحباط الذي يصيب الأفراد عندما يحاولون التخاطب بلفظ لا معنى له عبر الهاتف. بإمكان أي شخصين الاتفاق على إعطاء معان لبعض ذلك اللغط، حتى يتمكن أحدهما من مخاطبة الآخر. ومع أن هذه الطريقة تبدو بدائية فإنها تستعمل اليوم في بعض الحواسيب المرتبط بعضها ببعض، كاتفاق بين شركة ما مع موردها، أو بين مجموعة أشخاص في شركة كبيرة واحدة على صيغ محددة لتبادل المعلومات. ومع أنه يمكن لهذه الطريقة أن تستعمل بين عدد قليل من الأشخاص، فإنها تصبح غير معقولة لتجمعات أكبر. إنه من الأجدى اقتصاديا أن يتفق الجميع على بعض المصطلحات، أي الاتفاق على لغة مشتركة.

 

إحدى الطرق التي يمكن بها إنشاء مثل تلك اللغة للحواسيب تتضمن ما أحب أن أسميه النماذج الإلكترونية electronic forms E-forms. هذه النماذج التي تكافئ نماذج طلب الشراء عن طريق البريد، يمكن لأي حاسوب من حواسيب الشبكات تعرفها إذا ما اقتضت الحاجة ـ وهناك قليل من هذه النماذج تستعمل حاليا. منذ بضع سنوات اتفقت بعض الشركات على نموذج أشمل يدعى تبادل البيانات إلكترونيا electronic data interchange  EDI) لإجراء المبادلات المالية والتجارية، بما في ذلك إرسال الفواتير وطلبات قطع الغيار. وتقدم بعض الخدمات الإلكترونية، مثل پرودجي Prodigy (استحدثتها شركات سيرز روبوك وشركاهما والشركة IBM) وكومبيوسيرڤ compuserve وداو جونز للأنباء/والاسترجاع، تقدم نماذج إلكترونية لطلب تذاكر الطيران وبعض المشتريات. ولسوء الحظ فإن هذه النماذج الأولية لا تستعمل على نطاق عالمي في الحواسيب، بل ينحصر استعمالها على أولئك الزبائن الذين يدفعون اشتراكا نظير تلك الخدمات.

 

وفي آخر الأمر، فسوف يمكن تعبئة مثل هذه النماذج بالتخاطب الصوتي، بدلا من الطباعة التقليدية. ويوجد حاليا قليل من النماذج الأولية من هذا النوع: يستعمل السماسرة في شركة (شيرسون ليهمن وإخوانه) ونحو 40 شركة أخرى طريقة تشغيل الأجهزة صوتيا لتسجيل مبيعات السندات الحكومية. ولكن تلك الأجهزة لها عدد محدود من مفردات المخاطبة ويجب تمرينها لفهم (صوت) أي سمسار معين. هناك أيضا نظام أبحاث في معهد ماساتشوستس للتقانة (MIT) يدعى نظام معلومات الرحلات الجوية (ATIS)، يساعد الذين يودون حجز مقاعد لهم على خطوط الطيران. يفهم هذا النظام الكلام المتواصل لأي متحدث، حتى الذين لهم لكنة أجنبية، شريطة أن يطلب المتحدث شراء تذكرة طيران. ويصوغ الناس أسئلتهم عادة بطرق مختلفة، ومع ذلك يحتاج الحاسوب فقط إلى وضع السؤال في واحد من عدد محدود من الأصناف. وعليه، فإن النماذج الإلكترونية الصوتية أكثر جدوى في فهم التخاطب من النظم ذات الأغراض العامة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/12/SCI96b12N7-8_H03_006078.jpg

يمكن الحجز بمطعم، بطريقة مباشرة ، بوساطة دليل حاسوبي طورته الشركة IBM للمعرض العالمي الذي أقيم في إسبانيا عام 1992. يختار المستعمل نوعا من الطعام، ثم تقوم شبكات الحواسيب بطرح أسماء المطاعم وقوائم الطعام المناسبة، كما أنها تقوم أيضا بالحجز. إضافة إلى ذلك، يؤمن هذا النظام أيضا لوحة إعلانات إلكترونية.

 

وتستطيع هذه النماذج الربط بين لغات مختلفة، سواء كانت كتابة أو تخاطبا. فمثلا عندما يطلب أمريكي شراء حذاء إيطالي عليه أن يعبِّئ النموذج باللغة الإنكليزية، الذي يترجم بدوره آليا إلى النموذج المناظر بالإيطالية. مثلُ تلك التسهيلات في الترجمة ربما تجعل النماذج هذه عاملا أساسيا للوحدة التجارية التي تصبو إليها المجتمعات الأوروبية، بإعداد الدول المشاركة بطريقة سهلة للتغلب على الحواجز اللغوية عند القيام بمبادلات تجارية روتينية.

 

وكبديل للنماذج الإلكترونية الإسبرانتية(2) Esperanto، فهناك النوبوتKnowbot، الذي طوره سرف و <E .R. كان> في شركة مبادرات البحث القومي (CNRI). و”النوبوت” هذا هو برامج مصممة بوساطة مستعمليها للتجول خلال الشبكات للتفتيش عن المعلومات المتماثلة وفهمها بغض النظر عن اللغة أو الشكل الذي عُبر عنها به.

 

لنفترض مثلا، أنك تريد إعداد قائمة لجميع أنواع السيارات التي تكون المسافة فيها بين المقاعد الأمامية والخلفية كافية لجلوس طوال القامة، على ألاّ يزيد سعر السيارة على 000 18دولار أمريكي. إذا ما وجدت في البنية الأساسية للمعلومات جميع التفاصيل عن السيارات المختلفة، ولكن تلك التفاصيل كانت ممثلة بنماذج مختلفة بوساطة صانعي السيارات، عندئذ يمكنك إطلاق واحد من هذه “النوبوتات” ليتجول خلال الشبكة، ويمسح النماذج المختلفة. إن لدى ذلك “النوبوت” قدرا كافيا من فهم الطرق المختلفة الممثل بها النوع نفسه من المعلومات بحيث يمكنه التقاط التفاصيل ذات الصلة من كل بند. بعد ذلك يقوم “النوبوت” بمعالجة المعلومات وتقديمها إليك بطريقة مفيدة ومألوفة. هناك نموذج رائد من هذا “النوبوت” صممته الشركة CNRI يقوم بتمشيط قاعدة بيانات، طورتها المكتبة القومية الطبية (NLM)، للبحث عن حقائق بارزة عن الناس في قواعد للبيانات متاحة للعموم.

 

يمكن تهيئة النوبوت ليلبي احتياجات شخص ما ويمكنه معالجة تمثيلات مختلفة للمعلومات، لذا فهو يبدو أكثر جاذبية من النموذج الإلكتروني الآنف الذكر، ولكن إن أردنا لتلك البرامج أن تقوم بمهمات أكثر ذكاء فإننا نواجه صعوبة وتحديا أكبر في مراحل بنائها.

 

وفضلا عن إنشاء بنية أساسية لها العناصر الثلاثة الآنفة الذكر، يجب علينا أيضا تطوير برامجيات ومكونات مادية حاسوبية بإمكانها ربط الحواسيب والمستخدمين بالبنية الأساسية للمعلومات بطريقة طبيعية. يناقش <G .L .تسلر> كيف يتمكن المصممون من محاولة تحويل المكونات المادية هذه إلى أدوات سهلة الاستعمال كساعة المعصم [انظر: “الحوسبة المشبكة في التسعينات”، في هذا العدد]. والأهم من ذلك هو كيفية ربط الناس والآلات، على مستوى إدراكي، بحيث يمكنهم التخاطب بلغة مفهومة بدلا من اللغط. وللوصول إلى ذلك، يقترح . <M. وايسر> أن نجد طرقا تختفي فيها المكونات المادية الحاسوبية في نسيج الخلفية البيئية، وهذا ما يدعم فهمنا للأحداث والناس من حولنا بصورة أفضل [انظر: “حاسوب القرن الحادي والعشرين”، في هذا العدد].

 

إن البنية الأساسية الأكثر حيوية، التي يمكن بناؤها، هي تلك التي تسمح للسوق الحرة بالانتعاش. وستؤدي شركات الاتصالات الهاتفية دورا رئيسيا لوضع خطوط الألياف الزجاجية اللازمة للشبكات، وبالتالي تتحمل هي مسؤولية تقديم خدمات مرنة لنقل المعلومات، وحد أدنى من الخدمات، والوصول إلى الموارد الرئيسية المشتركة. لكن يجب على شركات الهاتف، أو أي هيئات مركزية أخرى، ألا تقرر ماهية اصطلاحات الاتصالات المتعارفة والتي يجب تقديمها، بل يجب أن يكون هذا دور مجموعات ذات اهتمام خاص تعمل خارج نطاق الشركات التي تنقل المعلومات. إضافة إلى ذلك، يجب على أي وكالة مركزية أن تقرر ما هي الخدمات التي ستقدم من خلال البنية الأساسية للمعلومات. تلك المنتجات والخدمات الجديدة يجب أن تصمم بوساطة ملايين الناس وحواسيبهم التي ستستعمل البنية الأساسية، حسب ما تتطلبه خططهم وأغراضهم الخاصة.

ستشبه البنية الأساسية للمعلومات، حينئذ، أحد أسواق القرى القديمة. ستشترى بضائع وخدمات مختلفة وستباع في ذلك السوق الجديد للمعلومات، كما أحب أن أسميه. وكما هي الحال في الأسواق التقليدية، فلن تكون جميع المبادلات نقدية. سيقوم البعض بنشر مخطوطات مجانا وسيشترك بعضهم في المداولات، في حين سيتعاون البعض بطرق خلاّقة ومفيدة ومثمرة، وسيتم كل هذا من خلال الشبكات.

 

يمكننا البدء بتصور سوق المعلومات بالتأمل في الطريقة التي سيغيّر بها ذلك السوق الخدمات التقليدية في معالجة المعلومات، كما هي الحال في بريد الأعمال الحالي. لا يوجد أي مبرر لمعاملة معظم هذا البريد كبضائع ثمينة. فعادة ما يكون فحوى الرسالة أهم من الورق الذي كتبت عليه. مثلما لا يعني أن علينا بالضرورة أن نرسل صورة مرئية لوردة حمراء متألقة إلى أحد نحبه. ولكن حينما يكون المحتوى أهم من الوسيط فإنه من التبذير أن ننقل الورق الذي يحتوي على الرسالة.

 

إن من شأن بريد إلكتروني ـ مرن وسريع، على مستوى الدولة ـ أن يثري بشكل درامي المنافسة بين الصناعات الوطنية. ولكي تصبح دولة ما منتجًا رئيسيًا للبضائع والخدمات الصناعية، فإن ذلك يتوقف على نوعية وتكاليف منتجاتها، وعلى السرعة التي تصل بها تلك المنتجات إلى الأسواق. إن تخفيض تكاليف الإنتاج وتقصير الزمن المطلوب لتصميم وإنتاج وبيع وصيانة المنتجات، كل هذا له علاقة وثيقة بالسرعة والمرونة التي يتم بها إيصال ومعالجة المعلومات التجارية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/12/SCI96b12N7-8_H03_006079.jpg

كتب دراسية مفصلة حسب الطلب، يمكنها مساعدة المدرسين على تصميم الدروس التي تلبي احتياجات معينة للطلبة. تظهر هنا نتيجة أحد تلك الجهود وهو برنامج بريميس من الشركة ماكگرو ـ هيل.

 

وإضافة إلى طرق الإعلان التقليدية، فإنه بإمكان حواسيب أصحاب الصناعات الاستجابة مباشرة إلى أسئلة عن منتجات ذات سمات وأسعار معينة، تُوجَّه بوساطة حواسيب لمستهلكين محتملين. مثلا، تتصل مستهلكة ما بحواسيب أصحاب الصناعة قبل شراء سيارة، عن طريق البنية الأساسية، طالبة سمات أساسية معينة للسيارة، مثل الدفع بوساطة الدواليب الأربعة، وتفحُّص النماذج المناسبة، ثم نقوم بتفصيل السيارة طبقا لاحتياجاتها ورغباتها، وذلك بانتقاء بعض الخيارات المعينة وقماش مقاعد السيارة ولونها.

 

بعد أن تتم الصفقة يقوم طلب المستهلكة بإطلاق ما يشبه “الانفجار” من الفعاليات في شبكة الحاسوب. فينشر مواصفات المستهلكة آليا إلى سلسلة من الأوامر للنظم والنظم المساعدة للسيارة. فيولد هذا الطلب توجيهات تنظم وقت وصول تلك القطع إلى قاعة الإنتاج وتوجيهها لتجميع القطع كلها. مثلُ تلك الخدمات تؤدي إلى إنتاج بالجملة لمنتجات مُصمَّمة حسب الطلب، وكما يوضح . <W .T. مالون> و <F .J. روكارت>، فإنه من المحتمل أن تمكِّن الشبكات المقاولين المستقلين من إنشاء منظمة ـ بين عشية وضحاها ـ لتلبية طلب معين لمستهلك ما ثم تقوم بتفكيكها بالسرعة نفسها [انظر: “الحواسيب والشبكات والمؤسسات”، في هذا العدد].

 

سيبدل سوق المعلومات أيضا الطريقة التي نتعامل بها مع شركاء بعيدين عنا جغرافيا. يعقد حاليا عدد متزايد من المؤتمرات خلال شبكات اتصالات مرئية. ولكن مثل تلك المؤتمرات مازالت تتطلب وجود المشاركين في المكان المناسب والوقت المناسب. ستؤدي مساع جديدة لمثل ذلك التعاون إلى ضمان حرية الأفراد في المشاركة باجتماعات متأخرة أو موزعة. يناقش <L. سبراول> و <S. كيسلر> النتائج الاجتماعية والإدارية لمثل ذلك التعاون المتحقق يوما ما. [انظر: ” الحواسيب والشبكات والأعمال”، في هذا العدد].

 

وهناك خدمات وفرص أخرى تصبح ممكنة كلما أذابت البنية الأساسية الحدود الجغرافية والزمنية. إن تشخيص الأمراض عن بعد ـ وربما ذات يوم، معالجة البيانات عن بعد ـ سيصل بين الخبراء والمرضى المحتاجين الذين يبعدون آلاف الأميال. وآمالنا بالربط بين مكان العمل والبيت ستصبح حقيقة راسخة بعد طول انتظار. وبجانب إعطاء كثير من الناس راحة العمل في البيت، ستتيح الشبكات ـ أيضا ـ فرص عمل جديدة للآباء والأمهات الذين لا يستطيعون مغادرة منازلهم وكذلك للمعاقين جسديًا.

 

ونظرا لسرعة البنية الأساسية في نقل ومعالجة المعلومات، فإن الخدمات التي من المحتمل أن تصبح الأكثر كفاءة هي تلك الخدمات التي تتعامل فقط مع المعلومات. ومن الممكن أن يصبح الحصول على استشارة بخصوص مشكلة قانونية أو تمويلية أو طبية معينة عملا سهلا وقليل التكلفة نسبيا. وسيصبح بإمكان الذين يتطلعون إلى القيام برحلة أثناء إجازاتهم أن يستكشفوا منتجعهم في جزيرة نائية مرتقبة وهم جالسون في بيوتهم قبل حجز تذاكرهم. كما سيمكن الحصول على إجابات للاستفسارات عن القوانين الحكومية في دقائق بدلا من شهور. وستصبح الاستشارات الخاصة ببناء منزل أو عمل كعكة في متناول اليد في أي وقت.

 

تستعمل الحواسيب حاليا بشكل مكثف في التدريب العسكري، فالأجهزة المصمَّمة خصيصا لمحاكاة الطيران للطيارين والمناورات العسكرية للاستراتيجيين، كلها أصبحت الآن تدريبات شائعة. وكلما قلّت تكلفة شبكات الحواسيب وزادت قوتها أصبح بإمكان الشركات أيضا أن تتحمل نفقات مثل هذه الفعاليات. من المحتمل أن تدرب شركة ما مديريها بمواجهتهم بمشكلات محاكاة تتضمن شكاوى المستخدمين أو عوائق تنفيذ المشروعات أو مشكلات بين بعضهم بعضا. وربما تقوم شركات أخرى ببيع خدمات مثل خدمات المحاكاة هذه في سوق المعلومات.

 

على الرغم من كثرة ما قيل وكُتِب عن الحواسيب والتعليم والتربية، فإننا لم نهتد بعد إلى الطرق الأكثر كفاءة لاستعمال الحواسيب في مساعدة الناس على التعلم. وكما يشير <C .A. كاي>، فالحواسيب ليس لديها قدرة الساحر على رفع مستوى التعليم في المدارس، إذ إنها لا تضيف ميزة تذكر عندما تستعمل لتدريب الطلبة على الحفظ [انظر: “الحواسيب والشبكات والتعليم”، في هذا العدد]. ولكن عند استعمال الحواسيب في التفاعل مع موارد غنية ثقافيا مثل المدرسين والمكتبات والمتاحف البعيدة، فإنه بالإمكان أن تصبح البنية الأساسية حليفا قويا في التعليم العام.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/12/SCI96b12N7-8_H03_006080.jpg

انفجار الكواكب “ستاربيرست 21# “، وهو عمل مولَّد بالحاسوب قامت به <L. شوارتز>. ويمثل هذا العمل وجهة نظر الفنانة بأن “باستطاعة الحاسوب القيام بما نعتقد نحن أن في إمكانه القيام به.” يظهر هذا العمل في دليل فنان الحاسوب Computer Artist’s Handbook والناشر هو <W .W. نورتون>.

 

وفي بعض الحالات الخاصة نكتشف محاولات تبدو فعالة. ففي المعهد MITيتعلم الطلبة، المشتركون في مشروع “أثينا”، اللغة الفرنسية من خلال اشتراكهم في محاكاة محاولة استئجار شقة في باريس. وتتولى صورة واضحة متحركة لمتحدث فرنسي توجيه الأسئلة التي يجب على الطلبة الإجابة عنها.

 

وفي نهاية المطاف فقد تتمكن البنية الأساسية من التوفيق بين الحواسيب التعليمية المفصَّلة حسب الطلب والتلاميذ. مثل ذلك الحاسوب “المعلم” قد يساعد طالبا ما على تحليل هندسي لجسر ما أو ـ على مستوى أكثر طموحا ـ تصميم الجسور. وإذا ما استطعنا تحقيق ما يحلم به الباحثون، فربما يستطيع حاسب معلم ـ أكثر تقدما ـ له موهبة<L .F. رايت> في التصميم وطريقته في المعالجة، أن يساعد طالبا ما في أن يصبح متدربا فعليا عند أحد الأساتذة.

 

ستتسبب البنية الأساسية للمعلومات في ازدهار صناعات الترفيه والنشر ازدهارا كبيرا. وسيكون في متناولنا، وبسهولة، ملايين الأفلام والحفلات الموسيقية وذلك باستئجارها من هواة جمعها الذين يعرضون بضاعتهم في سوق المعلومات. وسيفقد مذيعو المرئيات ومحطات الإذاعة ومحلات تأجير الأشرطة المرئية جزءا من احتكارهم، عندما تقوم سوق المعلومات بربط عارضي البضاعة بالراغبين فيها بجميع أنحاء الوطن والعالم.

 

من غير المحتمل أن تختفي الجرائد، وذلك لرخص ثمنها وسهولة الحصول عليها، ولكن سوق المعلومات سيصبح أيضا منبعا غزيرا للمعلومات المناسبة في وقتها، بما في ذلك النشرات والإعلانات والموسيقى والمرئيات، التي يقدمها شخص ما لأي فرد آخر ليطلع عليها ويمحّصها. ذلك الكم من المعلومات سيتيح بدوره فرصا لنوع من الناشرين الإلكترونيين والمستثمرين الذين يدققون في البحث عن مواد ثمينة كالألماس، لمراجعتها ونشرها إلكترونيا. ومع أن الناشرين قد لا يطبعون أعمالهم على الورق، فإن طبيعة جمع ونشر المعلومات لن تتغير. يصف <P .N. نيگروپونتي> المنتجات والخدمات، ذات الصلة بالنشر، التي سوف تظهر، وذلك في مقاله [انظر: “منتجات وخدمات للشبكات الحاسوبية،” في هذا العدد].

 

إضافة إلى أن سوق المعلومات سوف يثري قطاعات معينة من الاقتصاد، فإن فوائد جماعية أعظم ستنتج من ربط أجزاء من الاقتصاد كانت مبعثرة سابقا. فكّر مثلا، في التطور المحتمل للتلفزيون العالي الوضوح high-definition television  HDTV . عندما تكتمل البنية الأساسية للمعلومات ستختفي جميع التساؤلات المحيرة عن كيفية تطوير التلفزيون العالي الوضوح ومن سيتحكم فيه. عندئذ كل ما علينا أن نفعله هو ضبط مفاتيح النقل المرنة ليصبح التلفزيون العالي الوضوح حقيقة ملموسة تصل كل بيت ومكتب بكل المذيعين وبكل خدمات تأجير المرئيات في سوق المعلومات. إن بإمكان التوجيهات وتعليمات كيفية الأداء المتفاعلة والزيارات الفعلية للمتاحف ودورات تعليم المحاكاة، الاستفادة من قوة الرؤية التي يتيحها التلفزيون العالي الوضوح، وهذا بدوره يفيد منتجي البصريات العالية الوضوح وجميع الخدمات التي تستغل تلك الإمكانية، إضافة إلى إفادة الدولة التي تملك الثروة النفيسة للبنية الأساسية.

 

إلى أين سيقودنا هوس المعلومات هذا؟ بالتفكير إلى أي مدى سنستعمل التقانات لمد رحابة الطرق التي يعيش بها الناس ويتعلَّمون ويعملون، نتوقع أن تساعدنا بنية أساسية متحضرة من نواح ثلاث: أولا، سوف تعفينا من الأعمال الروتينية المملّة والمزعجة ذات العلاقة بمعالجة ونقل المعلومات. وفي هذه الحالة فإن فعالية الحواسيب ستحدها فقط الطريقة التي صممت بها لفهم المعلومات التي تصلها، بغض النظر عن كون تلك المعلومات قد قدمت بوساطة الناس أو بوساطة حواسيب أخرى.

 

ثانيا، سوف تساعدنا البنية الأساسية للمعلومات على الارتقاء بالطرق التي ننجز بها الأشياء إما بزيادة السرعة الحالية للعمليات أو بتحسين نوعيتها. ومع أنه يمكن تعجيل تدفق المعلومات إلى حد كبير إلا أن العمل الحقيقي المطلوب، بما في ذلك الأعمال المقصور إنجازها على البشر، هو الذي سيتحكم في مدى تلك التحسينات. ومهما كانت سرعة تدفق المعلومات فإن تجميع سيارة حقيقية من أجزاء فعلية يتطلب وقتا حقيقيا.

 

وثالث الطرق الرئيسية، التي ستؤثر بها الحواسيب والشبكات في حياتنا، هي إطلاق إمكانات لم تستكشف بعد. فالحوار الذي نلهو فيه والناس الذين نتعامل معهم هم أولئك الذين يقع عليهم اختيارنا، بغض النظر عن بعدهم عنا أو قربهم منا.

 

ومما لاشك فيه أن الحواسيب والشبكات ستتسبب، أيضا، في ديمقراطية الاتصالات البشرية. وعليه سيتمكن كل شخص تقريبا من تقديم أفكاره واهتماماته ومتطلباته للآخرين. وستتمخض عن تلك الحرية بلا شك آثار اجتماعية من ضمنها تكوين “قبائل إلكترونية” منتشرة على مسافات بعيدة.

 

إن التحكم في الصورة والصوت والكتابة عن طريق الحواسيب سيمكننا من استكشاف آفاق جديدة. وستصبح الحدود بين التجارب الحياتية الحقيقية والتجارب المحتملة غير واضحة المعالم. وحتى الأفلام السينمائية القديمة العادية ستستطيع تحسين أمزجة المشاهدين السلبيين. ما الإيحاءات التي ستنتج من أفلام الغد المتفاعلة عن طريق عدة حواس مع المشاهد؟

 

غض النظر عما سيكون لتلك الأدوات من قوة وتأثير، هناك حدود واضحة لمقدرتها على تغيير طرق معيشتنا: لا يوجد كم من الحقائق المفترضة يستطيع أن يحل مكان حاجات الناس الحقيقية. كما أنه ليس بإمكان الحواسيب والشبكات أن تزيد طاقة البشر على استيعاب المعلومات أو عدد الأشخاص الذين يمكن لشخص ما أن يتحاور معهم أو نوعية العلاقات الإنسانية.

 

وسوف تقدم البنية الأساسية للمعلومات، أيضا، تحديات للمجتمع. مثلا، من المسؤول قانونيا عن التصرفات الخاطئة لخدمات الحاسوب؟ في اعتقادي، إن الأشخاص ـ أو الشركات ـ الذين يستفيدون ماديا من جراء تقديم تلك الخدمات، هم المسؤولون قانونيا. كيف يمكننا ضمان خصوصياتنا الفردية في الشبكات، وفي الوقت نفسه حماية المستعملين للحواسيب من جرائم وڤيروسات الحاسوب؟ لا يمكننا الإجابة بشكل قاطع عن تلك التساؤلات بعد، ولكن يجب أن لا نتردد في محاولة الاستعداد لها، كما يفعل <W .A. برانسكومب> و <M. كاپور> [انظر: “قانون متعارف عليه من أجل حماية الحقوق في حقل إلكتروني متنام” و “الحريات المدنية في السايبرسبيس”، في هذا العدد].

 

وحتى عندما يثبت في النهاية أن بعض الآمال التي نسعى إليها ما هي إلا سراب، كذلك فإن بعض المشكلات أيضا ستتبخر كأضغاث أحلام. بعض الناس ينتابه القلق من أن تلك التقانات الجديدة ستنتزع منا إنسانيتنا. في أسوأ سيناريو “للفزع التقاني” يمكن تصوره، سيتحول الرجال والنساء المسمَّرون أمام شاشات الحاسوب والموصولون بالشبكات إلى شخصيات من دون أرواح، ويقعون في مصيدة العزلة القاسية الموحشة. أنا شخصيا لا أتوقع مثل تلك المخاوف. كما أن البشر ليسوا بتلك السذاجة، ولا يخلون من غريزة حب البقاء والسيطرة على أنفسهم بحيث يسلِّمون إنسانيتهم إلى الأدوات التي اخترعوها.

 

ستتطور البنية الأساسية للمعلومات، أولا، في البلاد الصناعية التي تحتاج إليها وتستطيع الإنفاق عليها. يعرِّف عضو مجلس الشيوخ < آل گور> الدور الذي يجب أن تؤديه الحكومات الوطنية لتنمية تلك البنى الأساسية [انظر: المرجع السابق]. فهذه البنية الأساسية، مثلها مثل الطرق السريعة ونظم الطاقة التقليدية، سوف تحاك بطريقة وثيقة في نسيج دولة ما، بحيث يصعب على الآخرين نقلها أو تقليدها. ومثل تلك البنى الأساسية التي ظهرت من قبل، ستعطي الذين قاموا ببنائها ميزات اقتصادية فريدة.

 

وبمجرد أن تضع عدة دول بنى أساسية وطنية للمعلومات، ستقوم تلك الدول بربط بعض هذه البنى ببعض، مثلما رُبطت شبكات خطوط الطاقة الوطنية وطرق الطيران ودوائر الهواتف في الماضي. وسينجم عن ذلك بنية أساسية دولية للمعلومات من شأنها أن تساعد شعوب العالم على بيع وشراء المعلومات وخدماتها وتتقاسم المعرفة والطاقة المبدعة. ونأمل أن يكون ذلك في مصلحة الجميع.

 

ستكون الفرص ومعها المشكلات ـ التي ستنشأ عن حواسيب وشبكات الغد ـ جديدة ومختلفة، ولا يمكن التنبؤ بها، كما أنها تستحق اليقظة المستمرة. فتسخير العوامل أو القوى الإلكترونية ـ التي سوف تبرز من تلك البنية الأساسية، بحيث تشد من أزر الإنسانية ـ سيكون تحدينا المطلق. ومع ذلك، فإن الفرص والمصاعب التي نواجهها ـ ونحن نحاول الوصول إلى أهدافنا في عصر المعلومات ـ تتشابه مع تلك التي صارعناها خلال العصرين الزراعي والصناعي. إن البديل، أي إغلاق الباب في وجه الاكتشافات التقانية كي نتجنب ما ينتج منها من السقطات الاجتماعية، أمر غير مقبول لدى الطبيعة الاستكشافية للروح البشرية.

 

 المؤلف

Michael L. Dertouzos

مدير معمل علم الحاسوب في معهد ماساتشوستس للتقانة، حيث يعمل هناك أيضا أستاذا في علم الحاسوب والهندسة الكهربائية. وهو عضو في الأكاديمية القومية للفنون والعلوم باليونان وعضو الأكاديمية القومية الأمريكية للمهندسين. ترأس ديرتوزوس لجنة معهد ماساتشوستس للإنتاجية الصناعية. حصل على الدكتوراه من معهد ماساتشوستس للتقانة. وفي عام 1964 انضم إلى هيئة التدريس هناك.

 

مراجع للاستزادة 

THE NATIONAL CHALLENGE IN COMPUTER SCIENCE AND TECHNOLOGY. Washington, D.C., Computer Science and Telecommunications Board, 1988.

SILICON DREAMS: INFORMATION, MAN, AND MACHINE. Robert W. Lucky. St. Martin’s Press, 1989.

BUILDING THE INFORMATION MARKET-PLACE. Michael L. Dertouzos in Technology Review, pages 29-40; January 1991.

M. I. T. PROJECT ATHENA: A MODEL FOR DISTRIBUTED CAMPUS COMPUTING. George A. Champine, Digital Press, 1991.

(1) اكتشاف أشياء مهمة مصادفة. (التحرير)

(2) لغة دولية مبسطة، ابتكرت لتعزيز التفاهم اللغوي بين جميع شعوب الأرض. (التحرير)

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق