غير مصنف

تصادمات المذنبات والكويكبات مع الأرض

1
تصادمات المذنبات والكويكبات مع الأرض

إن احتمالات تصادم جرم سماوي مع الأرض ضئيلة،

لكن نتائج هذه التصادمات إذا ما حدثت ستكون كارثية.

<T. گِيرلْزْ>

 

هل نحن عرضة للصدم من قبل كويكب؟ لقد انقسم علماء الكواكب حول إمكان حدوث هذه الكارثة، فمنهم من يرفض النظر إليها نظرة جدية في حين يعتقد آخرون بأن احتمال الموت نتيجة مثل هذا الصدم قد يكون أكبر من احتمال الموت نتيجة تحطم الطائرات. وبعد سنين من دراستي لهذه المسألة، أصبحت مقتنعا بأن هذا الخطر حقيقي. وعلى الرغم من أن حدوث تصادم ضخم أمر بعيد الاحتمال، فإن الطاقات التي يحررها التصادم قد تكون مروِّعة إلى درجة تكفي لطمس معالم مجتمعنا الهش.

 

لقد جعلت الكويكبات asteroids والمذنبات الحياة ممكنة على الأرض في مرحلة مبكرة من تاريخها وذلك بالتحامها بكوكبنا مما أمدّ هذا الكوكب الحديث الولادة بالماء. لكنها دمَّرت فعلا، مرة واحدة على الأقل، شكلا متقدما من أشكال الحياة على الأرض، وذلك حين قُتِلت الدينوصورات نتيجة تصادم هذه الكويكبات والمذنبات مع الأرض الأمر الذي مهَّد السبيل إلى حلول عصر الثدييات. ومع أن المخلوقات الآن، وللمرة الأولى، تطورت إلى درجة تمكنت فيها من انتزاع التحكم في مصيرها من الأجرام السماوية فإنه يتعين على البشرية التعامل بجدية مع هذا الخطر الذي يتهددها.

 

ومنذ قرابة أربعة بلايين ونصف من السنين تكوّن النظام الشمسي من غيمة من الغاز والغبار كانت تجري ملتفة كالدوامة. وفي باديء الأمر، فإن الكواكب الدقيقة planetesimals ـ وهي تجمعات غير مصقولة من مواد صخرية ـ التحمت ببعضها لتكوّن الكواكب. وبسبب الطاقة المحرّرة من الصخور المتصادمة، كانت بداية الأرض كرة مذابة نَجَم عن حرارتها المرتفعة غليانُ ثم تبخرُ المواد الطيّارة ـ الماء وثنائي أكسيد الكربون وغاز النشادر والميثان وغازات أخرى. وفيما كان يجري انتزاع مادة السديمية الشمسية الداخلية من قِبَلِ الكواكب الآخذة في النمو، تباطأت عملية قصف الأرض. وإذ ذاك برد الكوكب المتوهج وتكوّنت له قشرة صلبة. وفي ذلك الحين بالذات عاد الماء ـ وهو السائل المانح للحياة والذي يغطي ثلاثة أرباع سطح الأرض ـ محمولا على المذنبات الباردة الواردة من البقاع النائية من النظام الشمسي. وتبيِّن السجلات الأحفورية أنه عند ذلك بدأت أنماط بدائية من الحياة بالنشوء فورا.

 

إن المذنبات والكويكبات هي في الواقع بقايا كواكب دقيقة. وتقطن معظم الكويكبات الحزام الواسع بين مداري المريخ والمشتري. ولما كانت قريبة جدا من الشمس، فإنها تكوّنت ساخنة. وكما هي الحال على أرضنا في مراحلها المبكرة، فإن الحرارة العالية بخّرت المواد الخفيفة كالماء تاركة في المقام الأول السيليكا والكربون والمعادن. (ومنذ عهد قريب فقط عثر الفلكيون على عدد قليل من الكويكبات تحوي ماء متبلورا مطمورا في الصخور.)

 

وبالمقابل، فإن المذنبات تحوم قرب الأطراف الخارجية للنظام الشمسي. وفيما كان النظام الشمسي يتكوّن، قُذِفَ قدْر كبير من المادة إلى ما وراء مدارَي أورانوس ونبتون. ولما كان التحام المذنبات يتم بعيدا عن الشمس، فإنها وُلِدت باردة بدرجات حرارة منخفضة جدا بلغت 260 درجة مئوية تحت الصفر، مما أدى إلى محافظتها على المواد الطيارة والغاز والجليد والثلج. وما يسمى أحيانا الكرات الثلجية القذرة هي عادة تجمعات غير كثيفة من الكربون وعناصر أخرى خفيفة.

 

زوّار من نار

في عام 1950 كان <H.J. أورت>، أستاذ علم الفلك بجامعة لايدن في هولندا، يُلْقي محاضرات هناك؛ وقد سمح لي بالاستماع إليها كطالب لم يتخرج بعد. وخلال مراجعته بعضَ الحسابات الفلكية لطلبته، لاحظ أورت أن عددا من المذنبات المعروفة تبلغ أقصى نقطة لها عن الشمس ـ وهي الأوج ephelion ـ بعيدا جدا عنها. ثم ذهب إلى صياغة الفكرة القائلة بأن ثمة غيمة من المذنبات موجودة على شكل قشرة كروية منتشرة على مسافة 50000 وحدة فلكية تقريبا. (الوحدة الفلكية هي المسافة بين الأرض والشمس.) وهذه الغيمة البعيدة، التي قد تحوي 1013 جرم، تغلف النظام الشمسي.

 

تصل غيمة أورت إلى بقاع تبعد عنا خُمْس المسافة التي تفصلنا عن أقرب نجم منا وهو ألفا سِنْتُوري Alpha Centauri. لذا فإن قاطني هذه القشرة مقيدون على نحو غير محكم بالشمس وهم بالتالي معرَّضون للانزعاج بالحوادث التي تجري خارج النظام الشمسي. وإذا ما مرت الشمس قرب نجم آخر أو غيمة جزيئية ضخمة، فإن بعض مدارات هذه المذنبات ترتجُّ. وعند ذلك قد يتأرجح الكوكب الصغير في فلك إهليلجي ضيق يسوقه باتجاه النظام الشمسي الداخلي. وفيما يقترب من الشمس، فإن الحرارة تبخِّر مواده الطيارة التي تنطلق وكأنها خارجة من نبع ماء حار. وكان يُنظر إلى هذا المشهد السماوي في الحضارات القديمة على أنه نذير شؤم.

 

إن بعض الزوار من غيمة أورت لم يعودوا يشاهَدون ثانية قط، ولبعضهم الآخر أدوار periods تقصُر مع كل دورة كاملة لهم في أفلاكهم. والمذنبات المعروفة على أحسن وجه من بين هذه المذنبات هي تلك التي تعود بانتظام، مثل مذنب هالي الذي دوره 76 سنة. واحتمال تصادم مثل هذا المذنب مع الأرض ضئيل جدا لأن الفترة بين زياراته طويلة جدا. لكن أشكال أفلاك هذه المذنبات توحي بأن مذنب هالي أو مذنب سويفت-تاتل Swift-Tuttle (الذي دوره 1300 سنة) سيتأرجح أحيانا قريبا جدا من الأرض في آلاف السنين المقبلة، وهي فكرة تثير القلق.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/12/SCI96b12N9_H01_006237.jpg

فوهة نيزكية في أريزونا الشمالية قطرها 1.2 كيلومتر حَفَرَها كويكبٌ ضرب الأرض منذ 50000 سنة. ومع أن قطر الكويكب كان 30 مترا فقط فإن مادته المعدنية زودته بالقوة اللازمة لاختراق الغلاف الجوي للأرض دون أن يتفكك. ويصدم الأرضَ جسمٌ بهذا الحجم أو أكبر مرة كل قرن.

 

وفي عام 1951 ذهب <P.G. كوِيپَرْ>، الذي كان يعمل حينذاك في مرصد ييركس التابع لجامعة شيكاگو، إلى أن هناك حزاما آخر من المذنبات يقع خلف فلك نبتون مباشرة وأقرب كثيرا من غيمة أورت. وقد تمكّن<C.D. جيويت> و<J. لو>، اللذان يعملان في جامعة هاواي، من اكتشاف أول هذه الأجرام عام 1992 بعد بحث متواصل، وبلغ عدد الأجسام المنتمية إلى حزام كويبر التي تم اكتشافها 31 جسما. ويعدّ الآن بلوتو ذو الفلك الإهليلجي غير العادي أكبر هذه الأجسام. ويُطْلِق <C. طومبو> ـ الذي اكتشف بلوتو عام 1930 ـ على هذا الكوكب اسم «ملك حزام كويبر.»

 

لا يتم إثارة الاضطراب في المذنبات المنتمية إلى حزام كويبر على نحو مباشر من قِبَلِ النجوم، إذ إن هذه المذنبات يمكن أن تقترب من نبتون الذي إما أن يساعدها على الاستقرار أو، بالعكس، يلقي بها خارج مساراتها. (قد يوجد كوكب عاشر لم يُكتشف بَعْدُ بإمكانه أيضا إثارة مسار المذنبات، إلا أن الأدلة على وجوده غير حاسمة.) وقد تقترب المذنبات عندئذ إلى حد كبير من الشمس. ومع أن لتلك المذنبات التي تنتمي إلى حزام كويبر أدوارًا أقصر عادة من مثيلاتها للمذنبات التي تنتمي إلى غيمة أورت، فإن هذين النمطين من المذنبات يمكن أن يؤسَرا في أفلاك ضيقة حول الشمس. لذا فمن المستحيل الحكم على المصدر الذي أتى منه مذنب معين ـ مثل تمپل-تاتل Tempel-Tuttle الذي يندفع بسرعة  72 كيلومتر في الثانية كلما اقترب من الأرض كل 333 سنة.

 

إن بعض المذنبات مقيدة بأفلاك صغيرة، كما أن لها أدوارا قصيرة من مرتبة 10 سنوات. وتلقَى هذه المذنبات اهتماما أكبر من تلك التي تقترب منا كل قرن أو نحو ذلك. والتصادم مع مثل هذا المذنب ذي الدور القصير يمكن أن يحدث مرة كل ثلاثة ملايين سنة تقريبا.

 

بيد أنه إذا ما حدث تصادم لمذنب مع الأرض فإن النتيجة ستكون بمنزلة الفاجعة. وغالبا ما تكون أفلاك المذنبات مائلة بشدة على فلك الأرض، بل إن المذنب قد يسير في الاتجاه المضاد. وهكذا فإن المذنبات تتجاوز عادة الأرض بسرعة نسبية عالية. وعلى سبيل المثال، فإن مذنب سويفت-تاتل، الذي يبلغ قطره قرابة 25 كيلومتر، يتحرك قرب الأرض بسرعة 60 كيلومتر في الثانية، وفي حال تصادمه معها ستَحْدُث آثار مروعة.

 

وما لم يصدم المذنب شيئا ما، فإنه قد يظل نشيطا يبث غازات وغبارا طوال مدة يدور خلالها المذنب حول الشمس 500 مرة تقريبا. وفي نهاية الأمر تنفد المواد الطيارة منه ويغدو المذنب شيئا لا حياة فيه ولا يمكن تمييزه عن كويكب. ومن المحتمل أن نحو نصف أقرب الكويكبات منا كانت في الأصل مذنبات قصيرة الأدوار وماتت.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/12/SCI96b12N9_H01_006238.jpg

التهديد الناجم عن الكويكبات

يقع حزام الكويكبات، وهو مأوى معظمها، بين فلكي المريخ والمشتري. ويبين المخطط (في الأسفل)، الذي وُضع بالاستعانة بأرصاد فريق سپيس ووتش، أن الكويكبات الصغيرة الناتجة من تشظي الكويكبات الكبيرة، هي الأكثر عددا. وتظل الصخور عادة سابحة في مدارات دائرية مستقرة. إلا أن التصادمات، إضافة إلى التأثير التثاقلي لكوكب المشتري، يمكنها أن تُلْقي بها في أفلاك صغيرة غير مستقرة. ويمكن للكويكبات عند ذلك اقتحامُ النظام الشمسي الداخلي وجعلُ الأرض عرضة للتصادم معها.

 

الصخور الساقطة

وفي الواقع، فإن معظم الأخطار المحدقة بالأرض تنجم عن الكويكبات. وكما هي الحال في المذنبات فإن للكويكبات مدارات حول الشمس تكون عادة دائرية ومستقرة. لكن الكثير منها توجد في حزام الكويكبات مما يسمح بتصادم بعضها مع بعض.

 

ومن الممكن أن تنتهي التصادمات بالأنقاض الناجمة عنها إلى أفلاك غير مستقرة تتناغم (تتجاوب) resonate  مع فلك المشتري. ونظرا إلى كتلة المشتري الضخمة، فإن هذا الكوكب ينافس الشمس على التحكم في حركات هذه الشظايا، وبخاصة إذا ما حدث التناغم بين فلك الكويكب وفلك هذا الكوكب العملاق. وهكذا فإذا كان الكويكب، مثلا، يدور حول الشمس ثلاث مرات في الوقت نفسه الذي يدور المشتري حولها مرة واحدة، فإن التأثير التثاقلي للكوكب في الصخرة يتعزز كثيرا. ويشبه ذلك تماما حالة طفل في أرجوحة يرتفع أكثر فأكثر إذا ما قام شخص بدفعه في كل مرة تعود فيها الأرجوحة إليه. وبالتالي فإن الوكزات الإيقاعية للمشتري تجعل الكويكب في نهاية المطاف يغيّر فلكه الأصلي وينتقل إلى فلك يزداد شكله اختلافًا عن الشكل الدائري باطراد.

 

إن الكويكب إمّا أن يهجر النظام الشمسي أو أن يتحرك نحو داخل هذا النظام باتجاه الكواكب الصخرية. وفي النهاية تتصادم مثل هذه الأجسام الشاردة مع المريخ أو مع نظام الأرض والقمر أو مع الزهرة أو عطارد، أو حتى مع الشمس. وتقتحم شظية ضخمة النظام الشمسي الداخلي مرة كل نحو 10 ملايين سنة وتعمّر مدة تصل إلى هذا القدر من السنوات تقريبا.

 

ولتقدير احتمالات ضرب الأرض بهذه الصخور، يتعين أولا تصنيف الكويكبات حسب حجمها. فأصغر الكويكبات التي يمكننا رصدها، وهي ذات الأقطار الأصغر من بضع عشرات من الأمتار، نادرا ما تستطيع اجتياز الغلاف الجوي للأرض إذ إن احتكاكها بالهواء يولّد ما يكفي من الحرارة لتبخيرها. أما الكويكبات التي تتجاوز أقطارها 100 متر فإنها تمثل تهديدا حقيقيا. ويوجد 100000، أو نحو ذلك، من هذه الكويكبات تخترق النظام الشمسي الداخلي متجاوزة فلك المريخ. وتسمى هذه الأجسام الكويكبات القريبة من الأرض.

 

وفي عام 1908 دخل أحد هذه الأجسام، وكان مكوّنا من أنواع مختلفة من السيليكات وقطره قرابة 60 مترا، الغلاف الجوي وتفجر إلى أجزاء فوق وادي طونكوسكا في سيبيريا. ومع أن الشظايا لم تخلّف فوهة شبيهة بفوهات البراكين، فمازالت المنطقة الواقعة تحت الانفجار مغطاة بأشجار محروقة منتشرة في بقعة قطرها 50 كيلومتر تقريبا، وبغية تفسير هوية هذا الجسم الذي سقط في طونكوسكا فقد أُشيعت تكهنات خرافية كثيرة طوال عقود، وقُدّمت فرضيات مغرقة في الخيال، منها أن الكويكب كان ثقبا أسود صغيرا، أو أنه كان سفينة فضائية قادها غرباء عن الأرض. بيْد أن العلماء كانوا يدركون دوما أنها كانت مذنبا أو كويكبا.

 

إن الأحداث المماثلة لانفجار طونكوسكا قد تحدث مرة كل قرن. والأكثر احتمالا هو حدوثها فوق المحيطات أو البقاع النائية عن الأرض، لكنها ستكون مدمرة إن هي حدثت قرب منطقة مأهولة. فلو حدثت إحداها فوق مدينة لندن مثلا، فلن تتحول المدينة وحدها إلى خراب، بل ستتحول كل ضواحيها أيضا.

 

ومن بين الكويكبات الصغيرة فإن العدد القليل المعدني منها هو صلب بدرجة تُمَكِّنه من اختراق الغلاف الجوي وتكوين فوهة بركانية على سطح الأرض. وتمثل الفوهة النيزكية في أريزونا الشمالية، التي قطرها 1.2 كيلومتر، مثالا على ذلك. وقد نجمت عن صدم الأرض بكويكب معدني قطره نحو 30 مترا وذلك منذ 500000 سنة تقريبا.

 

وثمة خطر أشد يتهددنا من الكويكبات القريبة من الأرض، التي يتراوح عددها بين الألف والألفين، والتي يصل قطر الواحد منها إلى كيلومتر واحد أو أكثر. ويُعتقد بأن واحدا من هذه الكويكبات سيتصادم مع الأرض كل 300000 سنة تقريبا. وتجدر الإشارة إلى أن هذا التقدير ما هو إلا متوسط إحصائي. ومثل هذا التصادم يمكن أن يحدث في أي وقت ـ بعد سنة من الآن، أو بعد 20 سنة ـ أو أنه لن يحدث خلال مليون سنة.

 

ظلام مفزع

ستكون الطاقات المحررة نتيجة التصادم مع مثل هذا الجسم هائلة. وتُحسَب الطاقة الحركية من قانونها mv2 1/2، حيث m كتلة الجسم و v  سرعته. وإذا افترضنا أن الكثافة تساوي نحو 3 غرامات لكل سنتيمتر مكعب، كما هي الحال في الأحجار النيزكية، وأن متوسط السرعة 20 كيلومتر في الثانية، فإن جسما قطره كيلومتر واحد سيولّد طاقة لدى صدمه الأرض تعادل عشرات البلايين من الأطنان من مادة TNT ـ وهذا يساوي ملايين المرات من الطاقة التي حُرِّرت في مدينة هيروشيما عام 19455.

 

ومع تسليمنا بأن الكويكبات لا تبث الإشعاع النووي الذي أثار الهلع في هيروشيما، فإن انفجارا يعادل ملايين شدة ذاك الذي أحاق بهيروشيما يمكن أن يخلِّف أكثر من مجرد تدمير عدة مدن أو بعض الدول. إنه سيفسد جو الأرض كله وسيولّد ما يشبه الشتاء النووي. كذلك، فإن سحب الغبار الضخمة ستنتشر في الجو لتحجب الشمس عن الأرض مما يؤدي إلى ظلام طويل الأمد ودرجات حرارة دون الصفر ورياح عاتية.

 

والأخطر من الكويكبات التي ذكرناها هي الكويكبات الأكبر القريبة من الأرض التي يبلغ قطر الواحد منها نحو عشرة كيلومتر. ولحسن الحظ فلا يوجد سوى عدد قليل من هذه الأجسام التي تتهددنا، وربما كان عددها 10 فقط. (ولمزيد من حسن الحظ، فإنها مجرد شظايا من الأجسام الموجودة في حزام الكويكبات، والتي يمكن أن يصل قطر الواحد منها إلى 1000 كيلومتر.) إن كويكبا بهذا الحجم يمكن أن يصدم الأرض مرة واحدة فقط كل 100 مليون سنة، أو نحو ذلك.

 

يوضح السجل الأحفوري أحد هذه الحوادث. فقد نجم عن صدم جرم سماوي للأرض نهاية العصر الجيولوجي الطباشيري وبداية العصر الثِّلْثِيِّ Tertiary منذ 65 مليون سنة. وبعد سنين من البحث والتنقيب، عُثِر على الفوهة التي أحدثتها هذه الصدمة ـ وهي منخفض قطره نحو 170 كيلومتر ـ في شبه جزيرة يوكاتان بالمكسيك. ومع أن الفوهة لا يمكن رؤيتها مباشرة، فإنه تم تعرّفها مصادفة لدى القيام بعمليات التنقيب عن النفط، ومن خلال الصور التي التقطها المكوك إنديڤرEndeavour من الفضاء. وقد تكوّن هذا المنخفض في أعقاب صدمة هائلة لجسم تراوح قطره ما بين 10 كيلومتر و 200 كيلومتر.

 

إن دراسة الآثار التي خلّفتها هذه الصدمة ترسم صورة مروعة لها. فقد قذفت كرة نارية ضخمة صخورًا وبخارًا في الجو ورجَّت القشرةَ الأرضية وولدت الزلازل في جميع أرجاء الأرض، كما نُفِثت من الأرض والكويكب، غيوم من الغبار، في طبقة الستراتوسفير وما وراءها. وقد نجم عن ذلك ظلام كلي دام أشهرا.

 

بدأ المطر الحمضي بالهطل، من ثم بدأ الغبار بالاستقرار ببطء على سطح الأرض مكونا طبقة من الرواسب سمكها بضعة سنتيمترات. وتحت هذه الطبقة الرقيقة نرى شواهد على وجود الدينوصورات، في حين لا يوجد فوقها دليل على وجود للدينوصورات أو لثلاثة أرباع أنواع الأحياء الأخرى. ولا بد من أن يكون الظلام الذي أعقب هذا الانفجار قد حوّل جوّ الأرض بداية إلى صقيع.

 

وعلى امتداد عدة قرون، نتج من التأثير العكسي ـ وهو تسخين بطيء بالدفيئة greenhouse إلى 15 درجة مئوية تقريبا ـ آثار تدميرية بقدر مماثل. لقد ضرب الكويكبُ الأرضَ في موقع ضعيف مخترقا قشرتها في بقعة نادرة ذات طبقة عميقة من الأحجار الكلسية (إن أقل من 2 في المئة من القشرة الأرضية يحوي هذه النسبة العالية من الأحجار الكلسية. ويعتبر حَيْدُ الحاجز الكبيرGreat Barrier Reef  الأسترالي مثالا على ذلك.) وقد قَذَفَ الانفجار بثنائي أكسيد الكربون من الأحجار الكلسية إلى الجو حيث ساعد، مع غازات أخرى، على حجز حرارة الأرض. وقد ذهب، <J. سميت> (من الجامعة الحرة بأمستردام) إلى أن التسخين الشديد، وليس الصقيع الأولي، هو الذي قتل الدينوصورات. وثمة بعض الأدلة على أنها كانت تموت ببطء.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/12/SCI96b12N9_H01_006239.jpg

التهديد الناجم عن المذنبات

تقبع المذنبات وراء فلك نپتون في حزام كويپر وغيمة أورت. وكما هي حال الكويكبات، فإن هذه المذنبات لا تقترب من الأرض إلا عندما يتم إخراجها من مساراتها الدائرية. ومن المحتمل أن يندمج حزام كويپر في غيمة أورت التي تبعد عنا مسافة تقدر بخُمْس المسافة التي تفصلنا عن أقرب نجم منا، وهو ألفا سنتوري. إن مذنب هالي (في الأسفل) هو زائر قادم من غيمة أورت انتقل إلى فلك إهليلجي حول الشمس بدوْرٍ قدره 76 سنة.

 

مشروع سْپيسْ وُوتْش Spacewatch

وهكذا، فهل نحن مقبلون على صدمة من كويكب؟ قبل كل شيء، يقع الجواب في مجال علم الفلك الكوكبي. فالأجسام الخطرة يجب تحديد مواضعها بأسرع وقت ممكن وذلك للتقليل من احتمالات نهاية غير متوقعة. فضلا عن ذلك، فمن الضروري تعقب هذه الأجسام في الليالي والأسابيع والأشهر، بل حتى في السنين اللاحقة، كي نتمكن من تحديد مساراتها بدقة في المستقبل.

 

وفي أوائل السبعينات كُرِّسَتْ آلة تصوير فوتوغرافي قطر عدستها 0.46 متر في مرصد پالومار بجنوب كاليفورنيا للبحث عن الأجسام القريبة من الأرض. وقد ترأسَتْ <E. هيلين> (من مختبر الدفع النفاث في پاسادينا) فريقا من الفلكيين، في حين ترأس <M.E. شُوميكر> و <S.C.شوميكر> (من هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية) الفريق الآخر. وقد قام العلماء بتصوير البقاع الواسعة نفسها من السماء كل نصف ساعة. وفيما تدور الكويكبات حول الشمس، فإنها تتحرك بالنسبة إلى النجوم في الخلفية. فإذا كان الكويكب قريبا من الأرض، فإنه يُرى متحركا بسرعة كبيرة نسبيا، ويجري تعرّف الحركة بسهولة من الصور الملتقطة عددا كبيرا من المرات.

 

ومنذ البدء بالجهود الريادية التي بُذلت في پالومار، أخذ راصدون آخرون يهتمون بالكويكبات القريبة من الأرض. ففي سايدينگ سپرينك Siding Spring بجبال شرق أستراليا يستعمل فريق من العلماء المتفرغين آلة تصوير فوتوغرافي قطرها 1.2 متر لِتَصَيُّدِ هذه الصخور. وفي عام 1994 نجح الراصدون في كاليفورنيا وأستراليا ـ من خلال أساليبهم الفوتوغرافية ـ في أن يكتشفوا معا 16 كويكبا قريبا من الأرض. (في نهاية ذلك العام توقف مشروع پالومار بسبب ابتكار تقنيات أحدث في أمكنة أخرى.)

 

ومنذ 15 سنة تقريبا بدأتُ أدرك مع <S.R.مكميلان>، من جامعة أريزونا أيضا، أنه إذا سار البحث بهذه السرعة، فإننا بحاجة إلى أكثر من قرن لتحديد مواقع الكويكبات التي عددها 1000 أو يزيد، والتي يتجاوز عرضها كيلومترًا واحدا. وتجدر الإشارة إلى أن استخدام أجهزة الكشف الإلكترونية والحواسيب السريعة يمكن أن يزيد، إلى حد بعيد، من معدل العثور على الكويكبات. وقد أنشئ سپيس ووتش، وهو مشروع مكرس لدراسات المذنبات والكويكبات، في تسكون Tuscon. وقد كُرِّسَ الآن لهذا المشروع مقراب قطره 0.9 متر بمرصد ستيوارد في كِيتْ پِيكْKitt Peak، على بعد 70 كيلومتر غرب تسكون. ويقوم <R.جيديك> و <V.J. سْكُوتي> وعدة طلاب، إضافة إليّ (وجميعنا من تسكون)، باستعمال هذا المقراب بانتظام بحثا عن المذنبات والكويكبات. أما مكميلان و<L.M. پيري> و <L.T .مُورْ> وآخرون غيرهم، وهم جميعا من تسكون، فإنهم يستعملونه للبحث عن كواكب تدور حول نجوم أخرى.

 

وبدلا من الألواح الفوتوغرافية، فإن مكشافاتنا الضوئية الإلكترونية هي أدوات قرن شحني charge-coupled devices، وهذه صفوف مرتبة جيدا من عناصر شبه موصلة للصورة أو عنصورات (عنصر-صورة، پكسلات) pixels. وعندما يضرب الضوء عنصورة، فإن طاقته تجعل الشحنات الكهربائية الموجبة والسالبة ينفصل بعضها عن بعض. وتوفِّر الإلكترونات من جميع العنصورات صورةً لنموذج الضوء في المستوى البؤري للمقراب. وعندئذ يقارن حاسوبٌ صور الرقعة السماوية نفسها التي تم مسحها في أوقات مختلفة، وهو ما يحدّد الأجسام التي تحركت.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/12/SCI96b12N9_H01_006240.jpg

المقراب الذي يستعمله مشروع سپيس ووتش على قمة كيت پيك في أريزونا الجنوبية. وهو مكرس للبحث عن المذنبات والكويكبات.

 

وبسلوك هذه الطريقة، فقد عثر راصدو مشروع سپيس ووتش على عدد من الكويكبات يصل إلى 600 كل ليلة. إن معظم هذه الكويكبات موجودة في حزام الكويكبات، ويحدث أحيانا أن يتحرك جسم بعكس حقل النجوم بسرعة كبيرة مما يؤكد أنه قريب من الأرض. (وبصورة مماثلة، فإن طائرة تحلق عاليا في السماء تبدو متحركة بسرعة أبطأ من طائرة أخرى أخفض منها تستعد للهبوط.) وفي عام 1994 وجد سكوتّي كويكبا مرّ على بعد 105000 كيلومتر من الأرض. وفي العام نفسه ذكر العاملون في مشروع سپيس ووتش أنهم أجروا 77000 قياس دقيق لمواقع المذنبات والكويكبات. إن إحدى السّمات التي تبعث على الرضا والتي يتميز بها مشروع سپيس ووتش هي أن له مؤيدين من الهيئات المشتركة والخاصة (عددهم حاليا 235) فضلا عن مكتب القوى الجوية للبحث العلمي Air Force Office of Scientific Research والوكالة ناسا (NASA) وبرنامج كليمنتاين الفضائي Clementine space program ومؤسسة العلوم الوطنية NationalScience Foundation  ومنظمات حكومية أخرى.

 

وقد اكتشف مشروع سپيس ووتش عددا من الكويكبات الصغيرة التي تبلغ أقطارها عشرات الأمتار. وأعداد هذه الأجسام تزيد على التنبؤات بعامل قدره 40، بيد أننا لا نعلم حتى الآن مصادرها. ونطلق على هذه الكويكبات اسم أرجوناسArjunas تيمُّنا بالأمير الهندي الأسطوري الذي أُجبر على متابعة السير في الطريق المرسوم له. وقد شاركت أقمار الاستطلاع العسكرية أيضا في رصد أرجوناس. وتبيّن المعلومات التي أُهملت سابقا، لكنها الآن خُزنت وألغي الحظر على الاطلاع عليها، أن الأرض تخضع لوابل مستمر من كويكبات صغيرة. وبسبب جو الأرض، فإن هذه الصخور تحترق مما يجعل آثارها في الأرض غير ملموسة، علما بأن الصخور المماثلة لها تُحدث خدوشا في القمر الذي لا جو له يحميه.

 

إن الخطوة التالية لمشروع سپيس ووتش هي تركيب مقرابنا الجديد الذي اكتمل بناؤه والذي يحوي مرآة موجودة بالفعل قطرها 1.8 متر، كي نتمكن من العثور على أجسام أبعد وأبهت نورا. ويتعين على هذه الآلة، التي هي أكثر مثيلاتها تطورا والأكبر في مجال أرصاد الكويكبات، أن تقدِّم خدمات للأجيال القادمة من المستكشفين. وفي الوقت نفسه فإن <A. مُورِي>، من مرصد الكوت دازور في جنوب فرنسا، على وشك إدخال مقراب إلى الخدمة يحوي نظام كشف إلكترونيا. كذلك فإن <D.ستيل> وزملاءه في أستراليا يقومون الآن بالانتقال إلى الإلكترونيات أيضا، مع أن هذا المشروع يواجه مشكلات في التمويل قد تكون أشد مما نواجهه نحن. والمرصد التالي المرشح لدخول العصر الإلكتروني قد يكون مرصد لوويل Lowell Observatory قرب فلاگْسْتَافْ بأريزونا بإشراف <E. بُووِيْل>. كما تخطط القوى الجوية الأمريكية لاستخدام أحد مقاريبها، الذي يبلغ قطر مرآته نحو متر، لهذه الغاية، علما بأن هيلين ومعاونيها شرعوا فعلا باستخدام المقراب المقام على موي Maui في هاواي. كما أن الفلكيين الهواة هم الآن في طريقهم نحو استخدام المكشافات الإلكترونية في مقاريبهم.

 

ولو كان هناك كويكب موجه نحونا، سيكون في استطاعتنا أن نعرف ذلك بحلول عام 2008 تقريبا.

 

حَرْفُ كويكب عن مساره

ما العمل إذا وجدنا أن جسما كبيرا يتوجه نحونا؟ إذا كانت المدة اللازمة لوصوله إلينا هي خمس سنوات فقط، فليس لنا إلا أن يودِّع أحدنا الآخر ونبدي أسفنا على أننا لم نبدأ بعملية المسح في وقت أبكر. وإذا كان وصوله إلينا يستغرق 10 سنوات أو نحوها، فإن الفرص المتاحة للإنقاذ تظل مع ذلك هزيلة. أما إذا كانت المدة هي 50 سنة أو يزيد، فمن الممكن أن توجِّه سفينةٌ فضائية صاروخا كي ينفجر قرب الكويكب. وربما يكون بإمكان أقوى القذائف البالستية العابرة للقارات نسف جسم صغير وحرفه عن مساره. (وبالمناسبة، ستكون هذه وسيلة جيدة للتخلص من تلك المخلفات المتبقية من الحرب الباردة.)

ومن المحتمل أن نحتاج إلى أكثر من 100 سنة لنكون مستعدين للمواجهة. وإذا مُنحنا مثل هذا القدر من الوقت، فقد يكفي انفجار كيميائي متواضع قرب كويكب لحرفه عن مساره. ولا يحتاج الانفجار إلا إلى تعديل مسار الكويكب بقدر ضئيل كي ينحرف انحرافا كافيا ليمر قرب الأرض دون أن يصدمها، وذلك بحلول موعد وصوله إلى جوار أرضنا.

 

إن التقانة الحالية المتعلقة بتصويب الصواريخ وتوجيهها متقدمة بدرجة فائقة. وأرى من المناسب أن أذكر في هذا الصدد أنني استمعت مصادفة إلى جدال احتدم بين عالِمين عن سبب وصول السفينة الفضائية پيونير Pioneer 11 إلى زحل متأخرة 20 ثانية بعد رحلة دامت ست سنوات. لكن من الضروري أن يتم التخطيط للانفجار بدقة متناهية. فإذا كان الكويكب مكوَّنا من تجمّعٍ هش للمادة، فقد يتفتت لدى تعرضه للانفجار، وعند ذلك قد تتناثر قطعه على الأرض محدثة ضررا قد يتجاوز ما كان يُمكن أن يُحدثه الكويكب ذاته دون تفكك، وهذا أمر يشابه ما يعرفه الصيادون الذين يستعملون الخردق الكبير في اصطياد طرائدهم. وقد يكون انفجارٌ «متحفِّظٌ» على مسافة من سطح الكويكب أفضل الإجراءات في هذه الحالة. وسيكون من الضروري الاستعانة برادار منصوب على الأرض ومقاريب وربما بعثات فضائية لتحديد تركيب كويكب ما والكيفية التي قد يتفكك بها.

 

وفي المستقبل، يصبح من المناسب استخدام أجهزة ليزرية أو أجهزة موجات مكروية (صغرية) microwave. كذلك، اقتُرحت بدائل أخرى مثل الأشرعة الشمسية والعواكس التي يمكن تثبيتها على سطح الكويكب ـ وذلك لتسخير الإشعاع الشمسي في حرف الكويكب عن مساره. وثمة نفر قليل من العلماء يدرسون جدوى استخدام وسائل نووية لحرف الكويكبات الضخمة جدا عن مسارها والتي تظهر فجأة من غير إعطاء مهلة كافية لأخذ الحيطة والاستعداد.

 

 المؤلف

Tom Gehrels

عشِق دراسة الأجرام السماوية إثْرَ استماعه إلى محاضرات ألقاها <J.أورت> على طلبته في هولندا، وقد ذهب أورت إلى أنه توجد قشرة بعيدة تقطنها مذنبات تسمى الآن غيمة أورت. يعمل گيرلز أستاذا للعلوم الكوكبية في جامعة أريزونا بتسكون، وأستاذا في مختبر البحوث الفيزيائية بالهند وباحثا رئيسيا في برنامج سپيس ووتش بكيت پيك في أريزونا، حيث يقوم بتصيد المذنبات والكويكبات.

 

مراجع للاستزادة 

THE ORIGINS OF THE ASTEROIDS. Richard P. Binzel, M. Antonietta Bantcci and Marcello Fulchignoni in Scientific American, Vol. 265, No. 4, pages 66-72; October 1991.

HAZARDS DUE TO COMETS AND ASTEROIDS. Edited by T. Gehrels. University of Arizona Press, 1994.

ROGUE ASTEROIDS AND DOOMSDAY COMETS. Duncan Steel. John Wiley & Sons, 1995.

Scientific American, November 1994

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق