أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

رفاق النجوم الفتية

رفاق النجوم الفتية

إن الاكتشاف المدهش، الذي يبيّن أنه حتى أفتى النجوم

توجد ضمن مجموعات مؤلَّفة من نجمين أو ثلاثة، عدّل

من مجرى تفكيرنا حول نشوء المنظومات النجمية.

<P .A. بُوسْ>

 

حدثت ثورة بسيطة في علم الفلك في 6/4/1995. وهذه الثورة لم تنطلق من مرصد قابع في أعالي الجبال، وإنما من مكان غير متوقع، ألا وهو فندق CallawayGardens على جبل جورجيا پاين Georgia’s Pine (الذي يرتفع 8200 قدما عن سطح البحر.) فقد اجتمع الفلكيون هناك في لقاء دولي حول موضوع النجوم الثنائيةdouble stars، الذي تسير بحوثه عادة بخطى بطيئة؛ لأن الاكتشافات في هذا المجال غالبا ما تستغرق عقودا من الزمن لتكمل خلالها هذه المنظومات قطع مداراتها orbit. وفيما كانت النباتات الصحراوية تُزْهِر في الخارج بسبب الأمطار الربيعية، كان الفلكيون في الداخل يعرضون بحوثهم التي كانت تسفر عن نتائج مذهلة مفادها أنه حتى أفتى النجوم تكون غالبا محاطة برفاق نجميّين. وكانت هذه النتائج حصيلة أرصاد مرهقة أجراها باحثون مختلفون باستخدام مجموعة من التقانات والأجهزة الحاذقة. وفي ذلك الصباح على جبل جورجيا تبيّن أن البحوث المنفصلة التي أجراها عدة باحثين كانت منسجمة على نحو لا يصدق.

 

إن الاكتشاف بأن النجوم الثنائية شائعة بين النجوم الفتية كما هي شائعة بين النجوم المسنّة قد يبدو أمرا معقولا إلى حد ما، إلا أنّ هذه الحقيقة جاءت كصدمة للفلكيين. فمعظم الأفكار السائدة عن تكوّن نجم ثنائي تذهب إلى أن الرفاق النجميين لا يتشكلون أو يؤسرون إلا بعد وقت طويل من تكوّن النجم، ومن ثَمَّ كان يتوقع أن تكون أفتى النجوم وحيدة في الفضاء. إن مثل هذه النظريات لم يعد لها الآن أي وزن. لكن ثمة فكرة واحدة على الأقل حول تكوّن النجوم الثنائية تدعم الأرصاد الحديثة، وقد تكون التفسير الوحيد لوفرة منظومات النجوم الثنائية في الكون.

 

لا يوجد للشمس ـ وهي نجم مسنّ ـ رفاق نجميون معروفون، على الرغم من أن معظم النجوم الذين هم في سنها موجودون في مجموعات من نجمين أو أكثر. وفي عام 1984 تقدم <A .R. مولر> (من مختبر لورنس بركلي) وزملاؤه بفرضية مفادها أن الشمس ليست في الحقيقة نجما وحيدا منعزلا، إذ إن لها رفيقا يدور حولها دورة كاملة كل 30 مليون سنة. وقد ذهب مولر إلى أن القوى التثاقليةgravitational  الصادرة عن هذا الجار غير المرئي يمكنها تعكير صفو المادة التي تجول في البقاع البعيدة عن النظام الشمسي وذلك بإرسالها وابلا من المذنبات باتجاه الكواكب الداخلية في كل مرة يقترب فيها هذا النجم من الشمس. وقد رأى مولر أنّ هذا قد يُفسِّر الانقراضات الجماعية الدورية: فالمذنبات التي يولّدها رفيق الشمس لا بد من أن تضرب الأرض كل 30 مليون سنة، أو ما يقارب ذلك، كما أنها لا بد من أن تكون قد قضت على جزء لا يستهان به من الكائنات الحية على وجه الأرض ـ كما حلّ بالدينُوصورات. ولكون اقتراب هذا النجم من الشمس يستهل دمارا واسعا، فقد أطلق عليه مولر اسم “نِيمِيسِيزْ(1).”

 

لم يقبل معظم العلماء بفكرة مولر الجديرة بالاهتمام. وأحد أسباب ذلك هو أن أقرب النجوم المعروفة (النظام النجمي الثلاثي الذي يسمى حضار ألفا AlphaCentauri والذي يبعد عنا مسافة 4.22 سنة ضوئية) أبعد كثيرا من أن تقيّده الثقالة (الجاذبية) gravity بالشمس. وفي الحقيقة، لا وجود لدليل فلكي على أن الشمس شيءٌ مختلف عن نجمٍ وحيدٍ كتلةُ أكبر رفاقه (المشتري) تقل 10000 مرة عن كتلة الشمس نفسها. لكن الحياة على كوكبٍ في مدار حول شمس منعزلة تزوّدنا بنظرة مشوهة عن الكون، إذ إننا نميل إلى الاعتقاد بأن النجوم الوحيدة هي القاعدة وأن النجوم الثنائية يجب أن تكون الاستثناء. وفي حال نجوم كالشمس، فإن هذا يبدو بعيدا عن الصحة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N2_H05_006709.jpg

تؤوي غيمةُ الثور الجزيئية سُدُما نابضة بالحياة ونجوما عديدة وهي في مجرى تكوّنها. ولكوْن مناطق الحضانات النجمية هذه واقعة قريبا نسبيا من الأرض، فإن رصدها يمكن أن يرفدنا بأفكار هامة عن ولادة النجوم الثنائية.

 

وفي عام 1990 أتمّ <A. دُوكِنُويْ> و<M. مَاير> (من مرصد جنيف) مسحا شاملا استغرق عقدا كاملا من الزمن للنجوم الثنائية القريبة. وقد درسا كلّ النجوم من نمط الأقزام G dwarf التي لا تبعد عن الشمس أكثر من 722 سنة ضوئية، وهي عينة مؤلفة من 1644 نجما أوليا يُعتقد بأنها ممثِّلة لقرص مجرتنا. وقد وجد هذان الباحثان أن قرابة الثلث فقط من هذه المنظومات يمكن أن تُعتبر نجوما وحيدة حقيقية، وأن للثلثين الباقيين رفاقا أثقل من جزء في المئة من كتلة الشمس، أي قُرابة 10 أمثال كتلة المشتري.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N2_H05_006710.jpg

تَبَيَّن أن Glass-1 هو نجم ثنائي فتيّ، وذلك لدى تصويره بآلة تصوير تحت حمراء بطول موجي قدره 0.9 مكرون.

 

إن لمنظومات النجوم الثنائية سمات متغايرة إلى حد كبير. فبعض النجوم الثنائية في منظومات الأقزام G  تكاد تكون ملتصقة بعضها ببعض، في حين أن النجوم في نجوم ثنائية أخرى يبعد بعضها عن بعض مسافة ثلث سنة ضوئية. وتلك النجوم الثنائية، القريب بعضها من بعض، يدور كل منها حول الآخر في أقل من يوم، في حين أنه في النجوم الثنائية الأخرى، الأبعد بعضها عن بعض، قد يستغرق إتمام دورة كاملة واحدة عشرات ملايين السنين. وقد بيّن دوكنوي وماير أن النجوم الأقزام G  الثلاثية والرباعية أقل عددا بكثير من النجوم الثنائية. فقد أحصيا 62 نجما ثنائيا وسبعة نجوم ثلاثية ونجمَين رباعيين. فضلا عن ذلك فقد بيّنا أن لكل من المنظومات الثلاثية والرباعية بنية هرمية مؤلفة من زوج متقارب نسبيا من النجوم يدور حوله إمّا نجم واحد بعيد (في حال المنظومة الثلاثية) وإمّا زوج متقارب آخر (في حال المنظومة الرباعية.) والمسافة الفاصلة بين الزوجين البعيدين يجب أن تكون أكبر خمس مرات من المسافة الفاصلة بين النجمين القريبين، وذلك كي تعمّر المجموعة أمدا طويلا. ويطلَق على الأنساق التي تفصلها مسافات صغيرة نسبيا اسم المنظومات شبه المنحرفة Trapeziumsystems، وذلك على غرار منظومة رباعية فتية في سديم كوكبة الجبار Orion. إن هذه الأنساق غير مستقرة في مداراتها ـ إذ إن كلا منها يرتحل بعيدا عن الآخر في نهاية المطاف. وعلى سبيل المثال، إذا تقاربت النجوم الثلاثة في منظومة ثلاثية، بعضها من بعض إلى درجة كبيرة، فإنها تميل إلى أن تطرد منها ذلك النجم ذا الكتلة الأصغر، مخلِّفة وراءها زوجا مستقرا.

 

وهكذا فإنه يبدو أن النجوم الثنائية هي القاعدة وليس الاستثناء. ومع ذلك، فإن هذه النتيجة لا تعني أن الكواكب يجب أن تكون نادرة. فالكوكب يُمكن أن يجول حول نجم مضاعف شريطة أن يدور إما قرب أحد النجمين أو بعيدا عن كل منهما. تصوَّر العيش على مثل هذا العالَم الذي يدور على مسافة أمينة من نجم ثنائي أحد نجميه مُقَيَّدٌ بالآخر على نحو محكم حيث يُتِمُّ كل نجم قطع مداره كل عدة أيام. إن السماء خلال النهار لا بد من أن تحوي زوجا من الشموس تفصل بينهما مسافة صغيرة. عندئذ تكون مشاهدة حوادث الشروق والغروب ساحرة حينما يخترق الأفقَ الجرمُ الساطعُ الأولُ يليه الآخر. هذا وقد تحدث أيضا أشكال سماوية غريبة أخرى. فمثلا، إذا كان الكوكب يسير في المستوي نفسه الذي يقع فيه النجمان اللذان لهما كتلتان متساويتان، فإن الشمسَيْن ستبدوان مندمجتين دوريا حين تغطي كل منهما الأخرى، مما يخفض كمية الضوء المشترك الواصل إلى الكوكب بمقدار النصف.

 

مناطق الحضانات النجمية

تكونت الشمس منذ نحو 4.6 بليون سنة وبقي لها قرابة خمسة بلايين سنة مما يسمى حياة متتاليتها الرئيسية main-sequence. وبعد أن تبلغ الشمس نهاية متتاليتها هذه، فإنها ستتمدد لتصبح عملاقا أحمر يبتلع الكواكب الداخلية. وهذا يشبه تقريبا ما حصل في وقت مبكر من تاريخ الشمس حين تمددت ليصبح قطرها أكبر كثيرا مما هو عليه الآن. وفي ذلك الوقت، وقبل أن تكون قد تقلصت إلى حجمها الحالي، فإنها كانت شبيهة بنجوم “الثور T ” Tauri، وهو نوع من النجوم يمكن رؤيته في تلك البقاع من مجرتنا حيث تتكون فيها النجوم الآن. وخلال مرورها بمرحلة نجوم الثور T، كان نصف قطر الشمس أكبر بأربع مرات تقريبا من قياسه الحالي الذي يساوي نحو 700000 كيلومتر. وفي وقت أبكر من هذا لا بد من أن تكون الشمس الأولية قد تمددت إلى نحو 1.5 بليون كيلومتر، وهذا يعادل 10 أمثال المسافة الفاصلة بين الأرض والشمس (وتسمى هذه المسافة التي تبلغ 150 مليون كيلومتر، وحدة فلكية astronomical unit AU.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N2_H05_006711.jpg

إن شيوع النجوم الثنائية الفتية لا يقل عن شيوع النجوم الثنائية الناضجة. وفي جميع الأدوار المدارية التي تم تحديدها حتى الآن، تبين أن النجوم الثنائية في مناطق تكوّن النجوم (الأزرق) هي أكثر شيوعا حتى من النجوم الثنائية التي هي من نمط الشمس والتي تم مسحها في جوار الشمس (الأحمر).

 

توفِّر نجوم الثور T الحالية فرصة للفلكيين ليعرفوا الشكل الذي كانت عليه الشمس في المراحل المبكرة من تطورها. وتشغل أقرب نجوم الثور T موقعَيْن يسميان غيمة الثور الجزيئية Taurus molecular cloud  وغيمة حواء رو الجزيئيةRho Ophiuchus molecular cloud، وكلاهما يقع على مسافة تبلغ نحو 460 سنة ضوئية من الأرض. وحقيقة كون النجوم الفتية مغمورة دوما في مثل هذه التركيزات الغبارية من الغاز تعطي دليلا مقنعا على أصلها ـ فالنجوم تُولَدُ من تركيز وانهيار القلوب الكثيفة للغيوم الهيدروجينية الجزيئية.

 

ولكون النجوم الفتية ملفوفة نموذجيا بالغبار، فإن الفلكيين يواجهون عادة صعوبات في رؤيتها بالضوء المرئي أيا كانت قوة المقراب الموجَّه إليها. لكن هذه المواقع يمكن تحرّيها بسهولة باستعمال الأطوال الموجية تحت الحمراء الملائمة للبث الصادر عن حبيبات الغبار الساخنة المحيطة بالنجم القريب. ومن ثَمّ فإن التقدم في فهم تكوُّن النجوم غدا منوطا بتطور المكشافات detectors القادرة على تحسس الإشعاع تحت الأحمر. وفي الاجتماع الذي عقد في ولاية جورجيا عام 1992 كانت النتائج الأولية التي قُدّمت هناك تتعلق بعمليات مسح عديدة ومختلفة للإشعاعات تحت الحمراء هدفها كشف رفقاء نجوم الثور T في غيمتي  الثور وحواء.

 

وقد استعملت <M .A. كيز> (الموجودة الآن في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس) وزميلاها <F .G. نِيگْبَاور> و <K. مَاثْيُوزْ> (وكلاهما من معهد كاليفورنيا للتقانة) آلة تصوير خاصة على مقراب هيل Hale ذي الخمسة أمتار ليصوروا البقاع حول نجوم الثور T المعروفة في الأطوال الموجية القريبة من تحت الحمراء بطول 2.2 مِكرون. (للضوء المرئي طول موجي بين 0.4 و 0.7 مِكرون.) وباستخدام ما يسمى تقانة التصوير المرقّط speckle imaging لتخفيض الضجيج الناجم عن التقلبات في جو الأرض فوق المقراب، توصلت كيز وزميلاها إلى أنه يوجد في عيّنتهم رفقاء نجميون لزهاء نصف نجوم الثور T. وفيما يتعلق بالمدى المحدود من المسافات الفاصلة التي درسوها ـ وهي من نحو 10 إلى 400 وحدة فلكية ـ فقد أثبتت هذه الدراسة أن كمية النجوم الثنائية في أفتى المنظومات تعادل ضعف عددها في نجوم المتتالية الرئيسية. كما قام <C. لِينَزْتْ> (من معهد ماكس پلانك الفلكي في هيدلبرگ) بتقديم نتائج مسح نفّذه باستخدام التصوير المرقط في الأطوال الموجية القريبة من تحت الحمراء، فوجد مع زملائه أنه كان لثلاثة وأربعين نجما من المئة والستة من نجوم الثور T التي فحصوها رفقاء مجاورون، وهذا يثبت ثانية أن النجوم الثنائية كانت أكثر شيوعا بكثير في هذه النجوم مما هي في نجوم الأقزام G المماثلة لشمسنا.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N2_H05_006712.jpg

ستُسْتَثْنَى الكواكبُ في المنظومات النجمية الثنائية والثلاثية من مناطق محدّدة (الأزرق) التي لا يمكن فيها أن تسبح في مداراتها على نحو مستقر. وفي داخل هذه المنطقة يتم في نهاية المطاف قذف الكواكب بتأثير التفاعلات التثاقلية. وفي حال منظومة ثنائية (في الأعلى) فإن الكواكب يمكن أن تقيم إما قرب كل من النجمين أو بعيدا عن كليهما. وفي حال منظومة ثلاثية (في الأسفل)، من الممكن أن يسير النجم على مداره قريبا من النجمين القريب أحدهما من الآخر وذلك في بقعة أوسع حول النجم الثالث المنفرد أو أن يتحرك بعيدا عن النجوم الثلاثة.

 

وقد قام <H. زِينيكَرْ> و <W. بْرانْدْنَرْ> (من جامعة فيرزبورگ في ألمانيا) و <B. رِيبَرْثْ> (من المرصد الأوروبي الجنوبي في تشيلي) باستعمال آلة تصوير رقمية عالية الميز وكذلك مقراب التقانة الجديدة الأوروبي لتصوير 160 نجما من نجوم الثور T في طول موجي تحت الأحمر (مكرون واحد)، فكشفوا النقاب عن  28 نجما رفيقا تقع على مسافة محصورة بين 100 و 15000 وحدة فلكية من نجوم الثور T، وهذا يزيد بمقدار الثلث على النجوم التي تدور حول النجوم الهرمة التي هي من نمط الشمس في ذلك المدى البعيد.

 

وقد أعلن <J .M. سَايْمُونْ> (من جامعة نيويورك الحكومية في ستوني بروك) و<P .W. شِينْ> (الذي يعمل حاليا في الجامعة المركزية الوطنية بتايوان) وزملاؤهما عن طريقة غير مألوفة للعثور على نجوم ثنائية فتية. فعندما يمر القمر أمام منظومة نجمية بعيدة ويحجبها، فإن المراقبة المتأنية للضوء الوارد يمكن أن تكشف عن وجود مصدرين أو أكثر؛ إذ إن النجم الأول ثم الآخر ينسلان وراء الحافة الحادة للوجه القمري. وقد بينت قياسات سايمون وشين نجوما رفيقة أقرب إلى نجوم الثور T بكثير، إن كشف ذلك لم يكن ممكنا باستخدام التصوير تحت الأحمر. وقد بينت أعمالهم ثانية أن جزءا كبيرا من النجوم هي نجوم ثنائية. وقد استخدم <D .R. ماثيو> (من جامعة ويسكونسن) وسيلة تقليدية لتحري النجوم الثنائية، وهي الوسيلة نفسها التي استخدمها دوكنوي وماير؛ إذ استخدم القياسات الطيفية لانزياح دوپلر الدوري ليبين أن لبعض نجوم الثور T نجوما رفيقة لا تبعد عنها أكثر من وحدة فلكية واحدة. وهذا يبين مرة أخرى أن النجوم الثنائية التي تفصل بينها مسافات صغيرة أكثرُ شيوعا في نجوم الثور T  الفتية مما هي في النجوم من نمط شمسنا.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N2_H05_006713.jpg

يمكن أن تتشكل منظومات مراتبية رباعية نتيجة انهيار غيمة جزيئية. وتبين المحاكيات الحاسوبية للسيرورة أن غيمة كروية الشكل في البداية (a) تنهار أولا لتشكل قرصا (b)، وفيما بعد يتشظى هذا القرص ليكوّن منظومة ثنائية (c). وعندئذ ينقسم كل عنصر من المنظومة الثنائية إلى جزأين (d)، ويؤدي ذلك إلى الشكل النهائي بأربع مناطق متميزة عالية الكثافة.

 

البحث عن نظرية

تُرى، ما قصة هذه النجوم الرفيقة؟ لِمَ تكوّنت بهذه الوفرة وفي وقت مبكر من تطورها؟ إن القدر الكبير من الأرصاد للنجوم الفتية الذي قُدِّم في مؤتمر جورجيا يبين ضرورة أنْ تتكوّن النجوم الثنائية في وقت أبكر بكثير حتى من الطور السابق لمتتاليتها الرئيسية (نجوم الثور T). إضافة إلى ذلك، فإن التوصل إلى أن النجوم الثنائية شائعة جدا يتطلب أنْ تكون الآلية التي تولّدها ـ أيًّا كانت ـ فعالة جدا.

 

ومن حيث المبدأ، يمكن نشوء منظومة لنجم ثنائي من نجمين يمر أحدهما قريبا من الآخر بقدر كاف، الأمر الذي يجعل أحدَهما يُجبر الآخرَ على اتباع مدار مستقر. لكن الميكانيك السماوي لمثل هذا الحدث يتطلب تدخل جرم ثالث ليعزل الطاقة الزائدة للحركة بين النجمين ويتركهما محجوزَين في منظومة مقيدة تثاقليا. لكن مثل هذه اللقاءات للأجسام الثلاثة هي أندر من أن تكون السبب في العدد الكبير جدا من النجوم الثنائية. وقد درسَتْ <J .C. كلارك> و<E .J. برنكل> (من جامعة كمبردج) طريقة أكثر احتمالا لالتحاق النجوم الرفيقة بنجوم أخرى لتكون نجوما ثنائية. فقاما بتقصي الاقتران التثاقلي بين نجمين فتيين مازالا محاطَيْن بقرصين مفلطحين من الغبار والغاز. وهذه الهندسة هي أكثر شيوعا من لقاءات أجسام ثلاثة three-body encounters، ويمكنها نظريا عزل قدْر كاف من الطاقة من حركات النجوم. ولكنهما وجدا في تحليلهما أنّ الأمر الأكثر احتمالا في مثل هذه التفاعلات هو أن تنتهي بتمزيق القرصين المحيطين بالنجمين بدلا من أن تسفر عن دوران أحد النجمين حول الآخر. لذا فإنه يبدو أنّ هذا التحليل المنمّق لا يساعد إلا قليلا على تفسير وجود منظومات النجوم الثنائية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N2_H05_006714.jpg

كان يُظَنّ أن الكثافة في الغيوم المكوِّنة للنجوم تتبع قانون قوة يجعل الكتلة متمركزة بإحكام في وسط الغيمة. لكن الاكتشافات الجديدة توحي بأن الكتلة تتوزع وفق منحن گاوْسِي شبيه بالجرس يسمح بتكون النجوم الثنائية.

 

إن الإخفاق في صياغة آلية لتكوّن النجوم الثنائية أجبر معظمَ الفلكيين على التفكير في عمليات تتكوّن فيها النجوم الثنائية على نحو مباشر بدرجة أكبر. وفي واقع الأمر، فإن هذه الفكرة تعود قرنا إلى الوراء. ففي عام 1883 اقترح لورد كلڤن أنْ تكون النجوم الثنائية ناجمة عن “انشطارٍ دورانيٍّ” rotational fission. واستنادا إلى دراسات استقرار الأجسام في الدوران السريع اقترح كلڤن فكرةً مفادها أنه فيما يتقلص النجم، يدور حول محوره على نحو متسارع إلى أن ينشطر إلى نجم ثنائي. ويعرف الفلكيون في هذه الأيام أن نجوم ما قبل المتتالية الرئيسية تتقلص إلى حد كبير فيما تقترب من المتتالية الرئيسية لاختراق الهيدروجين، لكن نجوم الثور T لا تدور حول محاورها بسرعة كافية لتصبح غير مستقرة. إضافة إلى ذلك، فإن عملية الانشطار التي ارتآها كلڤن لا بد من أن تحدث متأخرة جدا كي يوجد تفسير لتردد النجوم الثنائية بين النجوم الفتية. وقد بيّن <H .D. دوريسين> (من جامعة إنديانا) وزملاؤه أنّ الانشطار مستحيل انطلاقا من أسس نظرية أيضا ـ ويبين حساب معقول لعدم الاستقرار هذا أن المادة المقذوفة لا بد من أن تصبح في نهاية المطاف أذرعا حلزونية منتشرة من الغاز وليس نجما منفصلا متماسكا.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N2_H05_006715.jpg

يمكن للنجوم الثنائية أن تتكوّن مباشرة حين تقوم غيمة جزيئية متطاولة قليلا (أعلى اليسار) بالانهيار والتشظي إلى منظومة نجمية أولية لها شكل القضيب (أعلى اليمين). إن مناطق الكثافة العالية في المحاكاة الحاسوبية العلوية يُشار إليها باللون الأحمر، وتبيّن النمذجة العددية للطور الثاني من انهيار غيمة نجم أوّلي كيفيةَ تطور نجم ثنائي أحد عنصريه قريب من الآخر (في الأسفل من اليسار إلى اليمين). والنجوم الثنائية مفصولة بمسافة 0.02 وحدة فلكية فقط.

 

وفي مقابل نظرية الانشطار التي مضى قرن على اقتراحها، ثمة فكرة حول تكوّن النجوم الثنائية، عمرها عقد واحد فقط، تسمى نظرية التشظِّيfragmentation. وتذهب هذه النظرية إلى أن النجوم الثنائية تُوَلَدُ خلال طورٍ تنهار فيه الغيوم الجزيئية الكثيفة تحت وطأة ثقالتها الذاتية لتصبح نجما أولياprotostar. وإذ ذاك يتبدد الغاز والغبار الحاجب ويبرز نجم ثنائي تكوّن حديثا (من صنف نجوم الثور T.) وخلافا للنظريات القديمة حول ولادة النظم الثنائية، فإن التشظي ينسجم تماما مع آخر الأرصاد للنجوم الفتية.

 

إن الانهيار إلى نجوم أولية الذي يمكِّن من حدوث التشظي يقع فجأة نسبيا في فترة العمر النجمي الذي يمتد عدة بلايين من السنين. فهذا الحدث يجري خلال بضع عشرة آلاف من السنين. وهكذا فإن هذا التحول العنيف لغيمة واسعة الانتشار إلى نجم متراص يوفِّر فرصة فريدة لجرم وحيد كي يتفتت إلى عناصر عديدة منفصلة. وقد أورد علماء الفيزياء الفلكية آليتين لهذه العملية. فالغيوم الباردة جدا يمكن أن تتشظى مباشرة إلى نجوم ثنائية، في حين يمكن للغيوم الأدفأ التي تدور حول نفسها بسرعة أن تستقر أولا في أقراص رقيقة ثم تتفرق في وقت لاحق فيما تكتسب مزيدا من الكتلة، أو تغدو منبسطة تدريجيا.

 

أفكار غائمة

إن أحد الاعتراضات الرئيسية التي واجهت نظرية التشظّي يتعلق بتوزع المادة في غيوم النجوم الأولية. وكان يُظن أن هذه المادة كانت موزعة وفق ما يُطلق عليه اسم قانون القوة power law، الذي ينص على أن ثمة تركيزا عاليا للمادة قرب مركز الغيمة وتناقصا سريعا في الكثافة كلما زادت المسافة. لكن يبدو أن هذا الاعتراض زال حديثا نتيجة الأرصاد الراديوية ذات مقدرة الميز العالية التي أُجريت باستعمال أطوال موجية من مرتبة أجزاء الملّيمتر. وفي عام 1994 حدّد <D. وارد-طومسون> (من المرصد الملكي في أدنبرة) وزملاؤه توزع المادة داخل عدة غيوم قبل انهيارها، ووجدوا أن الكثافة تتبع توزع گاوْسْ ـ له خطّ بياني شبيه بالجرس ـ وليس قانون القوة. ومن ثَمّ فالمادة كانت أقل شدة في التركيز باتجاه نقطة مركزية حين بدأت المنظومة النجمية بالتشكل. وقد بيّنتُ مع <A .E. مايهيل> (التي كانت تعمل في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس)، كل على حدة، أن الكثافة الكبيرة في مركز الغيمة التي تتبع قانون القوة تجعل من المستحيل تقريبا أن يندمج في النجم نجم ثان أو ثالث. وقد ثَبت أنه من الأسهل جدا أن يحدث التشظي بتوزع گَاوْسِيٍّ ابتدائيٍّ.

 

ويمكن لعلماء الفيزياء الفلكية أن يتنبؤوا بما إذا كان جَمْعٌ من الشظايا سيتكوّن في نهاية الأمر، وذلك بحل مجموعة المعادلات التي تحكم جريان الغاز والغبار والإشعاع في غيمة النجم الأوّلي. ولكون الحسابات معقدة جدا، فإنها تتطلب برامجيات software دقيقة وحاسوبا قويا لحلها. وقد بَدَأْتُ عام  1986 بنمذجة انهيار الغيوم الكثيفة التي تتوزع كثافاتها وفق قانون گاوس؛ وَوَجَدْتُ أن التشظي يُمكن أن يحدث بسهولة شريطة توافر ظروف معينة. ومادام للغيمة الگاوسية سرعة دوران كافية لتمنح المنظومة الثنائية الزخم (عزم الحركة) الزاوي الذي تتطلبه، وكانت مادة ما قبل الانهيار باردة بقدْرٍ كاف (أقل من 10 درجات كلڤن) لتجعل طاقتَها الحراريةَ أقلّ من نصف طاقتها التثاقلية، فإن الغيمة ستتشظى خلال تقلّصها التثاقلي. ويبدو أن الظروف لا تخرج عن المألوف بالنسبة إلى الغيوم الموجودة في مناطق الحضانات النجمية stellar nurseries.

 

أمّا كون المنظومات الثنائية أو الثلاثية أو الرباعية تتكون في نهاية الأمر، فأمر يتوقف على تفاصيل عدة، بما فيها الشكل الثلاثي الأبعاد للغيمة الأصلية والحجم الذي كانت تشغله، والمقدار الدقيق للطاقتين الحرارية والدورانية المتوافرتين. وبوجه عام، فإن النجوم التي لها شكل متطاول، أو شكل كرة القدم الأمريكية، تميل إلى تشكيل قضبان تتشظى إلى منظومات ثنائية؛ أمّا الغيوم الأكثر تسطحا، والتي لها شكل الفطيرة المرقوقة، فإنها تنبسط لتأخذ شكل أقراص تتشظى فيما بعد إلى عدة عناصر.

 

ومن المعتقد أن الانهيار يحدث في مرحلتين منفصلتين، أولاهما تولِّد نجوما أولية أنصاف أقطارها من مرتبة 10 وحدات فلكية. وهكذا فإن المرحلة الأولى من التشظي يُمكن أن تولّد منظومات ثنائية فقط تفصل بين كل زوج منها نحو 10 وحدات فلكية أو أكثر. بعد ذلك تتعرض هذه الأجسام إلى انهيار ثان لتكوِّن النجومَ الأولية النهائية ذات الأبعاد النجمية. وقد بيّن <A .I. بونيل> و<R .M. بيت> (من جامعة كمبردج) أن التشظي يمكن أن يحدث خلال مرحلة الانهيار الثاني أيضا. وهذه العملية يمكن أن تُفضي إلى قلوب نجوم أولية تفصل بينها مسافات قريبة من تلك التي تقع بين أقرب نجوم المتتالية الرئيسية. ويبدو أن التشظي قادر على توليد المدى الكلي من الانفصالات التي تم رصدها في النجوم المضاعفة الفتية بدءا من أقرب المنظومات إلى أبعدها.

 

الأقزام السمر والكواكب العملاقة

وماذا عن العثور على رفاق كتلها صغيرة؟ لقد أتى دوكنوي وماير بالدليل على أن 10 في المئة تقريبا من النجوم التي هي من نمط الشمس مقيدة بأقزام سمر brown dwarfs ـ أي إن لها رفاقا نجميين كتلها ما بين 0.01 و 0.088 من كتلة الشمس. والأقزام السمر هي أصغر من أن تشعل الهيدروجين بالطريقة التي تنفذها الشمس، لكن قد يكون لها كتل كبيرة بمقدورها حرق الدتيريوم مباشرة بعد تكوّنها. بعد ذلك تتوقف إشعاعاتها وتصبح باردة ويغدو من الصعوبة بمكان كشفها. وعلى الرغم من كون الدليل الذي يقدمه دوكنوي وماير مثيرا للاهتمام، فليس ثمة مثال مؤكد على نجم قزم أسمر على الرغم من الجهود الحثيثة لكشف أحد هذه النجوم.

 

هذا والبحث جار أيضا عن رفاق كوكبيين على الرغم من أن الفلكيين لم يعثروا حتى الآن على مرشحين مقنعين لأن يكونوا كواكب. لكن العقد القادم سيشهد تحسينات على التقانات التجريبية إلى درجة يمكن فيها كشف كواكب من حجم المشتري (أو إثبات عدم وجود مثل هذه الكواكب) حول عدد من النجوم القريبة. أمّا التساؤل فيما إذا كان من الممكن دراسةُ المنظومات الثنائية أو قَصْرُ بحوثنا على النجوم المنفردة مثل الشمس، فيظل سؤالا مفتوحا، ومن المحتمل أن يتطلع الفلكيون إلى تقصي بعض من ذلك في سعيهم المتواصل لإماطة اللثام عن منظومات كوكبية شبيهة بكواكب شمسنا.

 

 المؤلف

Alan P. Boss

بدأ بنمذجة تشكل المنظومات النجمية والكوكبية بعد حصوله على الإجازة في الفيزياء من جامعة كاليفورنيا في سانتا باربارا حيث واصل دراسته ليحصل على الدكتوراه عام 1979. وبعد أن عمل سنتين في مركز بحوث إيمْزْ التابع للوكالة ناسا التحق بقسم المغنطيسية الأرضية في معهد كارنيگي بواشنطن (تجدر الإشارة هنا إلى أن هذا القسم، على الرغم من اسمه، فإن المغنطيسية الأرضية لم تدرس فيه طوال عقود). ويرأس بوس لجنة تستشيرها الوكالة ناسا في أمور البحث عن الكواكب خارج المنظومة الشمسية.

 

مراجع للاستزادة 

FORMATION OF BINARY STARS. Alan P. Boss in The Realm of Interacting Binary Stars. Edited by J. Sahade, G. E. McCluskey, Jr., and Y. Kondo. Kluwer Academic Publishers, 1993.

STELLAR MULTIPLE SYSTEMS: CONSTRAINT’S ON THE MECHANISM OF ORIGIN. P. Bodenheimer, T. Ruzmaikina and R. D. Mathieu in Protostars & Planets, Vol. 3. Edited by E. H. Levy and J. I. Lunine. University of Arizona Press, 1993.

A LUNAR OCCULTATION AND DIRECT IMAGING SURVEY OF MIJLTIPLICIIY IN THE OPHIUCHUS AND TAURUS STAR-FORMING REGIONS. M. Simon, A. M. Ghez, C. Leinert, L. Cassar, W. P. Chen, R. R. Howell, R. F. Jameson, K. Matthews, G. Neugebauer and A. Richichi in Astrophysical Journal, Vol. 443, No. 2, Part 1, pages 625-637; April 20, 1995.

PRE-MAIN-SEQUENCE BINARY STARS. R. D. Mathieu in Annual Review oFAstronomy and Astrophysics, Vol. 32, pages 465-530; 1995.

Scientific American, October 1995

 

(1) نيميسيز Nemesis: آلهة الانتقام عند الإغريق. (التحرير)

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى