أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

الألماسات المِكروية (الصِّغْرية)

 

الألماسات المِكروية (الصِّغْرية)

إن هذه البلورات الدقيقة الغامضة تعتبر ذات أهمية واعدة

للصناعة ولدراسة كيفية تشكّل البلّورات ونمو الألماس.

<R. تراومان> ـ<J.B .گريفين>ـ <D. شارف>

 

منذ نحو ثلاثة آلاف سنة اعتُبِر الألماس من الحجارة الكريمة الثمينة؛ فكان الناس في الهند القديمة يظنون أن لهذا الحجر الكريم قوى سحرية أودعتها فيه الآلهة. وفي القرون الوسطى كان النبلاء الأوروبيون يتزينون بالخواتم الألماسية عند ذهابهم للقتال، ظنًّا منهم أن هذه الجواهر ستمنحهم الشجاعة وستقتلع الخوف من صدورهم.

 

وقد ثبت حديثا أن الألماس هو المادة المثالية للعديد من الاستخدامات الصناعية. فهذا المعدن، ذو النقاوة العالية والذي يتكون من 99 في المئة من الكربون، هو أقسى المواد المعروفة حتى الآن، وهو قادر على خدش أي مادة أخرى، ممّا يجعله صالحا للاستخدام في عمليات الكشط وفي صنع أدوات القطع والجلخ والتفتيت والتلميع. وهو يتميز بموصيلة حرارية عالية تزيد على موصلية النحاس بثلاثة أضعاف، مما يجعله مثاليا للاستخدام في نشر الحرارة أو تبديدها في الأجهزة الإلكترونية مثل أشباه الموصلات الليزرية. ولما كانت هذه الاستخدامات كافة يمكن أن تُجرى ببلورات دقيقة ومتناهية الصغر، فقد حازت الألماسات المكروية (الصغرية) microdiamonds، وهي قطع من الألماس يقل أي من أبعادها عن نصف المليمتر، اهتمام العلماء والتقنيين.

 

أُهملت الألماسات المكروية في الماضي لصغر حجمها ولتعقيد وارتفاع كلفة تعدينها، على الأغلب. لكن تَحسُّن تقانات استخلاص هذه الألماسات وازدياد الحاجة الصناعية إليها، جعلا منها مصدرا متزايد الأهمية لمعدن الألماس.

 

أصول غامضة

يرى العلماء حاليا، وبعد عقود من البحث، أن حجارة الألماس ذات الحجم التجاري، أو الألماسات الماكروية (الكِبْرية) macrodiamonds تتكون في وشاح الأرض(1) mantle، ثم تنتقل إلى سطحها من خلال البراكين؛ لكن مصدر الألماسات المكروية (الصغرية) يبقى غامضا وخفيا؛ فهي قد تكون بلورات فتيّة دُفعت إلى سطح الأرض قبل أن يتاح لها الوقت الكافي للتشكّل، أو قد تكون تشكّلت في بيئة فقيرة بالكربون مما أعاق نموها وكِبَر حجمها. إلا أن بعض الباحثين يرَون أن هذه الألماسات تتكون بطرائق مختلفة عن طرائق تكوّن الألماسات الماكروية، وإن كانت مرتبطة بها.

 

توجد الألماسات المكروية عادة بمفردها، وبمعزل عن البلورات الأكبر حجما، وقد ترافقها في بعض الأحيان. وممّا يثير الدهشة أن بعضها قد اكتُشف في التوضّعات (الترسّبات) ذاتها التي اكتُشفت فيها عينات أكبر حجما تعرضت لعملية ارتشاف (امتصاص مضاد)(2) resorption. ولما كانت نسبة مساحة السطح إلى الحجم أكبر كثيرا في العينات المكروية من مثيلاتها في العينات الماكروية، فقد بدا للعلماء المهتمين أن عملية الارتشاف، التي أنقصت حجم الألماسات الماكروية، يمكن أن تؤدي إلى استنفاد العينات الصغيرة وتلاشيها.

 

يفترض هذا الدليل المتناقض أن للألماسات المكروية أصولا قد تختلف عن أصول الألماسات الماكروية. وتذهب بعض الفرضيات إلى القول بأن بعض الألماسات المكروية تتكون خلال صعود الصُّهارة(3) magma، حيث تحدّ ظروف النمو والعمليات المتميزة من الحجم الذي يمكن أن تبلغه البلورة الكربونية. وثمة نظرية بديلة تؤكد أن الصهارة ليست سوى آلية إيصال، وأن الألماسات المكروية، مثلها مثل الألماسات الماكروية، هي من نواتج وشاح الأرض.

 

ومما زاد في تعقيد هذا الأمر أن بعض الباحثين اكتشفوا بعض الألماسات المكروية التي يُظن أنها تكونت في القشرة الأرضية crust بتأثير تصادم الصحائف (الألواح) التكتونية tectonic plates، كما وجدت أيضا بعض الألماسات الدقيقة في الشهب meteorites.

 

إن استمرار البحث كفيل بأن يوصل العلماء إلى معرفة الكيفية التي تربط بين الألماسات المكروية وبين أخواتها الأكبر حجما. وستؤدي هذه المعرفة إلى فهم أعمق لمادة الكربون، قد يقود إلى وضع تقنيات تعدين ذات جدوى اقتصادية أفضل، وكذلك إلى إمكانية تنمية هذه الألماسات صُنعيا (اصطناعيا).

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/14/SCI98b14N11_H01_007462.jpg

يقل أي بُعْدٍ من أبعاد الألماسة المكروية عن نصف المليمتر (500 مكرون) وتقل كتلتها عن واحد في المئة من القيراط carat. (للمقارنة، تبلغ كتلة ألماسة هوپ Hope الشهيرة 45 قيراطا.) ويبلغ طول العينة الموضحة في الصورة نحو 400 مكرون.

 

تعدّد الأشكال

يعتقد علماء التعدين أن الألماسة تنمو بإضافة ذرات جديدة إلى سطحها، وأن سرعة هذا النمو تؤثر في شكل بلورتها. فإذا توافرت ظروف مناسبة من درجة الحرارة والضغط ومحتوى الأكسجين، فإن معدل النمو، وبالتالي شكل البلورة النهائي، سيعتمدان على كمية الكربون المتاحة.

 

توجد الألماسات المكروية على شكل بلورات أحادية أو إفرادية من ثمانيات الأوجه octahedrons واثني عشريات الأوجه dodecahedroids، وعلى شكل مكعبات وتوأميات macles (وهي توائم من صحائف مثلثية منبسطة)، وكذلك على أشكال كتلية غير منتظمة. وقد تنشأ بصورة متزامنة في البلورة ذاتها ثمانيات أوجه ومكعبات، فتشكل مكعبا من ثمانية أوجه؛ وكثيرا ما تلتصق ألماستان مكرويتان، أو أكثر، أثناء نموهما، فتنشأ تشكيلات مذهلة وغير عادية مثل تجمّعات من ثمانيات الأوجه واثني عشرياتها، ومن مكعبات، إضافة إلى عناقيد وتحشُّدات ليس لها أي شكل بلوري.

 

تُعد ثمانيات الأوجه (في الوسط) أكثر أشكال النمو انتشارا، حيث تشكل أكثر من نصف أشكال البلورات في معظم جمهرات الألماسات المكروية.

 

أما المكعبات (في اليمين) فأقل تواجدا، ونادرا ما تكون لها بنية ذرية منتظمة، أو بنية بلورية، إذ كثيرا ما تكون الألماسات المكروية المكعبة ذات تركيب ليفيfibrous، ذي نمو شعاعي متعامد مع وجوه المكعب؛ وتعد هذه الصورة من النمو المميّز، كما يبدو من بنية وجوهها، نتيجة للتشبّع الفائق بالكربون للوسط الذي تتشكل فيه الألماسة، مما يؤدي إلى تبلور سريع جدا.

 

كما أن تشكل التجمعات (التكتلات) aggregates (في اليسار) يتطلب وجود بيئة غنية بالكربون يتم فيها النمو بشكل متزامن على عدة نقاط متجاورة، حيث يتيح هذا التجاور للبلورات أن تتوجه لتتحد فيما بينها مشكلة وحدة وحيدة نتيجة هذا النمو البيني المعقد.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/14/SCI98b14N11_H01_007463.jpg
مكعب                                   ثماني الأوجه

 

أصل الألماس

بعد بحث طويل استنتج العلماء أن الألماس يتكون في وشاح الأرض (في اليمين) على عمق يتراوح ما بين 150 و 200 كيلومتر (90 – 120 ميلا)، ومنه تحمله إلى سطحها الكمبرلايتات kimberlites واللامپرويتات Lamproites، وهي أنواع خاصة من الصخور البركانية التي كانت في البداية مادة منصهرة. توجد هذه الصخور على سطح الأرض (في الأسفل أقصى يسار الصفحة المقابلة) على شكل «أنابيب» pipes، أو ترسّبات جَزَرية الشكل (قمعية) carrot-shaped، غالبا ما تكون ضمن كتل أرضية قديمة تعرف بالرواسخ cratons. وقد تعطي أمثال هذه الترسبات نحو قيراط واحد من الألماس في كل 100 طن متري من الصخر المعدّن. ومن اللافت للنظر أن بعض الباحثين يعتقدون أن الألماس المكروي، على خلاف الألماس الماكروي، لا يتكون في الوشاح بل في الصهارة الكمبرلايتية أو اللامپروتية.

 

ومهما يكن الأمر، فإن تشكل الألماس يحتاج إلى ضغط هائل قد يصل إلى نحو 000 50 ضغط جوي في درجة حرارة تبلغ 1600 درجة كلڤن (2400 درجة فهرنهايت) ( الشكل الأوسط أسفل الصفحة المقابلة)، وهو ما يعادل الضغط الناجم عن برج إيڤل (الذي تبلغ كتلته 7000 طن متري) مقلوبا ومرتكزا على لوحة مساحتها 12 سنتيمترا مربعا (في الأسفل أقصى يمين الصفحة المقابلة)، إذ من دون هذا الضغط الهائل يتحول الكربون إلى گرافيت.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/14/SCI98b14N11_H01_007464.jpg

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/14/SCI98b14N11_H01_007465.jpg

تجمع (تكتل)

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/14/SCI98b14N11_H01_007466.jpg

الحرارة (كلڤن)

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/14/SCI98b14N11_H01_007467.jpg
تشكّل اثني عشري الأوجه تكوّن بانحلال تشكل ثماني الأوجه تكتل ثُماني الأوجه تعرّض للتنميش بتأثير التآكل

 

تغيير الوجوه

تؤدي عمليات الارتشاف إلى تبديل شكل الألماسة المكروية. فالانحلالdissolution مثلا، يحوّل أوجه البلورة السويّة إلى أوجه مقوّسة أو مستديرة. والألماسات المكروية لا تنمو، على نحو خاص، على شكل اثني عشريات الأوجه (في الوسط)، التي تتشكل كناتج نهائي لانحلال ثمانيات الأوجه؛ لذا تتدرج أشكال الألماسات المكروية في مجال واسع يبدأ من ثمانيات الأوجه ذات الحواف الحادة وينتهي عند اثني عشريات الأوجه المستديرة. ولما كانت هذه الأخيرة توجد بصورة دائمة تقريبا في سائر جمهرات الألماسات المكروية، فقد عُدّ ذلك دليلا على حدوث عمليات الانحلال بصورة شائعة.

 

وإذا ما انحلّت الألماسات المكروية بوجود عامل أكّال (حاتّ) corrosive، يحدث تنميش etching حاد، قد يرافقه تشكل وجوه خشنة غير مألوفة. وقد يكون التحاتerosion حادا يؤدي إلى تشكّلات ألماسية لا شِبْه لها بأشكالها الأصلية، كأن تتحول وجوه ثماني الأوجه الناعمة المستوية إلى سطوح متآكلة منمشة (في اليمين).

 

وقد ينجم عن التآكل أحيانا وجوه ذات أشكال محددة كتلك التي تشبه الأدراج. وقد يكون التنميش شديدا عند الزوايا والحواف بحيث يغير الشكل الكلي للبلورة (في اليسار).

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/14/SCI98b14N11_H01_007468.jpg

<D. شارف>

 

مشاهدة في عالَم مجهري

تم تسجيل صور الألماسات المكروية المرافقة بوساطة مجهر إلكتروني ماسح (SEM) من قبل المصور <D. شارف> (في اليسار). يعمل هذا المجهر بإضاءة الجسم المراد تصويره بالإلكترونات بدلا من الأشعة الضوئية، حيث تقوم عدسات مغنطيسية بتوجيه حزمة من الإلكترونات تمسح العينة حسب نموذج شبكة المسح raster pattern (وهو يشبه ما هو مستخدم في شاشات التلفزيون)؛ فعندما تسقط حزمة الإلكترونات على العينة، فإنها تصدم، على سطحها، إلكترونات أخرى (ثانوية) تنجذب بسبب شحنتها السالبة، نحو القطب الموجب للمكشاف حيث يتم تضخيمها وتحويلها إلى إشارة ڤيديو.

 

تبدو الألماسات المكروية معتمة في الصور، ويرجع ذلك إلى أن بلوراتها ليست شفافة أو منفذة للإلكترونات. أما اللون فناجم عن نظام طوره شارف ويدعى مولد اللون متعدد المكاشيف Multi – Detector Color Synthesizer (براءة اختراع أمريكية رقم 5.212.3833)، يستخدم ثلاثة مكاشيف إلكترونية (بدلا من المكشاف العادي) متباعدة عن بعضها لتلتقط الإضاءة من ثلاث زوايا محددة، حيث ينسب إلى كل مكشاف، وعلى نحو عشوائي، لون مختلف لتتكون الألوان المختلفة التي نراها.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/14/SCI98b14N11_H01_007469.jpg

ثماني أوجه عانى التنميش إلى أن تحوّل إلى ما يقرب من شكل مكعب

 

المؤلفون

Rachael Trautman – Brendan J. Griffin – David Scharf

التقوا من خلال اهتمامهم المشترك بالألماسات المكروية وبالمجهرية الإلكترونية. يتابع تراوتمان دراساته العليا في مركز الترسبات المعدنية الاستراتيجي بقسم الجيولوجيا والجيوفيزياء في جامعة وسترن بأستراليا، حيث يُدرَّس أصل الألماسات المكروية ونشوؤها. أما گريفين فهو محاضر رئيسي في مركز المجهرية والتحليل المكروي في تلك الجامعة، وتشمل اهتماماته البحثية نشوء الألماس والتحليل المكروي للمعادن والتقنيات الحديثة في استخدام المجهر الإلكتروني الماسح؛ في حين يمتهن شارف التصوير بالمجهر الإلكتروني الماسح، وقد ظهرت أعماله في الموسوعات والمتاحف والمجلات مثل مجلة سيانتفيك أمريكان.

 

مراجع للاستزادة 

DIAMONDS. Second edition. Eric Bruton. NAG Press. London. 1978.

DIAMOND. Gordon Davies. Adam Hilger. Bristol. 1984

A COMPARISON OF THE MICRODIAMONDS FROM KIMBFRRRTI AND LAMPROITF OF YAKUTIA AND AUSTRALIA. R.I. Trautman. B. J. Griffin, W. R. Taylor. Z. V. Spetsius . C. B. Smith and D. C. Lee in Proceedings of the Sixth International Kimberlite Conference. Vol. 2: Russian Geology and Geophysics. No. 38. Allerton Press. 1997.

THE NATURE OF DIAMONDS. Edited by George F. Harlow. Cambridge University press. 1998

Scientific American, August 1996

 

(1) هو الغلاف الحجري أو النطاق الغلافي الأوسط للأرض تحت القشرة وفوق اللب (إلى عمق 3480 كم).

(2) عملية تعيد فيها الصهارة إذابة معادن تبلورت سابقا، أو تعمل على تآكلها مما يقلل من حجم الألماسة ويؤدي غالبا إلى تدوير زواياها أو حوافها.

(3) هي المادة الصخرية المنصهرة التي تتكون منها الصخور النارية.                 (التحرير)

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى