أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

لغز الخبرة الواعية


لغز الخبرة الواعية(*)

وأخيرا شرع علماء الأعصاب في سبر أغوار واحد من أعمق

أسرار الوجود. بيد أن معرفة الدماغ وحده قد لا توصلهم إلى كُنْهِهِ.

<J .D. تشالمرز>

 

تُعدّ الخبرة الواعية conscious experience أكثر الأمور المألوفة في الحياة، وأكثرها غموضا في آن معا. فلا شيء نعرفه معرفة مباشرة أكثر من الوعي، ولكن من الصعب التوفيق بينه وبين أي شيء آخر نعرفه. إننا نتساءل: لماذا يوجد الوعي؟ وما وظيفته؟ وكيف يتسنى له أن ينشأ عن سيرورات processعصبية في الدماغ؟ وتعدُّ هذه الأسئلة من أكثر الأسئلة أهمية في العلم.

 

يمكن فهم الدماغ نسبيا من وجهة نظر موضوعية. فحينما تنظرُ إلى هذه الصفحة، تجد الكثير من السيرورات: ضربُ فوتوناتٍ لشبكية عينك، ثم مرور إشارات كهربائية في عصبك البصري وخلال عدة مناطق من دماغك، وأخيرا فإنك قد تستجيب ببسمة أو بعبسة متحيِّرة أو بتعليق. وهناك أيضا جانب ذاتي؛ فحينما تنظر إلى هذه الصفحة فإنك تعيها لكونك تَخْبَر صورها وكلماتها كجزء من حياتك العقلية الخاصة. يكون لديك أيضا انطباعات جلية عن الأزهار الملونة والسماء المتقلبة، وفي الوقت ذاته قد تشعر ببعض الانفعالات وتكوِّن بعض الأفكار. إن هذه الخبرات جميعها تشكل الوعي: الحياة الداخلية الذاتية للعقل.

 

لقد تجنّب الباحثون الخوضَ في موضوع الوعي سنوات عديدة عند دراسة الدماغ والعقل. وكانت النظرة السائدة أن العلم الذي يعتمد على الموضوعية لا يستطيع استيعاب شيء بهذا القدر من الذاتية subjectivity مثل الوعي. فقد ركَّزت الحركة السلوكية في علم النفس ـ التي سادت في بواكير هذا القرن ـ على السلوك الخارجي، ولم تسمح بأي حديث عن السيرورات العقلية الباطنة. وبعدها أدى ظهور علم المعرفة (الاستعراف) cognitive science  إلى تركيز الانتباه على السيرورات التي تجري داخل الرأس. أما الوعي فقد بقي ومازال خارج إطار التناول.

 

ولكن على مدى السنوات القليلة الماضية، تزايد عدد علماء الأعصاب وعلماء النفس والفلاسفة الرافضين لفكرة كون الوعي شأنا لا يمكن دراسته وحاولوا التنقيب عن أسراره. وكما هو متوقع في مجال جديد كهذا، هناك العديد من النظريات المختلفة والمعقَّدة التي غالبا ما تستَخْدِمُ مفاهيم أساسية بأساليب متنافرة. ومن أجل المساعدة على حل خيوط هذا التعقيد يبدو التفكير الفلسفي أمرا حيويا وأساسيا.

 

وتتراوح الآراء الكثيرة في هذا المجال ما بين نظريات الاختزاليين reductionistالذين يرون إمكانية تفسير الوعي بالطرائق المُقَنِّنة لعلم الأعصاب وعلم النفس ، وبين ما يدّعيه الغموضيون mysterians من استحالة فهم الوعي على الإطلاق. وأعتقد أنه بالاستناد إلى التحليل الدقيق يتبين خطأ كلا الرأيين وأن الحقيقة تحتل مكانا وسطا بينهما.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N2-3_H03_008599.jpg

قد يكون التحديق في ذواتنا الداخلية أمرا مُحْبِطا

 

سأجادل ضد الاختزالية بأن أدوات علم الأعصاب لا تستطيع تقديم تفسير كامل للخبرة الواعية مع أنها تمتلك الكثير لتقديمه، كما سأتمسك ضد الغموضية بأن الوعي يمكن تفسيره بنظرية من نوع جديد. صحيح إن التفاصيل الكاملة لمثل هذه النظرية لاتزال بعيدة المنال؛ ولكن التفكير المتأنّي، إلى جانب بعض الاستدلالات المعرفية، يمكن أن يكشفا شيئا ما من طبيعتها العامة. فمثلا، ربما تتضمن هذه النظرية قوانين أساسية جديدة، وقد يؤدي مفهوم المعلوماتية دورا مركزيا فيها. وتوحي مثل هذه الومضات بما يكون لنظرية كهذه حول الوعي من عواقب مفزعة في شأن نظرتنا إلى الكون وإلى أنفسنا.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N2-3_H03_008600.jpg

يعرف عالم الأعصاب المنعزل في غرفة سوداء وبيضاء كلَّ شيء عن الكيفية التي يعالج بها الدماغ الألوان، ولكنه لا يعرف ماذا تشبه تلك الألوان لكي يراها. وتوحي هذه الخطة بأن معرفة الدماغ لا تعطي معرفة كاملة بالخبرة الواعية.

 

المشكلة الصعبة

يستعمل الباحثون كلمة الوعي بأشكال مختلفة. وحتى تتضح الأمور، علينا أولا أن نفصل المشكلات التي غالبا ما تتجمع تحت هذا الاسم. ومن أجل هذا الغرض، أرى من المفيد أن نميز بين «المشكلات السهلة» و«المشكلة الصعبة» في الوعي. أما الأولى فليست تافهة على الإطلاق (إذ إنها تمتلك من التحدي في الواقع ما تمتلكه أكبر مشكلات علم النفس والبيولوجيا)، ولكن المشكلة الصعبة هي التي يكمن فيها الغموض المركزي.

 

تتضمن المشكلات السهلة للوعي ما يلي: كيف يستطيع الإنسان أن يميّز المنبهات الحسية، وأن يستجيب لها بشكل مناسب؟ وكيف يحقق الدماغ التكامل بين المعلومات الواردة من عدة مصادر مختلفة، ويستخدم هذه المعلومات للتحكم في السلوك؟ وكيف يستطيع الأفراد التعبير بالكلام عن حالاتهم الداخلية؟ ومع أن هذه الأسئلة تكون مصحوبة بالوعي، فإنها جميعا تخص الآليات الموضوعية للمنظومة المعرفية cognitive system. ومن ثم، فإننا نمتلك جميع الأسباب لأن نتوقع أن يجيب العمل المستمر في علم النفس المعرفي وعلم الأعصاب عن هذه الأسئلة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N2-3_H03_008601.jpg

قد يبقى الوعي، الذي هو الخبرة الشخصية عن الذات الداخلية، ظاهرة خارج متناول علم الأعصاب إلى الأبد. وحتى الإلمام التفصيلي بآليات عمل الدماغ والقرائن العصبية للوعي قد يفشل في تفسير كيفية وسبب امتلاك البشر عقولا تعي ذاتها.

 

وعلى النقيض من ذلك، فإن المشكلة الصعبة هي السؤال عن الكيفية التي تقوم بها السيرورات الفيزيائية(1) في الدماغ لتكون السبب في الخبرة الذاتية. فعندما نرى، على سبيل المثال، نَخْبَر إحساسات بصرية مثل اللون الأزرق الزاهي؛ أو نفكر في صوت المزمار البعيد الذي يفوق الوصف أو كرب الألم المبرح أو بريق السعادة أو الخاصية التأملية للحظة الاستغراق في التفكير. إنها جميعا جزء مما أسميه الوعي. إن هذه الظواهر هي ذاتها التي تطرح السر الحقيقي للعقل.

 

لعل علم الأعصاب قادر على شرح الوعي وتفسيره

<F. كريك> ـ <Ch. كوخ>

إننا نعتقد في الوقت الحالي أن أفضل مدخل لمشكلة تفسير الوعي يتمثل في التركيز على اكتشاف ما يُعرف بالمتعلقات العصبية neuralcorrelates  للوعي، أي ما يجري في الدماغ من سيرورات تعتبر المسؤولة مباشرة عن الوعي. فإذا حددنا مواقع الخلايا العصبية في القشرة المخية التي ترتبط جيدا بالوعي، وتعرَّفنا أسلوب اتصالها بالخلايا العصبية الأخرى في أرجاء الدماغ، فقد نتوصل إلى الفهم الأساسي لما يدعوه <J .D. تشالمرز> «المشكلة الصعبة»: ألا وهي الوصف الكامل للطريقة التي تنشأ بها الخبرة الذاتية انطلاقا من هذه السيرورات المخية.

إننا نُطْري على تشالمرز تعرُّفه الجسور وتركيزه على المشكلة الصعبة في هذه المرحلة المبكرة، وإن كنا غير متحمسين لبعض تجاربه الفكرية. وفي رأينا فإنه يمكن تقسيم المشكلة الصعبة إلى بضعة أسئلة: لماذا نَخْبَرُ الأشياء أصلا؟ وما الذي يقودنا إلى خبرة واعية معينة (مثل «الزرقة» لما هو أزرق)؟ ولماذا يستحيل نقل بعض جوانب الخبرة الذاتية إلى الناس الآخرين (وبكلمات أخرى لماذا تكون هذه الجوانب خاصة)؟ نعتقد أننا نمتلك جوابا عن هذه المسألة الأخيرة مثلما نمتلك اقتراحا للمسألتين الأوليين يدور حول ظاهرةٍ تُعْرف بالتمثيل العصبوني الصريح(2).

ماذا نعني «بالصريح» في هذا السياق؟ لعل أفضل طريق لتعريفه إنما يكون من خلال مثال عليه. فبالاستجابة لصورة وجه ما، على سبيل المثال، تنبعث الدفعات إلى الخلايا العقديةganglion cells  في أرجاء شبكية العين، على  نحو يشبه جدا العنصورات (الپيكسلات) على شاشة التلفزيون، لتعطي وصفا ضمنيا للوجه. وفي الوقت نفسه تستطيع الخلايا العقدية أن تستجيب أيضا للعديد من المعالم الأخرى في الصورة (مثل الظلال والخطوط والضياء غير المتجانس وغيرها). وعلى النقيض من ذلك فإن بعض الخلايا العصبية العالية في سلم الترتيب للقشرة المخية البصرية تستجيب أساسا للوجه، أو حتى للوجه المشاهد من زاوية معينة. وتساعد مثل هذه الخلايا العصبية الدماغَ على تقديم الوجه بطريقة صريحة (ظاهرة). ويؤدي فقدان هذه الخلايا (بسبب سكتة دماغية أو أذية أخرى في الدماغ) إلى عَمَهِ تشخيص الوجوه prosopagnosia، الذي يعني عجز الفرد عن تعرُّف الوجوه المألوفة له بشكل واع، وحتى وجهه هو نفسه، وإن كان الشخص لايزال يستطيع تحديد الوجه كوجه. وعلى نحو مشابه، يمكن أن تؤدي الأذية في أقسام أخرى من القشرة المخية البصرية إلى فقدان قدرة المرء على خبرة اللون، في حين أنه لايزال يرى الأشياء في ظلال من الأسود والأبيض على الرغم من عدم وجود عيب في المستقبلات اللونية بالعين.

وفي كل مرحلة، يعاد تكويد المعلومة البصرية، تماما مثل الأصل في طريقة شبه مرتبة ترتيبا هرميا. وتستجيب الخلايا العقدية في الشبكية لبقعة من الضوء. إن العصبونات في القشرة المخية البصرية الأولية أكثر ما تكون براعة في الاستجابة للخطوط والحواف edges  في حين  تفضِّل العصبونات الأكثر علوّا من سابقتها الكفاف contour  المتحرك؛ أما الخلايا العصبية الأكثر علوا من سابقتها، فهي تلك التي تستجيب للوجوه والأشياء المألوفة الأخرى. وتقع في القمة تلك الخلايا المسؤولة عن التركيب قبل الحركي pre-motor structure والحركي في الدماغ، حيث تنبعث الدفعات إلى الخلايا العصبية التي تبدأ منها أفعال مثل الكلام وتفادي حافلة مقتربة. 

يعتقد تشالمرز، مثلما نعتقد نحن، أن الجوانب الذاتية للخبرة لا بد أن تكون على علاقة وثيقة بانبعاث الدفعات الموصلة للخلايا العصبية المقابلة لتلك الجوانب (المتعلقات العصبية). ويصف تشالمرز تجربة فكرية معروفة جيدا، تدور حول عالمة أعصاب مُفترَضة اسمها ماري، متخصصة في إدراك الألوان من دون أن يسبق لها رؤية لون ما. ولكننا نعتقد أن سبب عدم معرفة ماري ماذا يشبه رؤية لون ما، إنما يعود إلى كونها لم تمتلك يوما أي وصف عصبي صريح للون في دماغها، فكل ما تمتلكه في هذا الشأن الكلمات والأفكار المرتبطة بالألوان.

ومن أجل وصف خبرة ذاتية بصرية، لا بد من تحول المعلومات إلى مرحلة الخَرْج الحركيmotor output stage  للدماغ حيث تصبح متاحة  للتعبير بالكلام أو الأفعال الأخرى. ويتضمن هذا التحول على الدوام إعادة تكويد المعلومات، لذا فإن المعلومة الصريحة المعبر عنها من خلال الخلايا العصبية الحركية ترتبط، لكن ليس بشكل تام، بالمعلومة الصريحة المعبَّر عنها من خلال الشحنة الموصلة للخلايا العصبية المرتبطة بخبرة اللون، في بعض مستويات التنظيم الهرمي البصري.

وهكذا فليس من الممكن أن ننقل بدقة بالكلمات والأفكار طبيعة الخبرة الذاتية، بل من الممكن نقل الفروق بين الخبرات الذاتية ـ بهدف التمييز بين الأحمر والبرتقالي مثلا. ويعد هذا ممكنا بسبب أن الفرق في منطقة القشرة البصرية العالية المستوى، سيظل مرتبطا بالفرق بين المراحل الحركية. ونصل من ذلك إلى أننا لن نستطيع إطلاقا أن نشرح للناس الآخرين طبيعة أي خبرة واعية، وإنما شرح علاقتها بالخبرات الواعية الأخرى.

أما بالنسبة للسؤالين الآخرين المتعلقين بلماذا نمتلك خبرات واعية، وما الذي يؤدي إلى خبرات محددة، فيبدوان أكثر صعوبة. ويقترح تشالمرز بهذا الصدد أنهما يتطلبان تقديم الخبرة على أنها معلم أساسي جديد للعالَم يتعلق بقدرة الكائن المتعضي على معالجة المعلومات. ولكن، أيُّ أنماطٍ من معلومات الخلايا العصبية يولد الوعي؟ وما الذي يجعل نمطا معينا من المعلومات يقابل زرقة الأزرق بدلا من خضرة الأخضر؟ إن مثل هذه المشكلات تبدو صعبة بقدر صعوبة أي مشكلة في نطاق دراسة الوعي.

إننا نفضل مدخلا بديلا يتضمن مفهوم المعنى. فإذا تساءلنا، بأي إحساس تستطيع الخلايا العصبية التي تكود الوجه بشكل صريح أن تنقل معنى الوجه إلى سائر الدماغ؟ إن مثل هذه الخاصية يجب أن تتعلق بالمجال الإسقاطي projective field  للخلية، أي بنموذج  مركز اتصالات الخلايا العصبية التي تكوِّد بشكل صريح الأفكار المرتبطة بها. وفي النهاية، تمتد هذه التوصيلات إلى الخرج الحركي motor output. فمثلا، قد تكون الخلايا العصبية التي تستجيب لوجه معين على اتصال بالخلايا العصبية التي تعبر عن اسم الشخص صاحب ذلك الوجه، وكذلك على اتصال بالخلايا العصبية المسؤولة عن صوته وعن الذكريات التي تحويها وغير ذلك. ويجب أن تكون هذه الارتباطات بين الخلايا العصبية مفيدة سلوكيا، أي إنها بكلمات أخرى، لا بد أن تكون متسقة مع تغذية راجعة من الجسم والعالم الخارجي.

إن المعنى الذي نستمده من نسق الرابطة بين هذه المتشابهات والأخرى التي تنتشر في أرجاء المنظومة القشرية في شبكة ارتباطية واسعة، يماثل القاموس أو قاعدة البيانات المترابطة. فكلما تنوعت هذه الاتصالات ازداد ثراء المعنى، فكما في مثالنا السابق عن عَمَه تشخيص الوجوه، إذا أعيقت مخرجات توصيلات الخلايا العصبية لهذا الوجه فستبقى الخلايا تستجيب لوجه الشخص ولكن لن يرافق الاستجابة معنى ولذلك تقل الخبرة إلى حد كبير. وهكذا يمكن رؤية الوجه ولكن لا يتم تعرفه.

وبالطبع، يمكن أن تتولى مجموعات الخلايا العصبية وظائف جديدة تسمح للدماغ بأن يتعلم أنماطا جديدة (ومنها الوجوه) وأن يربط أنماطا جديدة بتلك القائمة. وتعتبر بعض الارتباطات الأولية، مثل الألم إلى حد ما، فطرية. لكنها تُصْقل فيما بعد أثناء الحياة.

قد تكون المعلومات حقا هي المفهوم الأساسي حسبما يظن تشالمرز. ولكن تأكيد ذلك سيتطلب مراعاة مسارات متوازية بدقة من المعلومات تترابط معا مثل الخلايا العصبية في شبكات معقدة. وسيكون من المفيد أن نحاول تحديد المعالم التي ينبغي أن تتخذها الشبكة العصبية (أو غيرها مثل التضمين الحاسوبيcomputational embodiment) كيما تنتج معنى. ومن الممكن أن تقترح مثل هذه المجهودات الأساس العصبي للمعنى. وعندئذ قد تظهر المشكلة الصعبة للوعي بمنظور جديد تماما،  أو حتى ربما تختفي.

 كريك أستاذ أبحاث متميز في معهد سولك للدراسات البيولوجية بسان دييگو. أما كوخ فأستاذ الحاسوب والمنظومات العصبية في معهد كاليفورنيا للتقانة.

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N2-3_H03_008602.jpg

ينبه مثلث كانيزا kaniza triangle الخلايا العصبية التي تكوِّد بشكل صريح حدود هذا الشكل الخادع.

 

ومن أجل إيضاح ذلك التمييز سندرس «تجربة فِكْرٍ» ابتكرها الفيلسوف النمساوي <F. جاكسون>. لنفترض أن ماري هي عالمة أعصاب في القرن الثالث والعشرين وتتميز بكونها خبيرة عالمية رائدة في عمليات الدماغ المسؤولة عن رؤية الألوان. ولكن ماري أمضت عمرها كله في غرفة بالأبيض والأسود، ولم تر قط أي لون آخر. إنها تعرف كل شيء ينبغي معرفته عن السيرورات الفيزيائية في الدماغ (بيولوجيته وبنيته ووظيفته). إن هذا الفهم يمكِّنها من أن تستوعب كل شيء ينبغي معرفته عن المشكلات السهلة: الطريقة التي يميز الدماغ بها المنبهات، ويكامل بها المعلومات، وينتج بها التقارير اللفظية. ومن معرفتها برؤية اللون فهي تعرف الطريقة التي تقابل بها أسماء الألوان الأطوال الموجية في الطيف الضوئي. ولكن يبقى هناك أمر أساسي حول رؤية اللون تجهله ماري: ألا وهو ما عساها أن تشبه خبرة لون ما كالأحمر. وهذا يعني أن هناك حقائق عن الخبرة الواعية لا يمكن استنباطها من الحقائق الفيزيائية المتعلقة بوظائف الدماغ.

 

حقا، لا أحد يعرف مطلقا لماذا يصحب هذه السيرورات الفيزيائية خبرة واعية. لماذا تتملكنا خبرة الأرجواني القاتم حينما تعالج عقولنا ضوءا ذا طول موجة معينة؟ ولماذا نمتلك أي خبرة أصلا؟ ألم يكن في مقدور اللاوعي الذاتيِّ العملَ (الأوتوماتي) automaton  أن ينجز المهام ذاتها كذلك؟ هذه هي الأسئلة التي نتمنى أن تجيب عنها نظرية الوعي.

 

هل يكفي علم الأعصاب؟

إنني لا أنكر أن الوعي ينشأ عن الدماغ. فنحن نعرف، على سبيل المثال، أن الخبرة الذاتية للرؤية ذات صلة وثيقة بسيرورات تتم في القشرة المخية البصرية. ولكن هذه الصلة نفسها هي التي تحير أفكارنا. ومما يلفت الانتباه، أن الخبرة الذاتية ـ على ما يبدو ـ تنبثق من سيرورة فيزيائية ولكننا لا نمتلك أي فكرة عن كيفية ذلك وسببه.

 

وبالنظر إلى الفورة التي تشهدها البحوث الحديثة في علم الأعصاب وعلم النفس حول الوعي، فقد يفكر المرء أن هذا السر بدأ ينجلي. ولكن الفحص الدقيق يبين أن جميع البحوث التي تُجرى حاليا تتجه نحو المشكلات السهلة للوعي فحسب. إن الاطمئنان إلى آراء الاختزاليين يأتي من التقدم في المشكلات السهلة، ولكن ما من رأي منها يقدم شيئا ذا بال يتعلق بالمشكلة الصعبة.

 

دعونا نتناول الفرضية التي وضعها عالِما البيولوجيا العصبية <F. كريك> (من معهد سولك لدراسات علم الحياة في سان دييگو) و <Ch. كوخ> (من معهد كاليفورنيا للتقانة). فهما يقترحان أن الوعي يمكن أن ينشأ عن ذبذباتٍ في قشرة المخ تصبح متزامنة عندما تقوم الخلية العصبية (العصبون) بابتعاث 40 دفعة عصبية في الثانية. ويعتقد كريك وكوخ أن هذه الظاهرة قد تفسر كيف يمكن للصفات المختلفة لشيء واحد مُدرك (شكله ولونه مثلا)، والتي تتم معالجتُها في أجزاء مختلفة من الدماغ، أن تدمج في كلٍّ متكامل. وفي هذه النظرية يتم الربط بين معلومتين إحداهما بالأخرى بإحكام حينما تقدمهما الدفعات العصبية المتزامنة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N2-3_H03_008603.jpg

تبين تغيرات التدفق الدموي في القشرة المخية الإبصارية كيفية استجابة دماغ الشخص المفحوص للنموذج الذي يشاهده ذلك الشخص. وتُظهر الألوان في هذه الصورة نشاط القشرة المخية الذي يقابل ما يشاهده الشخص المفحوص من كل من النصف الشاقولي أو النصف الأفقي للنموذج. وتوضح هذه التجربة المتعلقات العصبية للخبرة البصرية، وقد تكون مثل هذه الخبرات أساس الوعي.

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N2-3_H03_008604.jpg

 

تستطيع هذه الفرضية، في حدود التصور، أن تجلو إحدى المشكلات السهلة بشأن الكيفية التي يتم فيها تكامل المعلومات في الدماغ؛ ولكن لماذا تسبب الذبذبات المتزامنة خبرة بصرية مهما كان مقدار التكامل الذي يحدث؟ يتضمن هذا السؤال مشكلة صعبة لا تقدم تلك النظرية بشأنها أي شيء. وفي الواقع فإن كريك وكوخ لا يعرفان إن كانت هذه المشكلة الصعبة يمكن أن يحلها العلم في أي وقت. [انظر ما هو مؤطر في الصفحة 25 ].

 

يمكن أن ينطبق النقد نفسه على معظم البحوث الحديثة عن الوعي. ففي كتابه تفسير الوعي Consciousness Explained، الذي نشر عام 1991، وضع الفيلسوف <C. دينيت> نظرية متطورة حول كيفية ترابط السيرورات المستقلة العديدة في الدماغ لتنتج استجابة متماسكة تجاه الحدث event الذي يدركه. ويمكن لهذه النظرية أن تقدم الكثير لتفسير كيفية إخراجنا تقارير لفظية عن حالاتنا الداخلية، ولكنها لا تخبرنا إلا القليل عن سببية ضرورة وجود خبرة ذاتية وراء هذه التقارير. إن نظرية دينيت، شأنها شأن نظريات الاختزاليين الأخرى، هي نظرية للمشكلات السهلة.

 

إن السمة العامة بين هذه المشكلات السهلة أنها تتناول في مجموعها الطريقة التي يتم بها إنجاز الوظيفة السلوكية أو المعرفية. إنها جميعا أسئلة تدور في النهاية حول الطريقة التي ينفذ بها الدماغ بعض المهمات: كيف يميز المنبهات ويكامل المعلومات وينتج التقارير وغيرها. وما إن تحدد البيولوجيا العصبية الآليات العصبية الملائمة، مبينة الطريقة التي يتم بها إنجاز هذه الوظائف، حتى تكون المشكلات السهلة قد حُلَّت.

 

وعلى النقيض من ذلك فإن مشكلة الوعي الصعبة تقع بعيدا عن مشكلات كيفية إنجاز تلك الوظائف. فحتى لو نجحنا في تفسير كل وظيفة سلوكية ومعرفية للوعي، فإنه سيبقى هناك غموض آخر يتعلق بسببية إنجاز هذه الوظائف مصحوبا بخبرة الوعي. ولعل هذا اللغز الإضافي هو ما يجعل المشكلة الصعبة صعبة.

 

الهوة التفسيرية

ولحل المشكلة الصعبة اقترح عدد من الباحثين تقديم وسائل جديدة للتفسير الفيزيائي مثل الديناميك اللاخطي nonlinear dynamics أو المكتشفات الجديدة في علم الأعصاب أو الميكانيك الكمومي. ولكن هذه الأفكار تعاني تماما الصعوبة ذاتها. فلنأخذ اقتراحا تقدَّم به <R .S. هامروف> (من جامعة أريزونا) و<R. پنروز> (من جامعة أكسفورد)، حيث اعتقدا أن الوعي ينشأ عن سيرورات فيزيائية كمومية تحدث في الأُنَيْبيبات الميكروية microtubules التي هي بنى بروتينية داخل الخلايا العصبية (العصبونات). ويمكن ـ إن لم يكن من المحتمل ـ أن تقود مثل هذه الفرضية إلى تفسير كيفية اختيار الدماغ للقرارات أو حتى كيفية برهانه على القضايا الرياضياتية، حسبما يقترح هامروف وپنروز. ولكن حتى لو صح ذلك فإن هذه النظرية تصمت عما يتعلق بالكيفية التي يمكن لهذه السيرورات عبرها أن تسبب الخبرة الواعية. وفي الواقع، تنشأ المشكلة نفسها مع كل نظرية للوعي مبنية على السيرورات الفيزيائية فقط.

 

تكمن الصعوبة هنا في أن النظريات الفيزيائية هي الملائمة أكثر لتفسير سببية امتلاك الأجهزة بنيةً فيزيائية معينة. إن معظم المشكلات في العلوم لها هذا الشكل؛ فمن أجل تفسير الحياة، على سبيل المثال، نحتاج إلى وصف الكيفية التي تتنامى بها منظومة فيزيائية وتتلاءم وتقوم بسيرورات الهدم والبناء. ولكن الوعي مشكلة من نوع مختلف تماما لكونه يذهب إلى أبعد من مجرد تفسير البنية والوظيفة.

 

إن علم الأعصاب ليس بالطبع منقطع الصلة عن دراسة الوعي. فقد يكون أولا قادرا على كشف طبيعة المتعلقات العصبية للوعي، إذ إن السيرورات الدماغية ترتبط مباشرة بالخبرة الواعية. ويمكن لعلم الأعصاب أن يعطينا أيضا المطابقة التفصيلية بين سيرورات محددة في الدماغ وبين المكونات المتعلقة بالخبرة. ولكن إلى أن نعرف ذات يوم لماذا تسبب هذه السيرورات خبرة واعية، فلن نكون قد اجتزنا ما دعاه الفيلسوف <J. ليڤين> الهوّة التفسيرية بين السيرورات الفيزيائية والوعي. وسيتطلب تحقيق تلك القفزة نظرية من نوع جديد.

 

تبرز في نطاق البحث عن بديل ملاحظةٌ رئيسية تتمثل في أنه لا يمكن تفسير جميع كينونات العلم بلغة الكينونات الأكثر أساسية منها. ففي الفيزياء مثلا، يعتبر الزمان والمكان والكتلة والشحنة وغيرها معالم (سمات) جوهرية للعالَم، باعتبارها لا تُختزَل إلى أي شيء أبسط منها. وعلى الرغم من عدم قابلية الاختزال هذه، فإن هناك نظريات مفيدة ومفصلة تربط هذه الكينونات إحداها بالأخرى بلغة القوانين الأساسية. وتفسِّر هذه المعالم والقوانين معا التنوع الكبير للظواهر المعقدة والمراوغة.

 

ثمة اعتقاد واسع بأن الفيزياء تقدم فهرسا كاملا لقوانين ومعالم الكون الأساسية. وباعتباره أحد الفيزيائيين يقدم <S. واينبرگ> في كتابه الذي يحمل عنوان أحلام النظرية النهائية Dreams of a Final Theory، المنشور عام 1992، هدف الفيزياء على أنه «نظرية كل شيء» بحيث يُشْتَقّ منها كل ما نريد معرفته عن الكون. ولكن واينبرگ يسلِّم بوجود مشكلة مع الوعي. وعلى الرغم من قوة النظرية الفيزيائية، فإن وجود الوعي لا يبدو أنه مشتق من القوانين الفيزيائية. فهو يدافع عن الفيزياء بمجادلته أنها يمكن أن تفسر في نهاية المطاف ما يدعوه المتعلقات الموضوعية للوعي (أي المتعلقات العصبية neural correlates)، ولكن قيامه بذلك لا يعني بالطبع تفسير الوعي نفسه. فإذا كان وجود الوعي لا يمكن اشتقاقه من القوانين الفيزيائية، فإن نظرية في الفيزياء لا تعد نظرية صالحة لكل شيء، وبذلك فإنه لا بد للنظرية النهائية من أن تحوي مكونا أساسيا إضافيا.

 

نظرية حقيقية لكل شيء

من هذه النهاية أقترِحُ اعتبار الخبرة الواعية خاصية أساسية لا تُختزل إلى أي شيء آخر أساسي. وقد تبدو هذه الفكرة غريبة لأول وهلة، ولكن الاتساق يتطلبها؛ إذ تبين في القرن التاسع عشر أن الظواهر الكهرمغنطيسية لا يمكن تفسيرها في ضوء المبادئ المعروفة من قبل. وتبعا لذلك، قدم العلماء الشحنة الكهرمغنطيسية على أنها كينونة أساسية جديدة ودرسوا القوانين الأساسية المصاحبة لها. وينبغي تطبيق مثل هذا الاستدلال المنطقي على الوعي. وإذا لم تستطع النظريات الأساسية القائمة الإحاطة به، فإن الأمر يتطلب شيئا جديدا في هذا الشأن.

 

وحيثما توجد خاصية أساسية توجد كذلك قوانين أساسية. وفي هذه الحالة يجب على القوانين ربط الخبرة بعناصر النظرية الفيزيائية. ولن تتعارض هذه القوانين بالتأكيد مع العالَم الفيزيائي، فهذه الأخيرة يبدو أنها تشكل منظومة مغلقة خاصة بها. والأصح أن القوانين المعنية ستعمل كجسر يحدد كيفية اعتماد الخبرة على السيرورات الفيزيائية التي تستند إليها. وهذا الجسر ذاته هو الذي سيجتاز بنا الهوة التفسيرية.

 

وهكذا سيكون للنظرية الكاملة مكوِّنان هما: القوانين الفيزيائية التي تتناول سلوك المنظومات الفيزيائية من صغيرها المتناهي إلى كبيرها الكوني، وما يمكن أن ندعوه القوانين النفسية الفيزيائية (السيكوفيزيائية) psychophysicalالتي تتناول كيفية اقتران بعض هذه المنظومات بالخبرة الواعية. وسيؤلف كلا هذين المكونين نظرية صالحة لكل شيء.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N2-3_H03_008605.jpg

ترتب عجلةُ الألوان مختلف الألوان بحيث إن ما نَخْبَره على أنه متماثل يكون متقاربا. وكذلك تضاهي الألوانَ المتقاربة التشابهاتُ الإدراكية المتماثلة في الدماغ.

 

لنفترض وجود هذين المكوِّنين في الوقت الحاضر، ولنتساءل: كيف يمكننا اكتشاف مثل هذه القوانين النفسية الفيزيائية؟ إن أكبر عقبة في وجه هذه المتابعة ستكمن في الافتقار إلى البيانات. وانطلاقا من وصفي للوعي بأنه ذاتي، فلا يوجد طريق مباشر لرصده مع غيره. ولكن هذه الصعوبة هي مجرد عقبة وليست نهاية مسدودة. وكبداية، فإن لكل منّا حق الاقتراب من خبراتنا الخاصة التي تعتبر نفائس يمكن استخدامها في صياغة نظريات حول الموضوع. ويمكننا كذلك أن نركن بشكل معقول إلى معلومات غير مباشرة مثل وصف الأفراد لخبراتهم. كما يمكن أن تؤدي المناقشات الفلسفية والتجارب الفكرية دورا في هذا الصدد. صحيح، إن لمثل هذه الطرائق قيودها ولكنها مع ذلك تعطينا ما يفوق الكفاية للشروع.

 

لن تكون هذه النظريات قابلة للاختبار في صورة نهائية، وبذلك فلا مفر من أن تكون أكثر تأملية من تلك المنظومات العلمية التقليدية. ومع ذلك، فليس من سبب لقسرها بقوة على تفسيرٍ دقيقٍ لخبراتنا الخاصة بأنفسنا، أو للبراهين المستخلصة من تقارير الأفراد. فإذا وجدنا نظرية تناسب البيانات على نحو أفضل من غيرها من النظريات التي تجاريها في البساطة، فسيكون لدينا سبب وجيه لقبولها. وفي الوقت الحاضر فإننا لا نمتلك ولا حتى نظرية واحدة تناسب البيانات، وبذلك يكون الانزعاج حول قابلية الاختبار أمرا سابقا لأوانه.

 

ويمكن أن نبدأ بالبحث عن قوانين عالية المستوى، تربط السيرورات الفيزيائية بالخبرة اليومية. ويمكن أن يكون الإطار الأساسي لمثل هذا القانون محصلة ملاحظة أننا عندما نكون على وعي بشيء نكون قادرين على التصرف بناء عليه، وأن نتحدث عنه، وهاتان وظيفتان فيزيائيتان موضوعيتان. وعلى العكس من ذلك، فعندما تتوافر معلومة مباشرة للتصرف والحديث فهذا بصفة عامة وعي. وهكذا يرتبط الوعي جيدا بما يمكن أن نسميه «الدراية» awareness، ونعني بذلك تلك السيرورة التي بوساطتها تكون المعلومات التي في المخ متاحة كلية للسيرورات الحركية مثل الكلام والفعل الجسماني.

 

الدراية الموضوعية

قد تبدو الفكرة تافهة. ولكن حسب تعريفنا هنا، فإن الدراية أمر موضوعي وفيزيائي، في حين أن الوعي ليس كذلك. ويلزمنا بعض التهذيب لتعريف الدراية هذه، حتى يشمل المفهوم الحيواناتِ والأطفال الذين لا يستطيعون الكلام. ولكن يمكن، في بعض الحالات المألوفة على الأقل، أن نرى الخطوط العريضة لقانون نفسي فيزيائي مفاده أنه حيثما توجد الدراية يوجد الوعي والعكس بالعكس.

 

وكيما نمد خط التفكير هذا خطوة أبعد يجب النظر إلى البنية الموجودة في الخبرة الواعية. فعلى سبيل المثال، تكون خبرة مجال الرؤية فسيفساء متبدلة باستمرار من الألوان والأشكال والنماذج، وبذلك تكون لها بنية هندسية مفصلة. وتوحي حقيقة كوننا نستطيع وصف هذه البنية (بما يتناول العديد من مكوناتها وإنجاز أفعال أخرى تعتمد عليها) بأن تلك البنية تتناظر مباشرة مع تلك المعلومات المتاحة في الدماغ عبر السيرورات العصبية للدراية.

 

رقصة الكواليا في دماغ صنعي

هناك سؤال يجده العديد من الناس آسرا وحقيقيا، ويدور حول ما إذا كان الوعي ينشأ في منظومة تركيبية معقدة. ومع أنه قد تمر عقود أو حتى قرون من السنين قبل أن تنشأ مثل هذه المنظومة، فهناك تجربة فكرية بسيطة تقدم دليلا قويا على أن الدماغ الصنعي إذا ما تم تنظيمه بشكل مناسب، سيمتلك بالضبط النوع نفسه من الخبرات الواعية التي يمتلكها الإنسان.

لندرس منظومة ذات أساس سليكوني تُنظَّم فيها الشيپات وتُوظَّف بنفس طريقة الخلايا العصبية في دماغك، بمعنى أن كل شيپة في المنظومة السليكونية تفعل تماما ما تفعله نظيرتها الطبيعية، كما أنها تتصل بالعناصر المحيطة بها بالأسلوب نفسه بالضبط. عندئذ سيكون السلوك الذي تبديه هذه المنظومة الصنعية مماثلا تماما لسلوكك. ويبقى السؤال المهم: هل تكون هذه المنظومة واعية بالكيفية نفسها التي أنت عليها؟

دعونا نفترض، لغرض المناقشة، أنه لن تكون المنظومة كذلك (هنا نستعمل طريقة للتفكير تدعى الدليل غير المباشر reductio adabsurdum أو البرهنة بالنقيض، التي تقبل فيها الفرضية المعاكسة ثم يتبين أنها تقود إلى نتيجة يتعذر الدفاع عنها)؛ أي إما أن تمتلك المنظومة خبرات مختلفة: (مثال خبرة الأزرق عندما تشاهد أنت الأحمر)، أو لا تمتلك خبرة على الإطلاق. فلندرس الحالة الأولى، إن التفكير يسير بشكل متشابه في كلتا الحالتين.

لما كان للشيپات والخلايا العصبية الوظيفة نفسها، فيمكن استبدال إحداهما بالأخرى مع الالتقاء الصحيح. وبذلك تستطيع الشيپات أن تحل محل الخلايا العصبية بحيث تعطي سلسلة متصلة من الحالات تحل فيها الشيپات محل نسب من الخلايا العصبية متتابعة الكِبَر. ومن خلال هذه السلسلة المتصلة فإن الخبرة الواعية للمنظومة ستتغير أيضا. فمثلا يمكن أن نستبدل جميع الخلايا العصبية في قشرتك المخية البصرية لتحل محلها نسخة مطابقة منظَّمة مصنوعة من السليكون. وهنا سيمتلك الدماغ الناجم، الذي يحمل قشرة مخية بصرية صناعية، خبرة واعية تختلف عن الخبرة الأصلية: فحيث كنت ترى الأحمر في السابق يمكنك الآن أن تَخْبَرَ الأرجواني (أو ربما اللون القرمزي الباهت في حالة كون المنظومة السليكونية بأكملها لا تمتلك خبرة على الإطلاق).

وبعد ذلك، يتم وصل القشرتين المخيتين البصريتين إلى دماغك بوساطة مفتاح ثنائي الوضع. ففي أحد الوضعين تستخدم القشرة المخية البصرية الطبيعية، وفي الوضع الآخر يتم تفعيل القشرة المخية الصنعية. فلدى الضغط على المفتاح تتبدل خبرتك من الأحمر إلى الأرجواني والعكس بالعكس؛ ولدى الضغط على المفتاح بشكل متكرر «تتراقص» خبراتك بين حالتي الوعي المختلفتين (الأحمر والأرجواني).

ولكن، بما أن منظم دماغك لم يتبدل، فإنه قد لا يحدث تبدل سلوكي لدى التخلي عن المفتاح. ولذا عندما تُسأل عما تراه فإنك ستقول إنه لم يتغير شيء وستؤكد أنك ترى الأحمر وأنك لا ترى سوى الأحمر، على الرغم من تراقص اللونين أمام عينيك. وهذه النتيجة غير معقولة أبدا بحيث يفضل اعتبارها الدليل غير المباشر للافتراض (الادعاء) الأصلي بأن المنظومة الصنعية ذات التنظيم والوظيفة المطابقين، تمتلك خبرة واعية تختلف عن الخبرة الواعية للدماغ العصبي. ويرسِّخ سحب هذا الافتراض ما هو عكسه، بمعنى أن المنظومات ذات التنظيم المتماثل تمتلك الخبرة الواعية نفسها.

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N2-3_H03_008606.jpg

في التجربة الفكرية قد تومض التفاحة من الأحمر إلى الأزرق.

 

وعلى نحو مشابه، فإن خبراتنا عن اللون تمتلك بنية داخلية ثلاثية الأبعاد تنعكس في بنية السيرورات المعلوماتية داخل القشرة المخية البصرية. وتتوضح هذه البنية في عجلات ورواسم الألوان التي يستخدمها الفنانون. فالألوان يتم ترتيبها في نموذج متسق، تحتل فيه الألوان من الأحمر إلى الأخضر أحد المحاور، والألوان من الأزرق إلى الأصفر محورا آخر، في حين يقع ما هو بين الأسود والأبيض في محور ثالث. وتعطي الألوان المتقاربة بعضها مع بعض على عجلة (دولاب) الألوان color wheel خبرة متشابهة. [انظر الشكل في الصفحة المقابلة]. ومن المحتمل جدا أن تقابل تلك الألوان أيضا الأوصافُ (التمثيلات) المدركة perceptual representations في الدماغ كجزء من نظام تكويد ثلاثي الأبعاد معقَّد بين الخلايا العصبية التي لاتزال غير مفهومة تماما حتى الآن. إننا نستطيع إعادة تشكيل هذا المفهوم الأساسي كمبدأ للترابط البنيويprinciple of structural coherence: بمعنى أن بنية الخبرة الواعية تنعكس بوساطة بنية معلومات الدراية، والعكس بالعكس.

 

ويتمثل المنافس الآخر للقانون النفسي الفيزيائي في مبدأ الثبات التنظيمي (التَّعْضوي) principle of organizational invariance الذي يرى أن المنظومات الفيزيائية التي لها التعضية المجردة نفسها تسبب النوع نفسه من الخبرة الواعية بغض النظر عمّا تتألف منه. فمثلا، إذا أمكن عمل نسخة من التآثرات الدقيقة القائمة بين عصبوناتنا على شيپات سليكونية، فستظهر الخبرة الواعية نفسها. إن هذه الفكرة فيها خلاف، ولكنني أعتقد أنها تلقى تأييدا قويا من قبل تجارب الفكر التي تصف الإحلال التدريجي للخلايا العصبية بشيپات السليكون [انظر ما هو مؤطر في هذه الصفحة]. والمضمون الجدير بالاعتبار، الذي يمكن الخروج به من هذا، هو أن الوعي قد يتحقق يوما ما في الآلات.

 

إن الهدف الأخير من صياغة نظرية للوعي يتمثل في مجموعة متسقة وبسيطة من قوانين أساسية تشبه القوانين الأساسية للفيزياء. أما المبادئ التي وصفناها آنفا فلا يحتمل أن تكون أساسية، بل إنها على ما يبدو قوانين نفسية فيزيائية عالية المستوى تشبه المبادئ العريضة في الفيزياء مثل مبادئ الترموديناميك ومبادئ الحركيات kinematics. فما عساها تكون القوانين الأساسية المهمة؟ لا أحد يعرف، ولكن لا مانع من التعمق في الأمر.

 

إنني أفترض إمكانية اشتمال القوانين النفسية الفيزيائية على مفهوم المعلومات بشكل مركزي. فالفكرة المجردة للمعلومات حسبما قدمها في الأربعينات من القرن الحالي <E .C. شانون> (من معهد ماساتشوستس للتقانة) هي مجموعة حالات منفصلة ذات بنية أساسية من التشابهات والاختلافات فيما بينها. ونستطيع أن نفكر في كود ثنائي ذي عشر بتات كحالة معلومات مثلا. ومثل حالات المعلومات هذه يمكن أن تكون ضمن العالَم الفيزيائي. ويحدث ذلك كلما تماثلت هذه الحالات مع حالات فيزيائية كالڤُلْطيات، أما الفروق بينها فيمكن نقلها عبر مسارٍ ما، كخط هاتفي على سبيل المثال.

 

المعلومات: فيزيائية وخبروية

ويمكن كذلك أن نجد المعلومات متضمَّنة في الخبرة الواعية. فعلى سبيل المثال، يمكن رؤية نموذج البقع اللونية الموجودة في المجال البصري على نحو يشابه العنصورات (عنصر صورة، پيكسلات) pixels التي تغطي شاشة العرض. ويتبين بما يثير الاهتمام، أننا نجد حالات المعلومات ذاتها متضمنة في الخبرة الواعية وفي السيرورات الفيزيائية الأساسية في الدماغ. فالتكويد الثلاثي الأبعاد للمساحات الملونة مثلا، يوحي بأن الحالة المعلوماتية في خبرة لونية تشبه بشكل مباشر حالةً معلوماتية في الدماغ. ويمكن الوصول إلى اعتبار الحالتين وجهين مستقلين لحالة معلوماتية واحدة متضمَّنة بشكل متزامن في المعالجة processing الفيزيائية وفي الخبرة الواعية معا.

 

ثم تعقب ذلك فرضية طبيعية. ربما يكون للمعلومات (أو بعضها على الأقل) وجهان أساسيان: أحدهما فيزيائي والآخر خِبرَوي experiential. ولهذه الفرضية منزلة المبدأ الأساسي الذي يمكن أن يشكل أساس العلاقة بين السيرورات الفيزيائية والخبرة. فحيثما نجد خبرة واعية فإنها تظهر كواحد من وجهي الحالة المعلوماتية، والوجه الآخر نجده متضمنا في السيرورة الفيزيائية في الدماغ. صحيح إن هذا الاقتراح يحتاج إلى إزاحة بعض الغموض عنه لجعله نظرية مقنعة، ولكنه يتناسب جيدا مع ما سبق ذكره من مبادئ، منها أن المنظومات ذات التنظيم (الترتيب) المتماثل ستتضمن المعلومات نفسها على سبيل المثال، ويمكن أن تفسِّر المعالمَ العديدة لخبرتنا الواعية.

 

وهذه الفكرة على الأقل تتوافق مع عدة أفكار أخرى، من مثل اقتراح الفيزيائي <A .J. ويلر> بأن المعلومات تعد أساسية لفيزياء الكون. وقد يتم في النهاية وضع قوانين الفيزياء في لغة معلوماتية. وفي هذه الحالة يمكن أن نحصل على تطابق مُرضٍ بين البناءات في كل من القوانين الفيزيائية والنفسية الفيزيائية (السيكوفيزيائية). وقد يبلغ الأمر أن تندمج في النهاية نظرية فيزيائية وأخرى للوعي في نظرية واحدة للمعلومات أكثر شمولا.

 

هل الخبرة كلية الوجود؟

والمشكلة المحتملة تصنعها الصفة الكلية للمعلومات. فحتى المنظم الحراري (الثرموستات)، على سبيل المثال، يتضمن بعض المعلومات، ولكن هل هو واع؟ هناك إجابتان محتملتان على الأقل: إحداهما، أننا نستطيع تقييد القوانين الأساسية بحيث يكون لبعض المعلومات فقط جانب خبروي، وربما كان ذلك بالاستناد إلى الطريقة التي تتم بها معالجة المعلومة فيزيائيا. والأخرى، أننا قد نسمح بأن يكون لكل المعلومات جانب خبروي ـ فحيث تكون معالجة المعلومات معقدة تكون هناك خبرة معقدة، وحيث تكون معالجة المعلومات بسيطة تكون الخبرة بسيطة. فإذا كان الأمر كذلك، فقد يمتلك حتى المنظم الحراري خبرات، على الرغم من كونها أبسط بكثير حتى من الخبرة اللونية الأساسية؛ وبالتأكيد لن يرافق ذلك انفعالات أو أفكار. وقد يبدو ذلك غريبا لأول وهلة، ولكن إذا كانت الخبرة أساسية حقا فيمكننا أن نتوقع أن تكون واسعة الانتشار. وفي جميع الأحوال فإن الاختيار بين هذه البدائل لا بد أن يعتمد على ما كان يستطيع منها أن يندمج في النظرية الأقوى.

 

وبالطبع، فقد تكون مثل هذه الأفكار خاطئة. ومن ناحية أخرى، فقد تتطور الأفكار لتعطي مقترحا أكثر قوة يتنبأ بالبناء الدقيق لخبرتنا الواعية انطلاقا من السيرورات الفيزيائية في أدمغتنا. وإذا نجح هذا الاقتراح فسيكون لدينا سبب وجيه لقبول النظرية. أما إذا أخفق فسيتم تعقُّب سُبُل أخرى ويمكن تطوير نظريات أساسية بديلة. وعلى هذا النحو فقد يمكننا في يوم من الأيام حل أكثر أسرار العقل غموضًا.

 

 المؤلف

David J. Chalmers

درس الرياضيات في جامعة أديلايد، واستفاد من منحة بحث رودس في جامعة أكسفورد؛ ولكن افتتانه بالوعي قاده إلى الفلسفة والعلوم المعرفية. حصل على الدكتوراه في هذين المجالين من جامعة إنديانا، ويعمل حاليا في قسم الفلسفة بجامعة كاليفورنيا في سانتاكروز. نشر مقالات عديدة عن الذكاء الصنعي وفلسفة العقل. وله كتاب «العقل الواعي»، الذي شرح فيه العديد من أفكار هذه المقالة.

مراجع للاستزادة 

ABSENT QUALIA, FADING QUALIA, DANCING QUALIA. David J. Chalmers in Conscious Experience. Edited by Thomas Metzinger. Ferdinand Schoningh, 1995.

EXPLAINING CONSCIOUSNESS: THE “HARD PROBLEM:” Special issue of Journal of Consciousness Studies, Vol. 2, No. 3; Autumn 1995.

THE CONSCIOUS MIND: IN SEARCH OF A FUNDAMENTAL THEORY. David J. Chalmers. Oxford University Press, 1996.

THE NATURE OF CONSCIOUSNESS: PHILOSOPHICAL DEBATES. Edited by Ned Block, Owen Flanagan and Guven Giizeldere. MIT Press (in press).

 

(*)The Puzzle of Conscious Experience ، وقد نشرت في العددين 6/7(1997) من مجلة العلوم.

(1) physical: فيزيائية، جسدية، مادية، لانفسانية.

(2)explicit neuronal representation.

 

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى