أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

الحوسبة الكمومية باستخدام الجزيئات


الحوسبة الكمومية باستخدام الجزيئات(*)

بالاستفادة من التجاوب المغنطيسي النووي، يمكن

للباحثين تطويع الجزيئات في بعض السوائل العادية

بحيث تعمل كنوع غير مألوف إطلاقا من الحواسيب.

<N. گرشِنْفِلد> ـ <I. شُوانگ>

 

إن إجراء تحليل عاملي factoring لعدد ذي أربعمئة رقم (وهي مهمة ضرورية لكسر بعض الكودات الأمنية) يستغرق بلايين السنين حتى باستخدام أفضل الحواسيب الفائقة المتوافرة حاليا. ولكنَّ حاسوبًا من نمط حديث التطوير (وهو حاسوب يستغل التفاعلات الميكانيكية الكمومية) سيتمكن من إنجاز هذه المهمة خلال عام تقريبا، متحديا بذلك الكثير من مخططات التعمية encryption  المتداولة في الوقت الراهن. وعلى الرغم من ذلك لاتزال المعطيات الحساسة آمنة حتى اليوم، إذ لم يتمكن أحد من بناء حاسوب كمومي فعلا. لقد برهن الباحثون الآن على إمكان تحقيق الحاسوب الكمومي عمليا، ولكن هذا الحاسوب لن يشبه آلة يمكننا وضعها على المكتب وإنَّما قد يشبه فنجان قهوة.

 

اعتقدنا مع فرق بحثية عديدة أن الحواسيب الكمومية المعتمدة على الجزيئات المنحلة في السائل قد تتغلب على كثير من المعوقات التي تواجه الحواسيب العادية. ستكون العقبات أمام تحسين الحواسيب العادية نابعة من التخوم الفيزيائية الأساسية للنمنمة miniaturization  (إذ لا يمكن مثلا صنع الترانزيستورات وأسلاك التوصيل بدقة تقل عن عرض الذرة الواحدة) وقد يحصل ذلك لأسباب عملية على الأغلب بسبب التكلفة الباهظة لعمليات تصنيع شيپّات مكروية (صغرية) أكثر قوة. لذا يمكن أن تَحِل «سحرية» الميكانيك الكمومي جميع هذه المشكلات.

 

إن ميزة الحواسيب الكمومية تنبع من طريقة تكويدها للبِتَّة (وهي الواحدة الأساسية للمعلومات). تُعيَّن حالة بتة في الحاسوب الرقمي التقليدي بعدد وحيد هو الصفر والواحد، وهكذا توصف كلمة مؤلفة من بتات ثنائية عددها nفي الحاسوب العادي عبر سلسلة مؤلفة من n صفرا وواحدا. يمكن أن تمثَّل البتة الكمومية بذرة موجودة في إحدى حالتين مختلفتين، يمكن تمثيلهما بدورهما بالصفر والواحد. ويكون تمثيل بتتين كموميتين مثلهما مثل البتات التقليدية بالتواجد في أربع حالات متمايزة (صفر وصفر، صفر وواحد، واحد وصفر، واحد وواحد).

 

ولكن على النقيض من البتات التقليدية، يمكن للبتات الكمومية التواجد كواحد وصفر في الوقت نفسه حيث يُعطى احتمال كل حالة كمعامل عددي. وهكذا نحتاج إلى أربعة معاملات لوصف بتتين كموميتين في الحاسوب الكمومي. بصورة عامة، يستدعي تمثيل n بتة كمومية 2n  عدد، وهو عدد يصبح كبيرًا جدا عند القيم الكبيرة لn. فمثلا، إذا كانت n تساوي 500 فإننا نحتاج إلى نحو 1015 عدد لوصف مجمل الاحتمالات التي يمكن أن توجد فيها حالات الآلة الكمومية برمتها (وهو عدد يتجاوز قدرة أي حاسوب عادي). ويَعِد الحاسوب الكمومي بالوصول إلى قدرة حسابية هائلة بسبب إتاحته تواجد حالات عديدة في الوقت نفسه (وما هي إلا ظاهرة التراكب) ولأن بإمكانه التفاعل مع جميع حالاته الممكنة في الوقت نفسه. وهكذا يكون بوسع الحاسوب الكمومي إجراء عمليات هائلة العدد بصورة متوازية مستعملا وحدة معالجة واحدة فحسب.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N8-9_H05_009093.jpg

قريبا ستواجه الحواسيب الإلكترونية العادية معوقات أساسية في أدائها، ولكن الحواسيب الكمومية المعتمدة على جزيئات في الحالة السائلة والموضوعة في حقل مغنطيسي، ستصبح آلات حساب قوية في المستقبل.

 

توجد خاصة غريبة أخرى ـ ولكنها مفيدة ـ للبتات الكمومية. لنتصور عملية فيزيائية تصدر فوتونين (رزمتين من الضوء)، يتجه أحدهما نحو اليسار والآخر نحو اليمين، ولهما اتجاهان (استقطابان) من حيث حقلاهما الكهربائيان المهتزان. ويبقى استقطاب كل فوتون غير محدد إلى حين كشفه. وفي بدايات هذا القرن لاحظ أينشتاين وآخرون أنه عندما نقيس استقطاب فوتون واحد فإن حالة استقطاب الثاني تصبح محددة، مهما كان بعده عن الفوتون الأول. يعدّ هذا الفعل الآني عن بعد غريبا حقا، إذ تمكّن هذه الظاهرة من تطوير اتصال من نوع غريب، يدعى التعالق entanglement، وهو يخدم عمليا في وصل البتات الكمومية ضمن الحاسوب الكمومي. وفي عام 1997 سمحت ل<A. زايلينگر> ولزملائه (في جامعة إينسبرگ بالنمسا) بعرض برهان ملحوظ للاتصال الكمومي عن بعد quantum teleportation.

 

في عام 1994 استنتج <P. شور> من الشركة AT&T كيفية الاستفادة من خاصتي التعالق والتراكب في إيجاد العوامل الأولية لعدد صحيح. وقد وجد أن بإمكان الحاسوب الكمومي ـ من حيث المبدأ ـ إنجاز هذه المهمة بسرعة تفوق سرعة أي حاسوب تقليدي بكثير. أحدث هذا الاكتشاف أثرا كبيرا، إذ أصبح أمن منظومات التعمية، التي تعتمد على صعوبة التحليل العاملي للأعداد الكبيرة، أمرا مشكوكا فيه. وبما أن الأكثرية الساحقة من العمليات المالية محمية حاليا بمثل مخططات التعمية هذه فقد هزّت نتيجة شور حجر الأساس في الاقتصاد الإلكتروني.

 

من المؤكد أن لا أحد تصور مجيء هذا الانهيار من خارج مجال علم الحاسوب ونظرية الأعداد. ولذلك نبّهت خوارزمية شور باحثي علم الحاسوب إلى البدء بتعلم الميكانيك الكمومي وحثّت الفيزيائيين أيضا على الاهتمام بعلم الحاسوب.

 

تكييف السپين(1)

عرف الباحثون المتأملون في اكتشاف شور أنّ بناء حاسوب كمومي أمر صعب جدا، فالمشكلة أن معظم تفاعلات المنظومة الكمومية مع محيطها (مثلا تصادم ذرة بأخرى وإصدارها لفوتون) يشكل قياسا في حدّ ذاته بحيث يتقوض تراكب الحالات الميكانيكية الكمومية إلى حالة محددة تماما (الحالة التي اكتشفها الراصد). إن هذه الظاهرة (المعروفة بفقدان الترابط decoherece) تجعل من الحساب الكمومي مستحيلا: لذا يجب أن تُعزل العمليات الداخلية نوعا ما عن محيطها بغية الحفاظ على بقاء الترابط. وفي الوقت ذاته يجب أن تكون مفتوحة على محيطها بحيث يتم إدخال الحسابات وتنفيذها وقراءة نتائجها.

 

حاول بحث مسبق، تضمن تجربة ذكية أجراها <R .Ch. مونرويه> و<J .D. واينلاند> (من المعهد الوطني للمعايير والتقانات) وأيضا <J .H.  كيمبل> (من  معهد كاليفورنيا للتقانة) إيجاد حل لهذه المشكلة عن طريق عزل القلب الميكانيكي الكمومي لحواسيبهم تماما. فمثلا، يمكن أن تصيد الحقول المغنطيسية بعض الجسيمات المشحونة التي يمكن أن تُبرد حتى وصولها إلى حالات كمومية صرفة. ولكن لم تُجْرِ هذه الجهود التجريبية الصعبة إلا عمليات كمومية بسيطة، إذ تضم هذه الأجهزة الجديدة عددا قليلا من البتات فقط، ثم إن هذه تفقد ترابطها سريعا.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N8-9_H05_009094.jpg

جُمّعت العناصر الأساسية في حاسوب كمومي تجريبي بوساطة المؤلِّفين. خلال عدة سنوات سيتفوق هذا الجهاز على أفضل الأجهزة الطيفية للتجاوب المغنطيسي النووي المستعملة حاليا في دراساتهما.

 

ولكن كيف يمكن استخدام حاسوب ميكانيكي كمومي إذا كان محتاجا إلى أن يكون معزولا عن محيطه إلى هذا الحد؟ في عام 1997 أدركنا أن بإمكان سائل عادي إجراء جميع خطوات الحوسبة الكمومية، أي إدخال شروط بدئية وتطبيق عمليات منطقية لمعالقة التراكبات بعضها مع بعض، ومن ثم قراءة النتيجة النهائية. وبمشاركة مجموعة بحثية أخرى من جامعة هارڤارد ومعهد ماساتشوستس للتقانة، وجدنا أن بوسع طرائق التجاوب المغنطيسي النووي (وهي تماثل الطرائق المستعملة للتصوير باستعمال التجاوب المغنطيسي) معالجة المعلومات الكمومية في سوائل تقليدية ظاهريا.

 

يبدو أن ملء أنبوب اختبار بسائل مؤلف من جزيئات مناسبة ـ أي استعمال عدد هائل من الحواسيب الكمومية بدلا من استعمال حاسوب واحد فحسب ـ يحل ببراعة مشكلة فقدان الترابط. فبتمثيل كل بتة كمومية بمجموعة هائلة من الجزيئات، يمكننا جعل القياسات تتفاعل مع بعض هذه الجزيئات فقط. وفي الواقع، كان الكيميائيون، الذين استعملوا التجاوب المغنطيسي النووي لعقود من الزمن في دراسة الجزيئات المعقدة، يجرون عمليات الحوسبة الكمومية من دون إدراك ذلك.

 

إن التجاوب المغنطيسي النووي يؤثر في الجسيمات الكمومية ضمن النوى الذرية لجزيئات السائل. تتصرف الجسيمات ذوات «السپين» وكأنها قضبان مغنطيسية صغيرة يتراصف بعضها مع بعض عند تطبيق حقل مغنطيسي خارجي عليها. يقابل تراصفان متغايران (موازيان ومعاكسان للحقل المغنطيسي) حالتين كموميتين لهما طاقتان مختلفتان، وهذا يشكل طبيعيا بتة كمومية. ويمكننا افتراض أن حالة السپينين الموازيين تقابل العدد 1 وأن حالة السپينين المعاكسين تقابل العدد 0. تقل طاقة السپينين الموازيين عن طاقة السپينين المعاكسين عكسيا بقدر يعتمد على شدة الحقل المغنطيسي الخارجي المطبق. عادة تكون السپينات المتعاكسة متواجدة بأعداد متساوية في السائل، ولكن تطبيق حقل خارجي يحبذ ظهور سپينات موازية. ولذلك يظهر اختلال ضئيل بين الحالتين. وتقاس هذه الزيادة الضئيلة، ربما نواة واحدة بين مليون نواة، أثناء تجربة التجاوب المغنطيسي النووي.

 

إضافة إلى الحقل المغنطيسي الثابت، تستعمل طرائق التجاوب المغنطيسي النووي حقولا كهرمغنطيسية متغيرة مع الزمن. يؤدي تطبيق حقل متأرجحoscillating ذي تردد مناسب (يحدده قدر الحقل الثابت والخواص الذاتية للجزيء المدروس) إلى قفز السپينات بين الحالتين، حيث يسمح هذا الأمر بتوجيه السپينات النووية حسب الطلب.

 

على سبيل المثال، يمكن جعل البروتونات (نوى الهيدروجين) الموضوعة في حقل مغنطيسي ثابت قدره 10 تسلا بحيث تغيّر اتجاهها بوساطة حقل مغنطيسي يتردد عند نحو 400 ميگاهرتز (وهو مجال الأمواج الراديوية). عندما تطبق هذه الأمواج الكهرمغنطيسية، عادة خلال مدة لا تتجاوز عدة أجزاء من المليون من الثانية، فإنها تدوِّر السپينات النووية حول اتجاه الحقل المتردد، والذي يكون اتجاهه على زاوية قائمة مع الحقل الثابت. إذا استمرت النبضة الراديوية المتأرجحة زمنا أطول بحيث تدوِّر السپينات ب180 درجة، فإن الزيادة في النواة المغنطيسية التي كانت متوازية مع الحقل الثابت ستتوجه نحو الاتجاه المعاكس (أي الاتجاه المتوازي عكسيا). أما النبضة التي تستغرق نصف هذا الزمن فإنها ستترك هذه الجسيمات في احتمال متساو بحيث تتراصف مع الحقل بنحو متواز وبنحو متواز عكسيا.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N8-9_H05_009095.jpg

تسلك النواة المغنطيسية سلوك دوامة. فمحور السپين يأخذ بشكل طبيعي اتجاه الحقل المغنطيسي المطبق بصورة ثابتة (في الوسط). ويمكن عندئذ لحقل متأرجح أن يحث السپين ويعيد توجيهه. على سبيل المثال، إن نبضة بزاوية 180 درجة (في اليسار) تجعل نواة في حالة الدوران تنقلب كلية. وإن نبضة بزاوية قدرها O90 (في اليمين) قد تجبر هذه النواة على أن تميل عموديا على الحقل المغنطيسي الثابت (الأسهم العمودية). بعد دوران النواة سيدور محور السپين ببطء بدوره، كما هي الحال في دوامة الأطفال.

 

وإذا عبّرنا عن هذه الحالة بصورة كمومية، نقول إن للسپينات الحالتين 0 و1 في الوقت نفسه. يعرض التمثيل التقليدي لهذه الحالة محور السپين وهو يتجه بزاوية قدرها 90 درجة عن الحقل المغنطيسي الثابت. لذا، على غرار دوّامة الأطفال التي تنحرف مبتعدة عن القوة العمودية للثقالة، يدور محور السپين للجسيم نفسه (أي يتبادر precess) حول الحقل المغنطيسي الثابت بتردد مميز للتفاعل بين الجسيم والحقل، ويُصدر من جراء ذلك إشارة راديوية ضعيفة يمكن كشفها بوساطة جهاز التجاوب المغنطيسي النووي.

 

وأثناء سيرورة تجربة تجاوب مغنطيسي نووي، تحسّ الجسيمات بحقول أخرى ـ إلى جانب الحقول المطبقة، إذ تؤثر كل نواة ذرية ضئيلة في الحقل المغنطيسي المجاور لها. ولكنّ الحركة الدائمة للجزيئات ضمن السائل تلغي معظم هذه التغيرات المغنطيسية المحلية. لكن إحدى النوى المغنطيسية يمكن أن تؤثر بصورة ملموسة في نواة أخرى في الجزيء نفسه عبر إحداث اضطراب في الإلكترونات الدائرة حول هذه النواة.

 

لكن بدلا من أن يسبّب هذا التفاعل مشكلة، فإنه يُظهر فائدة بيّنة، فهو يسمح ببناء بوابة منطقية logic gate، وهي الوحدة الأساسية لعمليات الحوسبة، عبر استعمال سپينيْن نووين. ومن أجل إجراء تجارب تنطوي على سپينين، استعملنا جزيء الكلوروفورم CHCl3، حيث انصبّ اهتمامنا على الاستفادة من التفاعل بين سپينات نواتي الهيدروجين والكربون. وبما أنه ليس لنواة الكربون العادي (الكربون 12) سپين، فقد استعملنا الكلوروفورم المحتوي على ذرة كربون ذات نيوترون إضافي، وهذا ما يمنح سپينا إجماليا للجزيء.

 

لنفترض أن سپين الهيدروجين يكون موجها نحو الأعلى ونحو الأسفل، وأنه متواز ومتعاكس مع حقل مغنطيسي ثابت مطبق عموديا نحو الأعلى، في حين يكون سپين الكربون مرتبا بحيث يتجه نحو الأعلى ومتوازيا مع هذا الحقل المغنطيسي. إنّ بوسع نبضة ذات تردد راديوي مصمّمة بشكل جيد تدوير سپين الكربون نحو الأسفل بحيث يصل إلى المستوى الأفقي. وهكذا ستتبادر نواة الكربون حول المحور العمودي بسرعة دوران تعتمد على كون نواة الهيدروجين في هذا الجزيء متوازية مع الحقل المطبّق أم كونها متوازية عكسيا معه. بعد مضي وقت قصير ستتجه نواة الكربون إمّا في هذا الاتجاه وفي الاتجاه المعاكس له، وهذا يعتمد على كون سپينات ذرات الهيدروجين المجاورة متجهة نحو الأعلى ونحو الأسفل. عند هذه اللحظة نطبّق نبضة راديوية أخرى لتدوير نواة الكربون بزاوية 90 درجة أخرى. وهذا يؤدي إلى قلب نواة الكربون نحو الأسفل إذا كان الهيدروجين المجاور متجها نحو الأعلى وإلى قلبه نحو الأعلى إذا كان الهيدروجين متجها نحو الأسفل.

 

تقابل هذه المجموعة من العمليات ما يسميه مهندسو الكهرباء البوابة المنطقية OR التامة exclusive-OR logic gate، وهو ما يعبّر عنه بنحو أفضل ببوابةOR المتحكّم فيها controlled-NOT gate (لأن حالة أحد المداخل تتحكم فيما إذا كانت الإشارة الداخلة إلى المدخل الثاني ستُقلب في الخرج). في حين أن الحواسيب التقليدية تتطلب بوابتين ذواتي مدخلين (هما AND وOR) إضافة إلى بواباتNOT ذوات المدخل الواحد في عملية بنائها. وفي عام 19955 بيّنت مجموعة من الباحثين إمكان إجراء الحسابات الكمومية عبر التدويرات المطبّقة على سپينات مفردة، إضافة إلى بوابات NOT المتحكّم فيها. في الواقع يتعدد استعمال هذا النوع من البوابات المنطقية الكمومية بنحو أكبر من مثيلاتها التقليدية؛ لأن السپينات التي تعتمد عليها يمكن أن تكون في تراكبات من حالات متجهة نحو الأعلى ونحو الأسفل. وهكذا يمكن أن تعمل الحوسبة الكمومية آنيا على تركيبٍ من المداخل غير المتوافقة في الظاهر.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N8-9_H05_009096.jpg

تقلب البوابة المنطقية NOT المتحكّم فيها أحد الدخلين بحسب حالة الدخل الثاني. صمّم المؤلفان البوابة «الكمومية» NOT المتحكم فيها، باستخدام التفاعل بين السپينات النووية للهيدروجين وللكربون في جزيئات الكلوروفورم. أولا، تدوِّر نبضة متأرجحة بشكل انتقائي نوى الكربون بزاوية قدرها 90 درجة. تتبادر هذه النواة بعدها بسرعة (إذا كان الهيدروجين المجاور لها في حالة ما) وببطء (إذا كان الهيدروجين المجاور لها في الحالة المعاكسة للأولى). وبعد انتظار وقت مناسب، تطبّق نبضة أخرى بزاوية قدرها 90 درجة بحيث تسبّب قلب الكربون رأسا على عقب (العمودان الأيسران) وتبقى على ما كانت عليه أصلا (العمودان الأيمنان) بحسب حالة الهيدروجين المجاور لها.

 

شيئان في آن معا

في عام 1996 بدأنا مع <G .M. كوبينك> (الباحث في جامعة كاليفورنيا ببيركلي) ببناء حاسوب كمومي ذي بتتين بأسس بسيطة انطلاقا من حوجلة تحتوي على الكلوروفورم. يتطلَّب تحضير دخل هذا الجهاز جهدا كبيرا على الرغم من احتوائه على بتتين فحسب. يجب أن تحوّل سلسلة من النبضات الراديوية التي لا يحصى عددها في سائل التجربة إلى مجموعة بحيث نحصل على النسبة المطلوبة بين السپينات الموازية والمعاكسة، ثم تغير هاتان البتتان الكموميتان بالطريقة المناسبة. وفي مقابل البتات في الحاسوب الإلكتروني العادي، التي تنتقل بنحو مرتب عبر صفوف البوابات المنطقية أثناء عملية الحساب، فإن البتات الكمومية لا تنتقل أبدا. لكن البوابات المنطقية تأتي إليها باستعمال مختلف معالجات التجاوب المغنطيسي النووي. ومن حيث الجوهر يُجمّع البرنامج المراد تنفيذه عبر سلسلة من النبضات الراديوية.

 

نتج أول حساب نجريه بهدف تجريب القدرات الفريدة للحوسبة الميكانيكية الكمومية من خوارزمية عبقرية للبحث صمّمها <K .L. گروڤر> من مختبرات بل. إن الحاسوب العادي الذي يبحث عن معلومة معينة موجودة في مكان ما ضمن قاعدة بيانات ذات n معلومة سيجري ـ بنحو وسطي ـ نحو n/2 محاولة للحصول عليها. أما خوارزمية كروڤر فتأخذ فقط n محاولة وسطيا للوصول إلى المعلومة المطلوبة. كمثال على هذا الاختصار الزمني، بيّنا أنه بإمكان حاسوبنا الكمومي ذي البتتين إيجاد معلومة مخبأة ضمن قائمة من أربعة احتمالات عبر إجراء محاولة واحدة. يشبه الحل التقليدي لهذه المسألة فتح قفل مؤلف من بتتين بوساطة التحزير: من المحتمل ألا نجد التوافق الصحيح في المحاولة الأولى. في الواقع، ستتطلب الطريقة التقليدية للحل ـ بنحو وسطي ـ إجراء محاولتين وثلاث محاولات.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N8-9_H05_009097.jpg

يتطلب كسر قفل عددا أقل من المحاولات باستعمال بعض «السحر» الكمومي. مثلا، يمكن أن يتطلب قفل تقليدي ذو بتتين إجراء نحو أربع محاولات لفتحه (في الأعلى). بصورة وسطية يتطلب فتح قفل ذي n بتة نحوا n/2 محاولة. وبسبب إمكان وضع قفل كمومي في عدة حالات في الوقت نفسه، فإنه يحتاج إلى نحو n محاولة لفتحه عند استعمال خوارزمية كروڤر. تقابل تجربة المؤلفين عملية فتح قفل كمومي ذي بتتين، التي يمكنها الوصول (بعد تحضير مناسب) إلى الحل الصحيح بخطوة واحدة (في الأسفل). وتشير الأرقام الموجودة على القرص المدرج إلى الانشغالات populations النسبية مقيسة لكل حالة من الحالات الكمومية الأربع.

 

يكمن قصور أساسي لحاسوب الكلوروفورم في العدد القليل من البتات الكمومية الموجودة فيه. ويمكن زيادة عدد البتات الكمومية، ولكن لا يمكن أن يزيد عددها على عدد ذرات الجزيء المستعمل. ضمن تجارب التجاوب المغنطيسي المستعملة حاليا يمكن لأكبر الحواسيب الكمومية بناء نحو عشر بتات (لأن شدة الإشارة المطلوبة تتناقص ـ عند درجات الحرارة العادية ـ بسرعة مع ازدياد عدد النوى المغنطيسية في الجزيء). من حيث المبدأ يمكن أن نزيد هذا العدد في تجربة تجاوب مغنطيسي نووي خاصة مصممة حول جزيء معين ثلاث وأربع مرات، ولكننا من أجل تصميم حواسيب أكبر من ذلك بكثير نحتاج إلى إدخال تقانات أخرى، مثل الضخ الضوئي optical pumping  بغية «تبريد» السپينات (أي إبقائها في مكانها). وهذا يعني أن الضوء الوارد من ليزر مناسب يمكن أن يساعد على تراصف النوى عبر إزالة الحركة الحرارية من الجزيئات (ولكن من دون تجميد السائل وإفقاده لأزمنة ترابط طويلة).

 

وهكذا يمكن بناء حواسيب كمومية كبيرة، ولكن ماذا ستكون سرعتها؟ إن الزمن الدوري الفعلي للحاسوب الكمومي محدد بأبطأ معدل يُقلب فيه السپين، ويعتمد هذا الأخير على شدة التفاعلات بين السپينات، التي تتراوح ما بين مئات الدورات وعدة دورات في الثانية. لكن على الرغم من أن سرعة الحواسيب الكمومية تظل أصغر بكثير من سرعة الحواسيب العادية، التي تصل إلى مئات الميگاهرتز، فإن الحاسوب الكمومي المحتوي على عدد كاف من البتات الكمومية سينفذ عمليات الحساب المتوازي الشامل بحيث يحلل عددا مؤلفا من 400 رقم في غضون سنة.

 

وبسبب ما يَعدنا به هذا الحاسوب، فكّرنا طويلا في الكيفية التي يمكن بها بناؤه فعلا. إن الحصول على جزيئات تحتوي على ذرات كافية العدد لا يشكل عائقا، ولكن المشكلة هي أنه كلما زاد حجم الجزيء فإن التفاعل الممكن بين أكثر السپينات بعدا يصبح أضعف بكثير من إمكان استعماله في البوابات المنطقية. ولا يعني ذلك استحالة الوصول إلى حل، فقد برهن <S. لويد> (من معهد ماساتشوستس للتقانة) على إمكان بناء حواسيب كمومية قوية حتى وإن لم تتفاعل كل ذرة إلا مع القليل من جاراتها القريبة، على غرار الحواسيب المتوازية الموجودة حاليا. يمكن عمل هذا النوع من الحواسيب انطلاقا من جزيئات الهيدروكربونات الطويلة وباستعمال طرائق التجاوب المغنطيسي النووي. وهكذا ستخدم السپينات في النوى الذرية الكثيرة العدد، التي يكون بعضها مرتبطا ببعض عبر سلاسل طويلة، كبتات كمومية.

 

إن موضوع الترابط يشكّل عائقا آخر أمام تحقيق الحوسبة بوساطة التجاوب المغنطيسي النووي. فتدوير النوى في السوائل سيؤدي إلى بدء فقدانها الترابط بعد زمن يتراوح ما بين عدة ثوان وعدة دقائق، كما هي الحال في السباحة الإيقاعية، حينما يفقد السباحون إشارات التلقين. تقدّر أطول أزمان الترابط في السوائل (مقارنة بالأزمنة الدورية المميزة)، إمكان إجراء ما يناهز ألف عملية من دون الإخلال بالترابط الكمومي. ولحسن الحظ من الممكن توسيع هذه الحدود عبر إضافة بتات كمومية إضافية لإصلاح الأخطاء الكمومية.

 

وعلى الرغم من استعمال الحواسيب العادية لبتات إضافية بغية كشف الأخطاء وإصلاحها، فقد دهش كثير من الباحثين عندما عرض شور وآخرون إمكان عمل الأمر ذاته من الناحية الميكانيكية الكمومية. وقد توقعوا بسذاجة أن يتطلب إصلاح الخطأ الكمومي قياس حالة المنظومة وبالتالي تخريب ترابطها الكمومي. ولكن ثبت في نهاية الأمر أن بالإمكان إصلاح الأخطاء الكمومية ضمن الحاسوب من دون قراءة مشغّل الحاسوب للحالة الخاطئة أبدا.

 

وعلى الرغم من ذلك لايزال الوصول إلى أحجام تجعل الحواسيب الكمومية كبيرة بصورة كافية للمنافسة مع أسرع الحواسيب التقليدية أمرا صعبا للغاية، ولكننا نعتقد أن التحدي يجب مواجهته. ستعطي الحواسيب الكمومية، حتى في أبسط أشكالها، مجالات اختبار طبيعية لدراسة مبادئ الميكانيك الكمومي. وباستخدام هذه الأجهزة، سيصبح بوسع الباحثين سبر منظومات كمومية أخرى ذات أهمية أساسية عبر تشغيل برامج مناسبة.

 

وللمفارقة، ربما تفيد هذه الحواسيب الكمومية الباحثين والمهندسين في حل المشكلات التي تواجههم حين يصمّمون الشيپّات المكروية المحتوية على ترانزيستورات فائقة الصغر ذوات سلوك كمومي عندما يتناقص قدّها إلى الحدّ الأدنى.

 

تعاني الحواسيب العادية صعوبة كبيرة في حل هذه المسائل الميكانيكية الكمومية، ولكن بوسع الحوسبة الكمومية عمل ذلك بسهولة. وفي بداية الثمانينات أوحت هذه الإمكانات للراحل <R. فاينمان> (أثناء عمله في معهد كاليفورنيا للتقانة) بالتأمل مبكرا بإمكان بناء الحواسيب الكمومية فعلا.

 

وربما تكون الميزة الأكثر إرضاء لنا في هذه الحواسيب الكمومية هي إدراكنا بأنّ بناءها لن يتطلب بناء دارات ضئيلة ذوات قدّ ذري وإحراز أي تقدم معقّد في التقانة النانوية. في الحقيقة، لقد أتمت الطبيعة القسم الأصعب من العملية عبر تجميع المركبات، فمنذ الأزل عرفت الجزيئات العادية كيفية عمل نوع مميز من الحسابات، ولكننا لم نطرح عليها الأسئلة المناسبة.

 

المؤلفان

Issac L. Chuang – Neil Gershenfeld

عملا معا على مسائل الحوسبة الكمومية منذ عام 1996. درس گرشِنفلد الفيزياء في كلية سوارثمور ومختبرات بل ثمّ انتقل إلى الدراسات العليا في جامعة كورنل وحصل فيها على الدكتوراه في الفيزياء التطبيقية عام 1990. يعمل گرشنفِلد حاليا أستاذا في معهد ماساتشوستس للتقانة، وهو أيضا مدير لمجموعة الفيزياء ووسائل الإعلام في مختبر وسائل الإعلام في المعهد نفسه. درس شوانگ في معهد ماساتشوستس للتقانة وفي جامعة ستانفورد التي حصل فيها عام 1997 على الدكتوراه. وهو يدرس حاليا الحوسبة الكمومية كباحث في مركز أبحاث في الشركة IBM بسان جوزيه في ولاية كاليفورنيا.

 

مراجع للاستزادة 

PRINCIPLES OF MAGNETIC RESONANCE. Third edition. Charles P. Slichter. Springer-Verlag, 1992.

QUANTUM INFORMATION AND COMPUTATION. C. H. Benriett in Physics Today, Vol. 48, No. 10, pages 24-30; October 1995.

QUANTUM-MECHANICAL COMPUTERS. Seth Lloyd in Scientific American, Vol. 273, No. 4, pages 44-50; October 1995.

BULK SPIN-RESONANCE QUANTUM COMPUTATION. N. A. Gershenfeld and I. L. Chuang in Science, Vol. 275, pages 350-356; January 17,1997.

QUANTUM MECHANICS HELPS IN SEARCHING FOR A NEEDLE IN A HAYSTACK. L. K. Grover in Physical Review Letters, Vol. 79, No. 2, pages 325-328; July 14, 1997.

Scientific American, June 1998

 

Quantum Computing with Molecules(*)

(1)Spin

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى