أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

أفكار آلان تورينگ المنسية في علم الحاسوب

أفكار آلان تورينگ المنسية في علم الحاسوب(*)

اشتُهر هذا العبقري البريطاني بالآلة والأطروحة

والاختبار التي تحمل اسمه، كما أنه تنبأ بحواسيب

الشبكات العصبونية والحوسبة المفرطة(1).

<J.B.كوبلاند>ـ<D.پراودفوت>

 

في عام 1935، وضع<A.تورينگ>تصورا للحاسوب الحديث. وفي ماهيتها تُعتبر اليوم جميع الحواسيب الرقمية آلات تورينگ Turing machines. كما حقق هذا الرياضياتي البريطاني الريادة في حقل الذكاء الصنعي artificial intelligenceالذي يشار إليه اختصارا بالرمز AI، مقترحا اختبار تورينگ الشهير والمثير للجدل باعتباره طريقة لبيان ما إذا كان بمقدور حاسوب مبرمج بشكل مناسب أن يفكر. وأثناء الحرب العالمية الثانية، أدّى تورينگ دورا أساسيا في كشف التعمية المستخدمة في «كود الأنگِما الألمانية» German Enigma code كجزء من عملية بريطانية بالغة السرية يقول المؤرخون إنها ساعدت على اختصار سنتين من زمن الحرب. وعند وفاته عن عمر يناهز الحادية والأربعين، كان تورينگ يقوم ببواكير الأعمال في الحقل الذي يسمى اليوم «الحياة الصنعية» artificial life، محاكيا بذلك كيمياء النمو البيولوجي.

 

لم يبد تورينگ خلال حياته المدهشة اهتماما كبيرا بنشر أفكاره. ونجم عن ذلك إهمال أو نسيان جوانب مهمة من عمله عبر السنين. وعلى وجه الخصوص، نذكر أن القلة من الناس ـ حتى بين أولئك العارفين منهم بعلم الحاسوب ـ مطلعة على تنبؤات تورينگ المدهشة حول التوصيلية connectionism أو الحوسبة شبه العصبونية neuronlike computing. كما أن مفاهيمه النظرية غير المسبوقة في المجال الذي يسمى «الحوسبة المفرطة» مهملة حاليا. ووفقا لبعض الخبراء فإن الحواسيب الفائقة قد تحل ذات يوم المشكلات التي تعتبر حتى الآن غير قابلة للتقصي.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N1_H05_003667.jpg

آلان تورينگ عندما كان عمره 35 سنة، وفي ذلك الوقت تقريبا كتب عن «الآلات الذكية».

 

تعتبر الحواسيب الرقمية آلات فائقة تلتهم الأرقام. نطلب إليها أن تتنبأ بمسار صاروخ أو أن تحسب الأرقام المالية لشركة كبيرة متعددة الجنسيات، فتخرج علينا بالإجابات خلال ثوان. غير أن بعض العمليات التي تبدو بسيطة والتي يقوم بها الناس بشكل اعتيادي، مثل تعرّف وجه أو قراءة الكتابة اليدوية هي من الصعوبة بمكان على البرمجة. وربما تتمتع شبكة العصبونات المكونة للدماغ بمزايا تؤهلها للقيام بتلك المهام، لا تتوافر للحواسيب الاعتيادية. لذا شرع العلماء في تحري الحواسيب المصممة وفق نموذج أكثر محاكاة للدماغ البشري.

 

إن التوصيلية هي العلم البازغ للحوسبة بالاعتماد على شبكات العصبونات الصنعية. وعادة ما يعمد الباحثون حاليا إلى محاكاة العصبونات والوصلات بينها ضمن حاسوب رقمي اعتيادي (تماما كما يصمم المهندسون نماذج افتراضية لأجنحة الطائرات وناطحات السحاب). وتقوم خوارزمية تدريب منفذة على الحاسوب بتعديل الوصلات بين العصبونات، جاعلة من الشبكة آلة محددة الغرض ومكرسة لأداء وظيفة محددة مثل التنبؤ بأحوال أسواق النقد العالمية.

 

وينظر علماء التوصيلية الجدد إلى <F.روزنبلات>، الذي نشر المقالة الأولى من بين عدة مقالات عن الموضوع عام 1957، باعتباره مؤسس طريقتهم. إلا أن القلة تدرك أن تورينگ كان قد ناقش الشبكات التوصيلية منذ عام 1948 في مقالة لم تُعرف كثيرا، عنوانها «الآلات الذكية» Intelligent Machinery.

 

لم تلق هذه المقالة التي كتبها تورينگ أثناء عمله في مختبر الفيزياء الوطني بلندن القبول لدى رؤسائه. ووصف السير<C.داروين>[حفيد عالم الطبيعيات الشهير، ومدير المختبر الذي كان يتصرف وكأنه مدير مدرسة] المقالة باستخفاف بأنها «موضوع لتلاميذ المدارس». وفي الحقيقة، فإن تلك المقالة البعيدة النظر تعد البيان الأول (المانفستو) لحقل الذكاء الصنعي. وفي هذا العمل ـ الذي لم ينشر حتى عام 1986، أي بعد 14 سنة من وفاة تورينگ ـ لم يقم هذا العالم بإرساء قواعد التوصيلية فحسب، ولكنه قدم أيضا بذكاء بارع العديد من المفاهيم التي صارت لاحقا من أساسيات الذكاء الصنعي، وذلك في بعض الحالات بعد إعادة اختراعها من قبل آخرين.

 

وقد ابتكر تورينگ في هذه المقالة نوعا من الشبكات العصبونية دعاه «آلة غير منظمة من الصنفB

  B-type unorganized machine مكونة من عصبونات صنعية ونبائط devicesتستطيع تعديل التوصيلات فيما بينها. ويُسمح للآلات من الصنف B  أن تحوي أي عدد من العصبونات الموصولة وفق أي نمط، ولكنها تخضع دائما لقيد مفاده أن كل وصلة بين عصبون وآخر يجب أن تمر عبر نبيطة مُعدِّلة modifier device.

 

ولكل من معدِّلات التوصيل ليفان fibers، ويؤدي تطبيق نبضة على أي منهما إلى وضع المعدِّل في «نمط التمرير» pass mode حيث تمر قيمة المدخلات ـ سواء أكانت 1 أم 0 ـ من دون تغيير إلى المخرجات. أما النبضة المطبقة على الليف الآخر فتضعه في «نمط المقاطعة» interrupt mode، حيث تكون قيمة المخرجات 1 دائما مهما كانت قيمة المدخلات. ويدمر المعدِّل في هذه الحالة جميع المعلومات التي تحاول المرور عبر الوصلة المرتبط بها.

 

وعندما تُعين وظيفة المعدِّل (التمرير أو المقاطعة) فإنه يحافظ عليها ما لم يتلق نبضة على الليف الآخر. ويسمح وجود معدلات التوصيلات المبتكرة هذه بتدريب الآلة غير المنظمة من الصنف B باللجوء إلى ما دعاه تورينگ بالتدخل الملائمappropriate interference  مقلدا بذلك عملية التعليم. وقد طرح تورينگ نظرية مفادها أن «لحاء دماغ الطفل هو آلة غير منظمة نستطيع تنظيمها بالتدريب الملائم.»

 

لكل من عصبونات نموذج تورينگ ليفا مدخلات، أما مخرجات العصبون فهي دالة منطقية بسيطة لمدخلاته. وكل عصبون في الشبكة ينفذ العملية المنطقية نفسها، وهي عملية «نفي الاتحاد» not and (أو NAND) حيث تكون المخرجات 1 إذا كان أي من المدخلات 0، أما إذا كانت المدخلات 1 فتكون المخرجات 0.

 

لقد اختار تورينگ عملية NAND المنطقية؛ لأنه يمكن إنجاز أية عملية منطقية (أو بوليانية Boolean) أخرى بوساطة مجموعات من عصبونات NAND. وقد ذهب إلى أبعد من ذلك عندما بين أنه يمكن بناء معدلات الوصلات ذاتها بوساطة عصبونات NAND. وهكذا حدد تورينگ شبكة مكونة من العصبونات وأليافها الموصلة فقط ـ ويكاد أن يكون هذا أبسط نموذج ممكن للدماغ.

 

قليلون هم الذين يدركون أن تورينگ قد بحث في الشبكات

 التوصيلية في فترة مبكرة تعود إلى عام 1948.

في عام 1958 عرّف روزنبلات الأسس النظرية للتوصيلية في عبارة واحدة بارعة الإيجاز: «تأخذ المعلومات المخزونة شكل وصلات جديدة أو قنوات بث في الجهاز العصبي (أو تكوين ظروف مكافئة وظيفيا لوصلات جديدة).» ولأن تدمير الوصلات القائمة يمكن أن يكون مكافئا وظيفيا لتوليد الجديد منها، يمكن للباحثين بناء شبكة لإنجاز مهمة معينة بأخذهم لشبكة فيها فائض من التوصيلات وتدمير بعضها بشكل انتقائي. وعمليتا التوليد والتدمير موظفتان في آلات تورينگ من الصنف B.

 

في البدء تحوي آلات الصنف B وصلات عشوائية بين العصبونات تُعيَّن معدلاتها مصادفة في إحدى حالتي التمرير أو المقاطعة. وتُدمر الوصلات غير المطلوبة خلال التدريب بتبديل معدِّلاتها إلى نمط المقاطعة. وفي الحالة المعاكسة، تُولد وصلة جديدة بتغيير حالة معدِّلها من المقاطعة إلى التمرير. وتحول عمليتا القتل والإحياء الانتقائيتان الشبكة العشوائية أصلا إلى شبكة منظمة للقيام بعمل معين.

 

لقد تمنى تورينگ لو أنه يتحرى أصنافا أخرى من الآلات غير المنظمة، وتطلّع بشوق إلى محاكاة شبكة عصبونية ونظام التدريب فيها على حاسوب رقمي اعتيادي. وقال إنه «كان سيترك النظام برمته جاريا لفترة معقولة من الزمن، ثم يتدخل فجأة وكأنه مفتش مدارس ليرى التقدم الذي أُحرز.» إلا أن عمله الخاص بالشبكات العصبونية كان قد أُجري قبل أن تصبح أول الحواسيب الإلكترونية العامة الأغراض متاحة بوقت قصير. (ولم تنجح أول محاكاة حاسوبية لشبكة عصبونية صغيرة قام بها <G.B.فارلي>و<A.W.كلارك>(من معهد ماساتشوستس للتقانة) إلا عام 1954، وهو العام الذي توفي فيه تورينگ.)

 

توقُّع تورينگ للتوصيلية

في مقالة لم تنشر إلا بعد وفاته بأربعة عشر عاما (الصورة في الأعلى) وصف<A.تورينگ>شبكة من العصبونات الصنعية موصولة بشكل عشوائي. وفي هذه «الآلة غير المنظمة من الصنف B»(الشكل السفلي في اليسار) تمر كل وصلة عبر مُعدِّل مهيئ بحيث إنه إما أن يمرر البيانات من دون تغيير (الليف الأخضر) أو أنه يدمر البيانات المُرسلة (الليف الأحمر). ويسمح تبديل المعدِّلات من نمط إلى آخر بتدريب هذه الشبكة. ونلاحظ أن لكل عصبون مُدخلين (الشكل المؤطر في الأسفل)، وأنه ينفذ العملية المنطقية البسيطة«نفي الاتحاد» NAND، ويعني هذا أنه إذا كانت قيمتا كلا المدخلين 1 تكون قيمة المخرجات0، وفيما عدا ذلك تكون قيمتها 1.

تتصل العصبونات فيما بينها بحرية في آلات تورينگ. وبالمقابل فإن الشبكات الحديثة (الشكل السفلي في الوسط) تقيد حركة المعلومات من طبقة إلى أخرى من العصبونات. ويهدف علماء التوصيلية إلى محاكاة الشبكات العصبونية في الدماغ (الشكل الأيمن في الأسفل).

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N1_H05_003668.jpg

 

إلا أن ورقة وقلما كانا كافيين لتورينگ ليبين أن شبكة عصبونية من الصنف Bكبيرة بما فيه الكفاية يمكن تشكيلها (بوساطة مُعدِّلات وصلاتها) بطريقة تصبح معها حاسوبا عام الأغراض. إن هذا الاكتشاف يسلط الضوء على إحدى أهم المشكلات الأساسية المتعلقة بالإدراك البشري human cognition.

 

ومن منظور من الأعلى إلى الأسفل، فإن عملية الإدراك تتضمن مجموعة من السيرورات processes التتابعية المعقدة، والتي غالبا ما تتضمن اللغة أو غيرها من أشكال التمثيل الرمزية، كما هي الحال في الحسابات الرياضياتية؛ إلا أنه من منظور من الأسفل إلى الأعلى، فإن الإدراك لا يعدو كونه إطلاقا بسيطا للعصبونات. ويواجه علماء الإدراك مشكلة كيفية التوفيق بين هذين المنظورين بالغي الاختلاف.

 

يمنحنا اكتشاف تورينگ حلا محتملا: فاللحاء الدماغي بفضل كونه شبكة عصبونية تعمل بمثابة حاسوب عام الأغراض يستطيع تنفيذ السيرورات التتابعية الغنية بالرموز التي نميزها في المنظور المأخوذ من الأعلى. وفي عام 1948 كانت تلك الفرضية تسبق عصرها بكثير، وتظل اليوم من أفضل التخمينات المتعلقة بإحدى أصعب مسائل علم الإدراك.

 

حوسبة ما لا يحوسب

في عام 1935، استنبط تورينگ النبيطة المجردة التي باتت تعرف منذ ذلك الوقت باسم «آلة تورينگ العمومية» universal Turing machine. وهي تتكون من ذاكرة غير محدودة تختزن كلا من البرنامج والبيانات ومن ماسح scanner يتحرك جيئة وذهابا عبر الذاكرة، يمر على الرموز واحدا واحدا، يقرأ المعلومات ويكتب رموزا إضافية. وكل فعل من أفعال الآلة الأساسية بسيط للغاية، من مثل: «تعرّف الرمز الذي يقف الماسح عنده»، أو «اكتب 1»، أو «تحرك موقعا واحدا إلى اليسار». ويتحقق التعقيد بربط عدد كبير من تلك الأفعال الأساسية. وعلى الرغم من بساطتها، فإن بوسع آلة تورينگ العمومية إنجاز أي مهمة يمكن إنجازها من قبل أقوى الحواسيب الحالية. والحقيقة هي أن جميع الحواسيب الرقمية الحديثة هي في كنهها آلات تورينگ عمومية [انظر: “Turing Machines,” by:JohnE.Hapcroft; Scientific American,May 1984].

 

كان هدف تورينگ عام 1935 استنباط آلة ـ بسيطة قدر الإمكان ـ وقادرة على إجراء أي حساب يستطيع رياضياتي بشري، يعمل وفق طريقة خوارزمية معينة، القيام بها إذا توافر له قدر غير محدود من الزمن والطاقة والأوراق والأقلام مع تركيز تام. وعند وصف آلة بأنها «عمومية» universal فإن هذا يعني فقط أنها قادرة على إجراء جميع تلك الحسابات. وكما كتب تورينگ نفسه: «إن المراد من الحواسيب الإلكترونية هو تنفيذ أي سيرورة محددة وفق قاعدة الحَدْس (حُكم التجربة) يُمكن لإنسان القيام بها عند عمله بشكل منتظم لا يتطلب ذكاء.»

 

وعلى الرغم من وجود أمثال تلك الحواسيب الجبارة، فإن السؤال المحير الذي يطرح نفسه هو: «هل يمكن ابتكار آلات تنجز حتى أكثر من هذا؟» والجواب هو أنه يمكن وصف هذه الآلات الفائقة على الورق، إلا أن أحدا لا يعلم بعد ما إذا كان بناء واحدة منها سيصبح ممكنا. إن حقل الحوسبة المفرطة يجتذب اليوم أعدادا متزايدة من العلماء، وبعضهم يرى أن الدماغ البشري نفسه ـ وهو أعقد معالِجات المعلومات قاطبة ـ إنما هو في الحقيقة مثال طبيعي الظهور للحواسيب الفائقة.

 

وقبل تزايد الاهتمام الحالي بالحوسبة المفرطة كانت أية عملية معالجة للمعلومات تُستبعد باعتبارها غير قابلة للحوسبة إذا عُلم أنها صعبة جدا بالنسبة إلى آلات تورينگ العمومية. وبهذا المفهوم فإن الآلة الفائقة تحوسب ما لا يحوسب.

 

ويمكننا إيجاد أمثلة على تلك المهام حتى في أكثر مجالات الرياضيات خلوا من التشعبات. فمثلا، إذا انتقينا عبارتين رياضياتيتين بشكل عشوائي، فإن آلة تورينگ قد لا تكون قادرة على تمييز أيها مبرهنات (مثل 5 + 7 = 12) وأيها ليست مبرهنات (مثل «كل عدد هو مجموع عددين زوجيين»). ويأتي من الهندسة نوع آخر من المسائل التي لا يمكن حوسبتها؛ فمثلا: إن مجموعة من البلاطات المربعة والمختلفة الحجم وألوان حوافها مختلفة ـ«تبلط المستوي»(2) إذا أمكن تغطية المستوي الإقليدي بنسخ من هذه البلاطات من دون فراغات فيما بينها ومن دون أن تتراكب على بعضها، وبحيث يكون للحواف المتجاورة اللون نفسه دائما. وقد اكتشف عالما المنطق<W.هانف>و<D.مايرز> [من جامعة هاواي] مجموعة من البلاطات تُبلط المستوي فقط وفق نماذج أعقد بكثير من أن تستطيع آلة تورينگ العمومية أن تحسبها. وفي حقل علم الحاسوب، لا يمكن دائما لآلة تورينگ العمومية أن تتنبأ هل سينتهي تنفيذ برنامج ما أم أنه سيستمر إلى الأبد. ويُعبر عن هذا أحيانا بمقولة أنه لا توجد لغة برمجة عامة الأغراض (مثل باسكال وبرولوگ وC وغيرها) تتمتع بمنقِّح debugger  مثالي يكشف حالات الانهيار، وهو أداة تكشف جميع الأخطاء التي قد تؤدي إلى انهيار البرنامج، بما في ذلك الأخطاء التي تؤدي إلى حلقات معالجة لانهائية.

 

لقد كان تورينگ نفسه أول من تحرى فكرة وجود آلات تستطيع إنجاز مهام رياضياتية أصعب من أن تحلها آلات تورينگ العمومية. وفي عام 1938، وصف تورينگ في أطروحته للدكتوراه بجامعة پرينستون «نوعا جديدا من الآلات هي الآلة (من الصنف) O.»

 

إن الآلة O هي نتيجة لإضافة صندوق أسود إلى آلة تورينگ العمومية، أو الأوراكل «الموحي» oracle، وهو آلية لإنجاز المهام التي لا يمكن حوسبتها. ومن نواح أخرى، تشبه الآلات O الحواسيب العادية حيث يُغذى البرنامج المكوّد رقميا إلى الآلة التي تنتج مخرجات رقمية من المدخلات باتباع إجرائية مفصلة خطوة خطوة من التطبيق المتكرر لعمليات الآلة الأساسية، وتتمثل إحداها في تمرير البيانات إلى الأوراكل وتسجيل إجابته.

 

لم يعط تورينگ أي مؤشر إلى كيفية عمل الأوراكل (كما أنه لم يشرح في أبحاثه السابقة كيفية حدوث العمليات الأساسية لآلة تورينگ العمومية مثل «تعرّف الرمز في الماسح»). إلا أن آليات المفاهيم التي تملأ مواصفاته للصندوق الأسود في الآلة O ليست صعبة التخيل [انظر ما هو مؤطر في الصفحتين 322 و 33]. ومن الناحية المبدئية فحتى الشبكة الملائمة من الصنف B تستطيع حوسبة ما لا يمكن حوسبته، شريطة عدم تزامن أنشطة العصبونات. (عندما تحافظ ساعة مركزية على تزامن خُطى العصبونات بعضها مع بعض، يصبح بإمكان آلة تورينگ العمومية محاكاة عمل الشبكة بدقة كاملة.)

 

في النظرية الرياضياتية الفريدة للحوسبة المفرطة لا تغدو المهام المماثلة للتمييز بين المبرهنات واللامبرهنات الحسابية غير قابلة للحوسبة. وحتى المنقح الذي يستطيع أن يخبرنا ما إذا كان البرنامج المكتوب باللغة C، على سبيل المثال، سيدخل في حلقة لانهائية، يصبح ممكنا من الناحية النظرية.

 

إذا قدر للحواسيب الفائقة أن تُبنى ـ وذلك تساؤل كبير ـ فإن احتمالات حلّ المسائل المنطقية والرياضياتية التي ظلت تعتبر حتى الآن غير قابلة للحل، تصبح هائلة. وفي واقع الأمر ربما يكون علم الحاسوب يقترب من أحد أكبر التطورات منذ أن قام الباحثون بتوصيل الأسلاك في أول تمثيل حسي إلكتروني لآلة تورينگ العمومية منذ عدة عقود. ومن جهة أخرى، فإن العمل على الحواسيب الفائقة قد لا يتمخض عن شيء لعدم التمكن من العثور على طريقة لتحقيق الأوراكل.

 

يتواصل البحث عن ظاهرة فيزيائية أو كيميائية أو بيولوجية مناسبة. وربما يتمثل الجواب في جزيئات moleculas معقدة أو غيرها من البنى التي ترتبط ببعضها وفق أنماط تكافئ في تعقيدها الأنماط التي اكتشفها هانف ومايرز. أو، كما اقترح<J.دويل>[من المعهد M.I.T]، ربما تكون هناك منظومات توازنية طبيعية الظهور وذات أطياف متقطعة تبدو وكأنها تُنفذ ـ من حيث المبدأ ـ مهمة لا يمكن حوسبتها، مولدة مخرجات مناسبة (واحدات وأصفارا مثلا) بعد أن تنهال عليها المدخلات.

 

حتى بين الخبراء، لقد طوى النسيان مفاهيم تورينگ النظرية الرائدة بشأن الآلة الفائقة.

لقد أصبحت آلات تورينگ من الصنف O منسية إلى حد كبير خارج حدود المنطق الرياضياتي. وبدلا من ذلك سادت أسطورة مفادها أن تورينگ أثبت في منتصف الثلاثينات أن الحواسيب الفائقة مستحيلة. وينسب إلى كل من تورينگ و<A.تشورتش>، مرشده أثناء تحضيره للدكتوراه في پرينستون، بأنهما أطلقا مبدأ مفاده أن بإمكان آلة تورينگ العمومية أن تحاكي بدقة سلوك أي آلة أخرى لمعالجة المعلومات. وتشير هذه الفرضية، التي اشتهرت باسم أطروحة تورينگ تشورتش على الرغم من خطأ هذه التسمية، إلى أنه لا توجد آلة تستطيع تنفيذ مهمة معالجة معلومات تقع خارج مجال إمكانات آلة تورينگ العمومية. والحقيقة هي أن تورينگ وتشورتش لم يزعما أكثر من أن آلة تورينگ العمومية تستطيع محاكاة أداء أي رياضياتي يستخدم الورقة والقلم ويعمل وفق طريقة خوارزمية. وهذا ادعاء أضعف بكثير مما نُسب إلى تورينگ ومرشده، ولا يستبعد إمكانية تحقيق الحواسيب الفائقة.

 

استخدام الأوراكل (الموحي) لحوسبة ما لا يحوسب

أثبت<A.تورينگ>أن آلته العمومية ـ وبالتالي أقوى الحواسيب في أيامنا هذه ـ لن تستطيع أبدا حل مسائل معينة. فمثلا، لا تستطيع آلة تورينگ العمومية أن تعين دائما ما إذا كان تنفيذ برنامج ما سيستمر إلى الأبد أو أنه سيتوقف. وفي بعض الأحيان، يكون أفضل ما بوسع الآلة العمومية القيام به هو تنفيذ البرنامج ثم الانتظار ـ إلى الأبد ربما ـ إلى أن ينتهي تنفيذه. ولكن في أطروحته للدكتوراه (الشكل السفلي في اليسار)تخيل تورينگ أن آلة مزودة بأوراكل خاص تستطيع القيام بذلك وبغيرها من المهام التي«لا يمكن حوسبتها». وإليكم مثالا على الكيفية التي قد يعمل بها ـ من حيث المبدأ ـ الأوراكل.

لندخل في اعتبارنا آلة افتراضية قادرة على حل مسألة«البرنامج المنتهي»البالغة الصعوبة (في الأعلى). يمكن تمثيل برنامج الحاسوب كشريط محدد من الواحدات(1s) والأصفار(os)، ويمكننا أيضا النظر إلى هذا التتابع من الأرقام باعتباره التمثيل الثنائي لعدد صحيح، تماما كما أن القيمة 1011011 تكافئ 91. ويمكننا عندئذ إعادة صياغة مهمة الأوراكل لتصبح كما يلي:«إذا كان لدينا عدد صحيح يمثل برنامجا (لأي حاسوب يمكن محاكاته بآلة تورينگ العمومية)، أصدر “1” إذا كان هذا البرنامج سينتهي، أو “0” لغير ذلك.»

يتكون الأوراكل من نبيطة مثالية ومخزن أو ذاكرة تحوي قيمة معينة ـ ندعوها t من تورينگ ـ لكمية فيزيائية ما. (يمكن للذاكرة أن تشبه ـ مثلا ـ مكثفة تختزن قدرا معينا من الكهرباء.)

وقيمة t عدد غير عادي (غير نسبي) ويُمثل كتابة بخيط لانهائي من الأرقام الثنائية، مثل 0.000000011011.

والخاصة الفاصلة لـ t هي أن أرقامها المنفردة تمثل تماما أي البرامج ينتهي تنفيذه وأيها لا ينتهي. وعلى سبيل المثال، إذا كانت قيمة العدد الصحيح الممثل لبرنامج مساوية 8 735 439 فعندها يستطيع الأوراكل الحصول ـ بالقياس ـ على الرقم الذي ترتيبه 8 735 439 من القيمة t (وذلك بالعد من اليسار إلى اليمين بعد الفاصلة العشرية). فإذا كان ذلك الرقم يساوي 0 سيستنتج الأوراكل بأن هذا البرنامج سيعمل للأبد.

ومن الواضح أنه من دون t سيكون الأوراكل عديم الجدوى، وسيكون العثور على متحول فيزيائي في الطبيعة يأخذ بالضبط هذه القيمة أمرا مستحيلا. لذا يجري البحث عن طريقة عملية لتنفيذ الأوراكل. فإذا وجدت مثل هذه الطريقة سيكون وقعها عظيما على حقل علم الحاسوب.

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N1_H05_003669.jpg-0000.jpg

لقد أُهملت إسهامات تورينگ النظرية الرائدة حتى عند أولئك الذين يسعون إلى بناء حواسيب فائقة. ويتحدث الخبراء بشكل متكرر عن دفع معالجة المعلومات «لتتخطى حد تورينگ». ففي مراجعة ظهرت حديثا في مجلة «نيوساينتست» New Scientist عن ذلك الحقل البازغ ورد أن الآلات الجديدة «تقع خارج حدود تصميم تورينگ»، وأنها «حواسيب من نوع لم يتخيله تورينگ إطلاقا.» وكأن العبقري البريطاني لم يفكر بمثل هذه النبائط منذ أكثر من نصف قرن. ومن المحزن، أنه يبدو أن ما قد ظهر بالفعل فيما يخص أفكار تورينگ عن التوصيلية يعاود الظهور الآن من جديد.

 

السنوات الأخيرة

لقد كان تورينگ رائد حقل الذكاء الصنعي في مطلع الخمسينات عندما كان في أواخر سني حياته. وكان يحاول محاكاة آلية كيميائية تستطيع بوساطاتها جينات (مورثات) خلية بويضة مخصبة تحديد البنية التشريحية للحيوان أو النبات الناتج. وقد وصف بحثه هذا بأنه «ليس منفصلا تماما» عن دراسته للشبكات العصبونية لأنه «يجب تحقيق بنية الدماغ بوساطة الآلية الجنينية الجينية(3)، وهذه النظرية التي أعمل عليها حاليا من شأنها إيضاح القيود التي يؤدي إليها هذا في واقع الأمر.» وخلال هذه الفترة، تميز تورينگ بكونه أول من انخرط في استكشاف الأنظمة الديناميكية اللاخطية بمساعدة الحاسوب. وقد استخدمت نظريته في المعادلات التفاضلية اللاخطية للتعبير عن كيميائية النمو.

 

وعندما كان تورينگ منهمكا في أبحاثه غير المسبوقة، توفي فجأة نتيجة تسممه بالسيانيد، وربما كان هذا انتحارا من جَنْي يديه. ففي 8/6/954 عُثر عليه ميتا في غرفة نومه قُبَيل عيد ميلاده الثاني والأربعين. وقد خلَّف حزمة كبيرة من المذكرات المكتوبة بخط يده وبعض البرامج الحاسوبية. ولاتزال هذه المواد المدهشة غير مفهومة بعد مرور عدة عقود.

 

 المؤلفان

B.Jack Copeland-Diane Proudfoot

هما مديرا مشروع تورينگ في جامعة كانتربري بنيوزيلندا، وهو مشروع يهدف إلى تطوير وتطبيق أفكار تورينگ بتطبيق التقانات الحديثة. وهما أستاذان في قسم الفلسفة بكانتربري، كما أن كوبلاند أستاذ زائر لعلم الحاسوب في جامعة بورتسموث بإنكلترا. وقد كتبا العديد من المقالات عن تورينگ. وسيصدر كتابان لكوبلاند هما«آلات تورينگ» و«تورينگ الأساسي» عن مطبعة جامعة أوكسفورد. أما كتابه «الذكاء الصنعي» فقد نشرته دار نشر بلاكويل عام 1993. وإضافة إلى دراستهما المنطقية للآلات الفائقة ومحاكاة الشبكات العصبونية من الصنف B، فقد بحث المؤلفان في النماذج الحاسوبية للنمو البيولوجي التي كان تورينگ يعمل عليها قبيل وفاته. وهما يحضران لعقد مؤتمر في لندن في الشهر5/2000 للاحتفال بالذكرى الخمسين للنموذج التجريبي الأولي لآلة الحوسبة الأوتوماتيكيةAutomatic Computing Engine، وهي حاسوب إلكتروني كان تورينگ مصممه الرئيسي.

 

مراجع للاستزادة 

X-MACHINES AND THE HALTING PROBLEM: BUILDING A SUPER-TURING MACHINE. Mike Stannett in Formal Aspects of Computing, Vol. 2, pages 331-341; 1990.

INTELLIGENT MACHINERY. Alan Turing in Collected Works of A. M. Turing: Mechanical Intelligence. Edited by D. C. Ince. Elsevier Science Publishers, 1992.

COMPUTATION BEYOND THE TURING LIMIT. Hava T. Siegelmann in Science, Vol. 268, pages 54S-S48; April 28, 1995.

ON ALAN TURING’S ANTICIPATION OF CONNECTIONISM. B. Jack Copeland and Diane Proudfoot in Synthese, Vol. 108, No. 3, pages 361-377; March 1996.

TURING’S O-MACHINES, SEARLE, PENROSE AND THE BRAIN. B. Jack Copeland in Analysis, Vol. 58, No. 2, pages 128-138; 1998.

THE CHURCH-TURING THESIS. B. Jack Copeland in The Stanford Encyclopedia of Philosophy. Edited by Edward N. Zalta. Stanford University, ISSN 1095-5054. Available at http://plato.stanford.edu  on the World Wide Web.

Scientific American, April 1999

 

(*)Alan Turing’s Forgotten Ideas in Computer Science

(1)hypercomputation

(2) Tiles the plane

(3) genetical embryological mechanism

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى