أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

مواد الحياة الأولية المقذوفة من بعيد

مواد الحياة الأولية المقذوفة من بعيد(*)

قد تدين الحياة بنشأتها لجزيئات عضوية معقدة

صنعت في اللب الجليدي لغيمة ممتدة بين النجوم(1).

<P .M.بيرنشتاين> ـ<A .S.ساندفورد>ـ<J.L.ألاماندولا>  

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N1_H01_003635.jpg

إن جزيئات عضوية معقدة ـ لها مثيلاتها في الأشياء الحية ـ تسود في الأجزاء المظلمة من غيوم ممتدة بين النجوم. لقد انهارت قبل ما ينوف على أربعة بلايين سنة واحدة من تلك الغيوم مشكلة قرصا مُدوَّما أنجب الشمس والكواكب. وقد نجت بعض الجزيئات الهشة من الحرارة العنيفة التي رافقت تشكل المنظومة الشمسية بالبقاء متجمعة في المذنبات عند الحافة الباردة للقرص المدوم. وقامت المذنبات وباقي مخلفات الغيمة بنقل هذه الجزيئات إلى الأرض.

 

على مدى قرون عديدة ارتبطت المذنبات ـ في العقل البشري ـ بالكوارث. ففي عام400قبل الميلاد أعد الفلكيون الصينيون رسوما تخطيطية لتسعة وعشرين نوعا من المذنبات التي ينبئ العديد منها بحدوث الكوارث. وقد ظلت فرضية أرسطو التي تقول بأن المذنبات ليست سوى نذير من الآلهة، ترزح على صدر الحضارة الغربية نحو ألفي عام بدءا من أوج الحضارة اليونانية القديمة. وبقيت المذنبات والنيازك حتى مشارف القرن العشرين تؤدي أدوارا رئيسية في الأفلام السينمائية التي تتناول يوم الحشر أو قصص الدمار الشامل. وتبيَّن اليوم أن تهديد المذنبات ليس أمرا خرافيا، فقد كشف العلم الحديث النقاب عن اصطدام هائل ربما كان السبب في هلاك الدينوصورات. وفي عام 1994 راقب الناس بقلق المذنب شوميكر-ليڤي 9 وهو يصطدم بكوكب المشتري.

 

ومن المستغرب أن يكون ذلك الحطام الفضائي السيئ السمعة الوافد من بعيد، هو المسؤول عن جعل الأرض على ما هي عليه اليوم، كوكبا لطيفا مليئا بالحياة. لقد بدأ علماء الفضاء منذ أوائل الستينات بالتكهن بأن المذنبات والمخلفات الأخرى الناتجة من تشكل المنظومة الشمسية أدت إلى انهمار جزيئات الماء والغازات على الأرض، وأن هذه المكونات هي التي شكلت الجو والمحيطات التي جعلت الكوكب صالحا للسكنى. ويعتقد الآن عدد كبير من الباحثين، ومن بينهم فريقنا العامل في مختبر الكيمياء الفلكية التابع لمركز أبحاث الإدارة القومية لعلوم الطيران والفضاء (ناسا) في إيمس، أن بعض المواد الأولية المهمة اللازمة لنشوء الحياة وجدت طريقها إلى الأرض من الفضاء. وقد شكلت بعض هذه الجزيئات العضوية غير (خارج) الأرضية extraterrestrial  محافظ راشحة يحتمل أن تكون قد احتضنت السيرورات الخلوية الأولى. ويحتمل أن تكون بعض الجزيئات الأخرى قد امتصت جزءا من أشعة الشمس فوق البنفسجية لتحمي بذلك جزيئات أقل قدرة على التحمل، وربما تكون قد ساعدت على تحويل تلك الطاقة الضوئية إلى غذاء كيميائي.

 

ووفق هذا السياق، فإن مرحلة بدء الحياة تعود إلى أكثر من أربعة بلايين سنة، عندما انهارت غيمة بين النجوم مظلمة وباردة متحولة إلى قرص مُدَوَّم من غاز وغبار متقد أنجب منظومتنا الشمسية. وتكونت الأرض بعد زمن ليس بطويل من تكون الشمس، وذلك قبل نحو 4.5 بليون سنة. وقد ساد الاعتقاد مدة طويلة أن الأرض احتوت على الماء ومقومات الحياة الأخرى منذ ذلك الوقت. ومع هذا، يظن العديد من العلماء اليوم أن الأرض كانت عند نشأتها حارة وجافة ومجدبة. ومن المعروف الآن أن الحطام الفضائي قام بقصف كوكب الأرض الحديث النشأة، مما أدى إلى حدوث جائحات تكافئ في قوتها ما ينجم عن تفجير عدد لا يحصى من القنابل الذرية. وقد لا يكون القمر، في الواقع، سوى قطعة من الأرض انفصلت عنها لدى اصطدامها بجرم فضائي يكافئ في الحجم كوكب المريخ [انظر: «التراث العلمي لرحلة أپولو»،مجلة العلوم، العدد 11(1995)، ص17]. وكانت الاصطدامات التي من هذا النوع شائعة حتى ما يقارب الأربعة بلايين سنة الماضية، وقد أجهضت هذه الاصطدامات بالتأكيد أي فرصة لظهور بذرة الحياة قبل ذلك التاريخ.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N1_H01_003636.jpg

 

لقد درجت المذنبات والكويكبات على الارتطام بالأرض بقوة قبل نحو أربعة بلايين سنة. وحتى الآن مازالت الأرض تكتسب مئات الأطنان من الغبار والنيازك الناجمة عن هذه الأجسام كل يوم. ويعتبر العديد من الجسيمات الغبارية(الصورة)التي لا يتجاوز قطر معظمها جزءا من ألف من المليمتر، غنيا بالجزيئات العضوية التي صنعت في الغيمة القاتمة التي أنتجت المنظومة الشمسية، ويفترض أن الفجوات في الجسيم السفلي احتوت في الماضي على الجليد الذي تبخر عندما ابتعد الغبار عن مذنبه الأم.

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N1_H01_003637.jpg

حبيبة غبار

 

وفي الوقت الذي تحاول فيه الأبحاث الحديثة تبكير تاريخ اليوم الذي صار فيه كوكب الأرض قابلا للسكنى، تؤخر اكتشافات أخرى تاريخ ظهور أولى علامات الحياة على الأرض. وتوضح الأحافير المكروية (المستحاثات الصغرية)، المكتشفة في الصخور القديمة التي وجدت في أستراليا وجنوب إفريقيا، أن الحياة الأرضية كانت بالتأكيد مزدهرة قبل نحو 3.5 بليون سنة؛ حتى إن الصخور الأقدم من ذلك ـ التي وجدت في گرينلاند، والتي يبلغ عمرها 3.9 بليون سنة ـ احتوت على بصمات نظائرية isotropic fingerprints للكربون لا يمكن إرجاعها إلا لمتعضية (لكائن حي) ما. وبتعبير آخر فإن المتعضيات، وبعد نحو 100 مليون سنة من بدء المرحلة المبكرة التي تمكنت الأرض فيها من رعاية حياة آمنة، كانت في حالة كافية من الازدهار مكنتها من ترك آثارها التي بقيت حتى يومنا هذا. إن هذه الفترة القصيرة من الزمن التي انبثقت خلالها الحياة تقتضي أن تكون سيرورة نشوئها قد تطلبت العون من الجزيئات الفضائية.

 

يفترض أن أولى الكائنات الوحيدة الخلية التي ظهرت على كوكب الأرض قد نشأت عبر سلسلة من الخطوات الكيميائية التي قادت إلى إنتاج جزيئات غنية بالكربون مثل الأحماض الأمينية، والتي ارتبطت تحت ظروف مواتية مكوِّنة سلاسل بروتينية، وهي لبنة الحياة الأساسية. إن أحد الباحثين الأوائل الذين أوضحوا كيفية تشكل تلك الأحماض الأمينية البدئية هو<L.S.ميلّر>[عندما كان طالب دراسات عليا في مختبر<هارولدC.أوري>بجامعة شيكاگو] وذلك في أوائل الخمسينات. ويقوم<ميلر>الآن [وهو في جامعة كاليفورنيا بسان دييگو] بتسليط شرارات مماثلة للبرق على «جو» بدائي مؤلف من جزيئات بسيطة غنية بالهيدروجين موجودة في قارورة (حوجلة) زجاجية مغلقة. وبعد مرور عدة أسابيع وجد أن التفاعل أعطى، في قارورة ثانية وُضِعت لمحاكاة مياه المحيط العميقة، عددا كبيرا من الجزيئات العضوية ومن ضمنها الأحماض الأمينية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N1_H01_003638.jpg

السديم النسر

تقلد المحاكيات المختبرية ما يحدث في الأجزاء الباردة من الغيوم بين النجوم مثل السديم النسر (في أعلى اليمين). فثمّة مُبرِّد خاص ومضخة في داخل غرفة معدنية لها حجم علبة أحذية (في اليمين)، يُولِّدان فضاء خلائيا درجة حرارته دون الصفر. يُرذُّ داخل الغرفة سديم من جزيئات غاز بسيط بوساطة أنبوب نحاسي فيتجمد فوق قرص ملح يقوم بدور اللب السيليكاتي لحبة الجليد في الفضاء (1). يقوم مصباح فوق بنفسجي بغمر الجليد الحديث التشكل بجرعة قوية من إشعاع شبيه بإشعاع النجوم (2). وكذلك يسلط الضوء تحت الأحمر الذي يصدر عن النجوم أيضا على الجليد لمعرفة ماهية الجزيئات المتجمدة في داخله (3). تكشف مقارنة طيوف امتصاص تحت الأحمر أن تركيب الجليد المختبري يشبه بصورة مذهلة تركيب جليد الغيوم.

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N1_H01_003639.jpg

 

أدى دليل جديد إلى الشك في مسألة مكونات جوّ<ميلّر>، إلا أن نظرية الحساء البدائي primordial soup التي وضعها لتفسير إنتاج مكونات الحياة في بركة أو محيط دافئين على سطح الكوكب لاتزال تحتفظ ببعض الموالين المعتقدين بها. وحديثا نقل بعض العلماء موقع قِدْر الحساء soup pot إلى قاع البحر، فهم يميلون إلى الاعتقاد بأن احتمال أن تكون الغيوم الضبابية المتشكلة من المعادن التي تقذفها الينابيع الحارة قد أدت إلى تشكل طلائع جزيئات الحياة. ولكن مجموعة متنامية من الباحثين الآخرين تتفحص مصدرا مختلفا كليا للجزيئات المانحة للحياة، ألا وهو الفضاء.

 

كانت<J.أورو>[من جامعة هيوستن] أول من اقترح نظرية المصدر غير الأرضي للحياة، وذلك في عام 1961. وقد أحيا<S.شانگ>[من ناسا في إيمس]هذه النظرية في عام 1979. ومنذ عام 1990 كان <R.C.تشيبا>[من معهد البحث عن الحياة العاقلة غير الأرضية(SETI)في كاليفورنيا]المدافع الأول عن الفكرة القائلة بأن المذنبات والنيازك الصغيرة وجسيمات الغبار بين النجوم هي التي جلبت ماء كوكب الأرض وغازاته الجوية من الفضاء.

 

لا يتفق جميع العلماء بشأن الطريقة التي نشأت بها المحيطات على الأرض، ولكن معظمهم يجمع على إسهام حطام الفضاء في هذا الشأن، إذ يقدر أن مئات الأطنان من  الغبار تنجرف كل يوم إلى سطح الأرض من الفضاء. إن هذه الحبيبات الدقيقة ـ لا يتجاوز أكبرها حجم حبة رمل ـ تتبعثر في المنظومة الشمسية الداخلية وتمر أحيانا متوهجة في سماء الليل كالشهب. وتبين الأدلة المتنامية أن المذنبات وأبناء عمومتها، إضافة إلى قيامها بنقل الماء والغازات التي جعلت كوكب الأرض صالحا للسكنى، قد أمطرت الحساء البدائي بجزيئات عضوية مسبقة الصنع من النوع المشاهد اليوم في المنظومات الحية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N1_H01_003640.jpg

يبدأ الجليد بين النجوم بالتشكل عندما تتجمد جزيئات مثل الماء والميثانول وأحد الهيدروكربونات على حبيبة من السيليكات تشبه الرمل تنجرف في الغيوم بين النجوم الكثيفة (1). تكسر الأشعة فوق البنفسجية الصادرة عن نجوم قريبة بعض الروابط الكيميائية للمركبات المتجمدة، في الوقت الذي تنمو فيه حبة الجليد إلى ما لا يزيد قطريا على جزء واحد من عشرة آلاف جزء من المليمتر (2). وتتحد الجزيئات المتحطمة مكونة مركبات جديدة مثل الكينونات التي لا يمكنُ أن تتكون لو كانت الشظايا حرة الحركة بحيث تطفو بعيدا (3).

 

كشفت المراقبات الحديثة للمذنبات الشهيرة، مثل هالي وهيل ـ بوپ وهاياكوتاكي، أن تلك الزائرات الجليدية زاخرة بالمركبات العضوية. وفي عام 1986 التقطت آلات التصوير على متن المركبتين الفضائيتين گيوتو وڤيگا صورا لمادة صلبة على سطح المذنب هالي تماثل الكيروجين الشبيه بالفحم والموجود في بعض النيازك. وقد استطاعت مطاييف الكتلة mass spectrometers أن تظهر وجود أثر لجزيئات غنية بالكربون. وحديثا جدا استطاعت المقاريب telescopes الأرضية، التي تتحرى لب المذنبين هاياكوتاكي وهيل-بوپ وذيليهما، أن تبين وجود عدد من المركبات العضوية المحددة ومن ضمنها الميثان والإيثان. وفي العشرين سنة القادمة سوف يقوم عدد من المسابير الفضائية باستكشاف مذنبات أخرى. [انظر ما هو مؤطر في الصفحة10].

 

عندما يمر مذنب ضمن المنظومة الشمسية الداخلية الدافئة، يغلي قسم منه متحولا إلى غاز وغبار، ينتقل بعضه إلى الأرض فيما بعد بفعل جذبها التثاقليgravitational pull. وقد استطاع علماء ناسا اقتناص جسيمات المذنبات من الجو الأعلى باستخدام الطائرات ER2  التي ترتفع إلى ما يعادل ضعف ارتفاع الطائرات النفاثة التجارية، حيث يلتصق الغبار الفضائي عند ارتفاع000 62 قدم ((18.6 كيلومتر) بصفائح بلاستيكية مطلية بالزيت موضوعة داخل مُجمِّعات موجودة تحت جناحي الطائرة. وقد وجد أحدنا (ساندفورد) مع باحثين آخرين حللوا هذه الجسيمات المجهرية أن بعضها يحتوي على ما يصل إلى نحو 50 في المئة من الكربون العضوي؛ وهذه النسبة أكبر مما وجد في أي شيء غير أرضي معروف. ولو سلمنا أن الغبار الفضائي يحتوي على 10 في المئة من الكربون في المتوسط فإنه عندئذ ينقل نحو 30 طنا من المواد العضوية إلى الأرض كل يوم.

 

ويمكن دراسة وفهم القطع الكبيرة من الكويكبات التي تفد إلى الأرض على شكل نيازك بسهولة أكبر من دراسة المذنبات البعيدة والغبار المجهري. وتتكون معظم النيازك من المعدن والصخر، ولكن بعضها يحتوي أيضا على مركبات مثل القواعد (الأسس) النووية nucleobases  والكيتونات والكينونات والأحماض الكربوكسيلية والأمينات والأميدات. ومن بين العدد الوافر من المركبات العضوية المعقدة التي استخلصت من النيازك تركز الاهتمام على 70 نوعا من الأحماض الأمينية فقط؛ علما أن ثمانية من هذه الأحماض الأمينية فقط تندرج ضمن مجموعة العشرين حمضا التي تستخدمها الخلايا الحية لصنع البروتينات. ولكن هذه الأحماض ذات الأصل غير الأرضي تنتظم فيها سمة الحياة الأرضية.

 

فالأحماض الأمينية توجد في أزواج أحدها صورة مرآوية للآخر. وهذه صفة جزيئية تدعى التخايل chirality. ومثلما أن يدي المرء تبدوان متطابقتين تماما إذا وضعت راحة إحدى اليدين على راحة اليد الأخرى، وغير متطابقتين إذا وضعت راحة إحدى اليدين على ظاهر اليد الأخرى، فإن الأحماض الأمينية المفردة هي إما يسارية left-handed أو يمينية right-handed. ولأسباب لا نعرف عنها إلا القليل، وفيما عدا حالات استثنائية نادرة، لا تكون الأحماض الأمينية في المتعضيات (الكائنات الحية) إلا من الأنواع اليسارية. إن أحد الانتقادات التي وُجِّهت لتجارب من نمط تجربة ميلّر هو أنها تنتج أعدادا متساوية من شكلي الأحماض الأمينية كليهما. وفي هذا الأمر بالذات، تتفوق الأحماض الأمينية غير الأرضية. فلقد بين <R.J.كرونين>[من جامعة ولاية أريزونا] منذ قدَّم تقريره الأول في عام 1993، أن هناك رجوحا طفيفا للنوع اليساري في عدة أحماض أمينية استخلصت من نيزكين مختلفين. وعلى الرغم من اعتقاد بعض الباحثين أن يسارية الحياة أمر حصل مصادفة فمن المحتمل أن المكونات البدئية غير الأرضية قد حددت مسبقا هذا التميز الجزيئي.

 

مواد أولية أو حياة حقيقية؟

ثمة بون شاسع بين فكرة أن مواد الحياة الأولية وصلت إلى الأرض عن طريق مذنبات ونيازك وبين فكرة أن المتعضيات الحية انجرفت إلى الأرض من الفضاء مستعمرة إياها ـ والفكرة الأخيرة هذه قديمة تعرف باسم شمولية التكاثر(2) panspermia. فبعد أن كشف الطبيب الإيطالي <F.ريدي>، في القرن السابع عشر، زيف الاعتقادات التي سادت مدة طويلة من الزمن والقائلة بأن الحياة تتولد من مادة غير حية، ساد الافتراض أن الحياة لا يمكن أن تتولد إلا من الحياة. وباتباع هذا المنطق، اقترح الكيميائي السويدي<A .S.أرهينيوس>في عام 1908 (الحائز جائزة نوبل)، أن الإشعاع الصادر عن النجوم قادر على نقل مكروبات مجهرية من عالم إلى آخر.

ومنذ ذلك الوقت لم تقم سوى قلة من العلماء الآخرين بإنعام النظر في هذه الفرضية في الاستعمار غير الأرضي. أما حديثا، في عام 1996، فقد أحيت التقارير المثيرة للجدل بشأن المكروبات الأحفورية في النيزك المريخي ALH 84001 نظرية شمولية التكاثر. وقد بين تقرير صدر في العام ذاته أن الكواكب الداخلية في المنظومة الشمسية ربما تبادلت فيما بينها أطنانا من الركام خلال بلايين السنين القليلة الماضية، ومع ذلك فهناك بعض العلماء الذين مازالوا يشكون في أن تكون الحياة قد نشأت على المريخ في أي وقت من الأوقات، ناهيك عن الشك في قدرة المتعضيات (الكائنات) المريخية على البُقْيا survival أثناء رحلتها نحو الأرض البالغة 80 مليون كيلومتر. وبفرض أن المكروب استطاع تحمل الصدمة التي قذفت به إلى الفضاء، فمن المؤكد أن الإشعاع المميت والخلاء في درجات حرارة دون الصفر ـ اللذين سيصادفانه في رحلته التي ستستغرق آلاف السنين ـ سيقضيان عليه.

وفي ضوء ما ذكرنا يبدو أن مسألة الاستعمار الوافد من المريخ معقدة بصورة غير ضرورية، مادام يمكن للحياة أن تكون قد نشأت هنا على الأرض، وكذلك يمكن أن تكون الحياة قد نشأت على المريخ بصورة مستقلة إذا كانت الظروف هناك مواتية لنشوء الحياة في أي وقت من الماضي السحيق. إضافة إلى أن المذنبات والنيازك التي مدت الأرض بالماء والجزيئات العضوية لا بد وأن تكون قد قدمت خدمات مشابهة لجميع كواكب المنظومة الشمسية.

وبغية البحث عن دلائل على الحياة في التربة المريخية، تعتزم ناسا سبر هذه التربة باستخدام مسبار جديد. ومع ذلك، فحتى لو تبين أن هناك حياة على الكوكب الأحمر فإن البرهان على أن متعضياته استطاعت البُقْيا أثناء رحلتها من كوكبها والاستقرار على الأرض يبقى مسألة فيها نظر.

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N1_H01_003641.jpg

منظر طبيعي عام للمريخ سنة 1997

 

وعلى الرغم من أن الأحماض الأمينية قد تَكُون الجزيئات الكربونية الأكثر صلة بالحياة في النيازك، فإنها ليست الأكثر وفرة فيها، فمعظم الكربون الموجود يكون متحدا على شكل كيروجين kerogen، وهي مادة تتألف جزئيا من هيدروكربونات عطرية متعددة الحلقات، وهي مركبات تعرف على الأرض باسم الملوثات المسرطنة. وتنتج هذه المركبات من الاحتراق، لذا فهي تصادف في السخام soot  والهمبرگر المشوي وغازات عوادم السيارات. وقد أثارت هذه الهيدروكربونات الخاصة ضجة عندما اكتشفت في النيزك المريخي ALH 84001المثير للجدل والذي يعتقد بعض الباحثين أنه يحوي دليلا على وجود مكروبات مريخية أحفورية (مستحاثية).

 

صندوق جليد أو عاصفة نارية؟

وعلى الرغم من وضوح مسؤولية المذنبات والنيازك والغبار الفضائي عن نقل الجزيئات المثيرة للاهتمام إلى الأرض، فإن معرفة المكان الذي تشكلت فيه هذه الجزيئات مازالت مسألة صعبة المنال. اقترح بعض العلماء أن تكون التفاعلات، التي تحدث في الماء الذي يسيل شحيحا في المذنبات أو في كويكبات بعض النيازك، مسؤولة جزئيا عما تحويه من وفرة في المركبات العضوية، ولكن من الصعب أن تفسر هذه التفاعلات سبب وجود الجزيئات الكربونية المتجمدة في الغيوم المظلمة الممتدة بين النجوم.

 

ويزداد عدد العلماء الذين يعتقدون بأن جليد المذنبات هو من مخلفات الغيمة المظلمة التي انهارت مشكلة سديما شمسيا ناريا، أي قرصا مُدوَّما من غاز وغبار أدى إلى ولادة الشمس والكواكب. وبقي الجليد على حاله من دون تغيير لأنه محمي بدرجات الحرارة المنخفضة جدا عند تخوم المنظومة الشمسية. ولكن لايزال هناك بعض العلماء الذين يدافعون عن الادعاء القديم بأن الجزيئات العضوية غير الأرضية تشكلت ضمن السديم. وتدعي هذه النظرية أن الجليد الناجم عن الغيمة الأم قد تبخر وأن الجزيئات قد تحطمت وتفككت ومن ثم أعيد ترتيبها إبان ثورة تشكل الكواكب.

 

إن الجزيئات التي خضعت للمعاناة في السديم الشمسي ولم تتجمد على هيئة مذنبات إلا فيما بعد هي التي يجب أن تحمل البصمات النظائرية isotopicsignatures  الشائعة في كواكب المنظومة الشمسية الداخلية وأجرامها الأخرى. وعلى عكس ذلك، فإن معظم غبار المذنبات يكون غنيا بالعناصر النادرة rareelements، مثل الدوتريوم (وهو نظير للهيدروجين يحتوي على بروتون زائد واحد). إن الغنى بالدوتريوم صفة مميزة للتفاعلات الكيميائية التي تحدث في أوساط منخفضة الحرارة في الفضاء بين النجوم. ففي تلك المناطق من الفضاء التي تتراوح فيها درجة الحرارة حول الصفر المطلق (°273- سيلزية) لا يوجد من الطاقة سوى ما يكفي لاستبعاد القليل من الجزيئات المكونة من النظائر الأثقل، لذا تتراكم هذه الجزيئات الثقيلة مع مرور الزمن.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N1_H01_003642.jpg

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N1_H01_003643.jpg

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N1_H01_003644.jpg

هيدروكربونات من الفضاء، ربما تكون هي التي حمت جزيئات الحياة البدئية. وتنظم الهيدروكربونات المستخلصة من النيازك (الأخضر) والمركبات المشابهة المصنعة في المختبر في الظروف السائدة بين النجوم (الأزرق) نفسها على شكل محافظ راشحة عندما تمتزج بالماء. تتجه الرؤوس الهيدروفيلية للجزيئات، أي المحبة للماء، نحو خارج غشاء المحفظة في حين تبقى ذيولها الهيدروفوبية، أي الكارهة للماء (في أسفل اليمين) مندسة فيه. وتكون هذه الكرات متفلورة مما يدل على احتباس مركبات غنية بالكربون داخلها.

 

إن الأصل الحقيقي لمعظم المذنبات والنيازك يكاد يجمع بالتأكيد ما بين الصندوق الجليدي بين النجوم النقي pure intersteller icebox  والعاصفة النارية السديمية nebular firestorm. وتتجلى هذه الازدواجية في الغبار الفضائي الذي يتألف من مواد خضعت للتعديل بفعل حرارة شديدة إلى جانب مواد أخرى لم يلحق بها أي تغيير. وكذلك فإن ما تجمع من معلومات في السنتين اللتين أعقبتا رصد المذنبين هيل-بوپ وهاياكوتاكي، دعّم الحالة المتعلقة بما ورثته المذنبات مما بين النجوم؛ إذ وجد العشرات من الباحثين تشابها مذهلا بين جزيئات محددة ووفرة الدوتريوم في المذنبات وبين تلك الجزيئات التي توجد في العادة في حبات الجليد بين النجوم. أضف إلى ذلك أن حالة سپين spin state ذرات الهيدروجين ـ وهي مقياس للأحوال التي خضع لها الجليد ـ في ماء المذنب هيل-بوپ تبين أن الجليد تشكل في درجة تقدر بنحو 25 كلڤن (-400 درجة فرنهايتية أو -240 درجة سيلزية) ولم يسخن إلى درجة أعلى منها إطلاقا.

 

مهمات مذنباتية قيد الإنجاز

ستاردست Stardust

أول عينة مذنبات من الفضاء السحيق

سيقوم مسبار بالتحليق في الذؤابة comaالغازية للمذنب وايلد2 في عام 20044. وستستعمل مادة ذات أساس سيليكوني تدعى إيروجل لجمع عينات من الغبار وسوف تعيدها إلى الأرض في عام 2006.

موعد الإطلاق:7/2/1999(ناسا)

التقانة الفضائية 4/ شامپوليون

أول نزول على مذنب

سيرسل ساتل يدور حول المذنب تيمپل 1 مركبة صغيرة لتحط على نواة المذنب الصخرية في عام 2005. ستلتقط المركبة بعد نزولها صورا وتحلل عينات تحت سطحية.

موعد الإطلاق: 2003(ناسا)

روسيتّا Rosetta

أكثر دراسات المذنبات شمولية حتى الآن.

سيتلاقى ساتل مع المذنب ويرتانين في عام 2013 وسيبقى 11 شهرا في مداره يجري القياسات، في حين سيقوم مسبار سينزل على المذنب بتحري سطحه.

موعد الإطلاق: 2003(وكالة الفضاء الأوروبية)

إذا سلمنا بأن جليد المذنبات جاء من غيمة بين النجوم، فمن السهل أن نعتقد بأن الجزيئات العضوية جاءت أيضا من هناك. ويشاهد الفلكيون بصمات عدد كبير من المركبات العضوية في أرجاء الكون وبخاصة في الغيوم. لقد بينت الأبحاث التي استمرت عقدا من الزمن والتي قام بها أحدنا (ألاماندولا) وآخرون غيره أن الهيدروكربونات العطرية المتعددة الحلقات هي الطائفة الأكثر وفرة من المركبات الحاملة للكربون في الكون، وهي تحتجز في شباكها الجزيئية نحو 20 في المئة من الكربون الكلي الموجود في المجرة.

 

إن التوصل إلى استنتاج تركيب الجسيمات المجهرية للغبار والجليد الموجودين على بعد مئات السنين الضوئية أمر ممكن في بعض جوانبه عن طريق الرصد الفلكي للغيوم التي على شاكلة السديم النسرEagle Nebula. فالغيوم المظلمة تمتص بعض الإشعاع تحت الأحمر من النجوم القريبة، وعندما يصل ما يتبقى من هذا الإشعاع إلى أجهزة الكشف الموجودة على الأرض ترسم طيفه. وهكذا فإن الضوء المفقود عند أطوال موجية محددة يدل على وجود روابط كيميائية معينة قادرة على امتصاص ذلك الضوء.

 

غيوم في المختبر

لدى مقارنة طيوف تحت الأحمر للغيوم الموجودة في الفضاء بقياسات مشابهة أجريت على جليد مصنوع في المختبر يماثل الجليد بين النجوم، وجد فريقنا في (ناسا إيمس) وفرق أخرى في جميع أنحاء العالم، أن حبات الجليد في الغيوم المظلمة تجمدت حول لبٍّ core من السيليكات أو الكربون. ويتألف الجليد أساسا من الماء ولكنه غالبا ما يحتوي على نحو 100 في المئة من جزيئات بسيطة أخرى مثل ثنائي أكسيد الكربون وأحادي أكسيد الكربون والميثان والميثانول والأمونيا.

 

وحاولنا فهم كيفية قيام هذه الجزيئات بين النجوم الوفيرة والبسيطة جدا، وهي في الجليد، بتفاعلات تحولها إلى تلك المركبات الأكثر تعقيدا الموجودة في النيازك. وهكذا قرر ألاماندولا [وهو خبير في كيميائية درجات الحرارة المنخفضة] بناء غيمة بين النجوم في المختبر.

 

لقد قامت أجهزة التبريد والمضخات بتوليد خلاء فضائي قارس البرودة، ضمن غرفة معدنية طول ضلعها 20 سنتيمترا، ونُشِر في جو تلك الغرفة ضباب من جزيئات غازية بسيطة بوساطة أنبوب من النحاس ليتجمد على قرص من الألمنيوم أو يوديد السيزيوم بحجم حبة الجوز، إذ يقوم هذا القرص بدور اللب في جسيم الغبار الفضائي. ولكي يحاكي وسط الغيمة الممتدة بين النجوم محاكاة كاملة قام ألاماندولا بوضع مصباح ضوء فوق بنفسجي لتسليط إشعاع شبيه بإشعاع النجوم على جو الغرفة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N1_H01_003645.jpg

كينونات من الفضاء لها بنى تماثل تقريبا تلك التي تساعد جزيئات اليخضور (الكلوروفيل) على نقل طاقة الضوء من أحد أقسام الخلية النباتية إلى قسم آخر.

 

لقد بينت تجاربنا أن الأشعة فوق البنفسجية تستطيع، حتى في تلك الحالات المتدنية جدا من درجات الحرارة والضغط والمكافئة لما هو موجود في الفضاء، أن تكسر الروابط الكيميائية كما تفعل تماما في جو الأرض. إن هذا الإشعاع هو المسؤول عن كسر الروابط الكيميائية في مركبات مثل كلوروفلوروالكربون، فتقوم الذرات المتحررة من هذا الفعل بمهاجمة جزيئات الأوزون الواقية التي تمنع هذا الإشعاع من شيِّ baking  كوكب الأرض.

 

إن سيرورة كسر الروابط هذه عندما تحدث في الفضاء، حيث تكون الذرات محتجزة ضمن الجليد، تستطيع أن تتيح المجال للشظايا الجزيئية كي تتحد من جديد معطية بنى معقدة غير اعتيادية، الأمر الذي لا يمكن أن يحدث لو كانت هذه الشظايا حرة في التحرك أنى تشاء. وتتشكل هذه المركبات المعقدة في جميع أرجاء الفضاء التي تصادف فيها حبات الجليد، وبخاصة في المناطق الغنية بالأشعة فوق البنفسجية حول النجوم الفتية. وفي غرفة الغيوم التي صنعناها قمنا بغمر حبة الجليد النامية بكمية من الإشعاع تعادل ما يصيب حبة فضائية على مدى عدة آلاف من السنين.

 

وعندما بدأ أحدنا (بيرنشتاين) بجليد بسيط مؤلف من الماء والميثانول والأمونيا ـ بالنسب ذاتها الموجودة في الجليد الفضائي ـ أنتجت تجربته مركبات معقدة مثل الكيتونات والنتريلات والإيثرات والكحولات التي وجدت في النيازك الغنية بالكربون، كما استطعنا توليد سداسي ـ ميثيلين ـ رباعي أمين (HMT)، وهو جزيء يتألف من ست ذرات كربون ويعرف عنه أنه ينتج الأحماض الأمينية في الماء الحمضي الدافئ. وكذلك ظهرت في مزيجنا جزيئات تحوي ما يصل إلى 15 رابطة كربونية.

 

وأظهرت بعض هذه المركبات صفات غريبة قد يُرجَع إليها أمر إيواء فعاليات الحياة الأولى. ولقد وجد<W.D.ديمر>[وهو كيميائي من جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز] أن بعض الجزيئات في حبات الجليد الموجودة في غرفة الغيوم تشكل نقيطات تشبه المحفظة capsule في الماء. وتشبه هذه المحافظ إلى حد بعيد تلك التي حصل عليها قبل عشر سنوات عندما استخدم مستخلصات النيازك من مورتشيسون في أستراليا. وعندما قام ديمر بمزج المركبات العضوية التي حصل عليها من النيازك بالماء، وجد أنها تتجمع آنيا في بنى كروية الشكل تشبه أغشية الخلايا. وقد بين أحد زملائنا وهو<J.دوركين>أن هذه المحافظ تتألف من مجموعة من الجزيئات العضوية المعقدة.

 

ولكي يحدث مثل هذا التنظيم الذاتي يجب أن تكون الجزيئات عادة مؤلفة من اثنتي عشرة ذرة من الكربون أو أكثر، ويجب أن تكون أمفيفيلية amphiphilic، وهذا يعني أن رؤوسها الهيدروفيلية ـ أي المحبة للماء ـ ينبغي أن تصطف في مواجهة جزيئات الماء في حين تبقى ذيولها الهيدروفوبية ـ أي الكارهة للماء ـ مندسة داخل الغشاء. ويلاحظ كذلك أن الفقاعات التي يُحصل عليها من مستخلص النيازك أو غرفة الغيوم تكون متفلورة fluoresce، مما يدل على أن هناك مادة عضوية إضافية محتجزة في الداخل.

 

ولعل أكثر المركبات أهمية من الناحية البيولوجية، من بين جميع المركبات التي أنتجناها، هي تلك التي حصلنا عليها عندما بدأنا بجليد مائي يحوي هيدروكربونات عطرية متعددة الحلقات، مثل تلك التي تتوافر في الغيوم الفضائية. تتحول هذه الهيدروكربونات، عندما تخضع لشروط تماثل الشروط بين النجوم، إلى العديد من مكونات النيازك الغنية بالكربون، بما فيها الكحولات الأكثر تعقيدا والإيثرات، وربما الأكثر أهمية من ذلك الكينونات quinones؛ إذ يمكن لهذه الأخيرة ـ التي لا تخلو منها منظومة حية اليوم ـ الحفاظ على استقرار الإلكترونات غير المقترنة(غير المتزاوجة)unpaired، وهي مقدرة تحتاج إليها الخلايا الحية في إنجاز مختلف فعاليات نقل الطاقة. فالكينونات مثلا هي المكونات الفعالة في نباتي الصَّبار aloe والحناء henna.

 

إن المقدرة على نقل الإلكترونات التي تتصف بها هذه الجزيئات العديدة الاستعمالات تؤدي دورا أساسيا في تحويل الضوء إلى طاقة كيميائية في عملية البناء(التركيب)الضوئي photosynthesis. إن هذه المقدرة تبدو أكثر إثارة للاهتمام في إطار سيناريو نشأة الحياة على الأرض، وذلك إذا ما قُرنت بمقدرة الكينونات على امتصاص الإشعاع فوق البنفسجي ـ وهو الخطر المميت الذي يحيق بجزيئات سهلة العطب مثل الأحماض الأمينية. وقد تكون الكينونات غير الأرضية هي التي قامت بدور الدرع الواقية للأرض قبل تطور طبقة الأوزون الواقية الحالية. إضافة إلى أنها قد تكون هي الجزيئات التي استعملتها أشكال الحياة الأولى على الأرض لاقتناص الضوء بغية استخدامه في أشكال بدائية من عملية البناء الضوئي.

 

من الجزيئات إلى الحياة

لقد أتاحت لنا التجارب المختبرية والمراقبات الفلكية معرفة أن الظروف السائدة في الفضاء السحيق والتي تبدو عقيمة قاحلة، تولد مركبات عضوية معقدة تحملها النيازك والغبار الفضائي إلينا حتى الوقت الحاضر. إن إعادة التفكير في مسألة نشوء الحياة في ضوء هذه المعلومات تجعلنا نتوصل إلى أن قدوم الأحماض الأمينية والكينونات والجزيئات الأمفيفيلية ومركبات عضوية غير أرضية أخرى قد يكون السبب في ازدهار الحياة أو على الأقل في تسهيل نمائها. وربما تكون الأحماض الأمينية غير الأرضية هي التي قامت ببناء البروتينات الأولى، وربما أعطت الجزيئات الأمفيفيلية للكينونات المقدرة على استغلال الضوء. ولكن الأدوار الدقيقة التي أدتها هذه المركبات العضوية ليست معروفة تماما. لذا قد تكون المركبات العضوية غير الأرضية مجرد مواد بدئية لتفاعلات كيميائية أعطت جزيئات مختلفة تماما.

 

يمكن للمرء أن يتصور أن جزيئًا سقط من السماء كان قادرا على إحداث تفاعل كيميائي بسيط أو تسريعه، وأن هذا التفاعل كان أساسيا لنشوء الحياة الأولى. وإذا كانت جزيئات الحياة البدئية قد ارتبط بعضها ببعض في الحساء البدائي، فإن الأحماض الأمينية الفضائية ربما تكون قدمت الكميات الضرورية لحدوث التفاعل. وبصورة مشابهة فإن أحداث بناء الحياة في قاع البحر ربما تضمنت مكونات من مركبات غير أرضية كانت تنهمر على المحيط من الفضاء. ولما كانت هذه المكونات قادرة على إنجاز كيمياء الحياة بكفاءة أكبر، لذا فقد يكون وجودها منح ميزة تطورية. ومع مرور الزمن، صار ذلك التفاعل البسيط مدفونا في عمق ما ندعوه اليوم تفاعلا كيميائيا حيويا منظَّما بالبروتين.

 

وبالطبع، لاتزال هناك هوة سحيقة تفصل ما بين أشد المركبات العضوية تعقيدا والكود الوراثي والاستقلاب(الأيض)والتناسخ الذاتي، وهي العناصر الضرورية لتعريف الحياة. ولكن بالنظر إلى وجودها في كل مكان، لو كان لهذه الجزيئات العضوية القادمة من الفضاء صلة بالحياة هنا على الأرض، فذلك يعني أنها كانت ـ ولاتزال ـ جاهزة لتقديم العون على نشوء الحياة في مكان آخر.

 

إن الإشارات التي تدل على وجود ظروف ملائمة للحياة على المريخ وتحت السطح الجليدي لقمر المشتري يوروپا Europa، توحي بأن هناك أمكنة أخرى في منظومتنا الشمسية قد تكون استفادت من الدفق غير الأرضي. وإذا ما أضفنا وجود الجزيئات العضوية المعقدة في كل مكان عبر الفضاء، إلى الاكتشافات الحديثة التي بينت وجود كواكب تدور حول نجوم أخرى، فمن المحتمل أن تكون الظروف المواتية للحياة، إن لم تكن الحياة ذاتها، قد ترسخت أيضا في منظومات شمسية أخرى غير منظومتنا.

 

 المؤلفون

Max P. Bernstein, Scott A. Sandford and Louis J. Allamandola

يعملون في مختبر الكيمياء الفلكية بمركز أبحاث إيمس، بالإدارة القومية لعلوم الطيران والفضاء(ناسا) NASA. بيرنشتاين مقاول يعمل مع (ناسا إيمس) وعضو في معهد البحث عن الحياة العاقلة غير الأرضية في ماونتن ڤيو بكاليفورنيا. ويقوم بمحاكاة الكيمياء العضوية للمذنبات ولحبات الجليد بين النجوم والإنعام في صلتها بأصل الحياة. أما ساندفورد وألاماندولا فهما موظفان مدنيان في ناسا إيمس، حيث يقوم ساندفورد بعمل أصيل على جسيمات الغبار بين الكواكب (البينكوكبية)، وهو محرر مشارك في مجلة علوم النيازك والكواكب، كما أنه باحث مشارك في مهمة ناسا المسماة ستاردست Stardust. أما ألاماندولا فهو مؤسس ومدير مختبر إيمس للكيمياء الفلكية ويتمتع بخبرة عشرين سنة في الدراسات الرائدة عن جليد المنظومة الشمسية وبين النجوم، وهو واضع فرضية الهيدروكربونات العطرية المتعددة الحلقات. ويمكنك التزود بالمزيد عن المؤلفين وأبحاثهم بالرجوع إلى صفحتهم على الإنترنت على العنوان: hettp://web99.arc.nasa.gov/~astrochm.

 

مراجع للاستزادة 

THE ASTROCHEMICAL EVOLUTION OF THE INTERSTELLAR MEDIUM. Emma L. O. Bakes. Twin Press Astronomy Publishers, 1997.

COMETS AND THE ORIGIN AND EVOLUTION OF LIFE. Edited by Paul J. Thomas, Christopher F. Chyba and Christopher P McKay. Springer, 1997.

PASTEUR, LIGHT AND LIFE. John Cronin in Physics World, Vol. 11, No. 10, pages 23-24; October 1998.

UV IRRADIATION OF POLYCYCLIC AROMATIC HYDROCARBONS IN ICES: PRODUCTION OF ALCOHOLS, QUINONES, AND ETHERS. Max P. Bernstein et al. in Science, Vol. 283, pages 1135-1138; February 19, 1999.

Scientific American, July 1999

 

(*)Life’s Far – Flung Raw Materials

(1)interstellar بينجمية.

(2) فكرة طُرحت في القرن التاسع عشر تقول بأن الكون مليء بالمكروبات والأبواغ التي تتنامى حينما تصادف بيئة ملائمة. (التحرير)

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى