أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

التغيرات المناخية الشاملة على كوكب الزهرة

التغيرات المناخية الشاملة على كوكب الزهرة(*)

تغيَّر مناخ الزهرة على مر الزمن، مثله في ذلك مثل مناخ الأرض،

وذلك نتيجة ترابطات اكتُشفت مؤخرا بين النشاطات

الجيولوجية والتغير في الغلاف الجوي.

<A .M. بولوك> ـ <H .D. گرينسپون>

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N2_H03_0063.jpg

قام نظام راداري على متن مسبار الفضاء ماجلان بمسح سطح كوكب الزهرة بميز قدره 120 مترا، فأعطانا أكثر الصور المتوفرة اكتمالا لأي سطح من سطوح الكواكب، بما في ذلك سطح كوكبنا الأرضي. وتظهر هذه الصورة أن هناك منظومة استوائية فسيحة من الجبال والحيود تمتد من مَعْلم «أفرودايت تيرا» Aphrodite Terra الذي يشبه القارة (يسار الوسط)، عبر المرتفعات النيرة المسماة «أتلا ريجيو» Atla Regio (شمالا في أقصى اليمين)، وصولا إلى «بيتا ريجيو» Beta Regio (في أقصى اليمين شمالا). ويتوسط هذه الصورة خط الطول 180 درجة. وقد تم رسمها باستخدام إسقاط جيبي، وهو الذي لا يشوه المنطقة عند خطوط العرض المختلفة، خلافا للإسقاطات التقليدية لرسم الخرائط، مثل الإسقاط المركاتوري(1). أما المناطق المعتمة فهي لتضاريس تعتبر سهلة بمقياس الطول الموجي الراداري (13 سنتيمترا) في حين أن المناطق النيرة هي مناطق وعرة. أما الحزوز الزوالية فهي نتاج صنعي لعملية التصوير.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N2_H03_0064.jpg

أهو نهر على الزهرة؟ تقع هذه الدلتا عند نهاية قناة ضيقة تمتد مسافة 800 كيلومتر عبر السهول البركانية الشمالية. ولا يمكن أن يكون الماء هو الذي نحتها؛ لأن الزهرة حارة وجافة بدرجة يستحيل معها ذلك. وبدلا من ذلك فإن هذه الدلتا ربما تكون من صنع الحمم البركانية الغنية بأملاح الكربونات والكبريتات، مما يوحي بأن متوسط درجة الحرارة كان أعلى بعدة مئات من الدرجات عما هو عليه الآن. ويبلغ طول المنطقة الظاهرة هنا نحو 90 كيلومترا وعرضها نحو 40 كيلومترا.

 

طبوغرافيا

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N2_H03_0065.jpg

تضم طبوغرافية الزهرة تباينا كبيرا في الارتفاعات، إذ يرتفع أعلى هذه المعالم (اللون الأصفر) نحو 13 كيلومترا عن أخفضها (اللون الأزرق). إلا أن ثلاثة أخماس سطح الكوكب يتأرجح ارتفاعه حول 500 متر من السطح العام للكوكب الذي يناظر نصف قطر مقداره 6051.9 كيلومتر للكوكب. وعلى النقيض فإن المعالم الطوبوغرافية على الأرض تتجمع حول مرتفعين متمايزين يمثلان القارات وقيعان المحيطات.

الحفر الصدمية

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N2_H03_0066.jpg

إن الحفر الصدمية تنتشر عشوائيا فوق كافة أنحاء سطح الزهرة. ومعظم هذه الحفر محتفظ بوضعه الأصلي (النقاط البيضاء). أما تلك التي أعيد تشكيلها بفعل الحمم البركانية (اللون الأحمر) أو نتيجة صدوع (المثلثات) فإنها تتركز في أماكن مثل أفرودايت تيرا. وبالنسبة إلى المناطق التي تقل فيها كثافة الحفر (الخلفية الزرقاء) فإنها غالبا ما تكون موجودة في المرتفعات. أما الكثافة الأعلى للحفر (الخلفية الصفراء) فتوجد عادة في سهول الأراضي المنخفضة.

أنواع التضاريس

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N2_H03_0067.jpg

تتألف تضاريس الزهرة في الغالب من سهول بركانية (اللون الأزرق) وهناك داخل هذه السهول مناطق مشوهة مثل مناطق القطع الصغيرة tesserae (اللون الزهري)، ومناطق الأخاديد (اللون الأبيض)، فضلا عن معالم بركانية مثل مناطق الأكاليل coronae (اللون الخوخي)، والطفح البركاني (اللون الأحمر)، والبراكين المختلفة الأحجام (اللون البرتقالي). ولا تتجمع البراكين في سلاسل، كما هي الحال على الأرض، مما يشير إلى أن تكتونية الصفائح لا تعمل.

أعمال التضاريس

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N2_H03_0068.jpg

تُظهِر الخريطة الجيولوجية التضاريس المختلفة وأعمارها النسبية التي تم الاستدلال عليها من كثافة الحفر. فالبراكين ومناطق الأكاليل تميل إلى التجمع على طول مناطق الأخاديد الاستوائية (اللون الأزرق) التي هي أصغر عمرا من سائر أنحاء سطح الكوكب. أما مناطق القطع الصغيرة، والحيود والسهول فهي أكبر عمرا (اللون الأصفر). وبصورة عامة يفتقر سطح الزهرة إلى التنوع الكبير في عمر التضاريس الموجود في كوكبي الأرض والمريخ.

الأرض والزُّهرة كانتا بنفس الحجم والتركيب عندما برزتا إلى الوجود معا من مِرجل ما قبل المنظومة الشمسية. ومع ذلك فقد تطورا فيما بعد إلى عالمين مختلفين اختلافا جذريا. فالحرارة على سطح ذلك الكوكب التوأم لكوكبنا تبلغُ نحو 460 درجة سيلزية، أي إنها مرتفعة بما يكفي لكي تتقد صخورها في عيني الزوار التعساء الحظ الذين يدخل الكربون في أساس تركيبهم. ففي الزهرة يسود نوع فعال ومهلك من الدفيئة (الاحتباس الحراري) يستمدُ أسباب بقائه من غلاف جوي، العنصر الأساسي في تركيبه هو ثنائي أكسيد الكربون، وهو عازل قوي جدا. أما المياه السائلة فهي معدومة الوجود. كما أن الضغط الجوي على سطحه يبلغ نحو 100 ضعف الضغط الجوي على سطح الأرض، فكأن ما يضغط على سطحه هو أحد المحيطات وليس مجرد غلاف جوي. ويشكل خليط من مركبات الكبريت الغازية، مع ما يمكن أن يوجد من بخار الماء القليل، عناصر كيميائية تغذي سحب حمض الكبريتيك التي تغلف الكوكب بأكمله.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N2_H03_0069.jpg

إن التلال المجعدة هي المعلم الأكثر شيوعا فوق السهول البركانية في الزهرة. وهذه السلاسل متوازية، وتبعد عن بعضها بعضا مسافات متساوية، مما يشير إلى أنها تشكلت عندما كانت السهول ككل تخضع لضغط، ربما كان سببه تغير مفاجئ وسريع في درجة حرارة السطح. ويبلغ عرض هذه المنطقة ـ التي هي جزء من السهول الاستوائية المعروفة باسم روسالكا پلانيشيا ـ نحو 300 كيلومتر.

 

هذا الوصف لما يُشبه الجحيم نقله إلينا أسطول مكون من 22 سفينة فضائية إنسالية (روبوتية) قامت بتصوير ومسح وتحليل كوكب الزهرة، وحطت على سطحه خلال السنوات السبع والثلاثين المنصرمة. ومع ذلك ظلت السحب التي تحجب عنا ذلك الكوكب تحول بيننا وبين استكشاف كاملٍ لسطحه خلال معظم تلك السنوات. ولهذا السبب ظلت وجهة نظر العلماء عن كوكب الزهرة ثابتةstatic؛ لأنهم لم يعرفوا سوى القليل عن وجود أي سيرورات ديناميكية، كنشاطات بركانية أو تكتونية، ربما تكون قد حدثت على الكوكب. وقد غيَّرت سفينة الفضاء ماجلان وجهة النظر تلك؛ إذ إنها رسمت بين عامي 1990 و 1994 خريطة لكامل سطح الكوكب بميز عالٍ عن طريق رؤية السطح عبر السحب بوساطة الرادار(2). وقد اكتشفت السفينة ماجلان أن كوكب الزهرة شَهد في الماضي ثورانات بركانية عنيفة، وأن براكينه ماتزال ناشطة بالتأكيد حتى يومنا هذا. وقد جرت محاولة لإعادة تصور البليون سنة المنصرمة من تاريخ مناخ الزهرة عن طريق الجمع بين ما تم الحصول عليه من معلومات عن التاريخ الجيولوجي لهذا الكوكب من السفينة ماجلان ونماذج محاكاة حاسوبية مفصلة. وقد تبين للباحثين أن الثورانات البركانية العنيفة أدت إلى حدوث تغيرات مناخية واسعة النطاق في ذلك الكوكب. ويعلم الفلكيون أن لكوكب الزهرة، مثله في ذلك مثل الأرض، تاريخا مناخيا متطورا ومعقدا خلافا لأي كواكب أخرى.

 

وكوكب المريخ، الجار الآخر للأرض، مرَّ أيضا بتغيرات مناخية مثيرة(3). فغلافه الجوي الآن إنما هو أثر باق من ماضيه الجيولوجي. وباطن المريخ الآن أبرد من أن يسمح بحدوث نشاطات بركانية، فضلا عن أن سطحه يقبع الآن تحت وطأة صقيع عميق. ولكن على الرغم من أن التغيرات في حركة المريخ المدارية والدورانية حول محوره يمكن أن تؤدي إلى حدوث تغير مناخي فيه، فإن النشاط البركاني لن يعود إليه مرة أخرى أبدا. أما الأرض والزهرة فلهما مناخان يحكمهما التفاعل الديناميكي المتبادل بين السيرورات الجيولوجية والجوية.

 

وبما أن الزهرة أقرب الكواكب إلينا في النظام الشمسي فمن الطبيعي والواقعي أن نهتم بها وأن نفكر مليا كيف أن قوى مشابهة لتلك الموجودة على الأرض كان لها مثل تلك النتائج المغايرة على مناخ الزهرة. وقد أدت دراسة ذلك الكوكب إلى توسيع آفاق الأبحاث الخاصة بتطور المناخ لتشمل مناخات أخرى إلى جانب مناخ الأرض، وأعطت العلماء مقارباتٍ جديدةً للإجابة عن أسئلة ملحة؛ ألا وهي: إلى أي مدى يعتبر مناخ الأرض فريدا في نوعه؟ وكم هو مستقر؟ والجنس البشري متورط الآن في امتحان كبير لمناخ الكرة الأرضية اقتضاه التطور التقاني المتنامي للمجتمعات البشرية. وتعتبر معرفة العوامل التي تؤثر في تطور المناخ في كواكب أخرى أمرا حاسما لفهم الكيفية التي تُغير بها القوى الطبيعية والقوى الناجمة عن تطور الإنسان المناخَ في الكرة الأرضية.

 

ويُمكننا أن نضرب مثالا واحدا على ذلك. فقبل زمن طويل من تحول مسألة ثقب الأوزون إلى موضوع عام يثير نقاشات مألوفة بين الناس، كان الباحثون يحاولون أن يتوصلوا إلى فهم للكيمياء الضوئية(4) الغريبة التي تجري في الغلاف الجوي الأعلى لكوكب الزهرة. وقد وجدوا أن الكلور خفَّض من مستويات الأكسجين الحر فوق سحب الكوكب. وأدى توضُّح هذه العملية التي تجري على كوكب الزهرة إلى تسليط الضوء على شبيهتها التي تجري على الأرض، حيث يحطم الكلور ـ المنبعث من مصادر صنعية ـ الأوزون في الغلاف الطبقيstratosphere.

 

المناخ والجيولوجيا

إن مناخ الأرض متغير. ويعود السبب في ذلك جزئيا إلى أن الغلاف الجوي هو نتاج اختلاط مُستمر للغازات ما بين قشرة الأرض ووشاحها والمحيطات والقلنسوتين القطبيتين والفضاء الخارجي. ويعتبر المحرك النهائي للسيرورات الجيولوجية، أي الطاقة الحرارية الجوفية للأرض، بمثابة قوة دافعة إضافية لتطور الغلاف الجوي. فالطاقة الحرارية الجوفية للأرض هي في المقام الأول نتاج اضمحلال العناصر المشعة في باطن الأرض، والمشكلة الرئيسية في دراسة الكواكب المصمتة (الصلبة) هي في فهم الكيفية التي تفقد بها حرارتها، إذ إن هناك آليتين تعتبران السببين الرئيسيين في فُقدان هذه الحرارة وهما: الثورانات البركانية ونشاطات الصفائح (الألواح) التكتونية.

 

إن باطن الأرض يبرد بصورة رئيسية نتيجة لنظام الحزام الناقل الخاص بالصفائح التكتونية، الذي أدى قيامه المستمر بإعادة تدوير الغازات إلى استقرار مناخ الأرض [انظر ما هو مؤطر في الصفحة 22]. فبينما تضخ البراكين الغازات في الجو، تقوم حركة صفائح الغلاف الصخري بإعادتها إلى باطن الأرض. ومع أن معظم ثورانات البراكين ترافقها عادة نشاطات الصفائح التكتونية، إلا أن بعض أضخم البراكين على سطح الأرض، كتلك الموجودة في جزر هاواي، تطورت «كنقاط حارة» مستقلة عن حدود الصفائح. ومن الوجهة التاريخية فإن عمليات تشكل أقاليم بركانية ضخمة (أي مناطق تحدث فيها ثورانات بركانية شديدة ربما تسببها الصهارة(5)  القابلة للطفو الموجودة داخل وشاح الأرض) ربما تكون قد تسببت في إطلاق فيض هائل من الغازات مما أدى إلى فترات من الاحترار (التسخين) الشامل للأرض(6).

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N2_H03_0070.jpg

تأثيرات الدفيئة (الاحتباس الحراري)

تسمح غازات الدفيئة لضوء الشمس بالوصول إلى سطح كوكب الزهرة، ولكنها تحتبس الأشعة تحت الحمراء وتمنعها من الانطلاق نحو الفضاء. فكل من ثنائي أكسيد الكربون (اللون الأحمر) والماء (اللون الأزرق) وثنائي أكسيد الكبريت (اللون الأصفر) يمتص مجموعة معينة من الأطوال الموجية. ولولا هذه الغازات لكان ضوء الشمس والأشعة تحت الحمراء قد وازن أحدهما الآخر عند درجة حرارة سطحية تبلغ نحو _20 درجة سيلزية.

 

ولكن ماذا عن كوكب الزهرة؟ قبل رحلة سفينة الفضاء ماجلان كان معظم التاريخ الجيولوجي لذلك الكوكب يقوم على التحديس ويُستقى من مقارنات مع الأرض ومن تقديرات استقرائية مبنية على تشابه مُفترض بينهما في التركيب وفي إنتاج الحرارة الجوفية. أما الآن فقد بدأت صورة شاملة لتاريخ سطح الزهرة بالظهور. فنشاطات الصفائح التكتونية لا تكاد توجد إلا في أضيق الحدود. ويبدو أن الحرارة كانت تنتقل، في الماضي القريب نسبيا على الأقل، عن طريق اندفاعات حمم بازلتية فوق سهول فسيحة جدا، ومن ثم من البراكين التي نشأت فوق هذه السهول. ولا شك أن فهم تأثيرات البراكين يعتبر نقطة الانطلاق لأي مناقشات حول المناخ.

 

وهناك معلمٌ بارز في سطح كوكب الزهرة وضُح نتيجة مهمة سفينة الفضاء ماجلان، التي اشتملت على إجراء مسح شامل لذلك السطح، وهو ندرة وجود الحفر الصدمية impact craters. فعلى الرغم من أن بإمكان الغلاف الجوي الكثيف لهذا الكوكب أن يقي سطحه من الصوادم impactors  الصغيرة (إذ إنه يحول دون وصول معظم النيازك التي يقل قطرها عن كيلومتر واحد، والتي كانت ستحفر بقعة مقعرة crater يبلغ قطرها 155 كيلومترا) فإن هناك نقصا أيضا في الحفر الأكبر حجما. إن رصد أعداد الكويكبات والمذنبات في النظام الشمسي الداخلي، إضافة إلى عدد الحفر على سطح القمر، يعطينا فكرة تقريبية عن معدل السرعة التي كان ينبغي أن يجمع بها كوكب الزهرة الحفر الصدمية والتي قدرت بنحو 1.2 حفرة كل مليون سنة. أما السفينة ماجلان فلم تر في آخر عملية حصر قامت بها سوى 963 حفرة منتشرة بشكل عشوائي على سطح الكوكب. ويبدو أن الحفر التي أحدثتها الصوادم خلال ال3.7 بليون سنة الأولى من تاريخ الكوكب قد محيت بطريقة ما.

 

إن تفرق الحفر هنا وهناك هو أمر واضح على كوكب الأرض أيضا؛ فقد عملت الرياح والمياه على حتِّها، مما أدى إلى تغيير أشكالها بدرجات متفاوتة. فمنها ما يكاد يحتفظ بشكله الأصلي، مثل الحفرة «السلطانية» (الصحنية) bowlالشكل المعروفة باسم ميتيور كريتر Meteor Crater في أريزونا، ومنها ما يصعب تمييز حدوده مثل حفر ما قبل الكمبري Precambrian المدفونة في القشرة القارية الأقدم. غير أن سطح الزهرة حار إلى درجة لا يمكن معها وجود الماء عليه، كما أن الرياح السطحية معتدلة السرعة. وفي هذه الحالة وفي غياب عملية التحات فإن السيرورة الرئيسية التي تغيِّر الحفر الصدمية وتمحوها في نهاية المطاف لا بد وأن تكون النشاطات البركانية والتكتونية؛ وهنا يكمن التناقض. فمعظم الحفر النيزكية على سطح الزهرة تبدو حديثة، إذ لا توجد حمم إلا على حواف ما نسبته 6 في المئة منها كما أن 12 في المئة فقط قد تصدعت بفعل انثناء قشرة الأرض وتصدعها. فأين إذًا ذهبت جميع الحفر النيزكية القديمة، إذا كان معظم الباقي منها لايزال على حالته الأصلية؟ فإذا كانت قد غطتها الحمم، فلماذا لا نرى مزيدا من الحفر مغطاة جزئيا بالحمم؟ ونتساءل أيضا: كيف أُزيلت بحيث إن وضعها المبدئي العشوائي ظل محفوظا؟

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N2_H03_0071.jpg

تركيزات الغاز

يُزال الماء وثنائي أكسيد الكبريت من الجو بعد أن تنفثهما البراكين. فثنائي أكسيد الكبريت (اللون الأصفر) يتفاعل مع الكربونات على السطح بسرعة كبيرة نسبيا، في حين أن الماء (اللون الأزرق) يتفكك ببطء إلى عنصريه بوساطة الإشعاع الشمسي فوق البنفسجي.

 

يرى بعض الباحثين أن التوزيع العشوائي للحفر، وقلة عدد تلك التي طرأ عليها تغير جزئي إنما يدلان ضمنا على أن حدثا جيولوجيا شاملا قد أزال على نحو مُفاجئ جميع الحفر القديمة قبل نحو 800 مليون سنة. وبموجب هذا السيناريو، الذي اقترحه عام 1992 <G .G. شابر> [من هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية] و<G .R. ستروم> [من جامعة أريزونا] فإن أعدادا من الصدمات نقشت السطحَ الجديد للكوكب منذ ذلك الحين.

 

ولكن فكرة رصف أو تعبيد كوكب بأكمله لا تروق لكثير من الجيولوجيين؛ لأنه لا نظير له على الكرة الأرضية. وبالفعل اقترح <J .R. فيليپس> [من جامعة واشنطن] نموذجا بديلا في السنة ذاتها، وهو النموذج المعروف باسم: إعادة تشكيل السطح التوازنية، الذي يفترض أن السيرورات الجيولوجية الدائمة تمحو باستمرار الحفر النيزكية في مساحات صغيرة، محافظة على توزيع كلي شامل يبدو عشوائيا. ولكن المشكلة في هذا الرأي هي كون بعض المعالم الجيولوجية في الزهرة ضخمة، مما يوحي بأن النشاط الجيولوجي لم يكن ليمحو آثار الحفر النيزكية بشكل تام وعشوائي في كل مكان.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N2_H03_0072.jpg

تتكون التضاريس الشريطية ribbon terrain من أغوار ضحلة جوانبها شديدة الانحدار وقيعانها منبسطة لا يتعدى عمقها 400 متر. ويبدو أن هذه المعالم نجمت عن تكسر طبقة رقيقة هشة من الصخور تعلو طبقة سفلية لينة أضعف منها. ويُظهر المستطيلان الصغيران تكبيرا للمنطقة التي يضمها الإطار الكبير، وقد عُلِّمت الأغوار في أسفل يمين الصورة.

 

وقد احتدم النقاش العلمي حول هاتين النظريتين فيما أصبح تحليل المعلومات التي أرسلتها السفينة ماجلان أكثر تعقيدا. ويبدو أن الحقيقة ربما تقع فيما بين هاتين الرؤيتين. فقد أُدمجت عناصر من كلا النموذجين في التفسير السائد للتاريخ الجيولوجي لكوكب الزهرة خلال البليون سنة المنصرمة، أي إن النشاط البركاني المكثف الشامل محا غالبية الحفر النيزكية وكوّن السهول البركانية الشاسعة منذ 800 مليون سنة، تبعتها بعد ذلك نشاطات بركانية على مستوى أقل استمرت حتى وقتنا الراهن.

 

قشرة من الكارامِلْ المغطى بالشوكولا

على الرغم من أنه ليس هناك شك في أن النشاطات البركانية كانت قوة رئيسية في تشكيل سطح الزهرة، فإن تفسير بعض المعالم الجيولوجية الغامضة ظل حتى وقت قريب عصيا على تكوين صورة متكاملة ومتوائمة منطقيا لتطور الكوكب. فبعض تلك المعالم تشير إلى أن مناخ الكوكب ربما يكون قد تغير بصورة عنيفة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N2_H03_0073.jpg

الغطاء الغيمي

في أعقاب سلسلة من الثورانات البركانية الشاملة يتفاوت سمك سحب أكسيد الكبريت الحمضية. ففي البداية يزداد سمك هذه السحب نتيجة لانطلاق الماء وثنائي أكسيد الكبريت في الجو؛ إلا أنها ما تلبث أن تتبدد عندما تقل هذه الغازات. وقد حلت سحب مائية عالية رقيقة محل السحب الحمضية بعد نحو 400 مليون سنة على بدء النشاطات البركانية.

 

فهناك أولا عدة سمات مميزة لافتة للنظر، إذ إن سطحه يبدو شبيها بالتضاريس الأرضية التي نحتتها المياه. فعلى امتداد رقعة يصل طولها إلى نحو 7000 كيلومتر هناك ما يشبه الأنهار المتعرجة والرَّقات(7) على سطح الأرض، ينتهي العديد منها في مَسِيلات outflow channels تبدو وكأنها دلتا الأنهار. ولكن الجفاف الشديد في بيئة كوكب الزهرة يجعل من المستبعد تماما أن تكون المياه هي التي خطَّت (نحتت) تلك المعالم. إذًا، ما الذي خطها؟ ربما تكون كربونات الكالسيوم وكبريتات الكالسيوم وأملاح أخرى مسؤولة عن ذلك. وكان ينبغي أن يكون سطح الزهرة، المتوازن مع غلاف جوي ثقيل من ثنائي أكسيد الكربون الممزوج بكميات من غازات الكبريت، متخما بهذه المواد. وفي واقع الأمر فإن كبسولة الفضاء السوڤييتية ڤينيرا Venera وجدت أن صخور سطح الكوكب تضم ما بين 7 و 100 في المئة معادن كالسيوم (تكاد تكون حتما من كربونات الكالسيوم) إضافة إلى نسبة تتراوح ما بين واحد وخمسة في المئة كبريتات.

 

وتنصهر الحمم البركانية المحملة بهذه الأملاح في درجات حرارة تزيد ما بين بضع عشرات وبضع مئات من الدرجات على درجات الحرارة السائدة حاليا على سطح الزهرة. وقد افترض <S .J. كارگل> [من هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية] والعاملون معه أن مكامن هائلة من صُهارة الكاربوناتيت (المشبعة بالأملاح)، مشابهة للطبقات الصخرية الخازنة للماء على كوكب الأرض، ربما تكون موجودة على عمق يتراوح بين بضع مئات من الأمتار وعدة كيلومترات تحت سطح الزهرة. وتفترض هذه النظرية أن درجات حرارة السطح في الماضي، والتي كانت أعلى نوعا ما مما هي الآن، أراقت الحمم السائلة المشبعة بالأملاح على السطح، حيث استقرت فترة كافية سمحت بنحت المعالِم التي نراها حاليا.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N2_H03_0074.jpg

درجة الحرارة

تعتمد درجة حرارة السطح على الأهمية النسبية للسحب ومفعول الدفيئة. ففي البداية ينجم عن البراكين سحب سميكة تعمل على تبريد السطح. ولكن نظرا لأن جو الزهرة يفقد ماءه بسرعة أقل من فقدانه ثنائي أكسيد الكبريت، فإن مفعول الدفيئة يعمل من ثم على تسخين السطح.

 

وهناك ثانيا، القطع الصغيرة الغامضة ـ وهي أقدم التضاريس على سطح الزهرة ـ والتي توحي بأن درجات حرارة أعلى كانت سائدة في الماضي. وتقع هذه الأراضي الشديدة التغضن فوق نجود (هضاب) قشرية تشبه القارات، ترتفع عدة كيلومترات فوق سهول اللابة (الحمم البركانية) المنخفضة. ويشير تحليل أجراه فيليپس و<L.V. هانسن> [من جامعة ثاثرن ميثوديست] إلى أن هذه النجود تشكلت نتيجة تمدد الغلاف الصخري للزهرة (أي الهيكل الخارجي الجاسئ للكوكب المؤلف من القشرة والوشاح الأعلى).

 السيرورة بمثابة بسط كارامِل مغطى بالشوكولا، لزج من الداخل، تغطيه قشرة رقيقة هشة. أما اليوم فإن الجزء الخارجي الهش من الغلاف الصخري سميك إلى درجة لا يمكن معها أن ينحو هذا النحو. ولا بد أن هذا الجزء كان أرق عندما تشكلت تلك القطع الصغيرة، مما يوحي بأن درجة حرارة سطح الكوكب كانت أعلى بكثير.

 

وهناك أخيرا، شقوق وطيات تشكل شبكة متقاطعة فوق سطح الكوكب. وربما كانت بعض هذه النماذج على الأقل، ولا سيما ما يُسمى منها بالتَلاّت المتجعدة، تعود إلى تغيرات زمانية في المناخ، وقد جادلنا (نحن كاتبي هذا المقال) إضافة إلى <C.S. سولومون> [من معهد كارنيگي في واشنطن] عددا من العلماء بأن السهول تحافظ على أحداث شاملة مترابطة أدت إلى تشوهات، ربما تكون قد وقعت خلال فترات قصيرة من التاريخ الجيولوجي للكوكب. ونعني بذلك أنه يبدو أن الغلاف الصخري انبسط كله أو انضغط كله في الوقت نفسه. ومن الصعوبة بمكان تصور آلية داخلية في الكوكب المُصمت بإمكانها أن تفعل ذلك. ولكن ماذا عن التغير المناخي الشامل في الكوكب؟ لقد قدر سولومون أن الضغوط التي حدثت في الغلاف الصخري للزهرة بسبب تقلبات في درجة حرارة السطح تصل إلى نحو 100 درجة سيلزية ربما بلغت نحو 1000 بار(8)، أي ما يعادل الضغوط التي تشكل أحزمة الجبال على الأرض، وتلك الضغوط كافية لتشويه سطح الزهرة بالشكل الذي نراه.

 

ما سبب كون الزهرة حفرة جحيم؟

ترتبط الاختلافات المذهلة بين مناخي الأرض والزهرة حاليا ارتباطا وثيقا بتاريخ المياه في هذين العالمين. فالمياه الموجودة في محيطات الأرض و جوها تعادل 000 100 ضعف المياه الموجودة في جو الزهرة. وحيث إن المياه السائلة تقوم بدور الوسيط في التفاعلات بين ثنائي أكسيد الكربون والصخور السطحية، فإن بإمكان هذا الغاز الموجود في الهواء أن يشكل معادن. وعلاوة على ذلك، فإن تسرب الماء إلى وشاح الأرض القابع تحته واختلاطه به كان مسؤولا عن تكون تلك الطبقة القليلة اللزوجة المعروفة باسم نطاق الانسيابasthenosphere  والتي تنزلق عليها صفائح  الغلاف الصخري. إن تكون معادن الكربونات وهبوطها بعد ذلك على الصفائح التكتونية حالا دون تراكم ثنائي أكسيد الكربون وبلوغه التراكيز التي نراها على كوكب الزهرة.

ومع ذلك فإن نماذج تكوّن الكواكب تتنبأ بأنه كان على الأرض والزهرة أن تحظيا بنفس كمية المياه تقريبا نتيجة لاصطدام الأجسام الجليدية القادمة من النظام الشمسي الخارجي بهما. وفي واقع الأمر فإن مركبة الفضاء پايونير ڤينوس عندما دخلت مدارها حول الزهرة عام 1978 قامت بقياس نسبة الديوتريوم (الهيدروجين الثقيل) إلى الهيدروجين العادي في مياه سُحب الزهرة فكانت النسبة مثارا للدهشة، إذ بلغت 150 ضعفَ النسبة الموجودة في جو الأرض(9).والتفسير الأكثر احتمالا لذلك هو أن مياه الزهرة كانت في الماضي أكثر بكثير مما هي عليه الآن ولكنها فُقِدت. كما كان الهيدروجين والديوتريوم المتكافئان كيميائيا، مرتبطين بإحكام في جزيئات الماء. وعندما تصاعد بخار الماء إلى طبقات الجو العليا، فإن أشعة الشمس فوق البنفسجية فككته إما إلى الأكسجين والهيدروجين وإما الأكسجين والديوتريوم. ونظرا لأن الهيدروجين هو الأخف فإنه يتسرب إلى الفضاء بسهولة أكبر من تلك التي يتسرب بها الديوتريوم. وهكذا تزداد نسبة الديوتريوم في الجو.

ولكن لماذا تحدث هذه السيرورة في الزهرة وليس في الأرض؟ لقد أظهر <P .A. إنجرسول> [من معهد كاليفورنيا للتقانة] عام 1969 أنه لو كانت الطاقة الشمسية المتاحة لكوكب ما كبيرة بما يكفي، فإن أي مياه على سطحه ستتبخر بسرعة. وستؤدي الكميات الإضافية من بخار الماء إلى تسخين الجو وإلى إحداث ما أسماه: تأثير الدفيئة الشاردة. إن هذه السيرورة من شأنها أن تنقل معظم مياه الكوكب إلى أعالي الغلاف الجوي، حيث تتفكك في نهاية الأمر إلى عنصريها الرئيسيين وتُفقد إلى الأبد. وقد طور <F .J. كاستينگ> [من جامعة ولاية بنسلڤانيا] والعاملون معه في وقت لاحق نموذجا أكثر تفصيلا لتأثير الدفيئة الشاردة(10)، وتوصلوا إلى نتيجة مفادها أن الدفق الشمسي الحرج المطلوب لإطلاق دفيئة شاردة هو أكبر بنحو 40 في المئة من الدفق الشمسي الحالي على كوكبنا الأرضي. وتتوافق هذه القيمة تقريبا مع الدفق الشمسي المفترض في المدار الذي اتخذته الزهرة بعد فترة قصيرة من تشكلها عندما كانت الشمس أضعف مما هي عليه الآن بنحو 30 في المئة. إن ما يعادل مياه أحد محيطات كوكب الأرض كان يمكن أن يتلاشى من كوكب الزهرة خلال الثلاثين مليون سنة الأولى من عمرها.

وموطن الضعف في هذا النموذج هو أنه إذا كان للزهرة جو سميك من ثنائي أكسيد الكربون في وقت مبكر من وجودها، كما هي الحال الآن، لكان الكوكب قد احتفظ بالكثير من مياهه. فكمية المياه المفقودة تعتمد على تلك النسبة التي يمكن أن ترتفع إلى علو كاف لكي تتفكك إلى عنصريها الرئيسيين، وهي نسبة ضئيلة في كوكب ذي غلاف جوي سميك. إضافة إلى ذلك، فإن السّحب التي تتكون خلال تلك السيرورة ستعمل على عكس أشعة الشمس إلى الفضاء وإيقاف عمل الدفيئة الشاردة.

ولهذا أخذ فريق كاستينگ بعين الاعتبار احتمال أن الدفق الشمسي كان أقل بقليل من القيمة الحرجة. وبموجب هذا السيناريو كانت هناك محيطات حارة وغلاف طبقي رطب في الزهرة. وكانت البحار تحتفظ بمستويات منخفضة من ثنائي أكسيد الكربون عن طريق إذابة الغاز وتعزيز عملية تشكل الكربونات. وربما قامت المياه بعملية تزليق lubrication  في  نطاق الانسياب مما أدى إلى تفعيل نشاط الصفائح التكتونية. وباختصار فإن الزهرة كانت تتمتع بآليات لاستقرار المناخ مشابهة لتلك الموجودة على الأرض في وقتنا الراهن. ولكن تلك الآليات لم تكن مضمونة الاستمرار بحيث لا تتعطل بحال من الأحوال، إذ إن الكثافة في الطبقة السفلى من الغلاف الجوي لم تكن كافية لمنع المياه من الانتشار إلى ارتفاعات عالية. وهكذا فإن كمية من المياه كانت تكفي لتكوين محيط كامل قد تلاشت على مدى 600 مليون سنة، مما أدى إلى توقف تكتونية الصفائح عن العمل تماما، تاركة النشاط البركاني والتوصيل الحراري كآليات لتبريد جوف الكوكب ومن ثم إلى تراكم غاز ثنائي أكسيد الكربون في الهواء فيما بعد.

إن هذه الصورة، التي سميت الدفيئة الرطبة، توضِّح التآثر المعقد بين التغيرات الشمسية والمناخية والجيولوجية. ذلك أن بإمكان السيرورات الجوية والسطحية أن تعزز إحداها الأخرى وأن تحميا الوضع القائم وتحافظا على استمراريته، أو أن تتآمرا عليه فتقودا إلى تدميره. وإذا ما صحّت هذه النظرية، فإن كوكب الزهرة ضم محيطات، وربما حتى سمح بالحياة في زمن ما، غير أن التيقن من ذلك أمر مستحيل.

 

وفي الوقت الذي كان النقاش محتدما حول التاريخ الجيولوجي الحديث لكوكب الزهرة، كنا نعمل على إعداد نموذج مفصل لغلافه الجوي. وتكشف النظرية المستقاة من النموذج عن أن الظروف الغريبة وغير المواتية استمرت بفعل الخواص المتتامة لمكونات جو الكوكب. فبخار الماء، حتى ولو كان بمقادير ضئيلة، يمتص الأشعة تحت الحمراء في أطوال موجية لا يتمكن ثنائي أكسيد الكربون من امتصاص هذه الأشعة فيها. كما أن ثنائي أكسيد الكبريت وغيره من غازات الكبريت تعترض طريق أطوال موجية أخرى للأشعة دون الحمراء [انظر الشكل الأيمن في أسفل الصفحة 21]. وهكذا فإن هذين الغازين من غازات الدفيئة يتآمران معا لجعل جو الزهرة شفافا جزئيا بحيث يسمح للإشعاع الشمسي بالوصول إلى الكوكب، ولكنه يصبح تقريبا من العتامة بحيث لا يسمح للإشعاع الحراري المرتد بالنفاذ إلى الفضاء. وهكذا فإن درجة حرارة سطح الزهرة (المقاسة بالمقياس الكلڤيني)(11) هي ثلاثة أضعاف ما كانت ستكون عليه لو كان الكوكب بلا غلاف جوي. وهذه نسبة عالية جدا إذا ما قورنت بتأثير الدفيئة على الأرض الذي يرفع من درجة الحرارة السطحية بنسبة 15 في المئة فقط.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N2_H03_0075.jpg

يعاني جو الزهرة درجات حرارة تُشبه درجة حرارة الفرن وضغوطا هائلة وسحبا من حمض الكبريتيك (H2SO4). والسبب في ذلك هو افتقار الكوكب للدورات التي تعمل على استقرار الأحوال في جو الأرض. فالسيرورات الجوية في الزهرة تعمل باتجاه واحد. فعندما تطلق البراكين ثنائي أكسيد الكربون (CO2) في الجو فإنه يبقى فيه. وعندما يتفكك الماء (H2O) بفعل الأشعة فوق البنفسجية، يُفقد إلى الأبد في أعماق الفضاء. أما ثنائي أكسيد الكبريت (SO2) الذي كان منحبسا في المعادن في السابق، فإنه يتراكم على السطح (مع أن كمية قليلة منه يُعاد تدويرها).

 

وإذا كانت البراكين هي التي أعادت في الحقيقة رصف سطح الزهرة قبل 800 مليون سنة، فلا بد أنها قد حقنت الجو أيضا بكميات هائلة من غازات الدفيئة في وقت قصير نسبيا. وهناك تقدير معقول مفاده أن البراكين نفثت من الحمم ما يكفي لتغطية سطح الكوكب بطبقة يتراوح سُمكها بين كيلومتر واحد وعشرة كيلومترات. وفي تلك الحالة لا يمكن أن تكون كمية ثنائي أكسيد الكربون في الجو قد تغيرت؛ لأنها كانت موجودة مسبقا بكميات كبيرة. إلا أن وفرة بخار الماء كانت ستزداد إلى عشرة أضعافها في حين ستزداد وفرة ثنائي أكسيد الكبريت إلى مئة ضعف. وقد قادنا افتتاننا البالغ بما قد تعنيه هذه المعلومات إلى وضع نموذج لمناخ الكوكب باعتباره منظومة مترابطة من السيرورات، تشمل تحرير الغازات من البراكين، وتكوُّن السحب، وفقدان الهيدروجين من أعلى الغلاف الجوي، وتفاعلات الغازات الجوية مع معادن السطح.

 

إن التآثر (التفاعل) بين هذه السيرورات قد يكون دقيقا. فعلى الرغم من أن ثنائي أكسيد الكربون وبخار الماء وثنائي أكسيد الكبريت كلها تسخن السطح، فإن للأخيرين تأثيرا موازنا وهو تكوين السحب. فزيادة تركيزات بخار الماء وثنائي أكسيد الكبريت لا تعمل فقط على تعزيز تأثير الدفيئة، بل إنها تعمل أيضا على زيادة سمك السحب التي تعكس أشعة الشمس إلى الفضاء مما يؤدي إلى تبريد الكوكب. وبسبب هذه التأثيرات المتضادة، لا يبدو واضحا لنا ما الذي أحدثه حقن الجو بهذين الغازين في المناخ على الكوكب.

 

الرسم المنظوري للكوكب

توحي نماذج المحاكاة الحاسوبية التي وضعناها بأن السحب كانت فاعلة في البداية، فبرد سطح الكوكب بنحو 100 درجة سيلزية، إلا أنها تبددت ببطء بعد ذلك. فقد انتشر الماء إلى ارتفاعات أعلى في الغلاف الجوي، حيث تفكك بفعل أشعة الشمس فوق البنفسجية، وتسرب الهيدروجين ببطء إلى الفضاء وفقدَ جو الكوكب نصفه خلال 200 مليون سنة. وفي غضون ذلك كان ثنائي أكسيد الكبريت يتفاعل مع الصخور الكربوناتية. وقد أوضحت تجارب مختبرية أجراها<B. فيگلي، جونير> [من جامعة واشنطن] وزملاؤه، بأن الكربونات تتشرب ثنائي أكسيد الكبريت الموجود في غلاف الزهرة الجوي بسرعة أكبر بكثير من السرعة التي يفقد فيها الجو ماءه في الفضاء.

 

وعندما رقَّت السحب، أتيح لمزيد من الطاقة الشمسية الوصول إلى سطح الكوكب وتسخينه، وبعد مضي 200 مليون سنة أو نحو ذلك، ارتفعت درجات الحرارة إلى حد كاف للبدء بتبخير السحب من الأسفل. وتبع ذلك تغذية استرجاعية إيجابية، فكلما ازداد تآكل السحب، قل انعكاس ضوء الشمس إلى الفضاء، وبالتالي ازدادت درجة حرارة السطح، وازداد تبخر السحب من الأسفل، وهكذا دواليك. وبهذه الطريقة اختفت بسرعة مجموعات السحب الهائلة. وطوال نحو 400 مليون سنة كان كل ما يوجد من هذه السحب هو عبارة عن سحب رقيقة عالية مترامية الأطراف مكونة في معظمها من الماء. وكانت درجات حرارة السطح تزيد 100 درجة سيلزية عما هي عليه في وقتنا الراهن؛ نظرا لأن وفرة بخار الماء في الجو كانت ما تزال كبيرة نسبيا، كما أن السحب الرقيقة كانت تسهم في مفعول الدفيئة من دون أن تعكس الكثير من الطاقة الشمسية إلى الفضاء. وفي آخر الأمر، وبعد نحو 600 مليون سنة على بدء النشاطات البركانية الشاملة في الكوكب، وفي غياب المزيد من النشاط البركاني، كان لا بد من اختفاء السحب تماما.

 

ونظرا لأن جو الكوكب كان يفقد ثنائي أكسيد الكبريت وبخار الماء باستمرار، فإن وجود السحب كان يتطلب استمرارية في النشاط البركاني لتعويضهما. وقد أجرينا حسابات تدل على أنه لا بد وأن البراكين كانت أكثر نشاطا خلال الثلاثين مليون سنة الماضية لدعم السحب الكثيفة التي نراها في وقتنا الراهن. ونظرا لأن السيرورات الباطنية التي تولد النشاط البركاني السطحي تحدث على فترات تزيد على عشرات الملايين من السنين، فإن البراكين في الزهرة ربما لاتزال ناشطة. وينسجم هذا الاكتشاف مع أرصاد جرت لكميات متغيرة من ثنائي أكسيد الكبريت في جو الزهرة. ففي عام 1984 لاحظ <W .L. ايسپوسيتو> [من جامعة كولورادو في بولدر] أن تركيزات ثنائي أكسيد الكبريت في قمم السحب تناقصت بما يزيد على عشرة أضعاف خلال السنوات الخمس الأولى من مهمة پيونير ڤينوس Pioneer Venus بين عامي 1978 و 19833. واستنتج من ذلك أن التغيرات في هذا الغاز وما يرافقه من جزيئات سديمية كانت نتيجة للنشاط البركاني. فضلا عن ذلك فإن التقلبات في درجات حرارة السطح، التي تحدثها النشاطات البركانية، هي بدورها تفسير طبيعي للعديد من المعالم الغامضة التي اكتشفتها السفينة ماجلان.

 

ومن حسن الحظ فإن مناخ الأرض لم يعانِ نفس هذه الحَدِيّات المتطرفة في الماضي الجيولوجي الحديث. فعلى الرغم من تأثره بالنشاطات البركانية فإن جو الأرض الغني بالأكسجين (الذي يزوده كل من النباتات ووفرة المياه) يزيل بسرعة غازات الكبريت. لذا فإن سُحب الماء تعتبر عاملا رئيسيا في التوازن الحراري لكوكبنا. وكمية بخار الماء المتاحة لتشكيل هذه السحب تحددها عملية التبخر من المحيطات، التي تعتمد بدورها على درجة الحرارة السطحية. وبالتالي فإنه إذا ما طرأت زيادة طفيفة على مفعول الدفيئة فإن ذلك يؤدي إلى دفع مزيد من الماء إلى الجو مما يؤدي بدوره إلى مزيد من الغطاء الغيمي. وهكذا فإن زيادة قدرة الغطاء الغيمي على عكس أشعة الشمس نحو الفضاء تقلل من كمية الطاقة الشمسية القادمة إلى الأرض وبالتالي من درجة الحرارة. وتعمل هذه التغذية الاسترجاعية السلبية كمنظم للحرارة بغرض الحفاظ على درجة حرارة السطح معتدلة على مدى فترات قصيرة تتراوح بين أيام وسنوات. وهناك أيضا عملية تغذية استرجاعية مشابهة هي دورة الكربونات ـ السيليكات، التي تعمل أيضا على استقرار كمية ثنائي أكسيد الكربون في الجو. وتعمل هذه الآلية، التي تحكمها السيرورة البطيئة لتكتونية الصفائح، على مدى مقياس زمني مدته نحو نصف مليون سنة.

 

إن هذه الدورات اللافتة للنظر، والتي شاركت فيها الحياة والمياه، أنقذت مناخ الكرة الأرضية من الانحرافات المفرطة التي عاناها مناخ كوكب الزهرة. ومع ذلك فإن هناك تأثيرات لتطور الإنسان على مناخ الأرض، وهي تأثيرات تعمل على مدى مقاييس زمنية متوسطة. فلقد ارتفعت وفرة غاز ثنائي أكسيد الكربون في جو الأرض بمقدار الربع منذ عام 1860. وعلى الرغم من أن جميع الباحثين تقريبا يوافقون على أن هناك احترارا شاملا للكرة الأرضية يحدث الآن، فإن النقاش مازال محتدما حول النسبة منه التي يسببها حرق الوقود الأحفوري وتلك التي تحدثها التغيرات الطبيعية. ولكن ليس معروفا حتى الآن ما إذا كانت هناك كمية حرجة من ثنائي أكسيد الكربون في الجو من شأنها أن تُربك دورات تنظيم مناخ الأرض. ومع ذلك فإن هناك شيئا واحدا أكيدا وهو: إن مناخ الكواكب الشبيهة بالأرض يمكن أن يتعرض لتحولات مفاجئة بسبب التآثرات بين السيرورات التي تجري على مستوى الكوكب كله [انظر ما هو مؤطر في الصفحة 22]. وفي المدى البعيد، فإن مصير الأرض محتوم. فكلما تقدمت الشمس في العمر زاد سطوعها. فبعد نحو بليون سنة ستبدأ المحيطات بتبخير المياه بسرعة، وسيصبح المناخ في قبضة دفيئة شاردة. وهكذا فإن كوكبي الأرض والزهرة، اللذين بدآ كتوأمين متشابهين، ثم تباينا، قد يبدوان في يوم ما متشابهين مرة أخرى.

 

ونتذكر، نحن أطفال الستينات، تلك النظرة اليوطوبية(12) (المثالية) التي وُعدنا بموجبها بالنجاح والازدهار عندما نكبر بفضل تقدم العلوم والتقانة. فقد كانت قدرة الأرض على تزويدنا بالمواد الأولية وامتصاص النفايات تبدو حينذاك بلا حدود. ولا شك أن أهم تغير من بين جميع التغييرات الهائلة الذي حققها العلم في العقود القليلة الماضية كان تغيير نظرتنا إلى البيئة بإدراكنا أن كوكبنا الأرضي، على الرغم من أنه موطن ذو عطاء كريم إلا أنه كرم له حدود. وقد تم اكتساب هذا المنظور من الإدراك المتزايد بأن بإمكان المنتجات الثانوية التي تخلِّفها الصناعات أن تغير مناخ كوكبنا(13). ومع أن دراسة كوكب الزهرة قد تبدو أمرا غريبا، إلا أنها ضرورية في بحثنا عن المبادئ الأساسية التي تحكم التغير المناخي، وبالتالي فهم مواطن الضعف أو القوة في العالم الذي نعيش فيه.

 

 المؤلفان

Mark A. Bullock – David H. Grinspoon

عالمان في مجال الكواكب بجامعة كولورادو في بولدر. بدأ بولوك عمله بدراسة سبب إبادة المركِّبات العضوية في كوكب المريخ، ويعمل حاليا على تحليل سبب تدمير الأحوال المناخية اللطيفة في كوكب الزهرة. ويحرص بولوك على الخروج ليلا مع ابنيه شين وبرايان ليريهما نقاط الضوء التي يدرسها. أما گرينسپون فيدرس الحياة على الكواكب وتطور الأجواء الكوكبية. كما أنه عضو في اللجنة الفرعية لاستكشاف النظام الشمسي، التي تقدم النصح إلى الوكالة ناسا حول السياسة الفضائية.

 

مراجع للاستزادة 

THE STABILITY OF CLIMATE ON VENUS. Mark A. Bullock and David H. Grinspoon in Journal of Geophysical Research, Vol. 101, No. E3, pages 7521-7530; March 1996.

VENUS II: GEOLOGY, GEOPHYSICS, ATMOSPHERE, AND SOLAR WIND ENVIRONMENT. Edited by Stephen W. Bougher, Donald M. Hunten and Roger J. Phillips. University of Arizona Press, 1997.

VENUS REVEALED: A NEW LOOK BELOW THE CLOUDS OF OUR MYSTERIOUS TWIN PLANET. David H. Grinspoon. Perseus Books, 1997.

THE NEW SOLAR SYSTEM. Fourth edition. Edited by J. Kelly Beatty, Carolyn Coffins Petersen and Andrew Chaikin. Cambridge University Press, 1998.

An interactive atlas of Venus is available at wwwess.ucla.edu/hypermap/ Vmap/top.html on the World Wide Web.

Scientific American, March 1999

 

(*) Global Climate Change on Venus

(1) طريقة في رسم الخرائط تمثل فيها خطوط الطول والعرض بخطوط مستقيمة وليس بخطوط منحنية.

(2) [انظر :The Surface of Venus,” by R. Stephen Saunders”

Scientific American, December 1990]

(3) [انظر: «التغيرات المناخية الشاملة في المريخ»، مجلة العلوم، العدد 5(1997)، ص 40].

(4) فرع من الكيمياء يبحث في أثر الطاقة المشعة في إحداث التغييرات الكيميائية. (التحرير)

(5) الصُّهارة: المواد الصخرية المنصهرة في باطن الأرض والتي ينشأ الصخر البركاني عنها عندما تبرد.

(6) [انظر:Large Igneous Provinces,” by M. F. Coffin – O. Eldholm”

Scientific American, October 1993]    (التحرير)

(7) ج: رَقّة، وهو السهل الناشئ عن الأتربة التي تخلفها مياه الفيضان. (التحرير)

(8) وحدة لقياس الضغط الجوي تساوي مليون «داين» في السنتيمتر المربع.

(9) [انظر: «البعثة الريادية إلى الزهرة»، مجلة العلوم، العددان 6/7(1997)، ص 54].

(10) [انظر: «كيفية تطور المناخ على الكواكب الأرضية»، مجلة العلوم، العدد 8(1989)، ص 63].

(11) هو ميزان الحرارة المطلقة. وتعادل درجة الصفر فيه -273.16 سيلزية.

(12) أفكار تنادي بإصلاحات اجتماعية وسياسية مثالية إلى حد يتعذر معه تطبيقها.

(13) [انظر: Global Warming Trends,” by Ph. D. Jones – T. M. L. Wigley”

Scientific American, August 1990]   (التحرير)

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى