أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

الكواكب المهاجرة

الكواكب المهاجرة(*)

هل كان شكل النظام الشمسي دائما كما هو عليه الآن؟

ثمة أدلة جديدة تشير إلى أن الكواكب الخارجية ربما تكون

ارتحلت إلى أفلاكها الحالية من أماكن أخرى.

<R. مالهوترا>

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N3_H02_00172.jpg

ارتحل كوكب نپتون المتكون حديثا وسط حشد من الأجسام الصغيرة الصخرية والجليدية تسمى كويكبات (الصفحة المقابلة). ومع أن بعضها قد صدم نپتون، فإن معظمها تبعثر بفعل ثقالة نپتون باتجاه المشتري الذي قذفها إلى خارج النظام الشمسي (في الأعلى). وفي عملية بعثرة نموذجية اكتسب نپتون طاقة، وانتقل مساره بحركة لولبية نحو الخارج انتقالا طفيفا جدا. وربما سببت بلايين من المواجهات المماثلة هجرة الكوكب إلى مداره الحالي.

 

من السمات المرئية المألوفة للنظام الشمسي أن كل كوكب يسير حول الشمس في مداره (فلكه) المحدد تماما، بحيث يحافظ على مسافات مقننة تفصله عن جيرانه. وقد حافظت الكواكب على دورانها السماوي هذا منذ أن بدأ الفلكيون بتسجيل حركاتها، كما أن النماذج الرياضياتية تبين أن هذا التشكيل المستقر تماما لمدارات هذه الكواكب ظل موجودا طوال كامل تاريخ النظام الشمسي الذي يقدّر طوله بنحو 4.5 بليون سنة. ومن ثم فمن الطبيعي الافتراض أن الكواكب «وُلِدَتْ» في المدارات التي نرصدها الآن فيها.

 

ومما لا شك فيه أن هذه هي أبسط الفرضيات. وقد قبل الفلكيون المعاصرون عموما أن المسافات المرصودة التي تفصل الكواكب عن الشمس تحدد أماكن ولادتها في السديم الشمسي، وهو القرص البدائي من الغاز والغبار الذي نتج النظام الشمسي منه. وقد وفرت أنصاف أقطار مدارات الكواكب الوسيلة لاستنتاج توزع الكتل داخل السديم الشمسي. واستنادا إلى هذه المعلومات الأساسية، استخلص العلماء النظريون وجود قيود على طبيعة تكوّن الكواكب وعلى المُدَد التي استغرقتها في تكوّنها. ومن ثَمّ فإن قدْرا كبيرا من فهمنا لبواكير تاريخ النظام الشمسي يُبْنى على الفرضية التي مفادها أن الكواكب تكوّنت أصلا في مداراتها الحالية.

 

بيد أنه من المقبول على نطاق واسع أن كثيرا من الأجسام الأصغر حجما في النظام الشمسي ـ النجميات والمذنبات وأقمار (توابع) الكواكب ـ غيّرت مداراتها خلال الأربعة بلايين سنة ونصف البليون السابقة، وأن هذه التغيرات كانت، في بعض الحالات، أكثر إثارة مما هي في حالات أخرى. وهلاك مذنب شوميكر-ليڤي 9 Shoemaker-Levy إثر صدمه لكوكب المشتري عام 19944 يمثل دليلا ساطعا على الطبيعة الدينامية (التحريكية) لبعض أجسام النظام الشمسي. بل إن ثمة أجساما أصغر ـ تقدّر أقطارها بالمكرونات والمليمترات، كالجسيمات بين الكوكبية التي تنفصل عن المذنبات والنجميات ـ تخضع لتغيرات مدارية تدريجية، إذ تتحرك حركة لولبية سلسة نحو الشمس ثم تستقر على بعض الكواكب التي تصادفها.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N3_H02_00173.jpg

 

وفضلا على ذلك، فقد تغيرت مدارات أقمار الكواكب تغيرا كبيرا منذ تكوّنها. وعلى سبيل المثال، يُعتقد أن القمر تكوّن بعيدا عن الأرض بمسافة قدرها 30000 كيلومتر (00 186 ميل) ـ لكنه يبعد عنها الآن

000 384كيلومتر. لقد تراجع القمر بنحو000 100 كيلومتر في البليون سنة السابقة فقط بسبب القوى المدّيّة [وهي عزوم دوران (ازدواجات) torques  تثاقلية  صغيرة] التي تمارسها أرضنا. كذلك، فإن كثيرا من توابع الكواكب الخارجية تدور واحدة إثر الأخرى لا تفصل بينها مسافات كبيرة. فمثلا، إن الدورة المدارية لگانيميد Ganymede، وهو أكبر أقمار المشتري، تعادل ضعف الدورة المدارية ليوروپا Europa الذي تبلغ دورته المدارية ضعف الدورة المدارية لأيو Io. ويُعتقد أن هذا التزامن الدقيق هو نتيجة لتطور تدريجي في مدارات التوابع سبّبته القوى المدية التي تمارسها الكواكب على التوابع التي تدور حولها.

 

وحتى عهد قريب، لم يجر التطرق، إلا بقدر محدود، إلى الفكرة القائلة بأن تشكل configuration مدارات الكواكب مرّ بتغيرات جوهرية منذ تكوّنها. بيد أن بعض التطورات اللافتة للنظر خلال السنوات الخمس الماضية تشير إلى أن الكواكب ربما ارتحلت فعلا من مداراتها الأصلية. وقد بيّن اكتشاف حزام كويپرKuiper belt أن نظامنا الشمسي لا تقف حدوده عند پلوتو، فهناك ما يقرب من 000 100 «كوكب صغير» جليدي (تقع أقطارها بين 100 و 1000 كيلومتر) وعدد أكبر من الأجسام الأصغر، تشغل منطقة تمتد من مدار نپتون ـ الذي تفصله عن الشمس مسافة تقدّر بنحو 4.5 بليون كيلومتر ـ امتدادا يعادل ضعف هذه المسافة على الأقل. ويُبرز توزع هذه الأجسام سمات جلية غير عشوائية يعجز النموذج الحالي للنظام الشمسي عن تفسيرها بسهولة. وتوحي النماذج النظرية لأصل هذه الخواص الفريدة باحتمال مثير للاهتمام مفاده أن حزام كويبر يحمل بصمات للتاريخ المداري للكواكب الغازية العملاقة ـ وبالتحديد أن هذا الحزام يحتفظ بدليل على انتشار بطيء لمدارات هذه الكواكب حدث عقب تكوّنها.

 

وأكثر من ذلك، فإن الاكتشاف الحديث لكواكب عديدة بحجم المشتري تدور حول نجوم قريبة شبيهة بالشمس في مدارات صغيرة بصورة غير عادية، هو حدث ركز الاهتمام أيضا على هجرة الكواكب. وإنه لأمر صعب أن نفهم تكوّن هذه الكواكب المزعومة على مثل هذه المسافات الصغيرة من النجوم الأم (التي تدور حولها). وقد ذهبت بعض الفرضيات حول أصلها إلى أنها تنامت على مسافات أكبر تفصلها عن النجوم الأم ـ وهي مسافات تقارب البعد بين المشتري والشمس ـ ثم هاجرت إلى مواقعها الحالية.

 

حتى بضع سنوات فقط، كانت الأجرام الكوكبية الوحيدة المعروفة فيما وراء نپتون هي پلوتو وتابعه شارون. وقد ظلت حالة پلوتو زمنا طويلا تتعارض مع النظريات السائدة حول أصل النظام الشمسي، فهو أقل ضخامة بآلاف المرات من الكواكب الأربعة الغازية العملاقة الخارجية، ومداره مختلف جدا عن مدارات الكواكب الرئيسية الثمانية الأخرى شبه الدائرية، والموجودة تقريبا في مستوى واحد، والمنفصلة انفصالا كبيرا بعضها عن بعض. إن مدار پلوتو ذو اختلاف مركزي eccentric: ففي دورة واحدة كاملة له حول الشمس، يتغير بعده عنها من 29.7 إلى 49.5 وحدة فلكية(1). ثم يرتفع في مداره 8 وحدات فلكية فوق المستوي الوسطي لمدارات الكواكب الأخرى وينخفض 13 وحدة فلكية(1) تحت هذا المستوي (انظر الشكل في هاتين الصفحتين). وطوال نحو عقدين من دورته المدارية، التي قدرها 248 سنة، يظل پلوتو أقرب إلى الشمس من نپتون.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N3_H02_00174.jpg

متوسط البعد عن الشمس (مقدرا بالوحدات الفلكية)

يبين هذا المخطط هجرة كواكب النظام الشمسي في الوقت الذي تكوّنت فيه هذه الكواكب (أعلى اليسار)، وفي الوقت الحالي (أسفل اليسار). ويُعتقد بأن مدار المشتري تقلّص تقلصا طفيفا، في حين توسعت مدارات زحل وأورانوس ونپتون. (لم تتأثر منطقة الكواكب الداخلية بهذه العملية إلا تأثرا طفيفا.) وطبقا لهذه النظرية، كان پلوتو يتحرك في الأصل في مدار دائري. ومع ارتحال نپتون باتجاه الخارج فقد دفع پلوتو بقوة إلى مدارٍ برنين 2:3، وبالتالي فإن دورته تتناسب مع دورة نپتون (في الأعلى). وقد أجبرت ثقالة نپتون مدار پلوتو ليصبح ذا اختلاف مركزي أكبر، وأشد ميلا على مستوي مدارات الكواكب الأخرى.

 

وفي العقود التي تلت اكتشاف پلوتو عام 1930، ازداد الغموض الذي يكتنف هذا الكوكب. وقد وجد الفلكيون أن معظم المدارات التي تقطع مدار نپتون غير مستقرة ـ فالجرم الذي يسير في مثل هذه المدارات إما أن يصطدم بنپتون، وإما أن يُقذف به من النظام الشمسي الخارجي خلال زمن قصير نسبيا، طوله عادة أقل من 1 في المئة من عمر النظام الشمسي. لكن المدار المتميّز الذي يسبح فيه پلوتو والقاطع لمدار نپتون محمي من الاقترابات الكبيرة من العملاق الغازي بسبب ظاهرة تسمى تَرجُّح الرنين resonance libration. إن پلوتو ينجز دورتين حول الشمس خلال الزمن الذي ينجز فيه نپتون ثلاثا؛ ومن ثم يقال إن مدار پلوتو يوجد في حالة رنين 2:3 مع مدار نپتون. وتضمن الحركتان النسبيتان للكوكبين أنه عند اجتياز پلوتو لمدار نپتون، فإنه يكون بعيدا جدا عن الكوكب الأكبر. وفي الواقع، فإن المسافة بين پلوتو ونپتون لا تقل أبدا عن 17 وحدة فلكية.

 

وفضلا على ذلك، فإن حضيض perihelion پلوتو ـ أي أقرب نقطة من مداره إلى الشمس ـ يقع دوما فوق مستوي مدار نپتون، وهذا يحافظ على الاستقرار المداري الطويل الأمد لپلوتو. هذا وإن المحاكيات الحاسوبية للحركات المدارية للكواكب الخارجية، التي تأخذ في اعتبارها تأثيرات اضطراباتها المتبادلة، تشير إلى أن عمر العلاقة بين مداري پلوتو ونپتون يمتد إلى بلايين السنين، وسيستمر بلايين أخرى من السنين. وپلوتو منخرط في رقصة كونية رشيقة مع نپتون تمكّنه من تفادي التصادمات مع العملاق الغازي طوال العمر الكلي للنظام الشمسي.

 

تُرى، كيف جرت الأمور التي أسفرت عن مثل هذا المدار الغريب لپلوتو؟ لقد أثار هذا السؤال في الماضي عدة تفسيرات حدسية، وكانت كلها تتضمن مواجهات كوكبية. بيد أن ثمة تطورات جوهرية حدثت منذ عهد قريب تتعلق بفهم الدينامية المعقدة لظاهرة الرنين بين المدارات، وبتحديد الدور الذي يتسم بالازدواجية في توليد كل من الشواش chaos  والاستقرار الاستثنائي في النظام الشمسي. واستنادا إلى هذه المجموعة الجديدة من التطورات، تقدمتُ عام  1993 بفرضية مؤداها أن پلوتو وُلِدَ وراء نپتون في منطقة تفصلها عنه مسافة ليست كبيرة، وأنه كان يسير في البداية في مدار قريب من الدائري وذي ميل طفيف، مثلما هي الحال في الكواكب الأخرى، لكنه نُقِلَ إلى مداره الحالي بوساطة التآثرات التثاقلية الرنينية resonant gravitational interactions مع نپتون. إن إحدى السمات الرئيسية لهذه النظرية هي أنها لا تستند إلى الفرضية القائلة بأن الكواكب الغازية العملاقة تكوّنت مفصولة عن الشمس بنفس مسافاتها (أبعادها) الحالية. وتذهب فرضيتنا، خلافا للفرضيات الأخرى، إلى أنه حدثت هجرة للمدارات الكوكبية في وقت مبكر من تاريخ النظام الشمسي، وأن مدار پلوتو غير المألوف دليل على هذه الهجرة.

 

لقد بدأت هذه الهجرة في مرحلة كانت فيها عملية تكوّن الكواكب قد اكتملت تقريبا، وليس تماما. وكانت العمالقة الغازية ـ المشتري وزحل وأورانوس ونپتون ـ أنهت تقريبا تكتّلها من السديم الشمسي، ولكن مجموعة متخلفة من الكويكبات planetesimals ـ وهي أجسام جليدية وصخرية، معظمها لا يزيد قطره على بضع عشرات من الكيلومترات ـ بقيت بين هذه العمالقة. أما التطور اللاحق الأبطأ نسبيا للنظام الشمسي فكان يتمثل في تبعثر scattering أو تناميaccretion الكويكبات بفعل الكواكب الرئيسية (انظر الشكل في الصفحة 12). ولأن  التبعثر الكوكبي أدى إلى قذف معظم حطام الكويكبات إلى مدارات بعيدة أو غير معروفة ـ خارج النظام الشمسي في معظم الحالات ـ حدث فَقْد محسوس للطاقة المدارية والزخم الزاوي من مدارات الكواكب العملاقة. ولكن كتلها المختلفة والمسافات المتفاوتة التي تفصلها عن الشمس، جعلت تقاسم هذا الفقد غير متساو بين الكواكب العملاقة الأربعة.

 

لننظر، بوجه خاص، في التطور المداري لنپتون، وهو أبعد الكواكب العملاقة حينما كان يبعثر سرب الكويكبات الواقعة في جواره. ففي البداية، كانت الطاقة المدارية النوعية المتوسطة للكويكبات (أي الطاقة المدارية لوحدة الكتلة) مساوية للطاقة المدارية النوعية المتوسطة لنپتون نفسه، ومن ثم فلم يكسب نپتون أو يفقد طاقة من التآثرات التثاقلية مع هذه الأجسام. بيد أن سرب الكويكبات قرب نپتون استُنْزِف في وقت لاحق من الأجسام المنخفضة الطاقة التي انتقلت إلى المجال التثاقلي للكواكب العملاقة الأخرى. وقد جرى قذف معظم الكويكبات هذه في نهاية الأمر خارج النظام الشمسي بوساطة المشتري الذي هو أثقل الكواكب جميعا.

 

وهكذا، وبمرور الوقت، تجاوزت الطاقة المدارية النوعية للكويكبات التي قابلها نپتون الطاقةَ المدارية النوعية لنپتون ذاته. وخلال التبعثرات التالية، كسب نپتون طاقة مدارية وهاجر باتجاه الخارج. كذلك، فإن زحل وأورانوس كسبا طاقة مدارية وارتحلا بحركة لولبية نحو الخارج. وبالمقابل، فإن المشتري فَقَدَ طاقة مدارية، ووازَن فقده هذا ما كسبته الكواكب الأخرى والكويكبات، مما أدى إلى الحفاظ على الطاقة الكلية للنظام. بيد أنه لما كان المشتري ثقيلا جدا ومتزودا بطاقة مدارية وزخم زاوي كبيرين، فإن تأثر مداره كان ضئيلا.

 

كان أول وصف لاحتمال حدوث مثل هذه التعديلات الدقيقة في مدارات الكواكب العملاقة في مقالة نُشرت عام 1984 ولم تلفت إليها انتباها يذكر، كتبها <A .J. فرنانديز> من أوروگواي و<H-W. إپ> من تايوان، وهما فلكيان كانا يعملان معا بمعهد ماكس پلانك في ألمانيا. وبقي بحثهما هذا مغمورا ولم يعلّق عليه أي من العلماء النظريين الذين يدرسون تكوّن الكواكب، وربما كان سبب ذلك أن البحث لم يدعم بأي أرصاد ولم يتوصل إلى نتائج نظرية.

 

وفي عام 1993 قدمتُ نظريةً تنص على أنه بينما كان مدار نپتون يتوسع ببطء، فإن المدارات الرنانة مع مدار نپتون كانت تتوسع أيضا. وفي الحقيقة، فلا بد من أن تكون هذه المدارات اندفعت بقوة عبر پلوتو، بافتراض أن هذا الكوكب كان أصلا يسبح في مدار قريب من الدائري، ميله صغير، ويقع وراء نپتون. وقد بيّنتْ حساباتي أن هناك احتمالا كبيرا بأن أي أجسام من هذا القبيل لا بد من أنها كانت معرضة باحتمال كبير لأن «تؤسر» وتُدفع نحو الخارج على طول المدارات الرنينية خلال هجرة نپتون. وفيما كانت هذه الأجسام تتحرك نحو الخارج، فلا بد من أن تكون الاختلافات المركزية لمداراتها وميول هذه المدارات قد أخذت قيما أكبر بفعل عزم الدوران التثاقلي الرنيني الذي يؤثر به نپتون. (يشبه هذا الأثر الزيادة في سعة نوسان (تذبذب) أرجوحة في ملعب، وذلك بالقيام بدفعها دفعات دورية صغيرة بتردد يساوي التردد الطبيعي للأرجوحة.) ومن ثم فإن الاختلاف المركزي الأعظم النهائي سيوفّر قياسا مباشرا للمسافة التي ارتحلها نپتون. ووفقا لهذه النظرية، فإن الاختلاف المركزي لمدار پلوتو، وهو 0.25، يوحي بأن نپتون هاجر نحو الخارج مسافة تقدر بخمس وحدات فلكية على الأقل. وفي وقت لاحق، عَدَّلتُ هذه القيمة إلى 8 وحدات فلكية، وذلك بعد الاستعانة بالمحاكيات الحاسوبية، كما قَدّرْتُ أن المدة الزمنية التي استغرقتها الهجرة ينبغي أن تكون في حدود بضع عشرات من ملايين السنين، وذلك لتفسير ميل مدار پلوتو.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N3_H02_00175.jpg

نصف المحور الكبير للمدار (بالوحدات الفلكية)

تشغل أجسام حزام كويپر منطقة لها شكل طارة torus واقعة وراء مدار نپتون (في الصفحة المقابلة). وتتنبأ نظرية الهجرة الكوكبية بأن ثمة تركيزات لهذه الأجسام موجودة في مدارات يوجد رنين بينها وبين مدار نپتون (داخل الأقواس الزرق في الشكل العلوي). وتدل الأرصاد الحديثة على أن نحو ثلث أجسام حزام كويپر المعروفة مداراتها (النقاط الحمر) تسير في مدارات لها رنين 2:3، وهي بالتالي شبيهة بمدار پلوتو (الصليب الأخضر). ومن المتوقع ألا يعثر إلا على عدد ضئيل من الأجسام في المدارات القريبة جدا من مدار نپتون (المنطقة المظللة).

 

وبالطبع، فلو كان پلوتو هو الجسم الوحيد الموجود وراء نپتون، لبقي هذا التفسير لمداره غير قابل للتحقيق، وذلك على الرغم من كونه مثيرا للاهتمام في كثير من تفصيلاته. لكن هذه النظرية تقدم تنبؤات محددة حول توزع مدارات الأجسام في حزام كويپر، وهو ما تبقى من القرص البدائي من الكويكبات الصغيرة وراء نپتون [انظر: «حزام كويپر»، مجلة العلوم، العددان 11/12(1996)، ص 52]. وبافتراض أن أكبر الأجسام في حزام كويپر البدائي كانت صغيرة جدا إلى درجة تجعلنا نهمل الاضطرابات التي تحدثها في الأجسام الأخرى في الحزام، فإن الآلية الدينامية للدفع الرنيني لن تؤثر في پلوتو فحسب، بل أيضا في جميع الأجسام التي تتجاوز مدار نپتون، إذ تزيحها عن مداراتها الأصلية. ونتيجة لذلك، سوف توجد تركيزات مهمة للأجسام في مدارات ذات اختلاف مركزي عند أشد رنينين لنپتون، وهما 2:3 و 1:2. وهذه المدارات هي قطوع ناقصة أنصاف محاورها الكبيرة(2) تبلغ 39.5 وحدة فلكية و47.88 وحدة فلكية  على التوالي.

 

وستوجد تركيزات أكثر تواضعا من الأجسام التي تجتاز مدار نپتون برنينات أخرى مثل 3:5. هذا وإن طائفة الأجسام الأقرب إلى نپتون من تلك التي لها المدار الرنيني 2:3 ستُستنزف بشدة بسبب تراجع الرنين resonance sweeping  الذي  يعم تلك المنطقة، وأيضا لأن الاضطرابات التي يُحدثها نپتون ستؤدي إلى عدم استقرار مدارات أي أجسام متبقية. وبالمقابل، فإن الكويكبات التي تنامت على مسافة تتجاوز 50 وحدة فلكية من الشمس يُتوقع ألا تتعرض لاضطرابات شديدة، وأن تكون ما انفكت تدور في مداراتها التي كانت تسلكها في توزعها البدائي.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N3_H02_00176.jpg

 

ولحسن الحظ، فإن الأرصاد الحديثة التي أُجريت لأجسام حزام كويپر وفرت وسيلة لاختبار صحة هذه النظرية. وقد اكتُشف أكثر من 174 من هذه الأجسام بحلول منتصف عام 1999، وكان لمعظمها دورات مدارية تزيد على 250 عاما، ومن ثم فقد جرى تعقّبها في أقل من 1 في المئة من مداراتها. ومع ذلك، فقد أمكن تحديد وسائط parameters مدارية موثوقة إلى حد معقول لخمسة وأربعين من هذه الأجسام (انظر الشكل في الصفحة المقابلة). والتوزع المداري لهذه الأجسام ليس له نمط مدارات منتظمة قريبة من الدائرية وصغيرة الميل كما يُتوقع من مجموعة بدائية من الكويكبات التي لم تتعرض للاضطرابات. وبدلا من ذلك، فإننا نعثر على دليل قوي على وجود فجوات وتركيزات في هذا التوزيع. وثمة قسم كبير من أجسام حزام كويپر هذه يتحرك في مدارات على هيئة قطوع ناقصة وبرنين 2:3، وهي تشبه مدار پلوتو. ثم إن أجسام حزام كويپر الموجودة في مدارات داخل المدار 2:3 غير موجودة تقريبا ـ وهذا ينسجم مع تنبؤات نظرية تراجع الرنين resonance sweeping.

 

ومع ذلك، فمازال ثمة سؤال مهم: هل توجد أجسام في حزام كويپر في الرنين 1:2 عددها قريب من تلك الأجسام في الرنين 2:3، كما تقتضي نظرية هجرة الكواكب؟ وما نمط التوزع المداري على مسافات أبعد عن الشمس؟ في الوقت الحاضر، يمكن القول بأن إحصاء أجسام حزام كويپر بعيد عن الكمال، ومن ثَم فلا يمكن تقديم جواب شاف عن هذا السؤال. بيد أن مركز الكواكب الصغيرةMinor Planet Center، في كامبردج بولاية ماساتشوستس، أعلن عشية عيد الميلاد من عام 1998 أنه اكتشف أول جسم في حزام كويپر يدور برنين 1:2 مع نپتون. وبعد يومين أعلن المركز عن رصده جسما آخر هناك يسير في مدارٍ رنينه 1:2. ولكل من هذين الجسمين اختلاف مركزي كبير، وقد يتبين أنهما جسمان ينتميان إلى طائفة كبيرة من أجسام حزام كويپر التي تسير في مدارات مماثلة. وقد حُدِّدَ في البداية أن هذين الجسمين يسيران في مداريهما برنينين 2:3 و 3:5 على التوالي، لكن الأرصاد الحديثة التي أُجريت عام 1998 بينت بقوة أن التحديدات الأولى كانت غير صحيحة. وتؤكد هذه الحادثة العرضية الحاجة إلى التعقب المتواصل لأجسام حزام كويپر المعروفة بغية تحديد توزعها المداري بدقة. ويتعين علينا أيضا الإقرار بأخطار المبالغة في تفسير مجموعة بيانات، مازالت قليلة، عن مدارات أجسام حزام كويپر.

 

واختصارا نقول إنه على الرغم من عدم إمكان استبعاد تفسيرات أخرى، فإن التوزع المداري لأجسام حزام كويپر يوفّر شواهد قوية متزايدة على هجرة الكواكب. وتوحي البيانات بأن نپتون وُلِدَ بعيدا عن الشمس مسافة قدرها 3.3 بليون كيلومتر، ثم ابتعد عنها نحو 1.2 بليون كيلومتر آخر ـ وهذه رحلة طولها يعادل زهاء 30 في المئة من نصف قطر مداره الحالي: وفيما يخص أورانوس وزحل والمشتري، كان حجم الهجرات أصغر، وربما كانت بنسب 15 و 10 و 2 في المئة على التوالي. وتجدر الإشارة إلى أن التقديرات أقل وثوقية في حال هذه الكواكب الثلاثة، وذلك يعود إلى أنها، خلافا لنپتون، لم تستطع أن تخلّف بصمة مميزة مباشرة في مجموعة أجسام حزام كويپر.

 

لقد حدثت معظم هذه الهجرات خلال مدة تقل عن 100 مليون عام، وهذه تعدّ مدة طويلة إذا ما قارناها بالمدة التي استغرقها تكوّن الكواكب ـ التي طولها، على الأرجح، أقل من 10 ملايين سنة ـ ولكنها مدة قصيرة مقارنة بعمر النظام الشمسي الذي هو 4.5 بليون سنة. وبعبارة أخرى، فإن هجرة الكواكب حدثت في بواكير تاريخ النظام الشمسي، ولكن في المراحل المتأخرة من عملية تكون الكواكب. لقد كانت الكتلة الكلية للكويكبات المبعثرة نحو ثلاثة أمثال كتلة نپتون. ويرد هنا السؤال عمّا إذا كان من الممكن حدوث تغيرات مدارية أعنف في النُّظُم الكوكبية في أزمنة أبكر، حين كان القرص البدائي المكوّن من الغبار والغاز يحوي مادة أكثر، وربما قدرا أكبر من الكواكب البدائية protoplanets، في مدارات قريبة تتنافس فيما بينها في عملية التنامي.

 

هل ثمة نظم كوكبية أخرى؟

في بداية الثمانينات توصلت دراسات نظرية، أجراها <P. گولدرايتش> و <S. تريمين> [وكان كلاهما يعمل في معهد كاليفورنيا للتقانة (CIT)] وآخرون غيرهما، إلى أن القوى التثاقلية بين كوكب بدائي وقرص الغاز المحيط به، وكذلك فقد الطاقة بسبب القوى الناشئة عن لزوجة الوسط الغازي، قد تؤدي إلى تبادلات كبيرة جدا للطاقة والزخم الزاوي بين الكوكب البدائي والقرص. وإذا اختلفت عزوم الدوران ـ التي تؤثر بها مادة القرص الموجودة داخل مدار الكوكب البدائي عن تلك التي تؤثر بها مادة القرص الواقعة خلفه مباشرة ـ اختلافا قليلا، فقد تحدث تغيرات عنيفة وسريعة في مدار الكوكب. لكن تجدر الإشارة، مرة أخرى، إلى أن هذا الاحتمال النظري لم يلق سوى القليل من الاهتمام من قبل الفلكيين الآخرين في تلك الأيام. ولما لم يكن لدينا سوى نظامنا الشمسي كمثال، فقد استمر منظرو تكوّن الكواكب بافتراض أن الكواكب وُلدت في مداراتها المرصودة حاليا.

 

بيد أن البحث عن كواكب خارج النظام الشمسي الذي أُجري على مدى السنوات الخمس الماضية أدى إلى اكتشاف علامات ممكنة على حدوث هجرة كوكبية. فلدى قياس الفلكيين ارتعاشات النجوم القريبة ـ التي تبعد 50 سنة ضوئية عن نظامنا الشمسي ـ عثروا على ما يؤكد أن أكثر من دستة من الأجرام الرفيقة التي لها حجم المشتري تدور حول نجوم السلسلة في مدارات صغيرة جدا. وقد اكتُشف أول كوكب مزعوم ـ وهو يدور حول النجم پيگاسي 51 Pegasiعام1995 من قبل فلكييْن سويسريين هما <M. مايور> و<D. كويلوز> [من مرصد جنيف] عندما كانا يجريان مسحا للنجوم الثنائية. وسرعان ما أيد نتيجة أرصادهما <W .G. مارسي> و<P .R. بتلر>، وهما فلكيان أمريكيان يعملان في مرصد ليك Lick بكاليفورنيا. وبحلول الشهر 6/1999 اكتُشف 200 جرما كل منها مرشح لأن يكون كوكبا خارج النظام الشمسي، وقد اكتُشف معظمها من قبل مارسي وبتلر. وحدث هذا الاكتشاف في سياق برامج أَنجزت مسح قرابة 500 من النجوم القريبة الشبيهة بالشمس خلال السنوات العشر الماضية. هذا وإن التقنية المستعملة في عمليات البحث هذه ـ والتي تقيس انزياحات دوپلر لخطوط النجوم الطيفية بغية تحديد التغيرات الدورية في السرعات النجمية ـ لا تعطي إلا حدا أدنى لكتل رفقاء النجوم. وكان لمعظم الكواكب المرشحة كتلٌ حدها الأدنى يعادل كتلة المشتري تقريبا، وأنصاف أقطار مداراتها أقل من 0.5 وحدة فلكية.

 

أخيرا… هل هناك نظام كوكبي؟

في الشهر4/1999 أعلن الفلكي <P .R. بتلر> [من المرصد الأنكلو-أسترالي] وزملاؤه عن اكتشاف ما يبدو وكأنه أول حالة معروفة لنظام كوكبي مكوّن من عدة أجسام بضخامة المشتري تدور حول نجم شبيه بالشمس. (ولم يكن قد اكتُشِف قبل ذلك إلا نُظُم لا تحوي سوى رفيق واحد بضخامة المشتري.) هذا النجم هو أپسيلون أندروميدي Upsilon Andromedae، الذي يبعد عن نظامنا الشمسي نحو 40 سنة ضوئية، وهو أضخم قليلا من الشمس، وأشد تألقا منها بنحو ثلاث مرات.

ويذكر الفلكيون أن تحليلهم للأرصاد يبيّن أن النجم أبسيلون أندروميدي يؤوي ثلاثة رفاق، أقربها إلى النجم تبلغ كتلته 70 في المئة على الأقل من كتلة المشتري، وهو يتحرك في مدار دائري تقريبا يبعد عن النجم بمقدار 0.06 وحدة فلكية أي نحو 9 ملايين كيلومتر. أما الرفيق الأبعد فتبلغ كتلته نحو أربعة أمثال كتلة المشتري، ويتحرك في مدار اختلافه المركزي كبير، ومتوسط نصف قطره 2.5 وحدة فلكية ـ وهذا يعادل نصف نصف قطر مدار المشتري. أما الجسم المتوسط، فإنه أضخم مرتين على الأقل من المشتري، وله مدار ذو اختلاف مركزي معتدل، ونصف قطره الوسطي 0.8 وحدة فلكية.

ولو ثبت هذا الأمر، لطرحتْ هندسة هذا النظام بعضَ التحديات والفرص المثيرة للاهتمام فيما يخص النماذج النظرية لنشوء النظم الكوكبية وتطورها. وقد انتهى عدد من المتخصصين بالديناميك (التحريك) الفلكي ـ ومن بينهم أنا ـ إلى أن تشكيل هذا النظام الافتراضي هو، في أحسن الأحوال، يكاد يكون مستقرا. فالاستقرار الدينامي للنظام سيتحسن تحسنا كبيرا إذا لم يَحْوِ رفيقا في الوسط. إن هذا أمر جدير بالملاحظة، إذ إن الشواهد الرصدية على وجود الرفيق الأوسط أضعف من شواهد وجود الرفيقين الآخرين.

ويبدو أن نظام أبسيلون أندروميدي يخالف جميع الآليات التي وُضِعت لها نظريات، والتي تجعل الكواكب العملاقة تهاجر نحو الداخل من الأفلاك البعيدة التي نشأت فيها. وإذا أدت التآثرات بين الكواكب الأولية القرصية إلى اضمحلال المدارات، فإن الأكثر احتمالا أن يكون الكوكب الأكثر ضخامة هو أول كوكب يولد، ومن ثَم يُعثر عليه على أقصر مسافة من النجم ـ وهذا وضع مخالف للنمط الذي يسود نظام أبسيلون أندروميدي. ولو أن الرفيقين الأقرب إلى النجم والأبعد عنه كانا موجودين، لقدّم النظام مثالا على نموذج التبعثر الذي تسببه الكواكب بعضها لبعض، وهو نموذج يهاجر فيه كوكبان ضخمان إلى مدارين قريبين أحدهما من الآخر، ومن ثَم يبعثر كل منهما الآخر تثاقليا، بحيث يشغل أحدهما في نهاية المطاف مدارا دائريا تقريبا قريبا من النجم، والآخر مدارا بعيدا له اختلاف مركزي. والصعوبة التي تواجه هذا السيناريو هي أنه يُتوقع عندئذ أن ينتقل الرفيق الأثقل وزنا إلى المدار الصغير، والرفيق الأخف وزنا إلى المدار البعيد ـ وهذا مخالف للسمات المميزة لنظام أبسيلون أندروميدي.

تُرى، هل يمكن أن يكون هذا النظام مزيجا لهذين السيناريوهين، أي أن يكون اضمحلالا مداريا ناجما عن التآثرات بين الكواكب الأولية ـ القرصية في حالة الجسم الداخلي، وبعثرة تثاقلية متبادلة بين الرفيقين الآخرين؟ من المحتمل أن تندخل أيضا عمليات نشوء وتطور مختلفة كليا، كتفتت الغيمة الغازية للنجوم الأولية، التي يُظن أنها تولِّد نظما مكونة من نجوم متعددة ورفقاء من الأقزام السمر.

وإذا لم يوجد سوى الرفيقين الأقرب إلى النجم والأبعد عنه، فإن النظام سيكون مشابها من الوجهة الهندسية للنظم التقليدية الثلاثية النجوم، المكوَّنة من نجمين أحدهما قريب من الآخر ونجم بعيد في مدار له اختلاف مركزي. ولا نملك في الوقت الحاضر سوى تخمينات فيما يخص نظام أبسيلون أندروميدي، وسوف يساعد المزيد من الرصد والتحليل على تحديد عدد الرفقاء وكتلها وعناصر مداراتها.

إن طرق الاكتشاف التي استخدمت حتى الآن، غير قادرة على اكتشاف نظم كوكبية شبيهة بنظام كوكبنا الشمسي، وذلك يعود إلى أن الارتعاشات النجمية بسبب الكواكب، التي هي بحجم أرضنا والتي تدور في أفلاك قريبة من نجومها ـ أو التي هي بحجم المشتري والتي تدور في أفلاك بعيدة عن نجومها ـ مازالت أخفض من العتبة threshold  القابلة للرصد. ومن ثم فمن السابق لأوانه القفز إلى النتائج المتعلقة بالوجود الفلكي لكواكب شبيهة بالأرض. إن فهمنا لأصل الأجسام الرفيقة لنجوم شبيهة بالشمس، والتي تم تعرّفها منذ عهد قريب، لا بد من أن يتطور، وسوف يؤدي ذلك إلى زيادة فهمنا لنظامنا الشمسي.

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N3_H02_00177.jpg

يُعتقد أن نظام أبسيلون أندروميدي يحوي ثلاثة أجرام رفيقة بضخامة المشتري تدور حول النجم (في الأعلى)، وتذهب النظريات التي وُضعت لمدارات هذه الأجرام إلى أن هذه المدارات أصغر كثيرا من مدار المشتري في نظامنا الشمسي (في الأسفل).

تُرى ما العلاقة بين هذه الأجرام وكواكب نظامنا الشمسي؟ وفقا للنموذج السائد لتكوّن الكواكب، اندمجت الكواكب العملاقة في نظامنا الشمسي خلال عملية جرت على مرحلتين: في المرحلة الأولى، تجمعت الكويكبات الصلبة معا لتكوّن لب كوكب بدائي. بعد ذلك جَذَب هذا اللبُّ، تثاقليا، غلافا غازيا ضخما من السديم المحيط به. ويتعين على هذه العملية أن تكون اكتملت في نحو 10 ملايين سنة من تكوّن السديم الشمسي نفسه، وذلك طبقا لما يستخلص من الأرصاد الفلكية لعمر أقراص الكواكب البدائية الموجودة حول النجوم الفتية الشبيهة بالشمس.

 

وعلى مسافة تبعد أقل من 0.5 وحدة فلكية عن نجم ما، تكون كمية المادة في القرص البدائي غير كافية لتكثيف أَلباب الكواكب البدائية الصلبة. وفضلا على ذلك، فثمة شك في إمكان كوكب بدائي في مدار قريب جذبَ قدرٍ كاف من الغاز المحيط به ليكوّن غلافا ضخما لكوكب شبيه بالمشتري. وأحد الأسباب ناشئ عن الهندسة البسيطة: فالجسم الموجود في مدار صغير يقطع مسافة في الفضاء أقصر مما يقطعه جسم في مدار أكبر. ثم إن القرص الغازي يكون أسخن كلما اقترب من النجم، ومن ثم فإن احتمال تكثفه على لب كوكب بدائي يكون أقل. وقد قُدمت هذه الاعتبارات حججا لدحض تكوّن كواكب عملاقة في مدارات بدورات جد صغيرة.

 

وبدلا من ذلك، اقترح بعض العلماء النظريين أن الكواكب العملاقة المزعومة خارج النظام الشمسي ربما تكون قد تكوّنت على مسافات تبعد عدة وحدات فلكية عن النجم، ثم هاجرت إلى الداخل فيما بعد. وثمة ثلاث آليات لهجرة المدارات الكوكبية قيد النقاش، اثنتان منها تتضمنان تآثرات بين القرص الغازي والكوكب البدائي، وهذه التفاعلات تسمح للكواكب بالحركة مسافات طويلة من المواقع التي وُلِدت فيها ما بقي هناك قرص ضخم.

 

فوفق نظرية التآثرات بين القرص الغازي والكوكب البدائي التي قدمها گولدرايتش وتريمين يكون الكوكب محجوزا بسريان الغاز نحو الداخل والذي يتنامى على النجم البدائي، وربما ينغمر في النجم أو ينفصل عن الغاز عندما يصبح قريبا من النجم. أما الآلية الثانية فهي أن التآثر يجري مع قرص من الكويكبات وليس مع قرص غازي: إن كوكبا عملاقا مطمورا في قرص ضخم جدا من الكويكبات قد يتبادل الطاقة والزخم الزاوي مع القرص عن طريق التبعثر التثاقلي والتآثرات الرنينية. كما سيتقلص مداره على طول الطريق إلى الحافة الداخلية للقرص، وذلك على مسافة لا تبعد عن النجم أكثر من بضعة أمثال نصف قطر هذا النجم.

 

والآلية الثالثة هي تبعثر الكواكب الكبيرة التي إما أنها تكونت في مدارات قريبة بعضها من بعض سعيا لاستقرار طويل الأمد، أو تكوّنت وهي في طريقها إلى هذه المدارات. ويتعذر التنبؤ بنتائج هذه العملية، إلا أنها تؤدي عموما إلى مدارات ذات اختلافات مركزية كبيرة لكلا الكوكبين. وفي بعض الحالات التي تحدث مصادفة، ينتقل أحد الكواكب المبعثرة إلى مدار له اختلاف مركزي. ويقترب هذا الكوكب من النجوم كثيرا عند حضيضه إلى درجة تمكّن الاحتكاك المدّي من جعل مدار الكوكب دائريا في نهاية المطاف. أما النجم الآخر، فيتبعثر إلى مدار بعيد على هيئة قطع ناقص. وتسمح جميع هذه الآليات بمدى واسع من أنصاف الأقطار والاختلافات المركزية لمدارات الكواكب وذلك للكواكب التي كتب لها البقيا.

 

إن هذه الأفكار ليست مجرد تعديل بسيط للنموذج المألوف لتكوّن الكواكب. وهي تتحدى التوقعات السائدة على نطاق واسع، والتي تذهب إلى أن أقراص الكواكب البدائية حول النجوم الشبيهة بالشمس تتطور عموما إلى نظم كوكبية عادية مثل نظامنا الشمسي. ومن المحتمل أن معظم الكواكب تُولَد في تشكيلات غير مستقرة، وأن تؤدي الهجرة الكوكبية اللاحقة إلى نتائج تختلف تماما من نظام إلى آخر، بسبب حساسيتها للخصائص الابتدائية للقرص. هذا وإن شرح الرابطة بين الكواكب الرفيقة المكتشفة حديثا خارج نظامنا الشمسي وبين كواكب نظامنا الشمسي يتطلب المزيد من التطورات النظرية والرصدية. ومع ذلك فهناك أمر واحد لا شك فيه، وهو أن الفكرة القائلة بأن الكواكب يُمكن أن تغير مداراتها تغييرا كبيرا هي فكرة وجدت لتبقى.

 المؤلفة

Renu Malhotra

أنهت دراستها الجامعية الأولى في المعهد الهندي للتقانة بنيودلهي، وحصلت على الدكتوراه في الفيزياء من جامعة كورنيل بالولايات المتحدة عام 1988. وبعد إتمامها بحوث ما بعد الدكتوراه في معهد كاليفورنيا للتقانة، صارت باحثة ضمن هيئة العلماء في معهد الكواكب والقمر بمدينة هيوستن. وقد تابعت في بحوثها موضوعها المحبب إليها، وهو دينامية وتطور النظام الشمسي والنظم الكوكبية الأخرى.

 

مراجع للاستزادة 

NEWTON’S CLOCK: CHAOS IN THE SOLAR SYSTEM. Ivars Peterson. W H. Freeman and Company, 1993.

DETECTION OF EXTRASOLAR GIANT PLANETS. Geoffrey W. Marcy and R. Paul Butler in Annual Review of Astronomy and Astrophysics, Vol. 36, pages 57-98;1998.

DYNAMICS OF THE KUIPER BELT. Renu Malhotra et al. in Protostars and Planets IV. Edited by V. Mannings et al. University of Arizona Press (in press). Available at http:/lastro.caltech.edu/-vgm/ppiv/preprints.html on the World Wide Web.

Scientific American, September1999

 

(*) Migrating Planets

(1) هي المسافة بين الأرض والشمس، وهي تساوي زهاء 150 مليون كيلومتر. (التحرير)

(2) طول نصف المحور الكبير يساوي متوسط بعد الجسم عن الشمس. (التحرير)

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى