أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
فضاءفلك وعلم الكونيات

بعثة سفينة الفضاء گاليليو

بعثة سفينة الفضاء گاليليو

إلى المشتري وأقماره(*)

لم يفكر إلا قلة من العلماء أن سفينة الفضاء گاليليو، التي عانت مشكلات تقنية، ستتمكن من

القيام بمثل هذه الدراسة الشاملة لنظام المشتري. كذلك، فقد تنبأ عدد قليل من العلماء بأن

الأجزاء الداخلية من هذه العوالم ستكون متنوعة جدا.

<V.T.جونسون>

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N4_H04_00266.jpg

إن سطح أيو، الذي دمره ثمانون بركانا، يجعل الأرض تبدو لدى مقارنتها به خاملة جيولوجيا. وتمثل اللطخات الصفراء والبنية والحمراء في هذا الشكل الفسيفسائي غير الحقيقي (الصورة الرئيسية) معادن مختلفة كبريتية الأساس ـ وبعبارة أخرى أحجارا كبريتية brimstone. ويكسو جليد ثنائي أكسيد الكبريت المناطق البيضاء. لقد دُفع الغاز والغبار إلى المدار، ويتضح هذا عند إنارة الشمس جانب القمر أيو (الشكل الصغير في اليمين). ويتولد جزء من الوهج الضارب إلى الصفرة من غاز الصوديوم. والضوء الأبيض المتدفق هو ضوء الشمس الذي يستطار (يتبدد) باندفاعات بركان پروميثيوس.

 

كان المسبار يسير في سكون راديوي(1) radio silence بغية توفير الطاقة، ولم يكن يعكر صفو هذا السكون سوى ميقاتية صغيرة كانت تقوم بالعد التنازلي للثواني. وكانت سفينة فضائية رفيقة لگاليليو تطير على مسافة000 215كيلومتر فوق سطح الأرض لاستقبال إرسالات گاليليو. أما على الأرض، فكان ثمة مهندسون وعلماء ينتظرون إشارتين رئيسيتين ـ وجدير بالذكر أن عددا كبيرا من هؤلاء المهندسين والعلماء أمضوا قرابة عقدين من الزمن وهم يعملون في هذا المشروع. وكانت الإشارة الأولى هي بِتَّة بيانات وحيدة تشير ببساطة إلى بقاء أو زوال المسبار الصغير بعد اندفاعه في الغلاف الجوي الضخم للمشتري.

 

لكن الحصول على هذه المعلومة لم يكن قط أمرا سهل المنال لبعثة گاليليو. فعندما بدأ التفكير في منتصف السبعينات من القرن العشرين، بإرسال هذه السفينة الفضائية غير المأهولة بملاحين والمؤلفة من وحدتين، كان المفروض أن تنطلق عام 1982 إلى المشتري من على متن مكوك فضائي يدور في مدار أرضي بوساطة مرحلة صاروخية عليا(2) خاصة. لكن الهفوات التي صاحبت العمليات الأولى لإطلاق المكوك والمشكلات التي برزت في تطوير المرحلة الصاروخية العليا ظلت تؤخر موعد الإطلاق. ثم حلت مأساة تشالنجر عام 1986 والتي حدثت عند الاستعداد لإطلاق گاليليو. وقد تعين على المهندسين، الذين أجبرتهم الظروف على الانتقال إلى مرحلة عليا أضعف ولكن أكثر أمانا، أن يحددوا مسارا شاقا مدعوما ثقاليا تقوم فيه السفينة بطيرانات قريبة من كوكبي الزهرة والأرض، وذلك لتوفير الدفع الذي لم يوفره الصاروخ الجديد. وبدءا من الإطلاق في10/1989، استغرقت الرحلة ست سنوات. وبعد سنتين من الطيران، حلّت كارثة ثانية عندما لم ينفذ هوائي الاتصالات الرئيسي الشبيه بالمظلة الأمر الذي وجه إليه بالانتشار، وهذا جعل السفينة الفضائية تقتصر على هوائيها الاحتياطي الوحيد ذي السعة المنخفضة [انظر: «بعثة سفينة الفضاء گاليليو»،

 

العملاق الغازي

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N4_H04_00267.jpg

قبل بعثة گاليليو، لم يصل البتة أي شيء سبق أن مسته يد إنسان إلى كوكب غازي عملاق. وقد ألقت السفينة الفضائية مسبارا في الغلاف الجوي للكوكب إلى الشمال من خط استوائه في موقع مبيّن في هذه الصورة التي أخذها مقراب هبل الفضائي بعد أن تم تحديد موقع المسبار (في اليمين). وقد واصل المسبار الهبوط طوال أكثر من ساعة من الزمن كان يقيس خلالها التركيب (الموجود في الجدول السفلي)، وذلك قبل انهياره بسبب درجات الحرارة والضغوط المتزايدة (انظر التسلسل في الصفحة المقابلة). ومن المفترض هنا أن تركيب الشمس البدائي هو نفس تركيب طبقاتها الخارجية.

 

التركيب الكيميائي لطبقة الغلاف الجوي العليا

(عدد الذرات لكل ذرة من الهيدروجين)

العنصر الصيغة الكيميائية المشتري زحل الشمس
الهليوم هليوم 0.078 0.015 ± 0.070 0.097
الكربون ميتان 3-10 × 10 3-10 ×2 4-10 × 3.6
النيتروجين أمونيا 4-10 × 4.0 4-10 × 1 ± 3 4-10 × 1.1
الأكسجين ماء 4-10 × 3.0 لم يجر قياسه 4-10 × 8.5
الكبريت سلفيد الهيدروجين 5-10 × 4.0 لم يجر قياسه 5-10 × 1.6
الدوتريوم دوتريوم 5-10 × 3 5-10 × 3 5-10 × 3.0
النيون نيون 5-10 × 1.1 لم يجر قياسه 4-10 × 1.1
الآرگون آرگون 5-10 ×7.5 لم يجر قياسه 4-10 × 3.0
الكريبتون كريبتون 9-10 ×2.5 لم يجر قياسه 10-10 × 9.2
الزينون زينون 10-10 ×1.1 لم يجر قياسه 11-10 × 4.4

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N4_H04_00268.jpg

في بداية عام 1997 رصدت سفينة الفضاء گاليليو سحبا بيضية الشكل، وكانت هذه السحب تحصر بينها منطقة كمثرية (أجاصية) الشكل. وتدور هذه السحب بعكس اتجاه دوران عقارب الساعة، في حين تدور المنطقة الكمثرية الشكل باتجاه عقارب الساعة. وفي هذا الشكل الفسيفسائي ذي الألوان الزائفة المؤلف من صور مأخوذة بالأشعة تحت الحمراء القريبة، تكون السحب الضاربة إلى الزرقة رقيقة، والبيضاء سميكة، والضاربة إلى الحمرة عميقة. وبعد مضي سنة اندمجت هذه السحب البيضية معا ـ وهذا مثال حي على طقس المشتري الدينامي. وقطر كل سحابة يبلغ نحو 9000 كيلومتر.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N4_H04_00269.jpg

ثقب في ظهر السحابة العلوية يكشف المناطق الدافئة نسبيا في أعماقها. وكما هي الحال في الصور المأخوذة بالأشعة تحت الحمراء القريبة، فإن السحب الضاربة إلى الزرقة رقيقة، والبيضاء سميكة، والضاربة إلى الحمرة عميقة (المخطط في الصفحة المقابلة). وقد دخل مسبار گاليليو منطقة مماثلة تسمى البقعة الساخنة. وتبين هذه الصورة منطقة قطرها000 34كيلومتر.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N4_H04_00270.jpg

البقعة الحمراء الكبيرة هي منظومة عواصف ضخمة تعلو السحب المحيطة بقرابة 30 كيلومترا (في اليمين). وتتناقص حساسية التكويد اللوني color coding لكمية الميثان على طول خط البصر من اللون الأحمر إلى الأخضر إلى الأزرق. ومن ثم فإن المناطق القرنفلية والبيضاء هي الأعلى، والمناطق الضاربة إلى الزرقة والسوداء هي الأعمق. يبلغ طول العاصفة نحو 000 26كيلومتر، وربما نشأت نتيجة لعدم استقرار الجريان الهوائي الشرقي ـ الغربي الذي ينطلق بقوة على الكوكب. هذا وتكبِّر الصورة التي تخيلها الفنان (في الأسفل) المقياس الرأسي للرسم 1000 مرة.

 

يبين القسم الداخلي من المشتري أن المصطلح «عملاق غازي» غير صحيح. فمعظم الكوكب مكون من هيدروجين واقع تحت ضغوط هائلة حولته إلى هيدروجين سائل ومعدني. وتحت كل هذا يقع قلب(لب) من الصخور يتراكم الهيدروجين حوله.

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N4_H04_00271.jpg

ومضات من البرق تظهر في هذه الصور التي أخذتها گاليليو للجانب الليلي من المشتري. وينير الضوء الصادر عن القمر أيو ظهر سحابة الأمونيا إنارة خافتة. ومن المحتمل صدور الومضات من السحب المائية الأعمق بمئة كيلومتر. ويندفع البرق بنفس السرعة تقريبا التي تنطلق بها العواصف الرعدية على الأرض، لكن سطوعه أشد من سطوع هذه العواصف بألف مرة. وتبين كل صورة منطقة مساحتها نحو000 60كيلومتر مربع.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N4_H04_00272.jpg

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N4_H04_00273.jpg

 

مجلة العلوم، العدد12(1995)،ص 62]. وفيما بعد توقف المسجل الشريطي ـ وهو جهاز أساسي لتخزين البيانات ـ عن العمل.

 

وعندما تلقى المهندسون «البتة الذهبية» التي أكدت أن المسبار مازال سالما، تعالت الهتافات في غرفة التحكم، وبدأ التوتر بالانخفاض. بيد أنه كان مازال يتعين على الفريق المسؤول عن البعثة انتظار الحدث الحاسم الثاني في الساعتين التاليتين، وهو دخول السفينة الفضائية الرفيقة في مدارها. وبغية إبطاء سرعتها في رحلتها بين الكوكبية إلى القدر الذي يمكِّن ثقالة المشتري من سَحْب السفينة، وجه المهندسون المحرك الرئيسي الألماني الصنع كي يعمل مدة 45 دقيقة. وأخيرا وصلت الإشارة التي عبَّرت عن أن هذه المناورة تكللت بالنجاح، وأصبحت هذه السفينة الفضائية أول ساتل (قمر صنعي) معروف للكوكب العملاق.

 

ومنذ ذلك اليوم من الشهر12/1995، قدمت هذه البعثة(التي بدا في وقت من الأوقات أنها ستنتهي إلى الفشل)للباحثين أول رؤية مفصلة لنظام المشتري، الذي كشفت عمليات الطيران المنخفض التي أنجزتها بعثتا پيونر وڤويجر في السبعينات عن مجرد لمحات عنه. فقد اخترق مسبار الغلاف الجوي الغيوم ذات الأشكال والألوان المختلفة، وقام لأول مرة بأخذ عينات من الغلاف الجوي لكوكب خارجي من الموقع الأصلي، وأرسل البيانات طوال ساعة قبل أن يضيع في خضم الأغوار الغازية للكوكب. ومازال المسبار يعمل بنشاط، وقد قام بتحليل وتصوير الكوكب وحلقاته وأقماره المختلفة، وأشهر ما فعله هو إثباته وجود محيط ocean من الماء السائل داخل يوروپا، وهو أحد أربعة أقمار طبيعية للمشتري اكتشفها<G.گاليلي>عام 1610 [انظر:

“The Hidden Ocean of Europa,”

by R. T. Pappalardo – J. W. Head – R. Greeley; Scientific American, October 1999].

 

بيد أن الأقمار الكبيرة الأخرى أماطت اللثام عن مفاجآت خاصة بها، أولاها: حُزُم الإلكترونات التي تربط بين المشتري والقمر أيو Io، وهو أغنى أجرام النظام الشمسي بالبراكين، وثانيها حقل مغنطيسي مولَّد داخل القمر گانيميد Ganymede، وهو أول حقل من هذا النوع يكتشف على قمر، وثالثها الأسرار الدقيقة التي تكتنف القمر كاليستو Callisto، والتي تتضمن إشارات تدل على وجود محيط على هذا القمر أيضا.

 

الأقسام الداخلية لتوابع

گاليليو وحقولها المغنطيسية

إن تسمية توابع گاليليو الأربعة «أقمارا» تسمية غير دقيقة في الواقع. فهي، إلى حد ما، وبحكم مواصفاتها الذاتية، تمثل كواكب. وللتابعين الداخليين، أيو ويوروپا، حجم وكثافة يعادلان تقريبا حجم وكثافة قمر الأرض. وللتابعين الخارجيين گانيميد وكاليستو، حجم يساوي تقريبا حجم كوكب عطارد، لكن كثافتهما أقل بكثير. ومع أن گاليليو لم تهبط على هذه الأقمار ولم تحدث فيها حفرا، فإنها استنتجت بنيتها الداخلية انطلاقا من قواها التثاقلية وحقولها المغنطيسية. ومن بين هذه التوابع الأربعة، يبدو أن كاليستو وحده هو الذي لم ينقسم إلى طبقات منفصلة: قلب معدني ووشاح صخري وقشرة جليدية. وتتآثر الحقول الكهرمغنطيسية للمشتري مع جميع التوابع الأربعة، وبخاصة مع أيو(الشكل السفلي). وتجرف هذه الحقول الغازات المؤينة الصادرة عن اندفاعات أيو البركانية، وهذا يولِّد طارة torus من الپلازما. وأنبوب التدفق بين الكوكب والأقمار يحمل تيارا كهربائيا يبلغ خمسة ملايين أمپير. (وفي هذا الشكل، لا يُمثَّل الكوكب والأقمار بنسب حجومها الصحيحة.)

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N4_H04_00274.jpg

 

مصدر جميع حوادث

السَّحْب نحو الأسفل

طبقا للنظريات الحديثة لتكوّن الكواكب، فإن المشتري وكواكب عملاقة أخرى تكوّنت من السديم الشمسي البدائي على مرحلتين. ففي المرحلة الأولى، كانت الكويكبات planetesimals الجليدية ـ وهي جوهريا مذنبات كبيرة تكثفت من سحابة الغاز والغبار ـ تتكتل معا. بعد ذلك، ومع تعاظم الكوكب البدائي (الأولي) ليبلغ حجما حرجا، بدأ هذا الكوكب بجرف الغاز مباشرة من السديم. وهكذا بدأ المشتري بعيِّنة من المادة الخام للنظام الشمسي، كان لها تقريبا نفس تركيب الشمس في بواكير عهدها. ومنذ ذلك الحين اتخذ الكوكب شكله الحالي نتيجة عمليات معينة مثل التمايز الداخلي، والتساقط المستمر للمادة المذنبية نحو الداخل. وقد كان فك الاشتباك بين هذه العمليات وفهم كل منها هو الهدف الرئيسي للمسبار الجوي.

 

وربما كان أكثر اكتشاف تكتنفه الأسرار للمسبار يتعلق بما يسمى الأنواع القابلة للتكثف condensable species، ومن ضمنها عناصر النيتروجين والكبريت والأكسجين والكربون. لقد كان العلماء يعرفون منذ زمن طويل أن المشتري يحوي من الكربون نحو ثلاثة أمثال ما تحويه الشمس منه (على شكل غاز الميثان). أما الأنواع الأخرى (على شكل أمونيا وسلفيدات الأمونيا وماء) فيظن أنها تتكثف لتكوِّن طبقات من السحب على أعماق مختلفة. هذا وإن الشوائب في قطيرات هذه السحب، والتي ربما كانت كبريتية أو فسفورية، تعطي كل طبقة لونا مميزا. وقد صمم المسبار ليهبط إلى ما دون أخفض سحابة متوقعة، والتي يُعتقد أنها سحابة مائية حيث يتراوح الضغط ما بين 5 و 10 ضغط جوي، وهي تقع تحت سحب الأمونيا الجليدية العلوية بنحو 100 كيلومتر. وقد بيّن تقرير حالة الطقس المتوقع أنه كان عاصفا وغائما وحارا ورطبا.

 

بيد أن الآلات لم تعثر على دليل على وجود السُّحُب، ولم تكشف سوى ضباب رقيق بمستوى من الضغط يعادل 1.6 ضغط جوي، ثم إن كميات الماء والكبريت كانت قليلة. هذا وإن مكشاف البرق lightning detector (وهو أساسا جهاز راديو AM يكشف دفقات الشواش) لم يسجل سوى تفريغات discharges ضعيفة. وباختصار، فقد كان الطقس صافيا وجافا. تُرى، ما الخطأ الذي حل بالتنبؤ؟ لقد توافر جزء من الإجابة عن هذا السؤال بسرعة، إذ إن الصور المأخوذة بالأشعة تحت الحمراء التي التقطتها المقاريب المقامة على الأرض بينت أن المسبار اكتشف مصادفة بقعة جوية من نمط خاص تعرف بأنها بقعة ساخنة ذات خمسة مكرونات five-micron hot spot ـ وهي منطقة يتسرب فيها الإشعاع تحت الأحمر من المستويات الأخفض والأكثر سخونة. ويوجد في المشتري الكثير من هذه المناطق التي تتغير باستمرار، ومن ثَم فلا يمكن توجيه المسبار بحيث يستهدفها أو يتحاشاها.

 

لكن الحظ (الحسن والسيئ في الوقت نفسه)، الذي جعل الهبوط يحدث في بقعة ساخنة، لم يحل اللغز تماما. فقد توقع  العلماء أنه في هذه المناطق يكون متوسط تركيب الغازات في الأعماق التي بلغها المسبار مماثلا لمتوسط التركيب الكلي للغلاف الجوي. ولو كان الأمر كذلك، فإن المشتري يحتوي على قدر قليل جدا من عناصر كالأكسجين والكبريت، لكن لم يقترح أحد طريقة من شأنها حذف هذه العناصر على هذا النحو من الفعالية. والاحتمال الآخر هو أن تركيب البقعة الساخنة يختلف عن متوسط التركيب، وربما يعود ذلك إلى سَحْبٍ هائل لغاز بارد وجاف من أعلى الغلاف الجوي نحو الأسفل.

 

ومع أن النظرية الأخيرة تعاني صعوبات خاصة بها، إلا أنها تبدو حاليا التفسير الأكثر احتمالا. فقبيل انقطاع إرسال المسبار مباشرة، كانت تركيزات الماء والأمونيا وسلفيد الهيدروجين قد بدأت بالارتفاع بسرعة ـ تماما كما لو كان المسبار يقترب من قاعدة السَّحب نحو الأسفل. وتبين صور المسبار لبقعة ساخنة بارزة أخرى أن الرياح الآتية من جميع الاتجاهات تتقارب نحو مركز البقعة الساخنة[انظر الإيضاح في الصفحة 26]. والمكان الوحيد الذي يمكن أن يتجه إليه الغاز هو إلى الأسفل. وقد أظهرت أطياف المسبار أن مقادير الماء والأمونيا تختلف اختلافا كبيرا يصل إلى100ضعف بين بقعة ساخنة وأخرى، وهذا يدعم الفكرة القائلة بأن الظروف الجوية المحلية تؤثر بشدة في التركيب التفصيلي للغلاف الجوي.

 

اقتصرت صحة التنبؤ بأحوال الطقس، على جزئية أنه كان عاصفا. فحزم سُحُب المشتري تقترن بتيارات تدفق عالية السرعة، وهي تهب من الشرق ومن الغرب على نحو مستقر بسرعة تقدر بعدة مئات من الكيلومترات في الساعة. وعلى كرتنا الأرضية، تتوقف تيارات الرياح المماثلة قرب السطح. أما على المشتري فلا وجود لسطح، ويتوقف نمط الرياح هناك على ذلك المنبع من الطاقة الذي يهيمن على الجو. فإذا هيمن منبع للطاقة الداخلية (كأن يكون تقلصا بطيئا حدث بفعل قوة الثقالة)، تعين على الرياح أن تظل قوية أو تتزايد كلما ازداد العمق. والعكس صحيح إذا كانت الطاقة الخارجية (مثل ضوء الشمس) هي المهيمن الرئيسي. ولدى تعقب إشارات المسبار الراديوية، أكد العلماء أن الرياح تتزايد بسرعة في بادئ الأمر مع ازدياد العمق، ثم تظل ثابتة ـ وهذا  يشير إلى أن الطاقة الداخلية تسيطر على الغلاف الجوي للمشتري.

 

القمر الجهنمي

أيو

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N4_H04_00275.jpg

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N4_H04_00276.jpg

لقد ميَّزَ القمرَ أيو لونٌ جذاب، كلون فطيرة پيتزا شهية، شوهد منذ عقدين في صور ڤويجر. ويسمح المدى الواسع للأطوال الموجية التي تستقبلها گاليليو بالحصول على مناظر ذات ألوان زائفة أكثر إثارة. وحين يكون هذا التابع موجودا في ظل المشتري (في الأعلى)، تظهر جريانات اللابة على شكل بقع صغيرة حمراء وصفراء. أما الاندفاعات البركانية فتظهر على شكل توهجات على طول حافته؛ والاندفاع الظاهر في اليسار صادر عن بركان پروميثيوس. وتبين سلسلة من أربع صور جرى تعزيز ألوانها (في الوسط) بركانَيْ پروميثيوس وزاماماZamama  (حين أصبحا مرئيين بعد رؤية  اندفاعاتهما) محاطين بحلقات من الحطام تتجاوز أقطارها 100 كيلومتر. وفي الشهر11/1999شاهدت گاليليو مجموعة ضخمة من البراكين في الأقاليم الشمالية من أيو (في الأسفل). وتبين الصورة عدة فوهات بركانية وجدارا ضخما من النيران. إن شدة توهج اللابة الحديثة جعلت الآلة التي تصور عمق التعويض الكلسيتي CCD camera  تتعرض إلى النور على  نحو مفرط.

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N4_H04_00277.jpg

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N4_H04_00278.jpg

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N4_H04_00279.jpghttp://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N4_H04_00280.jpg

 

لا بد من سقوط بعض

المطر على كل كوكب

ومع أن المسبار لم يكشف سوى شواهد ضعيفة على وجود البرق، إلا أنه رأى ومضات ساطعة تضيء السحب، ومن الواضح أن ذلك كان خلال عواصف رعدية شديدة[انظر الإيضاح في الصفحة 26]. وكما حصل لڤويجر، فإن گاليليو وجدت أن البرق كان مركَّزا في بضع مناطق من خطوط عرض معينة. وهذه المناطق هي أمكنة قص إعصاري عكسي(3) anticyclonic shear، حيث تتغير سرعة الرياح على نحو مفاجئ وتتجه من الشمال إلى الجنوب مولِّدة ظروفا عاصفة مضطربة. وكما هي الحال على الكرة الأرضية، فقد يحدث البرق في السحب المائية، حيث تعلو حبيبات الجليد المتجمدة جزئيا وتسقط في الدفق الدوامي (المضطرب) turbulence، وهذا يؤدي إلى انفصال الشحنات الموجبة والسالبة بعضها عن بعض. ومن الممكن تقدير العمق الذي يحدث فيه البرق من حجم البقعة المضاءة في السحب: فكلما كبرت البقعة، كان حدوث البرق في أعماق أكبر. وقد استنتجت السفينة گاليليو أن البرق ينشأ فعلا في طبقات الغلاف الجوي التي يُتوقع أن تتكوّن فيها السحب المائية.

 

وعلى الرغم من جميع الجهود المبذولة، فقد تعرض المسبار بعد هبوطه مسافة أقل من 0.1% من تلك التي تفصله عن مركز الكوكب، لضغوط ولدرجات حرارة عالية، ومع ذلك تقدِّم بعض القياسات التي أجراها تلميحات لما يحدث في البقاع الأعمق. إن تركيزات الغازات النبيلة ـ وهي الهليوم (ثاني أغزر العناصر في المشتري، بعد الهيدروجين)والنيون والآرگون والكريپتون والزينون ـ أمر له مغزاه. فلما كانت هذه الغازات لا تتفاعل كيميائيا مع العناصر الأخرى، فإنها كاشفات tracers لا لبس فيها تزودنا بمعلومات عن الظروف الفيزيائية داخل الكوكب. إن أهمية المعلومات التي يقدمها إلينا تركيز الهليوم جعلت مصممي مسبار گاليليو الجوي يحمِّلونه جهازا مكرَّسا خصيصا لقياس هذا التركيز.

 

إن الأطياف تحت الحمراء التي حصلت عليها ڤويجر أوحت بأن المشتري يحوي نسبيا قدرا من الهليوم أقل بكثير مما تحويه الشمس، وهذا يدل على أن شيئا ما لا بد من أن يكون قد استنزف هذا العنصر من الطبقات العليا لغلافه الجوي. لكن گاليليو وجدت أن المشتري يحوي تقريبا نفس مقدار الهليوم الذي تحويه الطبقات الخارجية من الشمس[انظر الجدول في الصفحة 26]. بيد أن هذه النتيجة تستلزم وجود عملية ما لإزالة الهليوم من جو المشتري، لأن الطبقات الخارجية من الشمس ذاتها فقدت الهليوم. غير أن هذه العملية لا بد أن تكون قد بدأت في وقت من تاريخ الكوكب أكثر تأخرا مما ظنه الباحثون. وقد اكتشفت گاليليو أيضا أن تركيز النيون في المشتري يعادل عُشر تركيزه في الشمس.

 

وتعزز هاتان النتيجتان الفرضية المثيرة للجدل التي سادت في وقت سابق، والتي مفادها أن الأعماق البعيدة للمشتري مترعة بقدر كبير جدا من مطر الهليوم. ويكون الهليوم هناك غير قابل للامتزاج في الجو الغني بالهيدروجين الذي ربما كان من الأفضل اعتباره محيطا، وذلك تحت ضغوط عالية ـ تعادل ملايين أضعاف الضغط الجوي عند سطح البحر على الكرة الأرضية. ونظرا إلى كون الهليوم أثقل، فإنه يستقر تدريجيا قريبا من مركز الكوكب. والنيون، تحت شروط معينة، يذوب في قطرات مطر الهليوم. وقد يترسب الهليوم أيضا على زحل الذي ربما كان استنزاف الهليوم منه أشد منه في حالة المشتري.

 

وبعد أن أمضى الباحثون عدة سنوات في التحليل، أعلنوا منذ فترة قريبة عن وفرة الغازات النبيلة الأخرى. ومقارنة بالشمس، تكبر مقادير الآرگون والكريپتون والزينون في المشتري بنفس النسبة التي تكبر بها مقادير الكربون والكبريت؛ وهذا أيضا لغز غامض. والوسيلة الوحيدة لاصطياد المقادير المستنتجة لهذه الغازات هي تجميدها ـ وهذا إجراء مستحيل نظرا للبعد الحالي للمشتري عن الشمس. ومن ثم فإن قدرا كبيرا من المادة التي تكوِّن المشتري لا بد من أن يكون قد جاء من مناطق أبرد وأبعد. ومن المحتمل أن يكون المشتري نفسه قد تكوَّن على بعد أكبر من بعده الحالي عن الشمس ثم اقترب منها [انظر: «الكواكب المهاجرة»،مجلة العلوم، العدد3(2000)،ص12].

 

وثمة دليل آخر حول تاريخ المشتري نشأ عن قياس الدوتريوم، وهو أحد النظائر الثقيلة للهيدروجين. فتركيزه على المشتري مشابه لتركيزه على الشمس، ومغاير جدا لتركيزه في المذنبات أو في محيطات الكرة الأرضية. ويوحي هذا الاكتشاف بأنه لم يكن للمذنبات أثر كبير في تركيب الغلاف الجوي للمشتري على الرغم من التأثيرات المذهلة التي تشاهد عندما تصدم جرما آخر، كما حدث عند تصادم مذنب شوميكر-ليڤي Shoemaker-Levy 9 بالغلاف الجوي للكوكب عام 19944.

 

القمر گانيميد

الموشى بالجليد

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N4_H04_00281.jpg http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N4_H04_00282.jpg

إن أكبر تابع في النظام الشمسي محاطٌ بدثار غريب تغشاه التضاريس المعتمة والساطعة. فالمناطق المعتمة، مثل گاليليو ريجيو Galileo Regio (في اليمين) مليئة بكثافة بفوهات بركانية، ويبلغ قطر الفوهة الكبيرة في صدر الصورة 19 كيلومترا. وربما حوت الثُّلُم العميقة غبارا بقي بعد تسامي الجليد المائي. أما المناطق الساطعة، مثل أوروك سَلكَسْ Uruk Sulcus (في الأسفل) فتحوي قدرا أقل من الفوهات وقدرا أكبر من المعالم التكتونية مثل الأخاديد. وتمثل هذه الصورة منطقة مساحتها قرابة 400 كيلومتر مربع. وتحوي بعض المناطق، مثل تيامات سلكس Tiamat Sulcus (في اليسار) التي صورت بعد شروق الشمس مباشرة، كلا النمطين من التضاريس.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N4_H04_00283.jpg

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N4_H04_00284.jpg

 

عالَمٌ من نار

بعد أن بعث المسبار إلى الأرض بياناته على مراحل، بدأ بجولته في نظام المشتري. وحتى الآن، دار ما مجموعه 26 دورة حول المشتري، وأنجز عدة طيرانات قريبة من أقمار گاليليو الأربعة. وقد كان مركز اهتمامه القمر يوروپا الذي تشير جيولوجية سطحه ومظاهر أخرى إلى وجود محيط سائل تحت الجليد في حقبة ما من تاريخ هذا القمر، وربما كان ذلك في الماضي القريب جيولوجيا. بيد أن الأقمار الأخرى لم تُهمل.

 

لقد استحوذ أيو، أعمق الأقمار الگاليلية، على معظم الاهتمام خلال الرحلتين اللتين نفّذتهما بعثتا ڤويجر. وبيّنت الصور الأولية التي أرسلتها سطحًا فتيًا على نحو لافت للنظر، وهو السطح الوحيد في النظام الشمسي الذي لا يحوي تقريبا فوهات ناتجة من صدم أجرام أخرى للقمر. وفي وقت لاحق، أظهرت الصور، التي أُخذت لأغراض ملاحية، آثارا بركانية هائلة. وقد أيدت الأرصاد اللاحقة أن أيو يعج بالنشاطات البركانية. إن هذا القمر الذي هو بحجم قمر الأرض، يقذف من اللابة (الحمم البركانية) lava  أكثر مما تقذفه الأرض بمئة مرة

[انظر: by T.V. Johnson – L. A. Soderblom; “Io,”

Scientific American, December 1983].

 

ولقد استغرقت گاليليو في رصد أيو وقتا أقل مما استغرقته في رصد الأقمار الأخرى، وذلك يعود، في المقام الأول، إلى الأخطار التي يمكن أن تتعرض لها هذه السفينة الفضائية نتيجة وقوع أيو في أعماق أحزمة الإشعاعات الشديدة التي تطوِّق المشتري. وقد طارت گاليليو على بعد 900 كيلومتر من سطح أيو، وذلك قبيل دخولها في مدارها عام 1995، لكنها لم تعد إليه ثانية إلا في الشهر10/1999حين أنهت القسم الرئيسي من مهمات بعثتها، وشعر العلماء بأنه يمكنهم المجازفة بعض الشيء. ومع أن المشكلة التي حلت بالمسجل الشريطي أدت إلى إلغاء التصوير والتحليل الطيفي خلال عام 1995، فقد واصل مكشاف الجسيمات particle detectorومقياس المغنطيسية magnetometer أداءهما الفعّال.

 

وجد العلماء أن الفضاء المحيط بالقمر أيو ليس خاليا، على العكس تماما مما كان يُظن، إذ إنه يعج بالجسيمات دون الذرية التي تنفثها الاندفاعات (الفورات) البركانية ويحركها الحقل المغنطيسي للمشتري. وتتخذ حزم الإلكترونات طريقها على طول خطوط الحقل التي تربط أيو بالغلاف الجوي للمشتري؛ ثم إن الپلازما الكثيفة والباردة تتخلل أثر أيو بسبب اندفاعه في الحقل المغنطيسي القريب. وكلما كان أيو يجتاز ظل المشتري، كانت گاليليو ترى القمر محاطا بحلقة رقيقة من الغاز المتوهج الذي كان يُشعله تصادم الإلكترونات الآتية من الغلاف المغنطيسي للمشتري. وبالاختصار، فإن أيو مرتبط بإحكام بالكوكب العملاق بوساطة ما يعتبر أكبر دارة كهربائية في النظام الشمسي[انظر الشكل في الصفحة 28].

 

وكانت گاليليو خلال معظم رحلتها تدرس السطح المشوه لأيو من مسافة آمنة. واستنادا إلى شدة سطوع البراكين المتوهجة في الأطوال الموجية المرئية وتحت الحمراء المختلفة، تمكنت گاليليو من استنتاج درجات حرارة هذه البراكين؛ وقياس درجات الحرارة هذه ضروري لتحديد تركيب اللابة. إن معظم براكين الأرض تلفظ لابة مكوَّنة من مركَّب بازلتي ـ حديد ومغنيزيوم وسيليكات الكالسيوم الغنية بمعدني الأوليڤين والپيروكسين. وللصهارات البازلتية درجات حرارة تقع عادة بين 1300 و1450 درجة كلڤن (أي بين 1050 و1200 درجة سيلزية). وبالمقابل، فإن الأرصاد، التي أُجريت لأيو بوساطة المقاريب منذ عدة سنوات، أشارت إلى أن درجات الحرارة هذه تقع بين 1500 و1800 درجة كلڤن. وبالتالي فقد استبعدت المواد التي تنصهر في درجات حرارة أخفض، مثل الكبريت السائل، الذي كان يُعتقد سابقا بأنه سائل بركاني سائد على القمر أيو.

 

وحين تجمعت قياسات گاليليو، أصبح اللغز أكثر تعقيدا. فدرجات حرارة اللابات الموجودة على القمر هي في الواقع تتراوح ما بين 1700 و 2000 درجة كلڤن. وإن صهارة بهذه الدرجة من الحرارة لم تكن شيئا مألوفا على الكرة الأرضية طوال أكثر من ثلاثة بلايين سنة. ومن ثم فربما وفر أيو للعلماء نظرة سريعة غير متوقعة إلى جيولوجية الأرض في مرحلة شبابها حين كانت درجات حرارتها الداخلية أعلى، وكان تركيب وشاحها العلوي مختلفا عما هو عليه الآن.

 

وعندما عادت گاليليو إلى أيو آخر مرة في خريف 1999، لم يكن فريق البعثة متيقنا من نجاة السفينة الفضائية من الإشعاع. وفي إحدى المرات التي كانت تتجه فيها گاليليو إلى أيو، توقفت تلقائيا عن مواصلة أخذ البيانات، وكان ذلك قبل وصولها إلى القمر بأربع ساعات. وقد أصاب الضرر أجهزة عديدة أخرى، لكنها جميعا واصلت عملها وعادت في النهاية إلى إرسال بيانات مثيرة. وهكذا، فقد تمت في نهاية المطاف مشاهدة براكين أيو النشيطة عن كثب[انظر الشكل في الصفحة 29].

 

في حقل خاص به

حدث أحد أهم اكتشافات سفينة الفضاء گاليليو خلال أول مواجهة مدارية لها مع گانيميد، أكبر أقمار المشتري. فقبل قرابة نصف ساعة من وصول گاليليو إلى أقرب نقطة من هذا القمر بدأ جهاز الضجيج الراديوي radio-noise، المصمم لتسجيل الحقول الكهربائية المحيطة به، يبث على نحو مضطرب. فالإشارات الراديوية الخلفية الهادئة نسبيا، التي كانت تُرى خلال القسم الأعظم من منظومة المشتري، تغيّرت فجأة لتصبح طيفا راديويا نشيطا ومعقدا. وقد ظل هذا النشاط كثيفا طوال 45 دقيقة، ثم توقف فجأة كما بدأ. وعندما بدأ الضجيج الراديوي، زادت قراءات مقياس المغنطيسية خمس مرات.

 

لقد سبق لباحثي الپلازما أن رأوا إشارات من هذا القبيل عندما اقتحمت السفن الفضائية الحاملة لأجهزة مشابهة الأغلفة المغنطيسية للأرض والمشتري وزحل وأورانوس ونپتون وأثارتها. وقد أكدت عمليتا طيران منخفض تاليتان فوق گانيميد شكوك الباحثين؛ إذ وُجِد أن هذا القمر ممغنط ويولِّد حقلا ثنائي القطب شبيها بحقول هذه الكواكب. هذا ولا يوجد لقمر آخر مثل هذا الحقل. وربما كان لقمر الأرض وللمريخ حقلان في الماضي، لكنهما لا يبديان حاليا سوى مناطق محدودة تتميز بالتغير المغنطيسي، وهي تمثل صخورا ممغنطة على السطح. وكما هي الحال في الدمى الروسية التقليدية التي تكون فيها الدمية الواحدة داخل الأخرى، فإن لگانيميد غلافا مغنطيسيا محتوَى في المجال المغنطيسي الهائل للمشتري، وهذا الغلاف محتوَى بدوره في الغلاف المغنطيسي للشمس.

 

وقد سمح تعقب الباحثين للإشارات الواردة من السفينة الفضائية بسبر حقل ثقالة گانيميد ومن ثم بنيته الداخلية، واستنتجوا احتمال أن يكون له قلب (لب) كثيف يبلغ نصف قطره نحو 1500 كيلومتر، محاط بوشاح جليدي سمكه 700 كيلومتر. وتوحي النماذج الجيوكيميائية بأن هذا القلب كرة من الحديد أو سلفيد الحديد مغلّفة بالصخور. ويمكن للقلب المعدني الداخلي توليد الحقل المغنطيسي الثنائي القطب.

 

لكن العلماء النظريين ليسوا واثقين تماما من كيفية حدوث هذا الأمر. ومع أن العلماء يقارنون الحقول المغنطيسية الكوكبية بالمغانط التي لها شكل قضبان، فإن هذا التشبيه قد يكون مضللا. فالحديد الخالص الموجود في مركز كوكب أو قمر كبير سيكون حارا  إلى درجة لا يمكنه فيها الحفاظ على حقل مغنطيسي دائم. ويُظن، بدلا من ذلك، أن الحقل المغنطيسي يحوي سائلا حمليا convective وموصلا. وتشير نماذج لگانيميد إلى أن داخله يمكن أن يصبح بسهولة حارا إلى درجة تكفي لصهر الحديد أو سلفيد الحديد. لكن هذه النماذج ذاتها تبين أن الحمل سيتوقف أخيرا مع التبرد التدريجي للقلب؛ وتجدر الإشارة إلى أن الشروط اللازمة للحمل يجب أن تدوم بليون سنة فقط أو نحو ذلك.

 

وربما كان الجواب موجودا في الرنين المداري لتوابع گاليليو الداخلية الثلاثة. فأيو يتم أربع دورات بالضبط حول المشتري في كل مرة يتم فيها يوروپا دورتين وگانيميد دورة واحدة. ومثلما يحدث لأرجوحة للأطفال عند دفعها في الوقت المناسب تبعا لدورتها النواسية الطبيعية، فإن هذا الانسجام في أدوار التوابع السابقة يسمح للقوى الصغيرة بالتراكم لتولد نتائج كبيرة ـ وهي تتجلى، في هذه الحالة، في حَرْفِ المدارات عن هيئتها الدائرية تقريبا إلى قطوع ناقصة أكثر استطالة. والأثر الذي تتعرض له الأقمار عميق جدا؛ فلما كانت المسافات التي تفصلها عن المشتري دائمة التغير، فإن تأثير ثقالة المشتري يتقلب بين الشدة والضعف، ومن ثم فإن سَحْبه لهذه الأقمار يتغير على الدوام. والعملية، التي يُطلق عليها اسم التسخين المدِّي tidal heating، تنشِّط القوة البركانية على أيو وتحول دون تجمد المحيط المفترض وجوده على يوروپا.

 

وكان الباحثون يظنون أن للتسخين المدِّي آثارا محدودة في گانيميد، وهو أبعد هذه الأقمار الثلاثة عن المشتري. بيد أنهم يدركون الآن أن مداراتها ربما تعرضت لانزياحات بمرور الزمن. ومن ثم فربما كانت حوادث الرنين أقوى في وقت من الأوقات. وكان مدار گانيميد أكثر عرضة للاضطراب مما هو عليه الآن. إن أنظمة الصدوع الهائلة المنتشرة على سطحه قد تشير إلى هذه المرحلة المبكرة من التسخين المدي. وإذا كان الأمر كذلك، فإن القمر مازال يبرد، كما أن قلبه يمكن أن يواصل توليد حقل مغنطيسي.

 

كاليستو

المكسو بالبثور

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N4_H04_00285.jpg http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N4_H04_00286.jpg

إن هذا القمر، الذي يعد أكثر أقمار گاليليو مدعاة للحيرة، مكسو بكثافة بفوهات بركانية كبيرة، كالفوهة الضخمة أَسْگارد Asgard (في اليمين) المتعددة الحلقات التي نشأت نتيجة حادث صدم للقمر. لكن كاليستو خال نسبيا من الفوهات الصغيرة، وإن وجدت فهي غالبا غير واضحة المعالم (في الأسفل واليسار)، مما يوحي بأن مادة غبارية تدفقت على نحو ما عبر السطح.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N4_H04_00287.jpg

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N4_H04_00288.jpg

 

ولدى مقارنة كاليستو بأقمار يوروپا وأيو وگانيميد المتألقة الرائعة، فإن هذا القمر، الذي هو أبعد من هذه الأقمار الثلاثة عن المشتري، كان يُظن دائما أنه أغبر غير بهيج. لقد ظهر كاليستو في صور ڤويجر نموذجا مصغرا للمثال النمطي التقليدي للأقمار الجليدية، إذ بدا ككرة طينية قديمة مجمدة تغطي سطحها البثرات. لكن أرصاد سفينة الفضاء گاليليو روت قصة أخرى.

 

هَرِمٌ ولكنه ليس عديم النشاط

إن كاليستو مغطى بندوب خلَّفتها صدمات كبيرة، وأقطار هذه الندوب تتزايد في كبرها، من فوهات بركانية قطرها بضعة كيلومترات، إلى فوهات تسمى كل منها ڤالهالا Valhalla قطرها نحو 1500 كيلومتر. ويعتقد أن سطح كاليستو بدأ بالتشكل منذ أربعة بلايين سنة نتيجة للحطام المذنبي والنيزكي الذي تخلف بعد تكوّن الكواكب وأقمارها. وبهذا المعنى، فإن كاليستو هَرِمٌ حقا. ولكن النظر إلى سطحه عن كثب يظهر أنه مغطى بحطام ناعم داكن اللون. هذا وإن الفوهات البركانية الصغيرة، التي يكثر وجودها على معظم الأجرام السماوية الأخرى، غائبة هنا غالبا، وتشير المعالم السطحية إلى أنها تعرضت للحت ولتنعيم حوافها. ومن الواضح أنه كان عرضة لعمليات حديثة العهد. ومن بين الأفكار المطروحة في هذا الصدد فكرة تعويم الغبار الناعم إلكتروستاتيا، الأمر الذي يسمح له«بالجريان»عبر السطح، وكذلك فكرة تبخر الجليد من السطح الذي يمكن أن يخلف رواسب من مادة أعتم وأقل تطايرا. بيد أن جميع هذه التفسيرات غير مرضية حتى الآن.

 

ومن المثير للفضول أن الأطياف تحت الحمراء القريبة near-infrared لا تكشف عن وجود جليد مائي ومعادن مميَّهة hydrated  فحسب، كما كان متوقعا، وإنما تبدي أيضا أربع سمات امتصاص غير عادية قرب الطول الموجي الذي يبلغ أربعة مكرونات. ويبدو أن إحدى هذه السمات تشير إلى ثنائي أكسيد الكربون محجوزا في السطح، وربما كان موجودا في جسيمات أو فقاعات جليدية تولدت نتيجة تأثير الإشعاع في السطح. وقد تُمثِّل سمتان طيفيتان أخريان وجود كبريت في السطح الذي يُمكن أن ينشأ في الاندفاعات البركانية على أيو. أما السمة الطيفية الرابعة فهي أكثر السمات الأربع غرابة، إذ أن طولها الموجي يعادل ذاك الذي يُمتص بوساطة الروابط بين الكربون والنتروجين. وفي الحقيقة، فإن الأطياف المختبرية لجزيئات عضوية معقدة، أسماها الراحل<C. ساگان>ثولينات tholins، هي أطياف مشابهة. ويُظن أن الثولينات تشبه مواد عضوية موجودة في السديم الشمسي؛ هذا وتمتلك سُحُب الحبيبات الجليدية الموجودة بين النجوم أطيافا قريبة الشبه. وإذا أخذنا جميع هذه البيانات معا، فإنها توفر أول دليل مباشر على أن الأقمار الجليدية تحوي مركبات الكربون والنيتروجين والكبريت، الشائعة في النيازك والمذنبات البدائية. وهذه المواد هي أيضا بعض أهم المواد الضرورية للحياة.

 

وتبرز البنية الداخلية لكاليستو نفس التفرع الثنائي dichotomy المحير بين شباب السطح وهرمه. فخلافا لأقمار گاليليو الأخرى، يبدو كاليستو أكثر شبها بكرة كثيفة بانتظام، وهذا يشير إلى أن معظم صخوره وجليده يختلط بعضها ببعض. ولما كان وجود القلب (اللب) مستبعدا، فلم يجر مطلقا تسخين داخلية القمر تسخينا عاليا عن طريق الاضمحلال الإشعاعي أو بحركة المد والجزر. هذا ولا يشارك كاليستو في الرنين المداري الذي يحدث بين أقمار گاليليو الأخرى.

 

ومن ناحية أخرى، فإن هذا القمر أبعد من أن يكون جرما هامدا، إذ وَجَد مقياس المغنطيسية في سفينة الفضاء گاليليو، أنه يبدو أن كاليستو يُحدث اضطرابا في الحقل المغنطيسي المحيط بالمشتري بنمط غريب. وهذا الاضطراب، خلافا لذاك الذي يحدثه گانيميد، يشبه ما يرى في التجارب الفيزيائية الكلاسيكية التي تُعرَّضُ فيها كرة نحاسية جوفاء إلى حقل مغنطيسي متغير. وفي مثل هذه التجربة، تولَّد تيارات كهربائية داخل القشرة الكروية الموصلة التي تولد بدورها حقلا مغنطيسيا مضادا يعادل تماما الحقل السابق. ويبدو أن حقل كاليستو يتولد بالطريقة ذاتها.

 

ولكن ما الذي يشكل الطبقة الموصلة للكهرباء؟ إن الصخور والجليد وجسيمات الغلاف الأيوني هي موصلات ضعيفة. ومن ثم لم يبق للباحثين إلا احتمال بدا منذ وقت غير طويل مفرطا في الخيال وهو: ماءُ محيطٍ مالح. إن ماء البحر موصل ضعيف يتسم بالخصائص الملائمة لتفسير القراءات. ويمكن لطبقة كروية سائلة سمكها بضع عشرات من الكيلومترات أن تولد الآثار المرصودة. هذا وإن مجموعة الأدلة، التي تشير إلى وجود قسم داخلي لا يمكن التفريق بين أجزائه وإلى محيط كروي، تقدم تحديا كبيرا للنظريين. ويجب أن يكون كاليستو، بطريقة أو بأخرى، حارا إلى درجة تسمح بوجود محيط فيه على ألا تبلغ هذه الحرارة الدرجة التي تؤدي إلى انفصال المواد الخفيفة عن الثقيلة. وربما تكون الطبقة المائية محصورة بين قسم داخلي مسخن إشعاعيا، حيث يعمل الحَمل على بقاء المادة مختلطة، وبين قشرة جليدية رقيقة حيث تقوم دورة حملية أخرى بتبريد المحيط. ويكفي هذا لكاليستو الهرم غير المثير.

 

ومع أن كثيرا من أهداف بعثة گاليليو كانت ترمي إلى دراسة أقمار گاليليو، فإن السفينة الفضائية لم تهمل الأعضاء الأصغر في عائلة المشتري. فقد التقطت آلة تصويرها صورا لكل من الأقمار الأربعة الصغيرة الداخلية ـ ميتيس Metis وأدراستياAdrastea وأمالثيا Amalthea وثيبي Thebe، التي أوردناها بترتيب بُعْدها عن المشتري ـ فأقربها إليه ميتيس وأبعدها عنه ثيبي. وأهم اكتشاف في هذه الدراسة هو أن هذه الأقمار الصغيرة مسؤولة مباشرة عن حلقات المشتري. وقد أُخذت سلسلة خاصة من الصور أثناء وجود السفينة الفضائية في داخل ظل المشتري، مما جعل الشمس تضيء جسيمات الغبار الدقيقة التي تكوِّن الحلقات. وإضافة إلى الحلقات الرئيسية والحلقة الرقيقة ذات النسيج العنكبوتي التي رصدتها ڤويجر عام 1979 تظهر هذه الصور أيضا، ولأول مرة، البنية المعقدة لهذه الحلقة العنكبوتية. فهي مؤلفة من طبقات متعددة ترتبط مباشرة بمداري أمالثيا وثيبي. ومن ثم فربما كانت الحلقات حطاما مجهريا قذفته الأقمار نتيجة اصطدامها بنيازك صغيرة.

 

لقد أحدثت البيانات التي جمعتها گاليليو ثورة في أفكار العلماء عن المشتري وأقماره، وجعلتنا نتوصل إلى اعتبارها نمطا معينا من النظم الكوكبية يصل في تعقيده إلى مستوى تعقيد النظام الشمسي ذاته. هذا وقد وفرت طيرانات ڤويجر على ارتفاعات منخفضة اندفاعا شديدا لرؤية عوالم أخرى للمرة الأولى، لكن لم يكن بالإمكان إظهار الفوارق الدقيقة والتحديات لما كان يبدو أنها مفاهيم واضحة، مثل«سحابة رعدية»و«قمر جليدي»، إلا بعد القيام بدراسات وبحوث مركزة ومستفيضة كتلك التي أنجزتها بعثة گاليليو. وسرعان ما سيحين دور زحل للدخول في هذا الطور الجديد من الاستكشاف والسبر. وفي عام 2004 ستصل إلى هناك سفينتان فضائيتان ملتحمتان في سفينة فضائية واحدة هي كاسيني-هويگنزCassini-Huygens، ومن المحتمل أنها، كاللواتي سبقتها، ستثير عددا من الأسئلة أكبر من عدد الأجوبة التي ستقدمها.

 

 المؤلف

Torrence V. Johnson

متخصص في علم الكواكب، واطلق اسمه على كويكب هو تورنس Torrence 2614، وهو جرم قطره قرابة كيلومتر واحد. وخلال عمله في مختبر الدفع النفاث بپاسادينا في كاليفورنيا، عين عام 1977 عالم مشروع بعثة گاليليو. وعمل عضوا في فريق التصوير التابع لبعثة ڤويَجر، وهو الآن عضو في فريق تصوير بعثة كاسيني إلى كوكب زحل.

 

مراجع للاستزادة 

GALILEO PROBES JUPITER’S ATMOSPHERE. Special section in Science, Vol. 272, pages 837-860; May 10, 1996.

GALILEO ORBITER. Special section in Science, Vol. 274, pages 377-413; October 18, 1996.

REMOTE SENSING OF THE GALILEO ORBITER MISSION. Special issue of Icarus, Vol. 135, No. 1; September 1998.

ENCYCLOPEDIA OF THE SOLAR SYSTEM. Edited by Paul R. Weissman, Lucy-Ann McFadden and Torrence V. Johnson. Academic Press, 1999.

THE NEW SOLAR SYSTEM. Fourth edition. Edited by J. Kelly Beatty, Carolyn Collins Peterson and Andrew Chaikin. Sky Publishing, 1999.

Scientific American, February 2000

 

(*) The Galileo Mission to Jupiter and Its Moons

 

(1) هي مدة يتوقف خلالها تشغيل المعدات الراديوية.

(2) هي المرحلة الأخيرة في الصاروخ المتعدد المراحل الذي يستخدم في كل مرحلة محركها أو محركاتها الخاصة بها، كما أن لكل مرحلة مَرْكَبةً صاروخية قائمة بذاتها.  (التحرير)

(3) قص رياح أفقية يميل إلى إحداث دوران إعصاري عكسي لجسيمات الهواء المفردة على خط الهبوب. (التحرير)

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى