غير مصنف

اكتشاف الأقزام البنية

اكتشاف الأقزام البنية(*)

هي أجرام سماوية أقل كتلة من النجوم ولكنها أكبر كتلة من الكواكب.

 ولأمد طويل، كان الاعتقاد السائد أن الأقزام البنية نادرة، إلا أن خرائط المسح

الحديث للسماء أظهرت أن هذه الأجرام قد تكون شائعة شيوع النجوم.

<G. باسري>

 

إن القزم البني ليس إلا نجما زائفا. فالنجم يضيء بفضل التفاعلات النووية الحرارية التي تحدث في قلبه (لبّه)، وهي تفاعلات تطلق قدرا هائلا من الطاقة نتيجة اندماج الهدروجين مكونًا الهليوم. إلا أن حدوث تفاعلات الاندماج يتطلب ألا تقل درجة الحرارة في قلب النجم عن ثلاثة ملايين درجة كلڤن. ولما كانت درجة حرارة القلب ترتفع كلما زاد الضغط الثقالي، وجب ألا تقل كتلة النجم عن 75 مرة قدر كتلة المشتري أو ما يقارب سبعة في المئة من كتلة شمسنا. إن هذا الشرط غير محقق في القزم البني ـ فهو أثقل من كوكب غازي عملاق، إلا أن كتلته غير كافية ليصير نجما.

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N9_H05_001355.jpg

على مدى عقود عديدة كانت الأقزام البنية بمثابة «الحلقة المفقودة» بين الأجرام السماوية: إذ كان يعتقد بوجودها، لكنها كانت عصيّة على الرصد. ففي عام 1963 تنبأ الفلكي <Sh. كومار> [من جامعة فيرجينيا] نظريا بأن سيرورة التقلص الثقالي gravitational contraction  التي تنشأ عنها النجوم من سحب الغاز والغبار الضخمة يمكنها أيضا أن تخلق أجراما سماوية أصغر، وقد أطلق على هذه الأجرام المفترضة اسم النجوم السوداء أو النجوم تحت الحمراء، وذلك قبل اقتراح اسم «الأقزام البنية» عام 1975 من قبل الفيزيائي الفلكي <G .J. تارتر>، الذي يشغل حاليا منصب مدير الأبحاث في معهد «البحث عن الحضارات فوق الأرضية» SETI  في ماونْتِنْ ڤيو بولاية كاليفورنيا. قد يكون هذا الاسم مضللا بعض الشيء، فالقزم البني يبدو في الواقع أحمر اللون وليس بنيا، وكان الأجدر أن يسمى «القزم الأحمر» (لولا أن هذا الاسم كان مستعملا من قبل للدلالة على النجوم التي تقل كتلتها عن نصف كتلة الشمس.)

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N9_H05_001356.jpg

يطلق القزم البني Gliese 229B وهجا أحمر، كما يتصوَّره فنان (في الأعلى). يُعتقد أن هذا الجرم السماوي أصغر بقليل من المشتري، إلا أنه أشد حرارة منه بنحو 10 مرات، وأعظم كتلة منه بمقدار 30 إلى 40 مرة. وقد اكتُشف عام 1995 كمرافقٍ للنجم القزم الأحمر Gl 229A (يظهر في خلفية الصورة). وكشف الفلكيون عن هذا القزم البني من خلال تحليلهم لصور التقطت بمقراب قطر مرآته متر ونصف، موجود بمرصد پالومار (الصورة المتداخلة في اليسار)، وكذلك بتحليل الصور التي التقطها مقراب هبل الفضائي (الإطار في اليمين) والتي يبدو فيهما القزم البني على هيئة بقعة باهتة مجاورة للقزم الأحمر، علما بأنه يبعد في الواقع عن نجمه المرافق أكثر من ستة بلايين كيلومتر ـ وهي مسافة تزيد على بعد كوكب پلوتو عن الشمس.

 

في منتصف الثمانينات من القرن العشرين شرع الفلكيون بالبحث المكثف عن الأقزام البنية، إلا أن جهودهم الأولى باءت بالفشل. ولم يستطع الفلكيون تقديم الدليل الدامغ الذي يشير إلى وجود الأقزام البنية إلا عام 1995. ومنذ ذلك الحين، فتح هذا الاكتشاف الباب على مصراعيه لرصد العشرات من هذه الأجرام. ويعكف الراصدون والعلماء النظريون الآن على دراسة عدد من الأسئلة المحيّرة من مثل: كم عدد الأقزام البنية؟ وما مدى الاختلاف في كتلها؟ وهل هناك سلسلة من الأجرام التي تتدرج انخفاضا في الكتلة حتى تبلغ كتلة المشتري؟ وهل نشأت جميعها بالطريقة ذاتها؟

 

كان البحث عن الأقزام البنية طويلا وشاقا بسبب خفوتها الشديد. إن جميع الأجرام الفلكية ـ بما في ذلك النجوم والكواكب والأقزام البنية ـ تصدر ضوءا خلال فترة تكونها، سببه الطاقة المنطلقة بفعل التقلص الثقالي. ففي أي نجم يحل الإشعاع النووي الحراري الناشئ عن اندماج نوى الهدروجين محل التوهج الناشئ عن التقلص الثقالي، وما إن يحدث ذلك حتى يظل حجم النجم وسطوعه ثابتين لعدة بلايين من السنين في أغلب الأحيان. إلا أن القزم البني ليس الوسط الملائم لحدوث الاندماج النووي، لذا يخبو ضوؤه تدريجيا كلما زاد تقلصا. [انظر ما هو مؤطر في الصفحة 36]. إن الضوء الصادر عن الأقزام البنية يقع بشكل رئيسي في مدى الطيف تحت الأحمر القريب. وبسبب خفوت الأقزام البنية منذ بداية تكونها، وتعتّمها بمرور الزمن، فقد اعتقد بعض العلماء أنها كانت أحد المكونات المهمة التي تشكل «المادة الخفية»، وهي الكتلة الغامضة غير المرئية التي تفوق كثيرا الكتلة المضيئة في الكون.

 

لقد افترض الفلكيون أن أنسب موقع للبحث عن الأجرام الخافتة قد يكون قريبا من نجوم معلومة. ونشير إلى أن ما يزيد على نصف النجوم التي تقطن مجرتنا هي نجوم ثنائية ـ نجمان يدوران حول مركز ثقلهما المشترك ـ وقد فكر الباحثون في أن العديد من النجوم التي تبدو وحيدة قد يرافقها في الواقع نجم بني. ولعل مزية تقصٍّ كهذا تتمثل في أن الفلكيين عندها سيكونون في غنى عن مسح أجزاء كبيرة من السماء بحثا عن الأقزام البنية ـ إذ بإمكانهم الاكتفاء بتركيز مقاريبهم على مساحات صغيرة في جوار نجوم معلومة.

 

لقد بدت استراتيجية البحث جيدة في بادئ الأمر؛ ففي عام 1984 أعلن باحثون من مرصد ستيوارد بجامعة أريزونا اكتشاف مرافق ثنائي خافت للنجمVB 8، وهو نجم ذو كتلة منخفضة، يبعد 21 سنة ضوئية عن الشمس. وبدا أن الجرم السماوي المكتشف يحمل الصفات التي تؤهله لأن يكون قزما بنيا، ولكن للأسف لم يتمكن أحد من تأكيد وجوده (فقد تبين أن ما شوهد ما هو إلا نتيجة رصد خاطئ وليس جرما حقيقيا.) وقد ظهر شبيه متوقع آخر عام 1988 عندما أعلن <E. بيكلين> و<B. زوكرمان> [من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس] اكتشاف الجرم السماوي GD 165 B، وهو نجم أحمر خافت مرافق لقزم أبيض. ولا علاقة للأقزام البيضاء بالأقزام البنية: فهي أنقاض نجوم متوسطة الكتلة، بيد أنها أصغر حجما وأشد حرارة وأثقل وزنا من الأقزام البنية. فقد يكون GD165B  قزما بنيا في الواقع، إلا أن الفلكيين لم يستطيعوا الجزم بذلك، لأن الكتلة المستنتجة لهذا الجرم كانت قريبة من الحد الفاصل بين نجوم الكتلة المنخفضة والأقزام البنية، وهو 75 مرة قدر كتلة المشتري.

 

ثمة ميزة أخرى للبحث عن الأقزام البنية كمرافقات للنجوم، وهي أنك لست بحاجة إلى رصد القزم البني ذاته. فبإمكان الباحثين الكشف عنها بالطريقة نفسها التي استخدمت للكشف عن كواكب خارج المجموعة الشمسية، وذلك عن طريق رصد آثارها الدورية في تحركات النجوم التي تدور حولها، حيث يحدد الفلكيون التغيرات في سرعات النجوم عن طريق قياس إزاحات دوپلر في خطوط طيفها. إن اكتشاف الأقزام البنية بهذه التقنية أيسر في الواقع من اكتشاف الكواكب، وذلك بسبب عظم كتلتها.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N9_H05_001357.jpg

إن البحث عن الأجرام السماوية الباهتة كالأقزام البنية يتطلب استراتيجيات خاصة. وتقضي إحدى المقاربات بتركيز المقاريب على مساحات قريبة من نجوم معروفة، والبحث هناك عن أجرام سماوية مرافقة. وقد استخدم الفلكيون هذه الطريقة لاكتشاف القزم Gl 229B  (في  أعلى اليمين). وثمة استراتيجية أخرى تقضي بالتركيز على حشود النجوم الفتية؛ حيث تكون الأقزام البنية الفتية في أوج سطوعها. وقد بحث العلماء في حشد الثريا الذي يبلغ عمره 120 مليون عام (في أعلى الوسط)، فوجدوا القزم البني PPl 15 (الإطار في الوسط) وأجراما كثيرة سواه. وأخيرا يستطيع الفلكيون العثور على الأقزام البنية «الحقلية» بالتقاط صور لقطاعات واسعة من السماء باستعمال تجهيزات حساسة للمنابع الضوئية الحمراء الباهتة. ولقد أُعلن عام 1997 عن اكتشاف أول قزم بني حقلي هو القزم Kelu-1  (في أعلى اليسار).

 

ومع هذا لم يقع صائد الكواكب المعروف <W .G. مارسي> [من جامعة ولاية سان فرانسيسكو، وجامعة كاليفورنيا في بيركلي] على أي أقزام بنية في المسح الذي أجري على 70 نجما منخفض الكتلة في أواخر الثمانينات من القرن العشرين. إلا أن <مارسي> اكتشف في منتصف التسعينات ستة كواكب غازية عملاقة خارج المجموعة الشمسية، لدى قيامه بمسح 107 نجوم شبيهة بشمسنا، غير أنه لم يجد دليلا قاطعا على وجود الأقزام البنية. ولقد قاد فشل هذه المساعي إلى طرح مصطلح «صحراء الأقزام البنية» brown dwarf desert، لأن هذه الأجرام بدت أندر كثيرا من الكواكب العملاقة أو النجوم.

 

ومن بين الأبحاث الأولى التي استهدفت الكشف عن أقزام بنية محتملة browndwarf candidate باستخدام تقنية إزاحة دوپلر، لم يوفق سوى بحث وحيد. ففي عام 1988 قام <W .D. لاثام> [من مركز هارڤارد السميثوني للفيزياء الفلكية] بمسح ألف نجم، فوجد رفيقا نجميا لا تقل كتلته عن 11 مرة قدر كتلة المشتري. إن طريقة إزاحة دوپلر تحدد فقط الحدود الدنيا لكتلة النجم المرافق، لذا فإن الجرم الذي اكتشفه لاثام قد يكون نجما ذا كتلة منخفضة جدا، وليس قزما بنيا. وستظل هذه القضية من دون حل إلى أن يتمكن العلماء من تحديد المواقع النجمية بدقة أكبر.

 

في هذه الأثناء، اتبع فلكيون آخرون استراتيجية أخرى استفادت من واقع أن الأقزام البنية تكون أشد لمعانا وسطوعا في فترة فتوّتها. ولعل أفضل مكان للبحث عن الأجرام السماوية الفتية هو في الحشود النجمية، إذ تتكون نجومها جميعها في الوقت نفسه، إلا أنها تتفاوت في أعمارها المستقبلية؛ فأكبر النجوم كتلة لا يسطع إلا لبضعة ملايين من السنين فقط، قبل أن ينفد وقود الهدروجين فيه، ومن ثم يغادر طور التسلسل الرئيسي من حياته، في حين يمكن للنجوم المنخفضة الكتلة أن تستمر في السطوع بلايين، بل حتى تريليونات السنين. وتكمن الطريقة المثلى (العيارية) لتقدير عمر حشد نجمي في العثور على أكبر نجومه كتلةً في التسلسل الرئيسي، فيكون عمر الحشد مقاربا عمر ذلك النجم.

 

التحقق من الاكتشافات

اختبار الليثيوم

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N9_H05_001358.jpg

إن تحليل أطياف الأضواء الصادرة عن الأجرام السماوية الخافتة يمكن أن يوضح ما إذا كانت هذه الأجرام نجوما أو أقزاما بنية؛ فجميع النجوم تدمر ما تحويه من الليثيوم في قلبها (لبها)، وفي هذا التفاعل يصطدم پروتون بالنظير الموسوم ليثيوم 7 الذي ينشطر بعدها إلى ذرتي هليوم (في اليسار). وعلى النقيض، فإن جميع النجوم، باستثناء الأقزام البنية الكبيرة الكتلة، لا يمكن أن تحقق حرارة قلبها الدرجة الكافية لانشطار الليثيوم، لذا فهي تحتفظ بالليثيوم إلى الأبد. ولا يبدي طيف النجم HHJ3 (في اليمين، الخط الأصفر) ـ وهو نجم منخفض الكتلة في حشد الثريا ـ أي أثر لليثيوم فيه. في حين يدل امتلاك طيف القزم البني PPl 155 (الخط الأحمر) لخط امتصاص شديد على وجود هذا العنصر.

 

وما إن يقع الباحثون على حشد نجمي فتي، ويقدروا عمره، فما عليهم إلا البحث عن أخفت نجومه وأشدها احمرارا (وبالتالي أبردها) وذلك لتحديد ما يحتمل أن يكون منها أقزاما بنية. وتمدنا النظريات ببيانات عن درجة حرارة السطح المتوقعة وضيائية الأجرام ذات الكتل المختلفة لعمر معين. وهكذا يمكّن قياس هذه الخصائص الفلكيين من تقدير كتلة كل قزم بني محتمل (مرشح). وبالفعل شرعت مجموعات عمل عديدة في البحث، وتصوير مساحات السماء التي تضم حشودا نجمية حديثة العهد، وانتقاء الأجرام الحمراء الخافتة من بينها.

 

وأعلنت فرق البحث عن العثور على سلسلة من الأقزام البنية المحتملة (المرشحة) ضمن حشود نجمية فتية، بما في ذلك منطقة تكوّن النجوم في كوكبة الثور، وحشد الثريا Pleiades اللامع (المعروف باسم الأخوات السبع). ولسوء الحظ فقد دلّ الفحص الدقيق على أنه ليس هناك من هذه النجوم المختارة أي قزم بني في الحقيقة. فقد تبين أن بعضها ليس إلا نجوما عملاقة حمراء تقع على بعد آلاف السنين الضوئية خلف الحشد النجمي قيد البحث. ولأن نجوم الخلفية هذه نائية جدا فقد بدت خافتة على الرغم من سطوعها الشديد في الواقع، كما تبين أن بعضها الآخر كان نجوما منخفضة الكتلة تقع وراء حشد النجوم أو أمامه. وقد وجدت بعض «المكتشفات» طريقها إلى الصحف، بيد أن ما تلا ذلك من تراجع عما نُشر لم يُعطَ الأهمية ذاتها، مما أدى إلى المزيد من التشكك لدى الفلكيين تجاه كل ما يُعلن عن اكتشاف الأقزام البنية، وعزز وجهة النظر السائدة بأن الأقزام البنية أجرام نادرة.

 

البحث عن الليثيوم

في عام 1992 اقترح فريق عمل مؤلف من <R. ريبولو> و<L .E. مارتِنْ> و<A. ماگازو> [من معهد الفيزياء الفلكية في جزر الكناري الإسبانية] طريقة ماهرة جديدة لتمييز النجوم المنخفضة الكتلة عن الأقزام البنية، فيما يعرف باسم اختبار الليثيوم، الذي يستخدم حقيقة مفادها أن القزم البني لا يحقق الظروف المواتية لاندماج الليثيوم في قلبه إذا قلّت كتلته عن نحو 60 مرة من قدر كتلة المشتري. ويحدث تفاعل الاندماج النووي هذا عند درجة حرارة أخفض قليلا من درجة حرارة اندماج الهدروجين، ونتيجة لذلك سرعان ما تستنفد النجوم كل ما تحويه أصلا من الليثيوم، بل إن أخفض النجوم كتلة تحرق كل ما فيها من الليثيوم خلال زمن يقارب مئة مليون عام، في حين تحتفظ جميع الأقزام البنية بمخزونها من الليثيوم إلى الأبد، يستثنى من ذلك أعظمها كتلة. وهكذا فإن استمرار وجود الليثيوم دليل على أن للجرم كتلة دون نجمية substellar.

 

ولما كانت الخطوط الطيفية التي يولدها الليثيوم في الأجرام السماوية الحمراء الباردة هي خطوط شديدة نوعا ما، فقد بحثت مجموعة الباحثين في جزر الكناري عن هذه الخطوط في جميع الأجرام السماوية الأشد برودة، والتي لاتزال ساطعة بما يكفي لإعطاء طيف بالنوعية المطلوبة، فلم يُبد أي منها ما يدل على وجود الليثيوم. وفي عام 1993 قام فريق آخر يضمني و<مارسي> و<R .J. گراهام> [من بيركلي] بتطبيق اختبار الليثيوم على أجرام سماوية أكثر خفوتا بالاستعانة بمقراب كيك الذي قطر مرآته عشرة أمتار والذي شيد حديثا في ماوناكيا بجزر هاواي. وفشلنا في بادئ الأمر أيضا، إلا أن الحظ حالفنا عندما قصرنا تركيزنا على حشد الثريا.

 

مقارنة بين النجوم والأقزام البنية والكواكب

تضاؤل الضيائية بمرور الزمن

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N9_H05_001359.jpg

يتبين من التطور الزمني لضيائية النجوم المنخفضة الكتلة (الخطوط الصفراء) والأقزام البنية (الخطوط الحمراء) والكواكب (الخطوط السوداء) أن النجوم ـ وحدها ـ ذات كتلة كافية لتحقيق ضيائية مستقرة، أما الضوء الصادر عن الأقزام البنية والكواكب فيتضاءل كلما هرمت. تشير البيانات الخاصة بالأقزام البنية (الصلبان السوداء) إلى مدى هرمها وثقلها.

 

وحديثا فرغ فريق من الفلكيين البريطانيين من أدق وأشمل مسح لهذا الحشد. ووجدوا عدة أجرام سماوية كان ينبغي أن يكون لها ـ بكل المقاييس ـ كتل دون نجمية. وبرهنوا على أن هذه الأجرام تشارك في الحركة الذاتية للحشد عبر السماء، ومن ثم فلا بد أن تكون أعضاء من الحشد ذاته وليست خلفية نجمية. لقد توجهنا مباشرة نحو أخفتها، وهو جرم يعرف باسم HHJ 33 متوقعين أن نجد فيه الليثيوم، لكنه لم يكن موجودا. إلا أن الفلكي <J. ستاوفر> [من معهد سميثونيان] وجَّهنا نحو هدف آخر؛ فقد كان هو الآخر يمسح حشد الثريا باحثا عن أجرام منخفضة الكتلة، وكان أن عثر على جرم محتمل (مرشح) أشد خفوتا أطلق عليه اسم PPl 155 (وهو الاختيار (المرشح) الخامس عشر في مسح مرصد پالومار لحشد الثريا). وأخيرا حالفنا النجاح: فقد اكتشفنا الليثيوم للمرة الأولى في جرم سماوي، إذ يدل وجود الليثيوم في جرم ما على أنه ذو كتلة دون نجمية. وقد أعلنّا اكتشافنا في لقاء في الشهر 6/1995 لجمعية الفلكيين الأمريكيين. ودلّت النتائج التي توصلنا إليها على أن عمر هذا الحشد يقارب 120 مليون عام، الأمر الذي يحدد كتلة PPl 155 على أنها الكتلة المقابلة للحد الأعلى لمدى كتل الأقزام البنية.

 

دورة حياة الأقزام البنية

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N9_H05_001360.jpg

يولد القزم البني من تقلص سحابة هائلة من الغاز والغبار. وبعد مرور مليون عام يغدو الجرم السماوي كرة غازية متوهجة، ربما تكون محاطة بقرص تنام قد ينشأ حوله فيما بعد كوكب سيار. (لم يكشف حتى اليوم عن كواكب تدور حول أقزام بنية، ومازال وجود هذه الكواكب ومداراتها المحتملة محض افتراض). وبمرور الزمن يتقلص القزم البني ويتبرد. إن أنصاف الأقطار ودرجات الحرارة السطحية المبينة هنا تعود إلى جرم تعادل كتلته 40 مرة قدر كتلة المشتري.

تتبع الأقزام البنية في بداية تكونها النمط نفسه الذي تتبعه النجوم، ويعتقد أن كليهما ينشأ عن الانهيار الثقالي لسحب الغاز والغبار البينجمية. وتتألف هذه السحب بالدرجة الأولى من الهدروجين والهليوم، إلا أنها تحتوي منذ البداية على مقادير ضئيلة من الدوتيريوم والليثيوم، وهي بقايا تفاعلات نووية حدثت بعيد الانفجار الأعظم ببضع دقائق.

عندما تتقلص النجوم الفتية والأقزام البنية تتنامى درجة حرارة قلوبها وكثافاتها، وتندمج نوى الدوتيريوم مكونة نوى هليوم 3. (يمكن أن يحدث اندماج نوى الدوتيريوم في الأقزام البنية، لأن اندماجها يتطلب درجة حرارة أخفض ـ ومن ثم كتلة أقل ـ مما يتطلبه اندماج الهدروجين). إن تدفق الطاقة من هذه التفاعلات يحول مؤقتا دون استمرار التقلص الثقالي، ويحمل الأجرام على السطوع، إلا أن الدوتيريوم ينفد بعد بضعة ملايين من السنين، ويُستأنف التقلص ثم يحدث اندماج الليثيوم في النجوم وفي الأقزام البنية التي تزيد كتلتها على كتلة المشتري 60 مرة.

ويزداد الضغط الحراري في قلب القزم البني أثناء تقلصه، وهذا ما يعوق فعل القوى الثقالية. وتتحرر جميع الإلكترونات من نواها بفعل الحرارة. ولما كان من المتعذر أن يشغل إلكترونان الحالة الكمومية نفسها، فإذا كان قلب الجرم السماوي كثيفا جدا، امتلأت السويات الطاقية الدنيا، مما يدفع بالعديد من الإلكترونات لتشغل سويات طاقية عالية جدا، وهذا ما يولد نوعا من الضغط الذي لا يتأثر بالحرارة. وتسمى الأجرام السماوية التي تجرى فيها عمليات كهذه بالمتردية degenerate. ومن تبعة ذلك أن تكون جميع الأقزام البنية بحجم المشتري تقريبا. وبالطبع فإن الأقزام البنية الأثقل تكون أشد كثافة من الأقزام الأخف.

أما قلوب النجوم فلا تصبح متردية، بل يولد اندماج الهدروجين ضغطا يدعم النجم ضد ثقالته الذاتية. فما إن تبدأ عملية الاندماج فعلا حتى يتوقف النجم عن التقلص ليتحقق ثبات حجمه وضيائيته ودرجة حرارته. أما في الأقزام البنية ذات الكتلة الكبيرة فإن اندماج الهدروجين يبدأ فيه ولا يلبث أن يتوقف. وفيما يؤدي ضغط التردي إلى انهيار الأقزام البنية فإن  ضيائيتها الناشئة عن التقلص الثقالي تتضاءل. ومع أن النجوم ذات الكتل الصغيرة جدا قد تسطع مدة تصل إلى تريليونات السنين، فإن إضاءة الأقزام البنية تخبو تدريجيا حتى تؤول إلى العدم. ومن شأن ذلك أن يزيد في صعوبة كشفها كلما هرمت. وفي المستقبل البعيد عندما تحترق جميع النجوم وتنطفئ ستكون الأقزام البنية المستودع الأساسي للهدروجين في هذا الكون.

 

وفي واحد من أوجه التقارب المثيرة التي تحدث أحيانا في المجالات العلمية، قدمَتْ كذلك فرق بحث أخرى دليلا قويا على وجود الأقزام البنية في عام 1995. فقد كانت مجموعة الباحثين في جزر الكناري تقوم بدراسة معمقة لحشد الثريا، وكان أن وجدت جرمين أخفتَ حتى من PPl 15 هما: Calar 3 و Teide 11، نسبة إلى اسمي مرصدين إسبانيين، واستنتجت المجموعة أن كتلة كل منهما أقل 60 مرة من كتلة المشتري. وفي نهاية العام التحقت شخصيا بفريق جزر الكناري وتثبَّتنا من وجود الليثيوم في كلا الجرمين المكتشفين. لقد ساور الفلكيين بعضُ الشك حول هذه الأجرام لبضعة أشهر بادئ الأمر ـ إذ بدت بالفعل كالنجوم تماما ـ إلا أن الاكتشافات اللاحقة أوضحت بجلاء أن الأقزام البنية اليوم أصبحت حقيقة واقعة.

 

الكواكب مقارنة بالأقزام البنية

هل ثمة فرق أساسي بين أكبر الكواكب وأصغر الأقزام البنية؟ تقضي النظرة التقليدية بأن الكواكب تتكون بطريقة مغايرة للطريقة التي تتكون بها الأقزام البنية أو النجوم. ويسود الاعتقاد بأن الكواكب الغازية العملاقة تنشأ عن تراكم كويكبات ـ وهي أجسام صغيرة صخرية أو جليدية ـ تتوسط قرصا من غاز وغبار يحيق بنجم. وبمرور بضعة ملايين من السنين تجذب هذه القلوب (اللباب) الصلبة أغلفة غازية ضخمة. ينبني هذا النموذج أساسا على منظومتنا الشمسية، حيث يتنبأ بضرورة أن تتخذ جميع الكواكب مدارات دائرية حول النجوم، وأن تتحرك الكواكب الغازية العملاقة في مدارات بعيدة نسبيا.

لم تصمد هذه التنبؤات أمام اكتشاف أول الكواكب العملاقة خارج المنظومة الشمسية، فقد وُجدت معظم هذه الأجرام في مدارات متقاربة، ويدور معظمها في مدارات بيضوية لامركزية وليست دائرية، حتى إن بعض العلماء النظريين تنبؤوا بوجود كواكب منفردة طريدة من منظوماتها النجمية بفعل التآثرات المدارية مع كواكب شقيقة، الأمر الذي يجعل من الصعوبة بمكان على الراصدين التمييز بين الكواكب والأقزام البنية استنادا إلى كيفية وأماكن تشكلها، وكذلك موقعها الحالي وحركتها. فقد نجد أقزاما بنية منفردة، كما يمكن أن نجدها كمرافقات مدارية لنجوم، أو حتى لأقزام بنية أخرى. وقد يكون الأمر كذلك للكواكب العملاقة.

وثمة نظرة بديلة تستقطب المزيد من الأنصار، مؤداها التمييز بين الكواكب والأقزام البنية، اعتمادا على ما إذا كان الجرم السماوي قد ولّد أي تفاعلات اندماجية نووية. وبموجب وجهة النظر هذه يقع الخط الفاصل عند كتلة تساوي نحو 13 مرة قدر كتلة المشتري. فإذا كانت الكتلة أكبر من ذلك حدث اندماج نوى الدوتيريوم في الجرم السماوي. وتدل حقيقة أن الأقزام البنية أقل شيوعا من الكواكب ـ على الأقل كمرافقات لأكبر النجوم كتلة ـ على أن النوعين من الأجرام السماوية قد تكوّنا بآليتين مختلفتين؛ مع أن التمييز على أساس التفاوت في الكتلة أكثر سهولة في الرصد.

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N9_H05_001361.jpg

يبين تدرج الأجرام السماوية بدءا من الكواكب وحتى النجوم (في الأسفل) أن الأقزام البنية الهرمة من أمثال Gliese 229B مماثلة إلى حد ما للكواكب الغازية العملاقة من حيث الحجم ودرجة حرارة السطح. أما الأقزام البنية الفتية من أمثال Teide 1 فهي تماثل إلى حد كبير النجوم الصغيرة الكتلة مثل Gilese 229A. فالأقزام البنية والنجوم الصغيرة الكتلة تسودها تيارات حمل عنيفة، بمعنى أنها تمزج محتوياتها (في اليسار). وهنا تدمر التفاعلات النووية الحرارية الحاصلة في قلوب النجوم كل الليثيوم فيها، ومن ثم فإن وجود الليثيوم في جرم سماوي قد يكون دليلا على أنه قزم بني.

 

في الوقت ذاته، أعطى بحث مختلف تماما نتائج مذهلة. فقد قام فريق من الفلكيين في معهد كاليفورنيا للتقانة وجامعة جونز هوپكنز بتقصي أقزام بنية مرافقة لنجوم مجاورة منخفضة الكتلة. وجهَّزوا المقراب الذي قطر مرآته متر ونصف المتر في پالومار بوسيلة حجبت معظم الضوء الوارد من النجم الرئيسي، الأمر الذي أتاح رؤية مرافقه القريب الخافت بسهولة ويسر. وفي عام 1993 تمكنوا من رصد عدة أقزام بنية محتملة (مرشحة). وللتأكد من أن هذه النجوم ليست خلفية نجمية، انتظروا سنة كاملة، ثم التقطوا صورا أخرى. ولما كانت الأهداف المنشودة قريبة نسبيا من منظومتنا الشمسية، فإن حركتها عبر المجرة كانت ملحوظة بالنسبة إلى الخلفية النجمية، فإذا كان الجرم المختار مرافقا حقا فإنه سيشترك في هذه الحركة. وقد وُجد أن أحد النجوم المرافقة المؤكدة أخفتُ ألف مرة من نجمه الرئيسي، وهو النجم Gliese 229A  ذو الكتلة المنخفضة. ولما كان من المعروف أن النجم الرئيسي خافت فعلا فإن ضيائية النجم المرافق لا بد أن تكون أدنى من ضيائية أخفتِ النجوم. ولقد لاذت مجموعة البحث بالصمت حتى حصلت على طيف الأشعة تحت الحمراء لهذا الجرم.

 

في لقاء ورشة عمل عُقِدت في الشهر 10/1995 في كامبردج حول النجوم الباردة والمنظومات النجمية والشمس، أعلن فريق كالتك/جونز هوپكنز اكتشافه للنجم Gl 229B، وهو القزم البني المرافق للنجم Gl 229A. وكان من الواضح أنه من الصنف دون النجمي بحكم خفوته. وكانت الحجة الدامغة اكتشاف الميثان في طيفه. فالميثان غاز ينتشر وجوده في الأغلفة الجوية للكواكب العملاقة، بيد أن كافة النجوم فائقةُ الحرارة لدرجة لا تسمح بتشكله، ومن ثم فإن وجود هذا الغاز بغزارة في Gl 229B  كان دليلا على أن هذا الجرم لا يمكن أن يكون نجما. وفي اللقاء ذاته أعلن فريق جزر الكناري عن رصد عدد من الأقزام البنية المحتملة (المرشحة) الجديدة في حشد الثريا، وأن هذه الأجرام قد تكون موجودة بأعداد كبيرة نسبيا. وعلاوة على ذلك، فإن فريق عمل يقوده <M. مايور> [من مرصد جنيڤ في سويسرا] أعلن عن اكتشافه لأول كوكب خارج نطاق المنظومة الشمسية extrasolar، وهو كوكب غازي عملاق يدور حول النجم 51 پيگاسيPegasi. وهكذا، فإن البحث المخيب للآمال عن أجرام دون نجمية أسفر ـ ذات صباح ـ عن نتيجة مثيرة.

 

يرى معظم الفلكيين في الجرم السماوي Gl 229B أول قزم بني مكتشف لا يرقى إليه الشك، ذلك لأنه أخفت من الشمس مليون مرة، ولأن درجة حرارة سطحه لا تصل إلى 1000 كلڤن ـ وهي دون أدنى درجة يمكن أن يولدها أخفت نجم (قرابة 1800 كلڤن). وقد آل الجرم إلى هذه الحالة؛ لأن عمره ناهز بضعة بلايين من السنين. إننا لا نعلم على وجه الدقة عمره الحقيقي، وهذا ما يلقي ببعض الشك حول كتلته، إلا أنها من المحتمل أن تكون أكبر من كتلة المشتري بنحو 30 و 40 مرة في حين أن الأجرام السماوية PP1 15 و Calar 3 و Teide 1 في حشد الثريا هي أكبر كتلة (50-70 مرة كتلة المشتري) وأشد حرارة بكثير (إذ تتراوح درجة حرارة سطوحها بين 2600 كلڤن و2800 كلڤن)، ويعزى ذلك في المقام الأول إلى أنها أكثر فتوة بكثير.

 

ما إن ثبتت أساليب الكشف عن الأقزام البنية حتى توالى اكتشافها بمعدل متسارع. وعاودت عدة فرق عمل البحث في حشد الثريا. فاكتشف فريق جزر الكناري ـ الذي أصبح يضم الآن <Z .R .M.  أوسوريو> [من معهد الفيزياء الفلكية] قزما بنيا في حشد الثريا لا تتجاوز كتلته 355 مرة قدر كتلة المشتري، وهو أخف ما وجد من الأقزام البنية وزنا في الحشد كله. والأهم من ذلك أن فريق جزر الكناري أجرى أول تقدير مجدٍ لعدد الأقزام البنية في حشد الثريا، وذلك عن طريق حصر عدد الأقزام البنية المحتملة (المرشحة) في منطقة صغيرة من السماء، ومن ثم استقراء عددها في الحشد كله، فأشارت نتائجهم إلى أن عدد الأقزام البنية في حشد الثريا يقارب عدد النجوم فيه. وإذا كان هذا الأمر صحيحا فهذا يعني أن مجرتنا وحدها تشتمل على مئة بليون قزم بني. لكنه يعني أيضا أن الأقزام البنية لا تشكل العنصر الغالب من كتلة الكون لأنها أخف وزنا من النجوم بكثير. وهكذا فقد تلاشت الآمال المعلقة عليها في الإجابة عن كنه المادة الخفية في الكون.

 

وركّز باحثون آخرون على كيفية توزع الأقزام البنية تبعا لكتلها: ما هي أقل كتلة يمكن أن يبلغها قزم بني؟ وهل هناك تدرّج (تنازلي) لكتل هذه الأجرام وصولا إلى مدى الكتل الكوكبية ـ أي دون 13 مرة قدر كتلة المشتري ـ أم أن هناك فجوة بين أقل الأقزام البنية كتلة وأثقل الكواكب بسبب اختلاف آليات تكوّنها؟ لعل أفضل موقع للإجابة عن هذه التساؤلات هو في الحشود النجمية التي في طور التكوين، حيث الأقزام البنية المنخفضة الكتلة مازالت ساطعة بما يكفي لرصدها ورؤيتها. وقد أظهر مسح أجراه فلكيون يابانيون لكوكبة الثور Taurus، وكذلك مسح قام به فريق جزر الكناري وبيركلي لكوكبة الجبار Orion وجود أجرام تربو كتلتها قليلا على 133 مرة قدر كتلة المشتري. وهكذا يبدو أن الأقزام البنية تتراوح كتلها بين كتل الكواكب وكتل النجوم [انظر ما هو مؤطر في الصفحة 37].

 

واستخدم <مايور> وفريقه تقانة إزاحة دوپلر للبحث عن مرافقات دون نجمية لما يقارب 600 نجم مشابه لشمسنا، وفي عام 1997 أعلن الفريق اكتشاف عشرة أقزام بنية محتملة. على أن فكرة صحراء الأقزام البنية ظلت سائدة، بالنظر إلى أن معدل النجاح في كشف الأجرام السماوية المرافقة للأقزام البنية كان أقل من معدل النجاح في كشف كواكب ما وراء المنظومة الشمسية ـ كما أن اكتشاف الأقزام البنية أيسر بكثير باستخدام تقنية انزياح دوپلر. ولقد أشارت الدراسات الحديثة التي تناولت تحليل نتائج الاختبارات المستنبطة من الساتل (القمر الصنعي) هيپاركوس Hipparcos (الذي أجرى قياسات دقيقة لمواقع النجوم) إلى أن ما لا يقل عن نصف عدد الأجرام السماوية التي اختارها مايور كأقزام بنية محتملة ما هي في الواقع إلا نجوم منخفضة الكتلة، وهذا ما جعل صحراء الأقزام البنية أشد خواء. وقد أكدت دراسات <مارسي> المستمرة لعينة أكبر من نجوم من صنف الشمس ندرة الأقزام البنية المرافقة لهذه النجوم.

 

ومع ذلك فقد تكون الأقزام البنية أكثر شيوعا كمرافقات لنجوم منخفضة الكتلة. ففي عام 1998 اكتشف ريبولو وزملاؤه قزما بنيا يدور حول النجمG196-3. وعلى الرغم من حداثة هذا القزم البني فهو بارد تماما، الأمر الذي يدل على صغر كتلته التي قد لا تتجاوز 20 مرة قدر كتلة المشتري. وكذلك اكتشفت عدة أقزام بنية رفيقة تدور حول نجوم حديثة التكوّن. والآن تم تعرّف أول نظم ثنائية تشتمل على زوج من الأقزام البنية. ومن خلال عملي مع <مارتن> تأكد لي أن القزم البني PPl 15 من حشد الثريا هو في الواقع زوج وثيق close pair من الأقزام البنية، دورته المدارية ستة أيام! وبالتعاون مع الفلكي الألماني <W. براندنر> قمنا حديثا بالتقاط صور لزوج وثيق من الأقزام البنية (القريبة)، سيكون من شأنه أن يقدم خلال عقد من الزمان أول دليل ديناميكي على كتل الأقزام البنية.

 

توحي هذه الأرصاد بأن صحراء الأقزام البنية ليست إلا تعبيرا عن نقص في عدد الأقزام البنية كمرافقات لنجوم أكبر كتلة. أما عند البحث في جوار الأجرام السماوية الصغيرة الكتلة (سواء أكانت نجوما أم أقزاما بنية) فإن احتمال وجود مرافق لقزم بني هو احتمال أقوى بكثير. وأغلب الظن أن هذا الاختلاف ناجم عن الآلية التي تولد بموجبها المنظومات الثنائية، وهو أمر لا نزال نعجز عن فهمه تماما. ويبدو من غير المحتمل أن تؤدي هذه الآلية إلى توليد نظام تكون فيه كتلة الجرم السماوي الأساسي أكبر من نحو 10 مرات قدر كتلة الجرم السماوي الثانوي.

 

أقزام بنية في كل مكان

وجد الفلكيون مزيدا من الأقزام البنية باستخدام تقنية بحث أخرى تتمثل في البحث عنها في مواقع عشوائية من السماء، إذ من السهل أن تضيع هذه الأقزام البنية «الحقلية» بين العدد الذي لا يحصى من النجوم في مجرتنا. ولتحديد مواقع هذه الأجرام تحديدا فاعلا يتعين التقاط صور لقطاعات واسعة من السماء، على أن تكون هذه الصور شديدة الحساسية للمنابع الضوئية الحمراء الخافتة. ولقد أعلنت <T .M. رويز> [من جامعة تشيلي] عام 1997 عن اكتشاف أول قزم بني حقلي من هذا القبيل، وأطلقت عليه اسم Kelu-1، اشتقاقا من كلمة تعني «الأحمر» بلغة الهنود في جنوب أمريكا، ولاحظت وجود الليثيوم فيه. وفي الوقت نفسه تقريبا اكتُشفت ثلاثةُ أجرام سماوية مماثلة عن طريق مسح عميق في المدى تحت الأحمر القريب من خلال المشروع الأوروبي (DENIS) الذي مُسح بموجبه نصف الكرة الجنوبي من السماء، وسرعان ما تحقق الباحثون من أن أحدها يحتوي على الليثيوم.

 

إن الاستمرار في دراسة هذه الأجرام السماوية أوحى بالدلالات الأولى لتركيب الأغلفة الجوية للأقزام البنية، فأطيافها الضوئية تفتقر إلى أكسيد التيتانيوم وأكسيد الفناديوم اللذين يغلبان على أطياف الكثير من النجوم ذات الكتل المنخفضة. ولا تظهر هذه الجزيئات في أجواء الأقزام البنية، لأن مكوناتها من العناصر الثقيلة تتكاثف لتغدو حبيبات غبار يصعب انصهارها. وبدلا من ذلك فإن خطوط الطيف الضوئي الأساسية تأتي من معادن قلوية متعادلة كالصوديوم والبوتاسيوم والروبيديوم والسيزيوم، وفي بعض الأحيان الليثيوم.

 

وتمكنت الدراسة المسماة «The Two Micron All-Sky Survey  2 MASS )» والتي  قامت بها جامعة ماساتشوستس، من اكتشاف المزيد من الأقزام البنية الحقلية. إذ وجد ما يقارب 100 جرم سماوي بارد جدا، يحتوي نحو 20 منها على الليثيوم، وتتراوح درجة الحرارة السطحية لأغلبها ما بين 1600 كلڤن و2200 كلڤن، وعليه فلا بد أن عمرها يقل عن بليون عام. ونظرا لحداثتها فمازالت ساطعة نسبيا، ومن ثم فإن رصدها يكون أسهل من رصد الأجرام السماوية الهرمة.

 

خابت مساعي البحث عن الأقزام البنية الحقلية الهرمة إلى أن جاء صيف عام 1999 عندما اكتشف المسح الرقمي للسماء المعروف باسم Sloan Digital SkySurvey وجود قزمين بنيين يحتوي جوّهما على الميثان. يشير وجود الميثان إلى أن درجة حرارة السطح هي دون ال13000 كلڤن، ومن ثم إلى عمر يزيد على بليون أو بليوني عام. وفي الوقت ذاته أعلن فريق 2MASS عن رصد أربعة أجرام أخرى  مماثلة. إن معظم الأقزام البنية الموجودة في مجرتنا ينبغي أن تحتوي على الميثان، لأن أغلبها قد تكوَّن منذ زمن بعيد، ومن المؤكد أنها تبرّدت الآن إلى تلك الحالة. وعليه فإن هذه الاكتشافات ما هي إلا إرهاصات لاكتشاف المزيد مستقبلا. وبالفعل فقد خلص كلا فريقي 2MASS و DENIS إلى أن عدد الأقزام البنية الحقلية في المناطق التي جرى مسحها مماثل لعدد نجوم الكتلة المنخفضة في تلك المناطق، وهذا ما ينسجم مع نتائج الاكتشافات السابقة المتصلة بحشد الثريا، والتي تفيد أن وفرة الأقزام البنية مقاربة لوفرة النجوم.

 

هذا وقد آذنت مرحلة الاكتشاف الأولية على الانتهاء؛ فقد غدا الفلكيون متسلحين اليوم بوسائل فاعلة للكشف عن الأقزام البنية وغيرها من الأهداف الكثيرة التي تتطلب دراسة علمية مستفيضة. وخلال السنوات القليلة المقبلة سيتناول العلماء الحقائق الأساسية حول الأقزام البنية بصورة أفضل وأجدى، من حيث أعدادها وكتلها وتوزيعها في مجرتنا. وسيحاول الباحثون أيضا تحديد آلية تكونها على هيئة مرافقات للنجوم أو أجرام منفردة، والعمليات التي تحدث أثناء تبرّد أغلفتها الجوية. ومما يدهش حقا أن هذه الأجرام ـ على وفرة عددها الذي يناهز عدد النجوم ـ لم تكشف عن أسرارها إلا حديثا.

 

 المؤلف

Gibor Basri

يعمل باسري أستاذا في قسم الفلك بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وحصل على الدكتوراه في الفيزياء الفلكية من جامعة كلورادو في بولدر عام 1979. درس النجوم من صنف الشمس والنجوم المنخفضة الكتلة، كما درس تكوُّن النجوم مستخدما أنواعا مختلفة من المقاريب، بما فيها تلك الموجودة في مرصدي ليك وكيك وكذلك التجهيزات الفضائية كمقراب هبل الفضائي. وهو حريص على تعزيز الاهتمام بالعلوم في الأوساط التي لا ُتبدي اهتماما كافيا بها في الوقت الحاضر.

مراجع للاستزادة 

BROWN DWARFS: A POSSIBLE MISSING LINK BETWEEN STARS AND PLANETS. S. R. Kulkarni in Science, Vol. 276, pages 1350-1354; May 30, 1997.

PLANET QUEST: THE EPIC DISCOVERY OF ALIEN SOLAR SYSTEMS. Ken Croswell. Free Press, 1997.

BROWN DWARFS AND EXTRASOLR PLANETS. Edited by R. Rebolo, E. L. Martin and M. R. Zapatero Osorio. Astronomical Society of the Pacific Conference Series, Vol. 134, 1998.

More on brown dwarfs is available at astron.berkeley.edu/-basri/bdwarfs/ on the World Wide Web.

Scientific American, April 2000

 

(*) The Discovery of Brown Dwarfs

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى