أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

الأيام المبكرة في حياة نجم

الأيام المبكرة في حياة نجم(*)

ليتكون نجم من النجوم، لا بد من تساقط الغاز والغبار

نحو الداخل. تُرى، لِمَ يرى الفلكيون المادة تتدفق نحو الخارج؟

<P .Th. رِيّ>

 

لو كنتَ في نصف الكرة الشمالي، وخرجتَ في إحدى ليالي الشتاء، ووجهتَ نظرك مباشرة شطر الجنوب في منتصف الليل تقريبا. سترى عندئذ كوكبة الجبّار الصيّاد Orion the Hunter، التي ربما تكون أشهر المجموعات النجمية المعروفة بعد كوكبة الدب الأكبر. وتحت نطاق كوكبة الجبّار مباشرة، الذي تميزه بوضوح ثلاثة نجوم جليّة واقعة على استقامة واحدة، هناك يقع سيف كوكبة الجبّار Sword of Orion، الذي توجد في مركزه رقعة صغيرة باهتة وغير واضحة. إن هذه المنطقة التي تدعى سديم الجبار Orion Nebula  تمثل بيت حضانة نجميا  عملاقا يحوي آلافا من النجوم المولودة حديثا.

 

تعتبر كوكبة الجبّار مكانا ملائما لدراسة ولادة النجوم بسبب قربها النسبي منّا ـ إذ تبعد عنّا 1500 سنة ضوئية فقط ـ وهي تحوي خليطا جيدا من النجوم ذات الكتل الصغيرة والكبيرة، كما تحوي كميات ضخمة من الغاز والغبار في تشكيل يسمى غيمة (سحابة) جزيئية molecular cloud. من المعروف أن مثل هذه الغيوم توفر المواد الخام اللازمة لتوليد نجوم جديدة. وقد يكون ما يحدث الآن في كوكبة الجبّار تكرارا لما حدث في موقعنا من مجرة درب التبانة قبل خمسة بلايين سنة، حين نشأت الشمس وكواكبها للمرة الأولى.

 

إن فهم كيفية تكوّن النجوم والكواكب هو أحد مواضيع علم الفلك الجوهرية التي مازالت حتى عهد قريب، غير مفهومة جيدا. لقد عرف الفلكيون، قبل عشرين سنة، عن الدقائق الثلاث الأولى من عمر الكون أكثر مما عرفوه عن أول ثلاثة بلايين يوم من عمر نظامنا الشمسي. ولم يبدأوا بالحصول على الأجوبة عن الأسئلة المطروحة في هذا الموضوع إلا في العقد الماضي. وقد تبين أن النجوم في طفولتها تشبه نماذج مصغرة لقلب كوازار quasar  مصحوب بدفقات عنيفة من المادة مندفعة بقوة نحو الخارج بفعل حقول (مجالات) مغنطيسية كاسحة. وليست ينابيع الشباب النجمية هذه مناظر رائعة فحسب، بل إنها تساعد أيضا على حل المحيّرات paradoxes التي طالما أرهقت تفكير الفلكيين.

 

نتائج العاملين النجميين

للنظرية التي تفسر كيفية تكون النجوم والكواكب تاريخ حافل. فقبل نحو 200 سنة، قدم الرياضياتي الفرنسي <S .P. لاپلاس> الفكرة التي مفادها أن النظام الشمسي تولد من غيمة مدوِّمة من الغاز. وقد ذهب إلى أن الثقالة سحبت معظم الغاز إلى مركز الغيمة، مكوِّنة بذلك الشمس. وفي الوقت نفسه، لم تمتص الشمس الفتية بعض مادة هذه الغيمة بسبب تدويم المادة، ومن ثم آلت هذه المادة إلى قرص، ثم أسفرت هذه الرواسب أخيرا عن الكواكب. وتبعا للمحاكيات العددية الحديثة لهذه العملية فإنه حالما تبدأ الغيمة المدوِّمة بالانهيار، فإنها تشرع بسرعة في تكوين نجم واحد أو أكثر، وقرص من الكواكب الأوليةprotoplanets، وغلاف متخلف من الغاز (ذرات وجزيئات مفردة)، وغبار (تكتلات من الذرات والجزيئات)(1).

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N12_H04_003556.jpg http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N12_H04_003557.jpg

منطقة ولادة النجوم في سديم الجبّار (الصفحة المقابلة) التي نشأت فيها مئات النجوم الجديدة. تحيط بالمنطقة غيمة جزيئية غير مرئية لكنها ضخمة ـ إذ إنها تحوي، في منطقة قطرها 300 سنة ضوئية، ما يحويه مليون شمس من الغبار والغاز. هذا وإن النجوم الفتية في سديم الجبّار موجودة في أقراص من المادة حجمها يعادل حجم نظامنا الشمسي (في الأعلى)؛ وقد يكون ثمة كواكب في طور التكوين حاليا حول بعض هذه الأقراص.

 

وعموما، لم يحظ نموذج لاپلاس بالقبول. فقد كان ثمة نظريات منافسة ظلت متداولة إلى ما قبل بضعة عقود فقط، مثل تلك الفكرة التي تذهب إلى أن الكواكب نشأت عن مادة اقتطعها نجم عابر من الشمس. وكان الارتياب في نموذج لاپلاس رصديا في المقام الأول: فاختبار النموذج يتطلب إمكانات فلكية أعلى بكثير مما كان متاحا قبل 30 عاما، مثلا، وذلك يعود لسببين: أولهما أن سحابة الغاز والغبار المتخلفة تحجب رؤيتنا لذات المنطقة التي يجب دراستها. وثانيهما أن أقراص الكواكب الأولية تقابل زوايا صغيرة جدا في السماء: فإذا كانت المسافة بين الشمس وكوكب پلوتو (ستة بلايين كيلومتر) نموذجية لمقياس الأقراص، فإن المقاريب التقليدية المقامة على الأرض يمكن أن تميز الأقراص التي تبعد عنا مسافة تصل إلى 200 سنة ضوئية فقط. ومجرد بناء مقاريب أضخم لن يحل المشكلة بسبب الجو الذي يجعل التفاصيل غير واضحة.

 

هذا وقد سببت المشكلات النظرية أيضا الحرج للفلكيين. فحين يبلغ العمر الشبابي للنجوم الشبيهة بالشمس 000 100 سنة ـ فإنها تدور حول نفسها مرة واحدة كل بضعة أيام، وتكون أضخم أربع أو خمس مرات من الشمس المكتملة النمو. وحينما تتقلص مثل هذه النجوم، يجب أن تدوِّم بسرعة أكبر، تماما مثل المتزحلقين على الجليد الذين يضمون أياديهم نحو أجسامهم. لكن الشمس تباطأ دورانها حول نفسها بوضوح، إذ يستغرق دورانها حول محورها حاليا شهرا واحدا. وهذا يعني أن شيئا ما خفض من زخمها الزاوي angularmomentum. لكن ما هذا الشيء؟

 

ثمة أحجية أخرى تتمثل في كيفية بقاء الغيوم الجزيئية طوال هذه المدة منذ نشأتها. إن الثقالة تحاول إجبارها على الانهيار، إذ يتعين على هذه الغيوم، إذا لم يتوفر لها الدعم الضروري، أن تنفجر نحو الداخل خلال مليون سنة تقريبا. لكن يبدو أن هذه الغيوم، في واقع الأمر، بقيت على قيد الحياة طوال بضع عشرات من ملايين السنين. تُرى، ما الذي ساعدها على ذلك؟ فالضغط الحراري غير مؤهل تماما لهذه المساعدة لأن الغيوم باردة جدا، فدرجة حرارتها لا تتجاوز 10 أو 20 درجة كلڤن. ربما كان الدفق المضطرب turbulence هو السبب، لكن ما الذي يمكن أن يولده؟ في الغيوم الجزئية العملاقة، مثل غيمة الجبّار، تقوم الرياح وموجات الصدم التي تولِّدها النجوم الضخمة المطمورة في الغيمة، بتحريك الأشياء، بيد أنه لا يوجد في كثير من الغيوم الصغيرة الساكنة نجوم ضخمة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N12_H04_003558.jpg

 

في أواخر السبعينات من القرن العشرين ذُلِّلَت أول عقبة رصدية ، حين بدأ الفلكيون برصد مناطق نشوء النجوم بأطوال موجية تخترق حجاب الغبار. ومع أن حبيبات الغبار تمتص الضوء المرئي، فلها تأثير ضعيف في الأطوال الموجية الأكبر كثيرا من الحبيبات التي أقطارها ميكرون واحد تقريبا. وبدراسة مناطق، مثل غيمة الجبّار الجزيئية، بأطوال موجية مليمترية ـ التي تمثل جزءا، لم يُكتَشف سابقا، من الطيف المحصور بين النطاقين تحت الأحمر والراديوي ـ كشف الفلكيون تكتلات باردة وكثيفة أقطارها، نموذجيا، سنة ضوئية. وهذه التكتلات التي تسمى قلوبا جزيئية molecular cores، تحوي من الغاز بقدر ما تحويه بضع شموس؛ وسرعان ما جرت المطابقة بينها وبين غيوم لاپلاس المدوِّمة.

 

من الوحل إلى نجم

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N12_H04_003559.jpg

يبدأ النجم بالاندماج حين يقوم اضطراب ما ـ كانفجار مستعر أعظمي قريب ـ بجعل غيمة من الغاز والغبار تنهار.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N12_H04_003560.jpg

تكتلات من الغاز والغبار في المركز، محاطة بغلاف من المادة وبقرص مدوم. وتقوم القوى المغنطيسية بتوجيه النفثات الدافقة على طول المحور.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N12_H04_003561.jpg

تواصل المادة انهمارها على القرص. يتدفق عُشرها تقريبا خارجا في جريان غير منتظم دافعا الغاز المحيط بالقرص للخارج.

 

وكما يحدث غالبا في علم الفلك، برزت في الحال أحجيات جديدة. ومع أن ثمة عددا قليلا من القلوب الجزيئية التي يبدو أنها آخذة في الانهيار، فإن معظمها مستقر بوسائل غير مفهومة تماما. وما يُحدِثُ انهيارها في النهاية غير مؤكد أيضا، لكنه ربما كان دفعا خارجيا ناتجا، مثلا، من انفجارِ مستعرٍ فائق قريب. وأعقد هذه الأحجيات تتعلق بالاتجاه الذي تتحرك المادة فيه. ووفقا لفرضية لاپلاس، تنشأ النجوم عن التنامي التثاقلي لمادة الغيمة، ومن ثم توقَّع الفلكيون رؤية علامات على غاز يتهاوى باتجاه داخل القلوب الجزيئية.

 

وكم كانت دهشة الفلكيين عارمة حين اكتشفوا أن الغاز، الموجود على شكل جزيئات (وليس على شكل ذرات أو أيونات)، يتجه في واقع الحال نحو الخارج. وعادة ما يُعثر على فصّين عملاقين من الغاز الجزيئي قابعين على كل من جانبي نجم فتي. ولهذين الفصّين، اللذين يبلغ طولهما، نموذجيا، بضع سنوات ضوئية، كتلتان شبيهتان بكتلة النجم الفتي نفسه، أو حتى أكبر منهما، كما أن كلا منهما يتباعد عن الآخر بسرعات تبلغ عشرات الكيلومترات في الثانية(2).

 

النفثات المتدفقة من المخزن

تتسم الفصوص الجزيئية بِشَبَهٍ غريب لفصوص الپلازما الحارة الهائلة الحجم، التي تُرى قرب المجرات القريبة النشيطة مثل الكوازارات. لقد عرف الفلكيون طوال سنين أن النفثات الدافقة(3) jets  تولِّد هذه الفصوص. ويمكن لهذه النفثات، المنبثقة خارج مجرات نشيطة بسرعات قريبة من سرعة الضوء، أن تمتد مسافات تعادل عدة ملايين من السنين الضوئية [انظر: «إطلالة جديدة على أشباه النجوم»، مجلة العلوم، العدد 5(1999)، ص 54]. تُرى هل يمكن لنسخة مصغرة جدا من هذه النفثات أن تدفع أيضا الفصوصَ الجزيئية في مناطق تكوُّن النجوم؟

 

انبثقت هذه الفكرة من اكتشافٍ أنجزه في مطلع الخمسينات من القرن العشرين الفلكيان <H .G. هيربيگ> و <G. هارو>. فقد اكتشف هيربيگ [الذي كان يعمل حينذاك في مرصد ليك Lick بشمال كاليفورنيا] وهارو [من مرصد تونانتزينتلا Tonantzintla في المكسيك] كل على حدة، لطخات باهتة غير واضحة في كوكبة الجبّار. كان يُظن في البداية أن هذه الغيوم الصغيرة ـ التي تعرف الآن بأجسام «هيربيگ-هارو» ـ هي مواقع تتكون فيها النجوم. (تكرر بعض كتب الفلك الشائعة هذه النظرية الخاطئة حتى يومنا هذا). لكن في عام 1975، تحقق <D .R. شوارتز> [الذي كان يعمل حينذاك في جامعة كاليفورنيا بسانتا كروز] أن طيف جسم هيربيگ-هارو يشبه، إلى حد بعيد، طيف المادة التي تخلّفت من مستعر أعظمي. وقد وَجَد من انزياح دوپلر Doppler shifting للخطوط الطيفية أن أجسام هيربيگ-هارو تتحرك بسرعات تصل إلى بضع مئات من الكيلومترات في الثانية.

 

هذه السرعات أبطأ من سرعة حركة بقايا مستعر أعظمي نموذجي، لكن شوارتز رأى أن المبادئ هي نفسها ـ بمعنى أن أجسام هيربيگ-هارو هي غاز مسخَّن يتدفق خارجا من أحد النجوم. وتتولّد الحرارة، كما في سائر المستعرات الأعظمية، نتيجة حركة الغاز نفسه؛ وتحوِّل موجات الصدم قسمًا من الطاقة الحركية إلى طاقة حرارية ثم إلى إشعاع. وقد لاقت فكرة شوارتز تأييدا أكثر عندما نظر الفلكيون إلى صور فوتوگرافية لأجسام هيربيگ-هارو، مأخوذة على مدد زمنية يفصلها سنوات عدة؛ لقد كانت متحركة حقا. وبوساطة الاستكمال الخارجي extrapolation إلى الوراء في غابر الزمن، استنتج الفلكيون مصدر أجسام هيربيگ-هارو. ومن المؤكد أنه كان نجما لا يتجاوز عمره بضع مئات من آلاف السنين.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N12_H04_003562.jpg

مادة قرص تتكتل مكونة نوى كوكبية، أما الأغلفة والنفثات فتتبدد. وبحلول هذه المرحلة تكون مليون سنة قد مضت.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N12_H04_003563.jpg

يُحدِث الضغط ودرجة الحرارة العاليان في مركز النجم اندماجا نوويا، وهذا يجعل النوى الكوكبية تتجمع لتكوّن كواكب.

 

لقد رافق هذا الاستنتاج ثورة تقانية أخرى تتمثل في اختراع أداة القرن الشحني charge-coupled device CCD، وهي شيپة chip حساسة للضوء توجد في آلات التصوير الرقمية. وتوفر أدوات القرن الشحني للفلكيين حساسية وتبايناcontrast أفضل مما توفره الصفائح الفوتوگرافية التقليدية. وفي عام 19833، أجرى <R. مندت> و<J. فرايد> [من معهد ماكس پلانك للعلوم الفلكية في هايدلبرگ بألمانيا] أول أرصاد للتدفقات النجمية باستعمال أدوات القرن الشحني. وبيّن بحث آخر لمندت و<B. رايپورث> [من المرصد الجنوبي الأوروبي في سانتياگو بتشيلي] وآخرين ـ أنا منهم ـ أن النفثات الدافقة الصادرة عن النجوم الفتية تمتد إلى عدة سنين ضوئية. وهي مرتبطة ارتباطا وثيقا بأجسام هيربيگ-هارو. وفي الحقيقة، تبين أن بعض هذه الأجسام ليست سوى أشد الأقسام سطوعا في النفثات الدافقة. وقد اكتُشف أن بعضها الآخر هو صدمات قوسية bow shocks سببتها النفثات وهي تشق طريقها بسرعة فوق صوتية عبر الغاز المحيط، مثلها في ذلك مثل الموجات الصدمية التي تحيط برصاصة تئز عبر الهواء. وللنفثات في الحالة النموذجية درجة حرارة تعادل 000 10 درجة كلڤن، وهي تحوي 100 ذرة في السنتيمتر المكعب ـ أي أكثف مما يحيط بها، ومع ذلك، فهي أخف 000 10 مرة من كثافة أفضل خلاء موجود في المختبرات على سطح الأرض. وتكون النفثات الدافقة ضيقة قرب النجم، إذ إن انتشارها ينطلق ضمن زاوية قيمتها بضع درجات، بيد أن هذا الانتشار يتسع كثيرا كلما ابتعدنا عن النجم، إذ يصل قطره قدرا يكبر نصف قطر مدار پلوتو حول الشمس.

 

خروجًا عن المألوف

تُرى، ما العلاقة بين النفثات وأجسام هيربيگ-هارو المكوَّنة في معظمها من ذرات وأيونات ـ من جهة، وبين التدفقات الجزيئية من جهة أخرى؟ بعد اكتشاف التدفقات الجزيئية للمرة الأولى، ذهب الباحثون إلى أنها ربما كانت مؤلفة من غاز سُرِّع قرب النجم الفتي؛ بيد أن هذه الفكرة تنطوي على بعض الصعوبات. فالتدفقات الجزيئية، حتى تلك المرتبطة بنجوم صغيرة الكتلة، تحوي غالبا عدة كتل شمسية من الغاز. ولو امتُصّت هذه الكمية من المادة تثاقليا قبل أن يجري تسريعها بعيدا مرة أخرى، لكان التكون النجمي عملية غير فعالة إلى حد بعيد. وثمة تفسير أكثر إقناعا مفاده أن الفص الجزيئي يتكون من غاز محيط، كان موجودا في طريق النفثة ومن ثم جرى تسريعه.

 

لم ينفذ أي من هذه الملاحظات إلى قلب الموضوع، وهو القرص الكائن حول النجم الوليد. لقد أمضى الفلكيون وقتا طويلا في جمع دليل بيّن على هذه الأقراص. وفي مطلع الثمانينات من القرن العشرين، اكتشف الساتل الفلكي للأشعة تحت الحمراء Infrared Astronomical Satellite  أن العديد من النجوم الجديدة تُصدِر قدرا زائدا من الإشعاع تحت الأحمر يتجاوز ما يجب أن يصدره النجم وحده. وقد بدا أن الغبار الحار في قرصٍ هو المصدر الأكثر احتمالا. وفي الوقت نفسه تقريبا، بدأت المقاريب المليمترية الموجة قياس كتلة الغاز والغبار حول هذه النجوم، ووجدت أن هذه الكتلة كانت في الأحوال النموذجية بين 0.01 و 0.1 كتلة شمسية ـ وهذه هي الكمية المطلوبة بالضبط لتكوين النظم الكوكبية. وفي منتصف الثمانينات، رصد <B .E. تشيرشويل> [من جامعة ويسكونسن] وزملاؤه، سديم الجبّار بأطوال موجية راديوية، فوجدوا فيه منابع حجومها قريبة من حجم نظامنا الشمسي، وافترضوا أنها كانت غيوما من غاز ساخن تبخَّر من قرص.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N12_H04_003564.jpg

صور فوتوگرافية بفارق زمني لنجم هيربيگ-هارو 30. وتبين اللقطات المأخوذة بفواصل زمنية سنوية، جيوبا غازية مبتعدة عن مركز النجم. ومن الواضح أن هذه النفثات عمودية على القرص المظلم الذي يخفي النجم.

 

بيد أن رؤية هذه الأقراص نفسها واجهت عقبة رصدية ثانية، وهي حجومها الصغيرة نسبيا. لذا تعيّن على الفلكيين انتظار الوضوح الذي يوفره مقراب هبل الفضائي والآلات المقامة على الأرض المزودة بتجهيزات ضوئية تكيفية adaptive. وفي عام 1993، رصد <R .C. أودِل> ومعاونوه [من جامعة رايس] سديم الجبّار بمقراب هبل، ورأوا أخيرا الأقراص التي تنبأ بها لاپلاس [انظر الشكل في الصفحة 26]. وشوهدت مادتها في الأمكنة التي يخترقها إشعاع قوي ورياح من نجوم قريبة ضخمة، وهي آخذة في التبخر. وقد أطلق أودل على هذه الأقراص اسم پروپليدات proplyds نسبة إلى أقراص الكواكب الأولية. وربما لا تكون التسمية صحيحة، في الحقيقة، لأن هذه الأقراص سوف تتبخر خلال مليون سنة، وربما يحدث هذا قبل أن تتمكن الكواكب من التكوّن. لكن الأقراص المشابهة الموجودة في بيئات أكثر اعتدالا يجب أن يطول بقاؤها زمنا يكفي لولادة الكواكب.

 

وباكتشاف جميع المركِّبات الأساسية الواردة في الصيغة الحديثة لنظرية لاپلاس ـ الغيوم المدوِّمة، والجريانات، والتدفقات الخارجية، والأقراص ـ تمكن الفلكيون من دراسة العلاقات الكائنة بينها. وقد قُمت وزملائي، بالتعاون مع مجموعة أخرى يرأسها <J .C. بَرُوز> [من معهد علوم المقراب الفضائي] بتوجيه مقراب هبل الفضائي شطر جسم هيربيگ-هارو 30، المكوّن من نفثتين دافقتين متضادتين في الاتجاه. وكم كانت دهشتنا عارمة عندما أظهرت الصور سديمين لهما طرفان مستدقان يجب أن يقع فيهما منبع النفثتين. ويخترق هذين السديمين نطاقٌ مظلم. وسرعان ما اتضح أننا كنا نشاهد قرصا عموديا على النفثتين الدافقتين. وكان القرص، كما شوهد من موقع التصوير، يحجب النجم المركزي. السديمان هما غيمتان من الغبار مضاءتان بالنور النجمي. كان تيارا النفثتين الدافقتين jet streams يندفعان خارجا، ويبلغان ذروتيهما في أجسام هيربيگ-هارو. وهكذا فإن أحجية الصور المتقاطعة(4) المتعلقة بتكون النجوم كانت في طريقها إلى الحل.

 

وتؤدي الأقراص، في المجرات النشيطة، دورا حاسما في تكوين النفثات الدافقة. ولكن كيف تؤثر هذه العملية في نجم بدائي؟ ثمة مصادفة مثيرة قدمت دليلا قاطعا. فقد وُجِد أن لجميع النفثات الدافقة والجريانات الموجودة قرب هيربيگ-هارو 30، باستثناء واحدة فقط، التوجه نفسه تقريبا. وفي الحقيقة فإنها تَتَوجه وفق الحقل المغنطيسي للغيمة الأصلية. ويبدو أن هذا يؤيد المقترحات الحاذقة من <E .R. پودريتز> و <A .C. نورمان> [اللذين كانا حينذاك يعملان في جامعة كامبردج] و <H .F. شُو> [من جامعة كاليفورنيا في بركلي] ـ التي تشرح كيف أمكن للحقول المغنطيسية دفع تدفق خارجي ينطلق من نجم فتي.

 

يعجّ علم الفلك بأمثلة على حقول مغنطيسية توجِّه غازا مؤينا. وعلى سبيل المثال، ينشأ الشفق القطبي عن جسيمات مشحونة تنساب إلى الأسفل في اتجاه خطوط حقل الأرض المغنطيسي، ثم تضرب غلافها العلوي. وبالطريقة نفسها، يمكن للجسيمات المؤينة الصادرة عن قرص يحيط بنجم أن تلتحق بخطوط حقل القرص أو النجم. وبسبب كون القرص مدوِّما، ستخضع الجسيمات لقوة طاردة مركزية، ومن ثم تندفع لتنتظم على طول خطوط الحقل. وسيتدفق مزيد من المادة نحو الداخل لتحل محل ما ضاع منها، وهكذا فإن العملية ستستمر. ومع أن معظم المادة سيتنامى في نهاية الأمر بفعل النجم، فقد يُقذف زهاء 10 في المئة منها. وفي المحاكيات الحاسوبية، تستمر هذه العملية على نحو متقطع، وهذا يعود إلى البنى المعقدة التي تُرى في كثير من النفثات الدافقة.

 

سديمية ليس إلا

إن الإدراك بأن النفثات الدافقة جزء لا يتجزأ من عملية التكون النجمي، قد يحل كثيرا من المشكلات النظرية. وخلال ارتحال الجسيمات نحو الخارج، تحمل معها من حيث صدرت زخما زاويا ـ وهذا يفسر جزئيا السبب في كون النجوم الناضجة، مثل الشمس، تدور حول نفسها بهذا البطء. ويمكن لهذه النفثات أن تُحدِث اضطرابا في الغيمة المحيطة، مما يدعم الاضطراب اللازم لإبطاء انهيارها.

 

وفي الوقت نفسه، مازال هناك كثير من الأسئلة من دون إجابات. فعلى سبيل المثال وجد أن نحو 50 في المئة فقط من النجوم الفتية التي ترى بصريا ذات أقراص. ومن المفترض أنه كان للنجوم الأخرى أقراص أيضا، لكن هذه الأقراص ربما تحولت تماما إلى كواكب. بيد أن الراصدين لم يتمكنوا من إثبات هذا الأمر. ثمة مسألة أخرى في تكوّن النجوم وهي توزع الكتل النجمية. فلماذا تكون النسبة بين كتل النجوم الكبيرة وكتل النجوم الصغيرة هي نفسها تقريبا بغضّ النظر عن موقع هذه النجوم في المجرة؟ وتبدو هذه النسبة، لأسباب مجهولة، خاصية أساسية للطريقة التي تتشظى بها الغيوم الجزيئية، وثمة ملاحظة وثيقة الصلة بهذا الأمر، وهي أن الباحثين لا يعرفون إلا القليل عن الحياة المبكرة للنجوم ذات الكتل الكبيرة ـ ويعزى ذلك، من ناحية، إلى أن عددها أقل، ومن ناحية أخرى إلى أنها تتطور بسرعة أكبر من غيرها، ومن ثم فمن الصعوبة بمكان رصدها خلال عملية تكوّنها.

 

طريقة عمل النفثات

مع أن الآليات المفصلة للنفثات الدافقة قد تكون غامضة، لكنها تتضمن دائما نفس العملية الفيزيائية الأساسية، ألا وهي موازنة القدرة بين الثقالة والزخم الزاوي. فالثقالة تسعى إلى سحب المادة نحو مركز الكتلة، لكن أفضل ما يمكن أن تفعله ـ بسبب الزخم الزاوي ـ هو تجميع المادة في قرص مدوِّم. وتندفع تيارات ضيقة من الغاز على طول محور الدوران، وهو الاتجاه الذي يمكن للمادة أن تتحرك فيه بأسهل طريقة ممكنة. وتنقل المادة المتدفقة الزخم الزاوي معها، وبهذا يسمح لقدر أقل من المادة الطليقة بالاستقرار في الداخل.

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N12_H04_003565.jpg

يُظن بأن القوة الدافعة في قلب المجرة النشيطة ميسييه Messier 87 هي ثقب أسود أضخم بليون مرة من الشمس.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N12_H04_003566.jpg

يقوم النجم الوليد ـ على نحو أصغر كثيرا من النجم الناضج ـ بإثارة ودفع تيار من الغاز يعرف باسم هيربيگ-هارو Herbig-Haro 34. وقد يدفع هذا التيار الغاز الجزيئي المحيط بالنجم نحو الخارج.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N12_H04_003567.jpg

عندما يرصد الفلكيون منطقة تكوِّن النجوم NGC 2264 بأطوال موجية مليمترية، يرون فصين من الغاز الجزيئي يتحركان عشرات من الكيلومترات في الثانية. ويشير اللون الأحمر إلى السرعات الكبرى، واللون البنفسجي إلى السرعات الدنيا.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N12_H04_003568.jpg

يمكن لأنماط من النفثات المعقدة أن تنشأ ـ كما يتضح في هيربيگ-هارو 47 ـ عن تغيرات في معدل التدفق الخارجي والأثر التثاقلي للنجوم المرافقة.

 

وبإدخال هذه المحاذير في الاعتبار، يمكن للفلكيين الآن أن يقدموا مخططا لوصف طبيعة تركيب النجوم: تتكون النجوم في غيوم بين نجمية مكوّنة في معظمها من رماد الأجيال الأولى من النجوم. وقد تَكَوَّن الغبارُ في الرياح الباردة والأجواء الخارجية للنجوم حين كانت تقترب من نهاية حياتها. وهذه الغيوم تحوي أيضا عناصر ثقيلة، مثل الحديد والأكسجين، تكوّنت في أعماق الأفران النووية للنجوم التي اندثرت. وتدعم الحقول المغنطيسية أو الحركات الاضطرابية هذه السحب، لكنها تنهار في نهاية المطاف تحت وطأة وزنها، وربما كان ذلك بسبب تسرب الحقول المغنطيسية إلى الخارج، أو تبدد الاضطراب، أو انفجار مستعر أعظمي قريبا منها. ومع اندفاع المادة نحو الداخل، تتشظى الغيوم إلى سحب صغيرة يستقر كل منها في نظام نجمي بدائي. وفي القلوب الجزيئية الضخمة، كتلك التي ولّدت الحشد النجمي في سديم الجبّار، تكون هذه النظم منفصلة بعضها عن بعض بمسافات تقدّر ببضعة أسابيع ضوئية (وليس سنين ضوئية). وربما تكوّنت معظم النجوم في مجرتنا، بما فيها الشمس، في مثل هذه الحشود.

 

مغنطيس متنقل

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N12_H04_003569.jpg

قد يبدأ توليد النفثات عندما تقوم المادة ـ وهي خليط من الأيونات والذرات والجزيئات والغبار ـ بالتدفق على القرص حول النجمي على طول خطوط الحقل المغنطيسي.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N12_H04_003570.jpg

مع تقلص القرص بسبب الثقالة، تُسحب الخطوط (المجمدة في المادة) نحو الداخل متخذة شكل ساعة رملية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N12_H04_003571.jpg

عند حنْي خطوط الحقل بزاوية تميل 30 درجة على الخط العمودي، تتغلب القوة الطاردة على الثقالة، وتدفع المادة بعنف للخارج على طول تلك الخطوط.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/16/SCI2000b16N12_H04_003572.jpg

يفتل القصور الذاتي (العطالة) للمادة المدوِّمة خطوط الحقل لتمتد وفق خط لولبي يساعد على توجيه المادة المتدفقة خارجا لتتخذ اتجاها شاقوليا (رأسيا).

 

وتنقل النفثات الدافقة معها الزخم الزاوي، وتسمح للتنامي بأن يستمر. ولا بد من أنه كان لشمسنا في وقت من الأوقات نفثات دافقة ضيقة امتدت عدة سنين ضوئية. وما أوقف تدفقها أمر غير مؤكد. فربما يكون مخزون المادة التي اندفعت نحو الداخل قد نفد. وربما دُفع بعض منه بعيدا بفعل التدفقات الخارجية؛ وإذا كان الأمر كذلك، فيُحتمل أن تكون النفثات قد ساعدت على وضع حد للكتلة النهائية للشمس. وفي الوقت نفسه تقريبا، بدأ التصاق حبيبات الغبار الكبيرة بعضها ببعض لتكوِّن نوى كوكبية، وهي المكونات الأساسية للكواكب. وقد أزالت النوى الكوكبية أي غاز باق، مما أسهم في إخماد النفثات. هذا وقد عصفت التدفقات الخارجية الصادرة عن الشمس وما عاصرها من النجوم بالغاز والغبار المتخلفين، اللذين كانا يملآن الفضاء الكائن بين هذه النجوم. وهذا ما أضعف اللصق التثاقلي الذي كان يشد النجوم بعضها إلى بعض، ونتج من ذلك تشتت هذه النجوم في بضعة ملايين من السنين. وأقرب نجم إلى الشمس الآن يبعد عنها نحو أربع سنوات ضوئية.

 

وهكذا، فبعد قرنين من وضع لاپلاس لفرضيته السديمية، يبدو أن كل ما ورد فيها بدأ يشغل موضعه الصحيح. ولا توحي الدراسات التي أُجريت على النجوم الفتية بأن التكوّن النجمي مستمر في هذه الأيام فحسب، بل توحي أيضا بأن الكواكب شائعة جدا في مجرّتنا ومجرّات أخرى.

 

 المؤلف

Thomas P. Ray

أخبر المؤلف مرشدة مدرسته الثانوية (التي تساعد الطلبة على تحديد مسارهم العلمي أو المهني بعد انتهائهم من دراستهم الثانوية)، أنه يريد أن يصبح فلكيا. فكان ردها: «هذه فكرة عظيمة، لكن ما هي المهنة الفعلية التي ستمارسها؟» يعمل ري حاليا أستاذا بمعهد الدراسات المتقدمة في دبلن، وقد عمل أيضا في جامعة سسكس، ومعهد ماكس پلانك للفلك في هايدلبرگ بألمانيا. كان ريي، ومازال، الرئيس، أو الباحث المشارك، في دراسات العديد من أرصاد مقراب هبل الفضائي للنفثات المنطلقة من النجوم الفتية. وتشمل اهتماماته الأخرى الكوازارات، والمذنبات، وعلم الفلك القديم (دراسة بعض المواقع مثل Stonehenge).

مراجع للاستزادة 

IN DARKNESS BORN: THE STORY OF STAR FORMATION. Martin Cohen. Cambridge University Press, 1987.

YOUNG STARS AND THEIR SURROUNDINGS. C. Robert O’Dell and Steven V. W. Beckwith in Science, Val. 276, No. 5317, pages 1355-1359; May 30, 1997.

JETS: A STAR FORMATION PERSPECTIVE. Thomas P. Ray in Astrophysical jets, Open Problems. Edited by Silvano Massaglia and Gianluigi Bodo. Gordon and Breach Scientific Publishers, 1998.

THE ORIGIN OF STARS AND PLANETARY SYSTEMS. Edited by Charles J. Lada and Nikolaos D. Kylafis. Kluwer Academic Publishers, 1999.

PROTOSTARS AND PLANETS IV Edited by Vince Mannings, Alan P. Boss and Sara S. Russell. University of Arizona Press, 2000.

STAR FACTORIES: THE BIRTH OF STARS AND PLANETS. Ray Jayawardhana. Raintree/Steck Vaughn, 2000. (Recommended for ages 11-14.)

For links to World Wide Web sites, visit astro.caltech.edu/»lah/starformation.html

Scientific American, August 2000

 

(*) Fountains of Youth: Early Days in the Life of a Star

 

(1) [انظر:; The Early Life of Stars , by S. W. Stahler”

Scientific American, July 1991].

(2) [انظر: “,Energetic Outflows from Young Stars”

by Ch. J. Lada; Scientific American, July 1982]

(3) هي تيارات ضيقة من الغاز تصدر عن الأجرام السماوية. تُرى النفثات عادة في جوار النجوم الوليدة وفي كثير من المجرات النشيطة.

(4) أحجية مؤلفة من قطع خشبية أو ورقية صغيرة، على المرء أن يرتبها لتشكل صورة ما.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى