أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

قضية ضد الاختبار النووي الافتراضي

قضية ضد الاختبار النووي الافتراضي(*)

تعثر جدِّي لخطة التقانة المتقدمة لوزارة الطاقة الأمريكية بالاستعاضة

عن الاختبار النووي بمحاكيات حاسوبية ثلاثية الأبعاد متعددة ومفصّلة.

<E.Ch .پين>

 

لقد أدى أول استخدام عسكري للقنابل الذرية في الشهر 8 (1945) إلى هلاك 210000 شخص في مدينتي هيروشيما وناگازاكي اليابانيتين. وفي العقود اللاحقة، وبسبب التجمعات السكانية في مدن بالغة الكبر والزيادة الهائلة في قدرة الأسلحة الحرارية النووية (الهدروجينية) سيرتفع الهلاك الناجم عن تفجير نووي واحد إلى 100 ضعف تقريبًا. فتفجير قنبلة أو قنبلتين نوويتين فوق بومباي أو طوكيو يُمكن أن يقضي فورًا على حياة 15 مليون شخص.

 

مع نهاية الحرب الباردة اجتمعت العديد من الدول لبحث معاهدة تحظر على الجميع وبشكل دائم التفجيرات النووية، إذ من دون اختبارات التفجير، فإن معاهدة الحظر الشامل للتجارب(1) تقيد بشدة الأسلوب الذي كانت الدول تستخدمه عادة لتقويم التغيرات في تصاميم القنابل، وكذلك التأكد من أداء الأسلحة المراد تخزينها للاستخدام العسكري. إن حظر اختبارات التفجير وحده لا يمنع انتشار الأسلحة النووية، ولكنه يشكل حاجزًا في وجه تطوير الأسلحة التي تعتمد على تفاعلات الاندماج(2)، بما في ذلك تصميم الرؤوس النووية الأخف والأصغر والأكثر قدرة المحمولة على صواريخ، كتلك التي يُزعم أن الصين تمكّنت من الحصول عليها من الولايات المتحدة عن طريق التجسس وجمع المعلومات الاستخباراتية.

 

مع أن معاهدة حظر التجارب تعد بإنهاء السباق النووي بين القوى العظمى، وتمنع انتشار الأسلحة النووية الأكثر فتكًا إلى دول إضافية، ما زال على الولايات المتحدة وروسيا والصين والهند ودول أخرى تمتلك قدرات نووية، التصديق على هذه المعاهدة. لقد قامت الدول الديمقراطية الصناعية بما في ذلك كندا وألمانيا وأستراليا واليابان وفرنسا وبريطانيا بالتصديق على هذه المعاهدة، تاركة للولايات المتحدة قيادة المعركة ضد الانتشار النووي من دون أن تكون في الواجهة. وقد كان من المتوقع أن تلتقي الدول التي صادقت على المعاهدة في الشهر 10/1999م لمراجعة طرق تسريع بدء نفاذ المعاهدة، ولكن عدم التصديق المسبق من قبل حكومة الولايات المتحدة على هذه المعاهدة أدى إلى فشل انعقاد ذلك اللقاء.

 

ومع أن إدارة الأمن القومي الأمريكي في عهد الرئيس بيل كلينتون كانت مستعدة للتفكير في مستقبل من دون تفجيرات نووية اختبارية، إلا أنها غير مستعدة لذلك من دون أسلحة نووية مطوّرة. وللتأكد من أن المخزون النووي يمكن تقويمه وتعديله بطرق أخرى، فإن كلاًّ من الحكومة والأغلبية الجمهورية في الكونكرس تدعم برنامجًا قياديا(3) يهدف إلى دمج آخر ما توصلت إليه الحواسيب العملاقة من قدرات مع  تجارب مختبرية على نطاق واسع في عمل لم يسبق له مثيل وذلك للوصول إلى محاكاة مفصلة ثلاثية الأبعاد للتفجيرات النووية.

 

تقانة مغامرة

لقد أحدث هذا البرنامج القيادي في عام 1993م توجيهًا مغمورًا من قبل الكونكِرس ضمن لائحة نفقات الدفاع، وتطور هذا البرنامج الذي يديره مكتب برامج الدفاع(4) ليصبح في عام 1995م مشروعًا ضخمًا مدته 15 عامًا وبكلفة 677 بليون دولار، تعادل ثلاث مرات تقريبًا كلفة مشروع منهاتن أو رحلة أبولو. وتدَّعي الحكومة أن ثمة حاجة إلى توفير مقدرة الاختبار الافتراضي للتحقق من أن مخزونات الأسلحة النووية يمكن نقلها وخزنها بشكل آمن في زمن السلم، وأنها ستؤدي أيضا مهمتها العسكرية في حال نشوب حرب نووية.

 

ستحل الاختبارات الافتراضية virtual testing جزئيا على الأقل محل التفجيرات تحت الأرض للتأكد من أن التعديلات التي أُدخلت على الأسلحة النووية والتي فرضتها تغيرات المتطلبات العسكرية، تنجز عمل التفجير النووي الفعلي المطلوب. ويمكن أيضا الاستفادة من مثل هذه الإمكانية في تطوير أسلحة جديدة كليا مهيأة لاختبار التحقق من الانفجارات إذا ما اقتضت المهام المستقبلية للأمن القومي انسحابًا سريعًا من معاهدة حظر التجارب النووية. ومن الواضح أن هذا البرنامج القوي تقنيا يهدف إلى استرضاء دوائر انتخابية تعارض تاريخيا حظر التجارب النووية. إن الفشل في تحقيق أهداف البرنامج الطموحة قد يزيد الحال سوءًا، مؤديًا إلى توفير فرص لمعارضي المعاهدة للمطالبة بعدم تصديق المعاهدة والانسحاب لاحقًا منها حتى يتم التأكد من كفاءة المقاربة المتمثلة بالاختبار الافتراضي.

 

حتى وإن تمكن البرنامج من تحقيق أهدافه، فإنه يبقى مُضللاً بعدة طرق. ومن وجهة نظر الدبلوماسية العالمية، فإن استخدام الاختبار الافتراضي في إدارة مخزونات الأسلحة يهمل فرصة اعتبار منع الاختبار خطوة أساسية للتوصل إلى هدف نزع الأسلحة النووية عالميا الذي تتضمنه معاهدة عدم انتشار هذه الأسلحة لعام 1968. لقد كانت الولايات المتحدة المؤسس الرئيسي لهذه المعاهدة التي حددت عدد الدول المعترف بها كقوى نووية بخمس، وذلك لقاء تعهد هذه القوى ببذل جهود “مخلصة” للتوصل إلى اتفاق لنزع الأسلحة النووية. وبهذا البرنامج القيادي، فإن وزارة الطاقة تهدف إلى تعزيز تلك القدرات بالذات في تصميم الأسلحة النووية التي يرمي منع الاختبار حظرها. وعلى عكس ما هو منتظر، فإن هذا البرنامج القيادي هو الآن في وضع يُمَكِّن في نهاية المطاف من تحفيز ضغوط سياسية للعودة إلى التفجيرات النووية في دول لا تتوافر لديها التقانات المتطورة اللازمة للاختبار الافتراضي. يضاف إلى ذلك أن البرنامج يشجع على تبادل علني للبحوث النووية الجديدة بين مختبرات الأسلحة التابعة لوزارة الطاقة والمجتمع العلمي الدولي. وهذا التبادل قد يساعد، وربما يمكِّن، الدول التي لا تمتلك حاليا أسلحة اندماجية أو انشطارية صغيرة من تطويرهما.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2001b19N5_H05_001905.jpg

إن التفجيرات الاختبارية للأسلحة النووية التي كانت تُجرى تحت الأرض والتي حظرتها حاليا معاهدة دولية، تتجه إلى العالَم الافتراضي للمحاكاة بوساطة حواسيب عملاقة.

 

مدة تأجيل الاختبار

لقد نظّمت وزارة الطاقة ذلك البرنامج القيادي جزئيًا من أجل التغلب على مشكلات الأسلحة النووية في غياب الاختبارات النووية، ولكن هذا البرنامج يوفر أيضا للوزارة منفذًا يعيد النشاط لمختبرات البحث الراكدة.

 

إن دعاة امتلاك أسلحة نووية وحلفاءهم في الكونكرس تمكنوا خلال فترة الحرب الباردة من مقاومة منع الولايات المتحدة من إجراء اختبارات نووية. ولكن في الشهر9 (1992) فرض الكونكرس تعليقًا مؤقتًا على التفجيرات النووية، وحدد تاريخ30/9/ 1996 موعدًا نهائيًا لوقف غير محدود للولايات المتحدة عن إجراء تجارب نووية، وفي الوقت ذاته إجراء مباحثات للتصديق على معاهدة تحظر عالميا هذه التجارب. لقد مدد الرئيس (السابق) كلينتون هذا التعليق مرتين، وقرر في الشهر8/ 1995 أن  يتوصل إلى معاهدة تحظر بشكل كامل جميع أنواع التفجيرات، مهما كان صِغَر الطاقة النووية التي يحررها كل انفجار من هذه الانفجارات. وفي ذلك التاريخ كان قد مضى على آخر اختبار تفجير نووي أجرته معاهد بحوث الأسلحة (لوس آلاموس وسانديا ولورنس ليڤرمور) أكثر من ثلاث سنوات.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2001b19N5_H05_001906.jpg

إن عمل آلاف المعالِِجات في آن واحد داخل أكبر حاسوب عملاق في العالَم يجعل محاكاة ثلاثية الأبعاد للتفجيرات النووية ممكنة. وفي مختبرات سانديا الوطنية يتحقق مفتش من الكبلات التي تصل بين خزانتين من خزائن الحاسوب الثماني، التي تفصل بين أجزاء الآلة بحيث يمكن تشغيل العمليات السرية وغير السرية في آن واحد.

 

في الشهر9 /1997، ذكر مدير لوس آلاموس: “لقد خفضت ميزانيتنا بشكل حاد على مدى السنوات الست السابقة،” وأضاف: “عناصرنا تحاول البحث عن مكان خارج برنامج الأسلحة النووية، فمجمّع الإنتاج يبدو عاطلاً عن العمل من دون أمل… لقد تجلت هذه الحالة بشكل درامي خلال العامين 95 و 96 مع التركيز على البرنامج القيادي الذي يعتمد على العلم.” وبالفعل، يبلغ التمويل السنوي الحالي للبرنامج القيادي 4.5 بليون دولار، وهذا يفوق متوسط الدعم الذي تقدمه وزارة الطاقة، والبالغ 3.7 بليون دولار في السنة، لنشاطات الأسلحة النووية خلال الحرب الباردة.

 

بهذا الدعم المالي الضخم وجَّهت وزارة الطاقة البرنامج القيادي الطموح القائم حاليا. ويتألف المكوِّن الرئيسي للبرنامج من ثلاثة من أسرع الحواسيب في العالم. تدار بآلاف من المعالجات الميكروية(5) (تشبه تلك المستخدمة في الحواسيب الشخصية) تعمل بالتوازي، ويستطيع الجيل الأول من هذه الآلات ذات الكم الهائل من المعالجات الميكروية في مختبرات سانديا إنجاز تريليوني عملية حسابية في الثانية. إن هذه المقدرة الهائلة من طاقة المعالجات للبيانات هي التي مكَّنت من تحقيق التمثيل الثلاثي الأبعاد للتفجيرات النووية، وتسعى وزارة الطاقة إلى تطوير حواسيب أسرع بمئة مرة قبل حلول عام 2002.

 

لكن زيادة المقدرة على الحساب وحدها ليست كافية. إذ إنه كلما أردنا دقة إضافية في الأنماط الثلاثية الأبعاد لتسلسل التفجير النووي نحتاج إلى تجهيزات تجريبية جديدة كاملة لتوفر بيانات إدخال تفصيلية للحاسوب بشأن سلوك مواد الأسلحة تحت الظروف القاسية من الضغط والحرارة. وتستمر حاجة مصممي الأسلحة إلى استخدام تجارب كبيرة ومعقدة للتحقق من توقعات حواسيبهم. فمثلاً، من دون التفجيرات في أعماق الأرض، فإن مرحلة صعبة من التحقق تشمل “هدروديناميكية الإشعاع”، أي تحويل طاقة الأشعة السينية من انفجار انشطاري للسلاح في المرحلة الأولية إلى حرارة عالية وضغوط لازمة لقدح الاندماج في المرحلة الثانية.

 

ولهذا السبب فإن وزارة الطاقة وجهات أخرى تقوم ببناء مختبرات تجريبية هائلة فوق الأرض، بما في ذلك مختبر القدح القومي(6) قيد الإنشاء في لورنس ليڤرمور والذي سيكلف 1.77 بليون دولار. وعندما يصبح هذا المختبر جاهزًا للتشغيل (ربما بعد عام 2005) فإن حزمة شديدة من الليزر ستحاول توليد نبضة من الأشعة السينية بالشكل الدقيق والزمن اللازمين لضغط قطرة صغيرة مجمدة من خليط الدوتيريوم والتريتيوم وتسخينها بانتظام، فيندمج بذلك هذان النظيران الثقيلان للهدروجين في عملية لم تحدث حتى الآن إلا في النجوم والقنابل النووية.

 

تحريض وتمكين

إن مثل هذا البرنامج لبحوث الأسلحة الطموح تقنيا سيشجع الانتشار بعدة طرق. فهو على المستوى الدبلوماسي، مفعم برياء واضح مما يضعف سياسة الولايات المتحدة في أي موقف أخلاقي أو ثقل سياسي. وعلى الأغلب فإن بعض الدول ستلتزم بقيود معاهدة حظر التجارب فقط ما دامت واثقة من أن الولايات المتحدة تبقى ملتزمة نسبيا بهذه القيود. ومن المحتمل أن تبلغ الدول النووية الأخرى مقدرات البرنامج القيادي الأمريكي في تصميم الأسلحة والتحقق منها خلال الفترة الزمنية نفسها تقريبًا، وسيؤدي ذلك إلى إدراك هذه الدول حدوث خلل في التوازن الاستراتيجي الذي يمكن أن يحرضها على الانسحاب من المعاهدة.

 

وبصورة عامة وبإغفال هذه المخاوف، فإن استراتيجية القيادة على المدى الطويل التي تركز على الاختبار الافتراضي تعتمد على زيادة واضحة في التعاون بين مختصي الأسلحة النووية والمجتمع العلمي المفتوح. ومن دون تفجيرات الاختبار للتحقق من أداء الأسلحة، يحتاج العلماء إلى الاعتماد بقدر أكبر على نوعية أحكامهم العلمية، ولنقل المؤيدة للخطة الحالية. وحديثًا أكد <S. يونگر> [مدير تقانة الأسلحة النووية في مختبر لوس آلاموس الوطني]، أن مسألة لجان التحكيم غير السرية للبحوث الأساسية حول الأسلحة يمكن أن تجعل دور الاختبار النووي مثل “الحَكم العظيم”(7) للحصافة العلمية.

 

إن تصورات البرنامج القيادي لدور الجماعة البحثية غير السرية أوسع بكثير مما تقوم به لجنة تحكيم أو مراجعة ومن المحاضرات العرضية التي تُلقى في الاجتماعات العلمية؛ فهو يشمل تجنيد العلماء البارزين من بين الأكاديميين، وذلك ضمن برنامج التحالفات الاستراتيجية الأكاديمي التابع لوزارة الطاقة بغية تنفيذ المساعدة الفكرية العسيرة اللازمة لجعل الاختبار الافتراضي حقيقة. وتقوم خمسة مراكز للبحوث الجامعية والمراكز العلمية الأخرى، ممولة بمنح يبلغ مجموعها عشرات الملايين من الدولارات على مدى خمس سنوات، بتكوين النماذج الرياضياتية والخوارزميات الحاسوبية اللازمة لتحاكي الفيزياء المعقدة لكل مرحلة من مراحل الانفجار النووي. ويستخدم الباحثون منظومات معقدة نسبيا في الأعمال غير السرية، مثل التوربينات الغازية ومحركات الصواريخ والنجوم النباضة كمشابهات للأسلحة النووية، وذلك للتأكد من صحة النماذج الفيزيائية والتقانات الحاسوبية وتحسينها، ومن ثم يمكن تطبيقها “خلف أسوار مغلقة” لتحسين الكودات الحاسوبية الثلاثية الأبعاد التي تحاكي التفجيرات النووية.

 

لقد فسر سينكر هذا التوسيع للحد المسموح به من بحوث علم الأسلحة بأنه صيغة مرحب بها “لردع علمي” سيحل محل استعراضات القوى النووية التي كانت سائدة خلال الحرب الباردة، كاختبارات طيران الصواريخ والتفجيرات النووية. وعندما يسمع العلماء الأجانب عن تقدم الولايات المتحدة في بحوث العلوم النووية، سيبقون متشككين بوجود نتائج إضافية ربما مخبأة في الملفات السرية.

 

تجاوز التمويل السنوي الحالي البالغ 4.5 بليون دولار، متوسط سوية دعم

وزارة الطاقة للنشاطات المتعلقة بالأسلحة النووية خلال الحرب الباردة.

يُحدث هذا التوجه موقفا خطيرًا؛ إذ تؤدي الطبيعة غير السرية للأعمال العلمية المنفذة وذات الصلة بالبرنامج القيادي الجاري إلى نقل المعرفة المحسنة لظاهرة التفجيرات النووية إلى مؤسسات نووية أجنبية. ومن الواضح أن تحويل خبرة تصميم الأسلحة النووية، هذه الخبرة التي تنتشر نتيجة أعمال البرنامج القيادي في الولايات المتحدة، إلى أسلحة يعتمد على الظروف السياسية في البلد أو المنطقة التي تنتشر فيها تلك الخبرة. ولكن في عالم غير مستقر ممتلئ بصراعات حادة، فإنه ليس من مصلحة الولايات المتحدة أو الأمن العالمي نشر حتى القدرات الكامنة لتطوير أسلحة نووية محسَّنة.

 

خيار مضلل

في سعيهم الحثيث لإيجاد برنامج تقني طموح يحاكي الأسلحة النووية ليحل محل الدورة المعروفة في التصميم والاختبار، فإن أنصار البرنامج القيادي الجاري وضعوا صناع القرار والمشرِّعين بين المطرقة والسندان. فهم يجادلون إما أن تتم الموافقة على إنفاق 5.4 بليون دولار في السنة على نموذج الاختبار الافتراضي وتَقبُّل أخطار انتشار معلوماته، أو فقدان الثقة بالاعتماد على المخزون والأمان بعد منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وهذا خيار مضلل مبني على تسلسل منطقي خاطئ.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2001b19N5_H05_0055.gif

 

قبل كل شيء فإن إبقاء الرؤوس النووية آمنة ومحمية لا يبرر وحده تنفيذ برنامج يكلف بلايين الدولارات بوساطة اختبار افتراضي يعتمد على حواسيب عملاقة. فحماية الأسلحة النووية تعتمد على حواجز وحراسات وبنادق وأجهزة إنذار وأجهزة أخرى. وقابلية الأسلحة النووية لانفجار عرضي هي معضلة متأصلة عمومًا في تصميم هذه الأسلحة نفسها، وليست نتيجة هرم أو أسباب أخرى. فحساسية المتفجرات الكيميائية  المستخدمة في الرؤوس النووية لتأثيرات مفاجئة أو حريق لا تزداد مع مرور الزمن، والدارة التي توفر العزل الكهربائي لمنظومة إطلاق الرأس يمكن اختبارها واستبدالها من دون بيانات من الاختبارات النووية.

 

ومع ذلك، قد يؤدي مرور الزمن إلى إنقاص الاحتمال بأن رأسًا نوويا سينفجر بالقوة نفسها التي قصدها مصمموه. لكن سجل برنامج التقصي للمخزون الأمريكي أظهر أن مركَّبات المتفجر النووي المستخدم في الأسلحة الأمريكية العملياتية يمكن الحفاظ عليها مع مضي الوقت من دون تفجيرات اختبارية. وذلك مقارنة بالمعدل أو المحسَّن منها. وبالفعل كشف برنامج التقصي للمخزون التابع لوزارة الطاقة في دراسة أجريت عام 1996 أن أقل من واحد في المئة من أصل 830 خللا وُجِد في الأسلحة المخزنة اكتشف بوساطة الاختبارات النووية في الفترة بين 1958 و 1993. وبعد عام 1970 فقط كان هناك 11 من أصل 387 اختبارًا ترتبط مباشرة بوثوقية المخزون. وقد ذكر <B. روبنسون> [مدير مختبرات سانديا الوطنية] في رسالة يشرح فيها العواقب المحتملة لخطر التجارب النووية: “تاريخيا، جزء صغير فقط من اختباراتنا النووية كان بغرض تقويم حالة المخزون، لأنه يمكننا الاعتماد على تشكيلة من تقانات التقويم الأخرى”.

 

ونظرًا لأنه من النادر أن يعتمد علماء الأسلحة على تفجيرات اختبارية نووية تحت الأرض لاكتشاف وتصحيح العيوب في الأسلحة عندما تتقادم، فلا توجد علاقة ارتباط بين البرنامج القيادي المصمم ليحل محل التفجيرات الاختبارية للتحقق من ديمومة أمان ووثوقية المخزون النووي. إن ما يميز البرنامج القيادي من حيث ما يتضمنه من تقانة متقدمة في المحاكاة الحاسوبية وفي تجارب الاندماج، هو تعزيز قدرات الولايات المتحدة على تصميم الأسلحة النووية. لكن الحاجة إلى مثل هذا التعزيز مثار تساؤل، إذ إن الولايات المتحدة تمتلك حاليا القدرات التقنية للاستفادة من مخزوناتها من المتفجرات النووية المُثبتة بالاختبار في الصواريخ والقنابل الجديدة من دون الاعتماد على البرنامج الجديد الهائل لمحاكاة الانفجار. ويستطيع المهندسون تطوير الرادارات المحسَّنة ومقاييس الارتفاع ونظم الدفع الغازي ومولدات النيوترون والقوادح والبطاريات والدارات المتكاملة والأجزاء الأخرى من الأسلحة من دون تعديل للقلب المتفجر للسلاح.

 

ويذكِّر أيضا مؤيدو جهود الاختبار الافتراضي لوزارة الطاقة بالحاجة إلى التنبؤ حول متى يتراجع، مع تقدم عمر الأسلحة، أداء التفكك الإشعاعي لمواد الرؤوس الحربية والسيرورات الأخرى. ستستخدم تنبؤات تقادم الأسلحة لأمثلة(8) البرامج المستقبلية من أجل إعادة تصنيع الرؤوس الحربية، وبالتالي لتجنب الاستثمار المفرط في إنتاجها (خلال مرحلة الاختبارات التي تجرى تحت الأرض، لم تكن هناك حاجة إلى إعادة تصنيع الأسلحة، لأن تصميم الأسلحة الجديدة يحل عادة محل النماذج القديمة قبل إثبات عمر الخدمة للمكونات النووية).

 

لكن إبقاء الأسلحة آمنة وموثوقة لا يحتاج بالضرورة إلى أن يتنبأ العلماء بدقة اللحظة التي تعتبر فيها هذه الأسلحة، إذا تُرِكت من دون صيانة، جاهزة للاستخدام. وفي حالة قلب القنبلة المتفجر بكامله، من الضروري فقط أن يتم، من خلال تفتيش شامل، تبين ما إذا كان التلف المُلاحظ يقع ضمن الحدود المسموح بها للأداء المثبت سابقًا بوساطة تفجيرات الاختبار. وفي حالة المكونات العديدة غير النووية، فإن آثار التقادم يمكن كشفها وتصحيحها باختبارات قاسية واستبدال ما تقادم دوريا.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2001b19N5_H05_001907.jpg

 

وبما أن مقاربة تعتمد على الكشف وليس على التنبؤ ستؤدي إلى جدولة أقل من أن تكون مثالية لإعادة التصنيع، فالزيادة في التكاليف الناتجة من ذلك لن تبلغ مقدار رأس المال الكبير اللازم للاستثمار وتكاليف التشغيل السنوية المرتفعة الثابتة لبرنامج الاختبار الافتراضي. ومع التقلص المستقبلي للمخزون تبعًا لاتفاقيات الحد من التسلح، فإن أي توفير معتبر نتيجة تطبيق برامج أمثلة(9) لإعادة التصنيع  سينخفض كذلك.

 

أولويات مختلفة

وبالأخذ في الاعتبار هذه الهموم التقنية والمالية، ثمة سبب مشروع للتساؤل عن الدوافع الفعلية لمؤسسة الأمن القومي الأمريكي وراء القبول غير المشروط لأخطار انتشار البرنامج القيادي. إن السؤال الرئيسي الذي يوجه إلى أي خطة فعلية من خطط البرنامج القيادي هو: ما أفضل طريقة للإقلال من المشكلات التي يمكن أن تبرز بشكل غير متوقع بعد أن يُحال على التقاعد العلماء والمهندسون الخبراء في اختبار الأسلحة النووية. لقد تم اقتراح استراتيجيات بديلة للتغلب على هذه المشكلة، لكن لم تؤخذ جديا في الاعتبار سوى مقاربة واحدة، ألا وهي تدريب جيل جديد من مصممي الأسلحة على وسائل التجريب القوية والحواسيب العملاقة ليتمكنوا من القيام بتفجيرات اختبارية افتراضية. والنتيجة هي برنامج بديل مكلف للتسليح النووي مصمم لاستدامة ومضاعفة مصممي الأسلحة أكثر من الأسلحة نفسها.

 

تحبذ سياسة منمقة أن تُنزع عالميا جميع أسلحة الدمار الشامل، وهذه السياسة تستمر

في منافسة سياسة واقعية هدفها الاحتفاظ بالتفوق النووي للولايات المتحدة.

وثمة مقاربة أفضل ذات فوائد سياسية وتقنية معينة للحد من الانتشار، ألا وهي الإقرار بأن أحكام الأفراد الخبراء بالاختبار النووي ليست بالضرورة ويجب ألا تكون، وربما لا يمكن أن تكون، مطابقة لما لدى جيل جديد من المصممين من دون اللجوء إلى تفجيرات نووية اختبارية. وعلى العكس، يجب القيام بأي محاولة للحد من تغييرات مستقبلية في تصميم الأسلحة وذلك للإقلال من المشكلات مستقبلا. وهذه المقاربة المحافظة والمقللة للأخطار، والحسّاسة تجاه الحد من الانتشار، تشير إلى استخدام الأطر (الكوادر) القومية الحالية من خبراء الاختبارات لتجيز مواصفات إعادة التصنيع المستقبلية لعدد محدود من تصاميم متكاملة للتفجير النووي يُحتفظ بها في المخزون الذي يبقى طويلاً. وبذا يمكن إعادة تصنيع المكونات المصادق عليها (المجازة) مع استمرار الثقة في أدائها.

 

إن نظرة فاحصة إلى الحقائق تقود لا محالة إلى الاستنتاج بأن برنامجًا قياديا أمريكيا ململمًا أكثر ورصينًا تقنيا ومركّزًا بدقة وموجهًا حول المقدرة على استبدال مركبات الأسلحة، يمكن أن يضمن مخزونًا نوويا آمنًا وموثوقًا، وفي الوقت نفسه يحقق الأهداف القومية والعالمية للحد من الانتشار النووي. وبصورة مجملة أكثر، فإن التناقضات الذاتية المتلازمة مع المقاربة الحالية للاختبار الافتراضي للأسلحة النووية في البرنامج القيادي، يبدو أنها تعكس ارتباكًا وارتيابًا كبيرين حول الدور المستقبلي للأسلحة النووية في الأمن القومي للولايات المتحدة.

 

ثمة سياسة منمقة تشجع عدم انتشار الأسلحة النووية والسعي إلى النزع العالمي لكافة أسلحة الدمار الشامل في التنافس مع السياسة الواقعية التي تسعى إلى الحفاظ على التفوق النووي للولايات المتحدة، في حين تشارك في المبادرات الدولية نحو نزع السلاح النووي.

 

 المؤلف

Christopher E. Paine

باحث رئيسي في البرنامج النووي التابع لمجلس المصادر الطبيعية للدفاع، حيث يدير مشروعًا لهذا المجلس عن تحويل العلاقة الأمنية الأمريكية الروسية من أجل القرن الحادي والعشرين. تخرَّج عام 1974 في جامعة هارڤارد، وهو مشارك قديم في الجهود الشعبية والبرلمانية لإنهاء الاختبارات النووية الأمريكية والتوقف عن إنتاج المواد النووية المستخدمة في الأسلحة. وفي منتصف الثمانينات عمل مستشارًا في سياسة الحد من الانتشار النووي مع اللجنة الفرعية لحفظ الطاقة في مجلس النواب الأمريكي. وهناك كتب مذكِّرة المجلس التي بادرت الجهود لتشريع التوقف عن نهاية الاختبارات النووية الأمريكية، وهذا ما تحقق في الشهر9/ 1992.

 

مراجع للاستزادة 

NUCLEAR WEAPON DEVELOPMENT WITHOUT NUCLEAR TESTING? Richard L. Garwin and Vadim A. Simonenko. Prepared for Pugwash Workshop on Problems in Achieving a Nuclear-Weapon-Free World, October 25-27, 1996. Available at www fas.org/rig/dev_no_test.htm on the World Wide Web.

END RUN: THE U.S. GOVERNMENT’S PLAN FOR DESIGNING NUCLEAR WEAPONS AND SIMULATING NUCLEAR EXPLOSIONS UNDER THE COMPREHENSIVE TEST BAN. Christopher E. Paine and Matthew G. McKinzie. Natural Resources Defense Council, Nuclear Program, August 1997. This entry and the next are available at www nrdc.org/nrdcpro/nuclear on the World Wide Web.

EXPLOSIVE ALLIANCES: NUCLEAR WEAPONS SIMULATION RESEARCH AT AMERICAN UNIVERSITIES. M. G. McKinzie, T. B. Cochran and C. E. Paine. Natural Resources Defense Council, January 1998.

MAINTAINING A NUCLEAR DETERRENT UNDER THE TEST BAN TREATY. Sidney Drell, Raymond Jeanloz and Bob Peurifoy in Science, Vol. 283, pages 1119-1120; February 19, 1999.

 (*)A Case against Virtual Nuclear Testing

(1) The Comprehensive Test Ban Treaty

(2) fusion reaction

(3) وهو البرنامج: The science-based stockpile stewardship and management program

(4) Office of Defense Program

(5) microprocessors

(6) National Ignition Facility

(7) the great arbiter

(8) to optimize

(9) optimization

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى