غير مصنف

أكوان متكافئة

أكوان متكافئة(*)

لم تعد فكرة وجود أكوان أخرى مجرد مصدر خصب

لقصص الخيال العلمي، بل إنها نتيجة مباشرة لأرصاد كونية.

<M. تيگمارك>

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2003b19N11-12_H01_002670.jpg

 

هل ثمة نسخة منك تقرأ هذه المقالة؟

شخص غيرك يعيش على كوكب يسمى الأرض، بجباله الضبابية وحقوله الخصيبة ومدنه المترامية الأطراف، وهو بحد ذاته جزء من منظومة شمسية تضم ثمانية كواكب أُخَر؟ إن حياة هذا الإنسان مطابقة لحياتك من جميع النواحي، إلا أنه ربما يقرر الآن طرح هذه المقالة جانبا قبل أن يُتم قراءتها، في حين تتابع أنت القراءة.

 

وقد تتراءى فكرة الأنا الآخر(1) alter ego غريبة وغير مقنعة، غير أن علينا فيما يبدو أن نتعايش معها لأنها واقع تؤيده الأرصاد الفلكية. فأبسط النماذج الكونية وأكثرها شيوعا اليوم يتكهن بأن لك توأما في مجرة تبعد عنا نحو 10 مرفوعة إلى القوة 1028 مترا، وهذا بعد هائل يتجاوز الأبعاد الفلكية، إلا أنه  لا ينتقص من حقيقة وجود خيالك الآخر doppelg?nger. ويُستمد التقدير المشار إليه من احتمالية أولية، ولا يتعرض حتى للفيزياء الافتراضية الحديثة، اللهم إلا أن الفضاء غير محدود (أو على الأقل رحيب) في اتساعه، وتملؤه المادة بصورة تكاد تكون منتظمة، كما تُظهِر الأرصاد العلمية. وفي فضاء لامحدود، لا بد حتى لأبعد الحوادث احتمالا أن تقع في مكان ما؛ فهناك عدد لامتناه من  الكواكب الأخرى المأهولة التي يسكنها أناس لهم ذات مظهرك واسمك وذكرياتك، ممن يقومون بتقليب جميع الوجوه الممكنة لخيارات حياتك.

 

وربما لا يتسنى لك أبدا رؤية الوجوه الأخرى لنفسك، فأبعد ما يمكنك رصده هو المسافة التي استطاع الضوء أن يقطعها على مدى 14 بليون سنة منذ بداية التوسع الناجم عن الانفجار الأعظم، علما بأن أقصى الأجرام المرئية يبعد عنا نحو 1026x 4 مترا ـ وهو البعد الذي يعينُ حدود كوننا المرصود، ويسمى أيضا حجم هَبل Hubble volume، أو حجم الأفق horizon volume، أو ببساطة “كوننا”. وبالمثل فإن أكوان ذواتك الأخرى  هي كرات لها الحجم نفسه تتمركز على كواكبها، وهي أوضح الأمثلة على الأكوان المتكافئة parallel universes التي يؤلِّف كل كون منها جزءا صغيرا فقط من “كون متعدد” multiverse أكبر.

 

بهذا التعريف ل”الكون” قد يتوقع المرء أن يكون مفهوم الكون المتعدد دائما ضمن مجال ما وراء الطبيعة أو الميتافيزياء. ومع ذلك فإن الحد الفاصل بين الفيزياء وما وراء الطبيعة ينحصر فيما إذا كانت النظرية قابلة للاختبار تجريبيا، لا سيما إذا كانت غامضة أو منطوية على كيانات غير قابلة للرصد. على أن حدود الفيزياء اتسعت تدريجيا لتشمل مفاهيم أكثر تجريدا (بل مفاهيم ربما كانت تعد ميتافيزيائية) من مثل: الأرض الكروية، الحقول الكهرمغنطيسيةغير المرئية، تباطؤ الزمن عند السرعات العالية، التراكبات الكمومية quantumsuperpositions، الفضاء المنحني، والثقوب السوداء. وفي غضون السنوات القليلة الماضية اندرج في هذه اللائحة مفهوم الكون المتعدد، وهو مفهوم له أساس في نظريات جرى اختبارها وتم الوثوق بصحتها، كالنسبية والميكانيكالكمومي، إضافة إلى أنه يحقق المعيارين الأساسيين للعلم التجريبي empirical: من حيث قيامه بالتنبؤ، وإمكان دحضه علميا. وقد ناقش العلماء بالفعل أربعةأنماط متميزة من الأكوان المتكافئة. والسؤال الرئيسي لا  يتمثل في استقصاء وجود كون متعدد أو عدم وجوده، بل في معرفة عدد مستوياته.

 

المستوى الأول: ما وراء أفقنا الكوني(**)

إن الأكوان المتكافئة لذواتك الأخرى هي التي تؤلِّف المستوى الأول Level 1 من الكون المتعدد، وهذا  هو أقل المستويات إثارة للجدل؛ فنحن نقبل بوجود أشياء لا نستطيع رؤيتها إلا إذا انتقلنا إلى نقطة مؤاتية vantage point مختلفة، أو إذا انتظرنا ببساطة إلى حين ظهورها، شأن من ينتظرون ظهور السفن فوق خط الأفق.  والأمر مشابه فيما يتصل بالأجرام الواقعة فيما وراء الأفق الكوني، ذلك أن الكون المرصود يتنامى بمعدل سنة ضوئية كل سنة فيما يصل  الضوء البعيد إلينا. إذًا فاللانهاية موجودة بانتظار أن تُرى، طال الزمان أم  قصر؛ إذ قد يوافيك الأجل قبل ظهور ذواتك الأخرى بزمن  طويل. لكن من حيث المبدأ، وإذا كان التوسع الكوني عاملا مساعدا، فستتمكن ذريتك من رصدها بمقراب قوي.

 

وعلى كل حال، يبدو المستوى الأول من الكون المتعدد أمرا بديهي الوضوح، إذ كيف لا يكون الفضاء لانهائيا؟ هل توجد لافتة في مكان ما تقول: “نهاية الفضاء هنا ـ احذر الفجوة”؟ ولو كان الأمر كذلك فماذا يوجد وراءه؟ والواقع أن نظرية آينشتاين في التثاقل gravitation تشكك في هذه البدهية، فالفضاء قد يكون محدودا إذا كان ذا انحناء محدب أو طوبولوجيا(2) غير اعتيادية. إن كونا كرويا أو على شكل حلقة doughnut shaped أو عقدة أو عود، يقتضي أن يكون بحجم محدود تنعدم فيه الحافات. ويتيح إشعاع الخلفية الكوني الميكروي(الصغري) الموجة cosmic microwave background radiation إجراء اختبارات دقيقة لهذه السيناريوهات(3). على أن الأدلة حتى اليوم لا تتفق معها. فالنماذجاللامتناهية تنسجم والبيانات تماما، في حين وضعت حدود صارمة على البدائل.

 

نظرة إجمالية/ الأكوان المتعددة(***)

▪  من بين النتائج الكثيرة للأرصاد الكونية الحديثة أن مفهوم  الأكوان المتكافئة لم يعد مجرد أفكار مجازية؛ فالفضاء يبدو لانهائيا في حجمه. وإذا كان الأمر كذلك، ففي مكان ما من الكون البعيد يصبح كل  ما هو ممكن حقيقيا مهما كان بعيد الاحتمال. وفيما وراء مجال مقاريبنا هناك مناطق أخرى من الفضاء مطابقة لمنطقتنا. وتلك المناطق هي شكل من أشكال الأكوان المتكافئة، يستطيع  العلماء حساب بُعدها على وجه التقريب.

▪ وهذا إلى حد كبير من الفيزياء الثابتة.  فعندما يبحث علماء الكونيات في نظريات غير راسخة بعد، يخلصون إلى أن الأكوان الأخرى قد تكون ذات خصائص وقوانين فيزيائية مختلفة تماما. إن وجود تلك الأكوان قد يفسر جوانب عديدة غامضة من كوننا نحن، بل قد يجيب عن تساؤلات أساسية تتعلق بطبيعة الزمن وإمكان إدراك العالَم الفيزيائي من حولنا.

 

المستوى الأول من الكون المتعدد(****)

إن أبسط نمط من الكون المتكافئ هو ببساطة منطقة من الفضاء نائية جدا بحيث لم نتمكن من رصدها بعد، إذ إن أقصى ما يمكننا رصده حاليا يبعد نحوا من 4 1026xمترا، أو 42 بليون سنة ضوئية ـ وهي المسافة التي تمكن الضوء من قطعها منذ بدء الانفجار الأعظم. [المسافة هي أكبر من 14 بليون سنة ضوئية لأن  التمدد الكوني جعل المسافة تطول أكثر.] إن كلا من الأكوان المتكافئة من المستوى الأول مطابق في الأساس لكوننا، وجميع الفروق تنشأ عن اختلافات في ترتيب المادة في بداية الكون.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2003b19N11-12_H01_002671.jpg

 

وهناك احتمال آخر هو أن الفضاء في حد ذاته لامتناه، لكن المادة محصورة في منطقة متناهية من حولنا، وهو النموذج المعروف تاريخيا باسم نموذج “الكون الجزيرة” island universe model. وفي صيغة بديلة من هذا النموذج تترقق المادة على المقاييس الكبيرة في نمط فركتلي (كسوري) fractal pattern. وفي كلتا الحالتين فإن جل الأكوان في المستوى الأول من الكون المتعدد فارغة وغير ذات حياة. إلا أن الأرصاد الحديثة للتوزع المجرِّي  الثلاثي الأبعاد وكذلك للخلفيةالميكروية الموجة،  أظهرت أن ترتيب المادة يتيح المجال لانتظام ممل على المقاييس الكبيرة، مع انعدام البنى المترابطة التي تزيد على نحو 1024 مترا.  وبافتراض استمرار هذا النموذج فإن الفضاء فيما وراء كوننا المرصود يعج بالمجراتوالنجوم والكواكب.

 

إن الراصدين، الذين يعيشون في أكوان المستوى الأول المتكافئة يخضعون للقوانين الفيزيائية نفسها التي نخضع لها  نحن، مع وجود اختلاف في شروط البدء initial conditions. وطبقا للنظريات الحالية، فإن العمليات التي حدثت في وقت مبكر من الانفجار الأعظم نَشَرت مادة بدرجة ما من العشوائية، مولدة جميع الترتيبات الممكنة ذات الاحتمالات غير المعدومة. ويفترض علماء الكونيات أن كوننا، بما يتميز به من توزع شبه منتظم للمادة فيه، والتقلبات البدئية في الكثافة بمقدار جزء من 100000، هو أقرب ما  يكون إلى الكون النموذجي (على الأقل بين الأكوان التي تحتوي على راصدين). وذلك الافتراض هو الأساس الذي يقوم عليه التقدير الذي يقول إن أقرب نسخة مطابقة لك تقع على بُعد 100 مرفوعة إلى القوة 1028 مترا. وعلى بُعد زهاء 10 مرفوعة إلى القوة 1092 مترا يجب أن يكون ثمة كرة، نصف قطرها مئة سنة ضوئية، مطابقة للكرة المتمركزة هنا، ومن ثم ستكون جميع رؤانا على مدى القرن المقبل مطابقة لرؤى أندادنا هناك. وعلىبُعد يقارب 10 مرفوعة إلى القوة 10118 مترا  لا بد أن يوجد حجم هَبل كامل مناظر لحجم هبل الخاص بنا.

 

هذه التقديرات معتدلة جدا، وهي مستمدة ببساطة من إحصاء جميع الحالات الكمومية quantum states التي يمكن أن يستوعبها حجم هبل إذا لم تتجاوز حرارته 108 كلڤن. ومن بين طرائق إجراء الحساب معرفة عدد الپروتوناتالتي يمكن حشدها داخل حجم هبل في درجة الحرارة تلك. والجواب هو  10118پروتون. وواقع الأمر أن كلا من تلك الجسيمات قد يكون موجودا وقد لا يكون، وهذا يجعل عدد التراتيب الممكنة للپروتونات 2 مرفوعة إلى القوة 10118. وهكذا فإن صندوقا يحتوي على هذا العدد من حجوم هَبل يستنفد الاحتمالات جميعها. وبتدوير الأعداد للتقريب نجد أن قطر صندوق كهذا يبلغ نحو  10 مرفوعة إلى القوة 10118 مترا. وأبعد من ذلك الصندوق، لا بد أن الأكوان ـ ومنها كوننا ـ تكرر نفسها. ويمكن الحصول على الرقم ذاته تقريبا باستعمال تقديراتدينامية حرارية أو تقديرات تثاقلية كمومية لمجمل المحتوى المعلوماتي للكون.

 

وأغلب الظن أن أقرب نظائرك الحية هو أقل بعدا بكثير مما تشير إليه هذه الأرقام،  آخذين في الحسبان عمليات تكوّن الكواكب وعمليات التطور البيولوجي التي من شأنها أن تقلب الموازين لمصلحتك. ويعتقد علماء الفلك أن حجم هبل الخاص بنا يؤوي ما لا يقل عن 1020 من الكواكب المأهولة التي يُحتمل أن يكون بعضها شبيها بالأرض.

 

ويُستعمل إطار المستوى الأول للكون المتعدد عادة لتقييم النظريات في علم الكون الحديث، مع أن هذا النهج نادرا ما  يُشرح بوضوح ودقة. وعلى سبيل المثال تأمَّل كيف استعمل علماء الكون الخلفية الميكروية الموجة لاستبعاد هندسة كروية متناهية. إن للبقع الحارة والباردة في خرائط الخلفية الميكرويةالموجة  حجما مميزا يعتمد على درجة تقوس الفضاء. وتبدو البقع المرصودة صغيرة جدا، بحيث لا تنسجم مع شكل كروي. غير أن من المهم توخي الدقة  الإحصائية هنا، إذ يتفاوت متوسط حجم البقعة عشوائيا من حجم هَبل إلى آخر، ومن ثم يحتمل أن كوننا يخدعنا ـ فقد يكون كرويا ولكن اتفق أن احتوى على بقع صغيرة على نحو غير اعتيادي. فعندما يقول علماء الكون إنهم استبعدوا النموذج الكروي بنسبة ثقة تبلغ%99.9، فهم يقصدون في الواقع أنه لو صح هذا النموذج، فإن عددا من حجوم هبل لا يتجاوز 1 من 10000 سيتكشف عن بقع صغيرة كالتي نرصدها.

 

خلاصة القول إن نظرية الكون المتعدد قابلة للاختبار والتفنيد مع أنناقاصرون عن رؤية  الأكوان الأخرى. ومفتاح ذلك هو التنبؤ بماهية مجموعة الأكوان المتكافئة وتحديد نظام للتوزيع الاحتمالي، أو ما يدعوه الرياضياتيون”بالقياس” measure، على تلك المجموعة. ولا بد أن يبرز كوننا كواحد من أكثر الأكوان احتمالا، وإلا ـ  أي إذا كنا نعيش (وفقا لنظرية الكون المتعدد) في كون بعيد الاحتمال ـ فذلك يعني أن النظرية أصبحت مشكوكا فيها. وربما تصبح مسألة القياس هذه تحديا حقيقيا، كما سأذكر لاحقا.

 

المستوى الثاني: فقاقيع أخرى حدثت بعد الانتفاخ(*****)

إذا وجدتَ أن الكون المتعدد من المستوى الأول صعب القبول به، فحاول أن تتخيل مجموعة لانهائية من أكوان متعددة متميزة قد يكون بعضها ذا بُعديةزمكانية spacetime dimensionality مختلفة وثوابت فيزيائية  مختلفة أيضا. ويجري التنبؤ بتلك الأكوان المتعددة الأخرى ـ التي تؤلف كونا  متعددا من المستوى الثاني ـ من خلال نظرية ما يسمى بالانتفاخ الأزلي الشواشي chaotic eternalinflation الواسعة الانتشار حاليا.

 

إن الانتفاخ inflation امتداد لنظرية الانفجار الأعظم، وهو يربط بين كثير من الأطراف السائبة لتلك النظرية، من  مثل: لماذا كان الكون بهذا الكِبَر والانتظام والتسطح؟ يمكن تفسير جميع هذه  الصفات وغيرها جملة واحدة عن طريق تمطط stretching خاطف، حصل في الفضاء الكوني في الزمان السحيق [انظر: “الكون التضخمي المتجدد ذاتيا”، مجلة العلوم ، العددان 8/9 (1995) ، ص 244](4). وتتنبأ بمثل هذا التمطط مجموعة كبيرة من نظريات الجسيمات الأولية، وتعضده الأدلة العلمية المتاحة كلها. وتشير عبارة “الأزلي الشواشي” إلى ما يحدث على أكبر المقاييس قاطبة؛ فالفضاء برمته يتمطط، وهو دائب التمططإلى الأبد. إلا أن بعض مناطق الفضاء يتوقف عن التمطط مكونا فقاقيع متميزة، أشبه بجيوب الهواء في رغيف ينتفخ أثناء خبزه. وتظهر أعداد  لانهائية من هذه الفقاقيع، وتشكل كل فقاعة منها نواة كون متعدد من المستوى  الأول: حجمه غير محدود وممتلئ بالمادة التي ترسَّبت بفعل حقل الطاقة energy field الذي سيَّر هذا الانتفاخ.

 

إن المسافة التي تفصل تلك الفقاقيع عن الأرض مسافة أكثر من لانهائية، بحيث يتعذر عليك بلوغها حتى وإن انطلَقْتَ بسرعة الضوء إلى الأبد! والسببفي ذلك هو أن  الفضاء الفاصل بين فقاعتنا وجيرانها يتمدد بسرعة أكبر بكثير مما يمكنك مجاراته مهما كانت سرعتك. كذلك لن تتمكن ذريتك من بعدك أبدا من رؤية نظائرهم في أي مكان آخر في المستوى الثاني.  وللسبب نفسه، وبالنظر إلى أن التوسع الكوني في حالة تسارع كما تشير الأرصاد، قد  يتعذر عليهم رؤية ذواتهم الأخرى حتى في المستوى الأول.

 

يتميز الكون المتعدد من المستوى الثاني بأنه أكثر تنوعا من الكون المتعدد من المستوى الأول. وتتفاوت الفقاقيع لا في شروط بدئها فقط، بل فيما يبدو أنه الجوانب الثابتة من طبيعتها. والرأي السائد في الفيزياء اليوم هو أن بُعديةالزمكان وخصائص الجسيمات الأولية والكثير مما يدعى الثوابت الفيزيائية، لا يمكن أن تؤلف قوانين فيزيائية، لكنها نتاج عمليات تُعرف باسم كسر التناظرsymmetry breaking. فعلى سبيل المثال، يعتقد العلماء النظريون أن فضاء كوننا كان له فيما مضى تسعة  أبعاد جميعها على مستوى واحد، وقد حدث في باكورة التاريخ الكوني أن اشتركت ثلاثة أبعاد منها في عملية التوسع الكوني وأصبحت هي الأبعاد الثلاثة التي نعرفها اليوم؛ أما الأبعاد الستة الأخرى فقد أصبحت غير مرئية الآن، إما لأنها بقيت بحجم ميكروي وبصفات طوبولوجيةتشبه الحلقة، أو لأن المادة كلها حُصرت بسطح ثلاثي الأبعاد (غشاء) ضمن الفضاء التساعي الأبعاد nine-dimensional space.

 

وهكذا انفرط التناظر الأصلي فيما بين الأبعاد، فغدا بإمكان التقلباتالكمومية التي تسيِّر الانتفاخ الشواشي أن تتسبب في إحداث كسر في التناظر،  يتباين في الفقاقيع المختلفة، وبذلك قد يغدو بعضها رباعي الأبعاد، وقد يحتوي بعضها الآخر على جيلين اثنين من الكواركات quarks بدلا من  ثلاثة أجيال، بل قد يكون لبعضها ثابت كوني أقوى مما يمتلكه كوننا.

 

وثمة طريقة أخرى لتوليد كون متعدد من المستوى الثاني، ربما عن طريق دورة ولادة  لأكوان واندثار لها. وقد عرض هذه الفكرة ـ في سياق علمي ـ الفيزيائي<C.R. تولمان> في الثلاثينات من القرن الماضي، ثم طورها حديثا<J.P. ستاينهارت> [من جامعة پرنستون] و<N. توروك> [من جامعة كامبريدج]. يقوم اقتراح <ستاينهارت وتوروك> وما يتصل به من نماذج على إضافة غشاء ثان ثلاثي الأبعاد متكافئ تماما غشائنا؛ إلا أنه موضوع في بُعد أعلى(5). إن هذا الكون المتكافئ ليس في الحقيقة كونا منفصلا لأنه يتآثر مع كوننا نحن.  إلا أن مجموعة الأكوان ـ الماضية والحاضرة والمستقبلة ـ التي تحدثها هذه الأغشية ستؤلِّف كونا متعددا لا ريب أن له من صفات التنوع ما يشبه الأكوان المتولدة من طريق الانتفاخ الشواشي. ثم إن هناك فكرة اقترحها الفيزيائي< L. سمولين> [من معهد پيريميتر في ووترلو بأونتاريو] تتناول كونا متعددا آخر مشابها في تنوعه لكون المستوى الثاني، إلا أنه يتغير وينتج أكوانا جديدة من خلال الثقوب السوداء لا عن طريق فيزياء الأغشية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2003b19N11-12_H01_002672.jpg

تعضد البيانات الكونية الفكرة القائلة بأن الفضاء ممتد إلى أبعد من حدود كوننا المرصود. وقد قامالساتل WMAP مؤخرا بقياس التقلبات في الخلفية الميكروية الموجة (الشكل الأيسر)، ووجد  أن أقوى التقلبات يتجاوز عرضها نصف درجة بقليل، وهذا يدل ـ بتطبيق القواعد  الهندسية ـ على اتساع الفضاء أو لانهائيته (الشكل الأوسط). [ثمة تحذير: يظن بعض علماء الكون أن النقطة  النابية في يسار الرسم البياني دليل على كون محدود الاتساع.] إضافة إلى ذلك كشف الساتل WMAPP والمسح المجريللانزياح الأحمر 2dF Galaxy Redshift Survey عن أن الفضاء على المقاييس الكبيرة مملوء بالمادة بصورة منتظمة (الشكل الأيمن)، وهذا يعني أن الأكوان الأخرى لها مظهر مماثل لكوننا في الأساس.

 

ومع أننا لا نستطيع التآثر مع أكوان متكافئة أخرى من المستوى الثاني، إلا أن  علماء الكونيات قادرون على استنتاج وجودها بصورة غير مباشرة، إذ إن وجودها قد يفسر حوادث قد تقع مصادفة، لا تفسير لها في كوننا. ولتقريب ذلك إلى الأذهان افترِضْ أنك دخلت فندقا لحجز غرفة فيه، وخُصِّصت لك الغرفة رقم 1967، فلاحظت أن هذا الرقم هو سنة مولدك عينها، فلا تملك إلا أن تقول: يا للمصادفة. على أنك بعد لحظة من التأمل تجد أن الأمر  ليس على تلك الدرجة من الغرابة كما ظننت؛ فقد يكون في الفندق مئات الغرف، وما  كان لهذه الأفكار أن تراودك أصلا لو خُصِّصت لك غرفة تحمل رقما لا يعني لك شيئا. فالفكرة هنا إذًا هي أنك حتى لو كنت لا تعرف شيئا عن  الفنادق، تستطيع استنتاج وجود غرف فندقية أخرى لتفسير المصادفة.

 

المستوى الثاني من الكون المتعدد(******)

ينشأ عن نظرية الانتفاخ الكوني نمط من الأكوان المتكافئة أكثر تطورا نوعا ما. ومجمل الفكرة  أن كوننا المتعدد من المستوى الأول ـ أي كوننا بحد ذاته وما جاوره من الفضاء ـ  هو فقاعة مغروسة في حجم أضخم منه ولكنه خاو في معظمه، علما بأن ثمة فقاقيع أخرى منفصلة عن فقاعتنا. وتتولد هذه الفقاقيع كنوى أشبه بتولد قطرات المطر في سحابة. وفي غضون عملية تولد نوى الفقاقيع تضفي تغيرات الحقول الكمومية على كل فقاعة خصائص تميزها عن الفقاقيع الأخرى.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2003b19N11-12_H01_002673.jpg

 

توليد نوى الفقاقيع

يتسبب حقل كمومي يُعرف باسم الانتفاخ في تمدد الفضاء  تمددا سريعا. وفي الفضاء الرحب تحُول التقلبات العشوائية دون تلاشي الحقل. ومع ذلك يفقد الحقل شدته في مناطق معينة منه، فيتباطأ التمدد، وتتحول تلك المناطق إلى فقاقيع.

الدليل

يستنتج علماء الكون وجود أكوان متكافئة من المستوى الثاني عن طريق التدقيق في خصائص كوننا. وقد تشكلت هذه الخصائص، التي تشتمل على شدة قوى الطبيعة (في اليسار مباشرة) وعدد الأبعاد المكانية والزمانية المرصودة (في أقصى اليسار)، من خلال عمليات عشوائية في أثناء ولادة كوننا. ومع ذلك فهي تمتلك القيم الدقيقة التي تغذي الحياة. وذلك يوحي بوجود أكوان أخرى ذات قيم أخرى مختلفة.

 

وكمثال أقرب، ادرسْ كتلة الشمس. إن كتلة أي نجم هي التي تحدد درجةضيائيته (تألقه) luminosity، فيمكن ـ باستعمال مبادئ الفيزياء الأساسية ـ أن نحسب أن الحياة كما نعرفها على الأرض غير ممكنة إلا إذا وقعت كتلة الشمس داخل المدى الضيق ما بين  1.6 1030x و 1030x 2.4  كيلوغرام. وبغير ذلك سيكون مناخ الأرض أبرد من مناخ كوكب المريخ حاليا، أو أشد حرارة من كوكب الزهرة اليوم. ومن المعروف أن الكتلة الشمسية، وفقا للحسابات العلمية، تبلغ  1030x 2.0 كيلوغرام. للوهلة الأولى تبدو هذه المصادفة الظاهرية لقيم الكتلة المحسوسة والمرصودة ضربة حظ محض. وتقع الكتل النجمية بين 1029 و  1032كيلوغرام، ومن ثم فإذا كانت الشمس قد اكتسبت كتلتها مصادفة، فإن احتمال وقوعها ضمن الحيز

 

 المأهول احتمال ضئيل جدا. ولكن، كما في مثال الفندق، يمكننا تفسير هذا الاتفاق الظاهري بافتراض وجود مجموعة ensemble (هي في هذه الحالة عدد من المنظومات الكوكبية) وأثر انتقائي selection effect (هو أننا سنجد أنفسنا بالضرورة نعيش على كوكب مأهول). توصف مثل هذه الآثار الانتقائية ذات العلاقة بالراصد بأنها ذات علاقة بالحياة البشرية anthropic. وعلى الرغم مما يُنسب إلى الكلمات التي تبدأ بالحرف (a) من أنها مثيرة للجدل، يتفق الفيزيائيون عموما على أن هذه الآثار الانتقائية لا يمكن إهمالها لدى اختبار صحة النظريات الأساسية.

 

إن ما يصح في حالة غرفة الفندق والمنظومات الكوكبية يصح في الأكوان المتكافئة كذلك؛ إذ تبدو معظم الخواص التي يحددها كسر التناظر (إن لم نقل كلها) وكأنها محددة بدقة، وإن أي تغيير في قيمها بمقادير طفيفة كان سيؤدي إلى كون مختلف نوعيا ـ كون لا  يحتمل أن نكون موجودين فيه. فلو كانتالپروتونات أثقل بمقدار %0.2 لاضمحلت إلى نيوترونات وأفسدت بذلك استقرار الذرات؛ ولو كانت القوة الكهرمغنطيسية أضعف بمقدار %4 لانعدم الهدروجين والنجوم المعتادة؛ ولو كان التآثر النووي  الضعيف أشد ضعفا لما وُجد الهدروجين أصلا. وبالمقابل لو كان هذا التفاعل أقوى بكثير لعجزت المستعراتالأعظمية supernovae عن مد الفضاء البينجمي بالعناصر الثقيلة. ولو كان الثابت الكوني أكبر بكثير لانفتق الكون قبل أن تتشكل المجرات.

 

ومع أن درجة الضبط مازالت محل خلاف، فإن هذه الأمثلة تشير إلى وجود أكوان متكافئة مع قيم أخرى للثوابت الفيزيائية [انظر: “استكشاف كوننا وأكوان أخرى”، مجلة العلوم ، العدد 1 (2003) ، ص 62]. وتتنبأ نظرية الكون المتعدد من المستوى الثاني بأن الفيزيائيين لن يتمكنوا أبدا من تحديد قيم هذه الثوابت من المبادئ الأولى، بل إنهم سيحسبون فقط التوزيعات الاحتمالية لما يتوقعون وجوده، آخذين الآثار الانتقائية في الحسبان، ولا شيء أكثر من ذلك. ويستتبع هذا أن تكون النتيجة شاملة بما ينسجم مع وجودنا.

 

المستوى الثالث: عوالم متعددة كمومية(*******)

تشتمل الأكوان المتعددة من المستوى الأول والمستوى الثاني على عوالم متكافئة نائية تقع وراء نطاق قدرة  علماء الفلك أنفسهم. لكن المستوى التالي للكون المتعدد قريب منك وفي متناولك، وهو ينشأ عن تفسير الميكانيك الكموميللعوالم المتعددة (وهو تفسير معروف وخلافي)،  ويتمحور حول فكرة أن عملياتكمومية عشوائية تتسبب في  تفرع الكون إلى “نسخ” متعددة، تخص كل منها حصيلة محتملة.

 

في مطلع القرن العشرين أحدثت نظرية الميكانيك الكمومي ثورة في علم الفيزياء، وذلك بإعطاء تفسير لدنيا الذرة لا يلتزم القواعد التقليدية لميكانيكنيوتن. وعلى الرغم من النجاحات الواضحة التي حققتها النظرية، يحتدم نقاش حاد حول معناها الحقيقي. فهي تعيِّن حالة الكون لا عن طريق المفاهيم التقليدية كمواقع جميع الجسيمات وسرعاتها، بل عن طريق كائن رياضياتييدعى الدَّالة الموجية wave function. تتطور هذه الحالة مع الزمن، وفقا لمعادلةشرودينگر SchrÖdinger equation، بأسلوب يسميه علماء الرياضيات تكامليا “واحديا” unitary، ويعني أن الدالة الموجية تدور في فضاء مجرد لانهائي الأبعاد يدعى فضاء هيلبرت Hilbert space. ومع أن الميكانيك الكمومي كثيرا ما يوصف بأنه، بطبيعته، عشوائي وغير محدد بدقة، فإن الدالة الموجية تتطور بطريقة حتمية مقررة ليس فيها ما هو عشوائي أو غير محدد بدقة.

 

وتكمن الصعوبة في كيفية ربط هذه الدالة الموجية بما نرصده. فكثير من الدالات الموجية التقليدية يقابل حالات مضادة للحدس counterintuitive situationsمن مثل وجود قطة ميتة وحية في الوقت  نفسه، فيما يسمى بالتراكبsuperposition. وفي العشرينات من القرن العشرين أزال الفيزيائيون هذه الغرابة بافتراض أن الدالة الموجية كانت “تنهار” إلى حصيلة تقليدية محددة كلما قام شخص بإجراء عملية رصد. ويعود لهذه الإضافة الفضل في تفسير الأرصاد، إلا أنها حولت نظرية راقية متكاملة إلى نظرية مبتذلة لامتكاملة. ويُذكر أن الصفة العشوائية التي تُنسب إلى الميكانيك الكمومي هي نتيجة لهذه المسلَّمة.

 

ومع مرور السنين تخلَّى كثير من الفيزيائيين عن هذا الرأي واتجهوا إلى رأي آخر تقدم به سنة 1957 <H. إيڤريت III > [طالب الدراسات  العليا في جامعةپرنستون]، الذي برهن على أن فرضية الانهيار لا موجب لها، علما أن نظريةالميكانيك الكمومي بحالتها الأصلية الصرفة لا تُظهر في الواقع أي تناقضات. ومع أنها تتنبأ بأن حقيقة تقليدية classical reality واحدة تنقسم تدريجيا إلىتراكبات تتألف من عدد من هذه الحقائق، لا يجد الراصدون في  هذا الانقسام أكثر من عشوائية طفيفة تتطابق الاحتمالات فيها مع احتمالات مسلَّمة  الانهيار القديمة تطابقا تاما. إن هذا التراكب في العوالم التقليدية هو الكون المتعدد من المستوى الثالث.

 

المستوى الثالث من الكون المتعدد (********)

يتنبأ الميكانيك الكمومي بعدد كبير جدا من الأكوان المتكافئة عن طريق توسيع مفهوم “في مكان آخر” elsewhere. تقع هذه الأكوان في مكان آخر؛ لا في الفضاء المعتاد، بل في مملكة مجردة مؤلفة من الحالات المحتملة كافة، بحيث إن كل شكل يمكن التخيل أن يتخذه العالَم (ضمن نطاق الميكانيك الكمومي) يقابل كونا مختلفا. تبعث الأكوان المتكافئة الشعور بوجودها في التجارب المختبرية، من مثل التداخل الموجي والحوسبة الكمومية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2003b19N11-12_H01_002674.jpg

 

أحجار النرد الكمومية

quantum disc

تصور حجر نرد مثاليا عشوائيته كمومية صرفة. عند رميه يبدو أنه يستقر على قيمة معينة كيفما اتفق. غير أن الميكانيك الكمومي يتنبأ بأنه يستقر على القيم كلها في آن معا. ومن الطرائق المتبعة للتوفيق بين هذه الآراء المتناقضة افتراض أن حجر النرد يستقر على قيم مختلفة في أكوان مختلفة. ففي سدسهذه الأكوان يستقر النرد على القيمة 1، وفي سدس آخر يستقر على 22، وهكذا. ولما كنا محصورين في كون واحد فلا يمكننا إدراك أكثر من جزء من الحقيقةالكمومية الكاملة.

 

طبيعة الزمن

يتعامل معظم الناس مع الزمن باعتباره أسلوبا لوصف التغير. ففي لحظة ما يكون للمادة ترتيب معين؛ وبعد لحظة يصير لها ترتيب آخر (في اليسار). ويشير مفهوم الأكوان المتعددة إلى رؤية أخرى بديلة: فإذا ضمت الأكوان المتكافئة جميع التراتيبالمحتملة للمادة (في  اليمين)، كان دور الوقت ببساطة هو تنظيم تلك الأكوان في سلسلة، بحيث تكون الأكوان نفسها مستقرة، والتغير وَهْمًا، إلا أنه وهم شائق.

الخاصية التعددية للطاقة

إن الأكوان المتكافئة الكمومية ـ طبقا لمبدأ الخاصية  التعددية للطاقة ـ معادِلة لأنماط واقعية من الأكوان المتكافئة. وينقسم الكونالكمومي بمرور الزمن إلى أكوان متعددة (في اليسار). إلا أن تلك الأكوان الجديدة لا تختلف عن الأكوان المتكافئة  الموجودة أصلا في مكان آخر من الفضاء ـ مثلا في أكوان أخرى من المستوى الأول (في اليمين). والفكرة الأساسية هنا هي أن الأكوان  المتكافئة، مهما كان نوعها، تجسد طرائق مختلفة كان يمكن للأحداث أن تكشف عنها.

ما انفك تفسير< إيڤريت> لتعدد العوالم يحير عقول العلماء داخل ميادين الفيزياء وخارجها لأكثر من أربعة عقود من الزمن. إلا أن النظرية تصبح ميسورة الفهم أكثر فأكثر عندما يميز المرء بين أسلوبين للتعامل مع نظرية فيزيائية: أسلوب النظرة الخارجية لفيزيائي يدرس معادلاتها الرياضياتية، بما يشبه طائرا يتفحص رقعة أرض طبيعية من الجو، وأسلوب النظرة الداخلية لراصد يعيش في العالَم الموصوف بالمعادلات، بما يشبه ضفدعا يعيش في الرقعة الأرضية التي يتفحصها الطائر.

 

يظهر الكون المتعدد من المستوى الثالث، من منظور الطائر، بسيطا. فليس ثمة إلا دالة موجية واحدة تتطور بيسر وحتمية مقررة مع الزمن من دون أي  نوع من الانقسام أو التوازي. ويضم العالم الكمومي المجرد الذي تصفه الدالةالموجية المتطورة هذه عددا  هائلا من الخطوط التقليدية المتكافئة التي تنقسم وتندمج بصفة مستمرة، إضافة إلى عدد من الظواهر الكمومية التي تفتقر إلى الوصف التقليدي. ولا يرى الراصدون ـ من منظور ضفدعهم ـ أكثر  من جزء ضئيل من هذه الحقيقة الكاملة. إن بوسعهم رؤية الكون الخاص بهم من المستوى الأول، غير أن عملية تسمى فك الترابط decoherence (التي تحاكي انهيار  الدالةالموجيَّة في حين تحافظ على الواحدية unitarity) تحول دون رؤيتهم نسخا متكافئة من المستوى الثالث لأنفسهم.

 

وكلما تعرض الراصدون لسؤال واتخذوا قرارا سريعا ثم أعطوا الجواب، أفضت الآثار الكمومية في أدمغتهم إلى تراكبات من النواتج من مثل:  “تابع قراءة المقالة” و “دع المقالة جانبا”. فمن منظور الطائر يتسبب اتخاذ القرار في انقسام الشخص (أو  تشعبه) إلى نسخ مركبة: نسخة تتابع القراءة وأخرى تتوقف عنها. أما من منظور الضفدع فإن كلا من هذه الذوات الأخرى غير واعية للأخرى، وتلاحظ التشعب كعشوائية ضئيلة ليس إلا، تتمثل في احتمالية معينة للاستمرار في القراءة أو التوقف عنها.

 

وبقدر ما يبدو الأمر غريبا، فإن هذا الموقف ذاته يحدث تماما حتى في الكون المتعدد من المستوى الأول. فمن الواضح  أنك قررت متابعة قراءة المقالة، على حين أن أحد ذواتك الأخرى في مجرة نائية ترك المجلَّة بعد قراءة الفقرة الأولى. إن الفرق الوحيد بين المستوى الأول والمستوى الثالث يكمن في مكان إقامة نظرائك الأحياء. ففي المستوى الأول يقيمون في مكان آخر من فضاء قديم ملائم ثلاثي الأبعاد؛ أما في المستوى الثالث فيقيمون على فرع كمومي آخر في فضاءهيلبرت اللانهائي الأبعاد.

 

ويعتمد وجود المستوى الثالث على افتراض حاسم هو أن التطور الزمني للدالة الموجية واحدي (متفرد). ولم تظهر التجارب حتى الآن أي انحراف عن نظام الواحدية هذا، بل أكدته على مدى العقود الماضية  فيما يتعلق بالمنظومات الكبيرة مثل جزيئات الكربون 60 الكروية والألياف الضوئية  بطول كيلومتر. ومن الناحية النظرية تعززت حالة الواحدية باكتشاف عملية فك الترابط [انظر: “مئةعام من الأسرار الكمومية”، مجلة العلوم ، العددان 2/3 (2003) ص 78]. على أن بعض النظريين ممن يشتغلون في مجال الثقالة الكمومية شككوا بحالةالواحدية؛ ومن بين المحاذير أن الثقوب السوداء المتبخرة قد تتلف  المعلومات، وهي عملية غير واحدية. لكن كشفًا علميا حديثا مثيرا في نظرية الأوتار stringtheory يعرف باسم تَقابُل AdS/CFT يشير إلى أن الثقالة الكمومية quantumgravity بحد ذاتها واحدية. فإذا كان الأمر كذلك، فإن الثقوب السوداء لا تتلف المعلومات، بل تنقلها إلى مكان

آخر.

 

وإذا كانت الفيزياء واحدية، استلزم ذلك أن تتغير الصورة القياسية لآلية التقلبات الكمومية التي كان لها دور فاعل في بداية  الانفجار الأعظم. إن هذه التقلبات لم تولد شروط بدء كيفما اتفق، وإنما ولدت تراكبا كموميا من جميع شروط البدء الممكنة التي وجدت  في وقت واحد. ثم حدثت عملية فك الترابط، فحملت شروط البدء هذه على نهج سلوك تقليدي في فروع كمومية منفصلة. والنقطة المهمة هنا هي أن توزيع أنماط النواتج على فروع كمومية مختلفة في حجم هبل معيَّن (المستوى الثالث) يطابق توزيع أنماط النواتج في حجوم هبل مختلفة ضمن فرع كمومي وحيد (من المستوى الأول). وتُعرف خاصية التقلباتالكمومية هذه في سياق الميكانيك الإحصائي باسم الخاصية  التعددية للطاقةergodicity.

 

ويصح هذا الاستدلال المنطقي نفسه على المستوى الثاني. فعملية كسر التناظر لم تنتج حصيلة  وحيدة، بل تراكبا من جميع أنماط النواتج، التي ما لبثت أن مضى كل منها إلى غايته بسرعة. واستنادا إلى ذلك، فإذا أتيح للثوابت الفيزيائية والبُعدية الزمكانية وغيرها أن تتباين فيما بين الفروع الكموميةالمتكافئة عند المستوى الثالث، فإنها ستتباين أيضا  فيما بين الأكوان المتكافئة عند المستوى الثاني.

 

وبتعبير آخر، إن الكون المتعدد من المستوى الثالث لا يضيف شيئا جديدا وراء نطاق المستوى الأول والمستوى الثاني، اللهم إلا مزيدا من النسخ المتماثلة من الأكوان نفسها التي يتعذر تمييز بعضها من بعض ـ أي الخطوط القديمة التي تتكرر مرة بعد مرة في تفرعات كمومية أخرى. لذلك تبدو المناقشة المشبوبة حول نظرية إيڤريت وكأنها تنتهي بخفوت مفاجئ، باكتشاف أكوان متعددة أقل إثارة للجدل (من المستويين الأول والثاني) وبالدرجة نفسها من الكِبَر.

 

وغني عن القول إن الآثار المترتبة عميقة، ومازال الفيزيائيون في بداية الطريق لاستكشافها. انظر مثلا في تفرعات الإجابة عن تساؤل قديم يقول: هل يزداد عدد الأكوان ازديادا أُسِّيا مع مرور الزمن؟ والجواب المثير للدهشة هو: لا. فمن منظور الطائر لا يوجد بالطبع إلا كون كمومي واحد؛ ومن منظور الضفدع ما يهم هو عدد الأكوان  المتماثلة التي يتعذر تمييز بعضها من بعض في لحظة ما ـ أي عدد حجوم هبل الظاهرة الاختلاف. تخيل نقل الكواكب إلى مواقع جديدة عشوائية؛ تخيل زواجك من امرأة أخرى؛ وهكذا. وعند المستوى الكموميهناك 10 مرفوعة إلى القوة 10118 من الأكوان بدرجات حرارة تقل عن 108 كلڤن، وهذا عدد كبير إلا أنه متناه.

 

إن تطور الدالة الموجية من منظور الضفدع يقابل انزلاقا لانهائيا من إحدى هذه الحالات (البالغ عددها 10 مرفوعة إلى القوة 10118) إلى أخرى. فالآن أنت في الكون A، وهو الكون الذي تقرأ فيه هذه الجملة. والآن أنت في الكون B، وهو الكون الذي تقرأ فيه هذه الجملة الأخرى. بتعبير آخر، إن في الكون B راصدا مطابقا لراصد في الكون A، إلا أنه يتصف بلحظة إضافية من الذكريات. ولماكانت الحالات الممكنة جميعها موجودة في  كل لحظة، فقد يكون مرور الزمن متركزا في عين الناظر. وقد تحرى< G. إيگان >هذه الفكرة سنة 1994 في رواية له من الخيال العلمي بعنوان “مدينة التباديل” Permutation City، ثم طورها الفيزيائي< D. دويتش> [من جامعة أكسفورد] والفيزيائي المستقل < J. باربر> وغيرهما. من هنا قد يكون إطار الكون المتعدد عنصرا أساسيا لإدراك طبيعة الزمن.

 

المستوى الرابع: بُنى رياضياتية أخرى(*********)

قد تتباين شروط البدء والثوابت الفيزيائية في الأكوان المتعددة من المستوى الأول والمستوى الثاني والمستوى الثالث، إلا أن القوانين الأساسية التي تحكم الطبيعة تبقى على حالها لا تتبدل. لماذا الوقوف عند هذا الحد؟ لماذا لا يتاح للقوانين نفسها أن تتغير؟ ماذا عن كون يخضع لقوانين الفيزياء التقليدية دون آثار كمومية؟ ماذا عن الزمن الذي يأتي بخطوات متقطعة discrete ـ كما فيالحواسيب ـ بدلا من أن يكون مستمرا؟ وماذا بشأن كون هو  ببساطة شكل فارغاثناعشري السطوح؟ إن هذه الحقائق  البديلة جميعا موجودة فعلا في الكون المتعدد من المستوى الرابع.

 

إن الإشارة إلى أن كونا متعددا كهذا قد لا يكون مجرد تخمين عبثي تتجسد في التطابق المحكم بين عوالم  المنطق المجرد وعوالم الحقيقة الملموسة. فالمعادلات والبنى الرياضياتية عموما من مثل الأعداد والمتجهات  والكائنات الهندسية تصف العَالَم بمظهر واقعي لافت. وفي هذا السياق نذكر محاضرة مشهورة قدمها سنة 1959 الفيزيائي <P.E. ويگنر> جادل فيها بأن الفائدة العظيمة للرياضيات في العلوم الطبيعية أمر “يقارب اللغز”. وبالمقابل تتميزالبنى الرياضياتية بصفة الواقعية والحقيقة؛ فهي تلبي معيارا  أساسيا  للوجود المحسوس، وهو أنها لا تتغير بغض النظر عمن يدرسها، والمبرهنةtheorem صحيحة سواء أكان برهانها من عمل إنسان أم حاسوب أم دلفين ذكي. ولا شك أن الحضارات الخارجية المحتملة ستجد البُنى الرياضياتية نفسها التي وجدناها نحن. وبناء على ذلك يقول علماء الرياضيات عموما إنهم يكتشفونالبُنى الرياضياتية ولا يبتدعونها.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2003b19N11-12_H01_002675.jpg

لغز الاحتمال(**********)

ما الاحتمالات المتاحة؟

في الوقت الذي تَلْقى فيه نظريات الأكوان المتعددة قبولا، تتنامى القضية الشائكة حول  كيفية حساب الاحتمالات في الفيزياء، وتتحول من مجرد مسألة ثانوية مزعجة إلى مصدر إرباك كبير. فإذا كان هناك فعلا نسخ عديدة مطابقة لك، عند ذلك سيُنسف مبدأ الحتمية determinism التقليدي؛ ولن تستطيع  حساب مستقبلك الشخصي ولو توافرت لك المعلومات الكاملة عن حالة الكون المتعدد، وذلك لعدم وجود طريقة تجعلك تقرر أيا من هذه النسخ هو أنت (إذ كلها تشعرأنها أنت). ومن ثم فكل ما يمكنك  التنبؤ به هو نسبة احتمالات ما قد ترصده.فإذا كان الناتج يمثل احتمالا بنسبة 500% مثلا، فمعنى ذلك أن نصف عدد الراصدين يرصدون ذلك الناتج.

 

ومن سوء الحظ أن حساب “أية نسبة من العدد اللانهائي للراصدين يرى ماذا” ليس بالمهمة اليسيرة. إن الجواب عن هذا السؤال يرتبط بالترتيب الذي تعتمده في العد. وقياسا على هذا فإن نسبة الأعداد الصحيحة التي هي أعداد زوجية تبلغ 50%، إذا اتبعت الترتيب العددي (1، 2، 3، 4، …)، لكنها تقارب %100 إذا رتبت الأعداد رقما  رقما، بالطريقة التي يتبعها معالج الكلمات الذي بحوزتك (1، 10، 100، 1000، …).  إذًا عندما يقيم الراصدون في أكوان منفصلة، فليس ثمة طريقة طبيعية تُعتَمد لترتيبهم. والبديل من ذلك هو أخذ عينات من الأكوان المختلفة وإعطاء كل منها وزنا إحصائيا يسميه علماء الرياضيات “القياس”.

 

وتبرز هذه المشكلة بصورة معتدلة وقابلة للمعالجة عند المستوى الأول، وتصبح عسيرة عند المستوى الثاني، ومثيرة  للجدل عند المستوى الثالث. لكنهاتتفاقم إلى حد فظيع عند المستوى الرابع. فعند المستوى الثاني مثلا، نشر <A. ڤيلينكن> [من جامعة تافتس] وآخرون تنبؤات حول التوزعات الاحتمالية للمتغيرات (الپارامترات) الكونية المختلفة. وقد جادلوا بأن الأكوان المتكافئة المختلفة التي شهدت درجات متفاوتة من الانتفاخ يجب أن تُعطى أوزانا إحصائية تتناسب وحجومها. من ناحية أخرى، يقول لك كل رياضياتي إن ∞x 2=∞، ولذلك فلا معنى موضوعي للقول إن كونا لانهائيا تمدد بعامل 2 قد أصبح أوسع من ذي قبل. كذلك فإن كونا محدودا ذا طوبولوجية محدبة على شكل طارةtorus يعادل كونا دوريا تماما  ولكن بحجم لانهائي، وذلك من منظور الطائرالرياضياتي ومن منظور الضفدع لراصد موجود بداخله. لماذا إذًا يترتب على ذلك أن يعطى الحجم الأصغر بشكل لانهائي لهذا الكون وزن إحصائي معدوم (أي صفر)؟ ومع ذلك، وحتى في كون المستوى الأول، تبدأ حجوم هبل بتكرار نفسها (بترتيب عشوائي وليس دوريا) بعد نحو 100 مرفوعة إلى القوة 10118مترا.

 

وإذا لم يعجبك ذلك، فابحث في مسألة إعطاء أوزان إحصائية لبنىرياضياتية مختلفة عند  المستوى الرابع. إن الفكرة القائلة بأن كوننا يبدو بسيطا نسبيا حملت كثيرا من الناس على الاعتقاد بأن القياس الصحيح ينطوي على التعقيد.

 

هناك نموذجان مقنعان، لكنهما متعارضان تماما، لإدراك التقابل بين الرياضيات والفيزياء، وهو انقسام في الرأي  يرجح أنه يعود إلى زمن أفلاطونوأرسطو. فالحقيقة الفيزيائية، طبقا لنموذج أرسطو، أساسية، في حين أن اللغةالرياضياتية فيه لا تعدو أن تكون تقديرا  تقريبيا مفيدا. أما في النموذج الأفلاطوني، فالبنية الرياضياتية هي الحقيقة الصحيحة التي يدركها الراصدون بصورة ناقصة. إذن يختلف النموذجان في تقرير أي المنظورينأساسي أكثر: منظور الضفدع للراصد،  أو منظور الطائر للقوانين الفيزيائية. إن نموذج أرسطو يفضل منظور الضفدع، في حين يفضل نموذج أفلاطون منظور الطائر.

 

ومنذ كنا أطفالا، وحتى قبل أن نسمع بالرياضيات، كنا جميعا نتعلم بالفطرة نموذج أرسطو. إذ إن النموذج الأفلاطوني صفة مكتسبة. ويميل الفيزيائيونالنظريون اليوم إلى أن يكونوا أفلاطونيين، فهم يقدرون أن الرياضيات تصف الكون وصفا جيدا لأن الكون بطبيعته رياضياتي. ومن ثم فإن الفيزياء برمتها هي أساسا مسألة في الرياضيات، بحيث يستطيع عالم رياضياتي ذو ذكاء غير محدود وموارد لا حدود لها أن يحسب من  حيث المبدأ منظور الضفدع ـ أي أن يحسب ما يحويه الكون من راصدين واعين لذواتهم، وماذا يلاحظون، ومااللغات التي يستنبطونها لوصف ملاحظاتهم بعضهم لبعض.

 

والبنية الرياضياتية كائن مجرد، لا متغير، يوجد خارج نطاق المكان والزمان.ولو كان التاريخ فيلما سينمائيا لتطابقت بنيته لا مع مشهد واحد منه، بل مع الشريط كله. خذ على سبيل المثال عالَما مؤلفا من جسيمات نقطية  تتحرك ضمن حيز ثلاثي الأبعاد. وفي الزمكان الرباعي  الأبعاد ـ أي منظور الطائر ـ تكون مسارات هذه الجسيمات أشبه بكتلة متشابكة من السباگتي. فإذا رأى الضفدع جسيما يتحرك بسرعة ثابتة، رأى الطائر عودا مستقيما من السباگتي غير المطهوة. وإذا  رأى الضفدع زوجا من الجسيمات الدوَّارة، رأى الطائر عودين منالسباگتي مضفورين كحلزون مضاعف.  ويوصَف العالَم ـ كما يراه الضفدع ـ بقوانين نيوتن في الحركة والتثاقل؛ ويوصف ـ  كما يراه الطائر ـ بهندسة المعكرونة، وهي في حد ذاتها بنية رياضياتية. فالضفدع نفسه ليس إلا كتلة سميكة من المعكرونة يماثل تشابُكها المعقد مجموعة جسيمات تقوم باختزان المعلومات ومعالجتها. إن كوننا أكثر تعقيدا بكثير من هذا المثال، ولا يدري العلماء بعد أية بنية رياضياتية قابل، إن وجدت واحدة أصلا.

 

ويثير النموذج الأفلاطوني الشائع السؤال: لماذا كان الكون على ما هو عليه؟ وهو سؤال لا معنى له بالنسبة إلى الشخص الأسطوري: فالكون كما يراه هو الكينونة فحسب. أما الأفلاطوني فلا يملك إلا أن يتساءل: لماذا لم يكن مختلفا عما هو عليه. وإذا كان الكون رياضياتيا بطبيعة تكوينه، فلماذا اختيرت بنية واحدة فقط لوصف الكون من بين بني رياضياتية عديدة؟ ويبدو أن عدم تناظر أساسيٍّ قد بني في صميم حقيقة واقعنا.

 

وللخروج من هذا اللغز المحير افترَضْتُ وجود تناظر رياضياتي تام، وأنالبُنى الرياضياتية كلها موجودة  فيزيائيا أيضا، بحيث تقابِلُ كل بنية كونا متكافئا، وأن عناصر هذا الكون المتعدد  لا تقيم في الحيز نفسه، وإنما توجد خارج المكان والزمان، وربما كان معظمها خلوا من الراصدين. ويمكن النظر إلى هذه الفرضية على أنها شكل من أشكال الأفلاطونية الجذرية، مؤكِّدة على أنالبنى الرياضياتية في مملكة الأفكار الأفلاطونية، أو “الفضاء الفكري”mindscape لعالِم الرياضيات< R. ركَر> [من جامعة سان هوزيه الحكومية] توجد بمعنى فيزيائي. وهذا قريب جدا مما يُطلق عليه عالم الكونيات < D.J. بارو> [من جامعة كامبريدج] عبارة “پاي في الفضاء Лin the sky، ومما يدعوه الفيلسوف الراحل < R .نوزيك> [من جامعة هارڤارد] مبدأ الخصوبة (الغزارة)principle of fecundity، ومما يطلق عليه الفيلسوف الراحل <K.D. لويس> [من جامعة پرنستون] اسم الواقعية الشكلية modal realism. ويُذكر أن المستوى الرابع هو خاتمة تراتبية الأكوان المتعددة، لأن أي نظرية فيزيائية متماسكة  بذاتها يمكن تمثيلها ببنية رياضياتية معينة.

 

إن فرضية الكون المتعدد من المستوى الرابع تستتبع تنبؤات قابلة للاختبار؛ فهي تضم ـ كما في المستوى الثاني ـ مجموعة (هي في هذه الحالة نطاق كامل من البنى الرياضياتية) وآثارا انتقائية. ومع استمرار علماء الرياضيات في تصنيف البنى الرياضياتية، ينبغي أن يجدوا أن البنية التي تصف عالَمنا هي أشمل البُنى المنسجمة مع أرصادنا. وبالمثل، ينبغي أن تكون أرصادنا المستقبلة أشمل الأرصاد المتفقة مع أرصادنا الماضية، وأن تكون أرصادُنا الماضية أشمل الأرصاد المتناغمة مع وجودنا.

 

المستوى الرابع من الكون المتعدد(***********)

يفتح هذا النمط الأخير من الأكوان المتكافئة كامل المجال للاحتمالات؛ فقد تختلف الأكوان لا في مواقعها أو خصائصها الكونية أو حالتها الكموميةفحسب، بل في القوانين  الفيزيائية التي تحكمها أيضا. وسيكون من شبه المستحيل تخيلها، لكونها موجودة خارج إطار المكان والزمان. وخير ما يمكن أن يفعله المرء هو النظر إليها على نحو مجرد، كتماثيل ساكنة تمثل البنيةالرياضياتية للقوانين الفيزيائية التي تحكمها. لنأخذ مثلا كونا بسيطا، وليكن الأرض والقمر والشمس، التي تخضع لقوانين نيوتن. يبدو هذا الكون بالنسبة إلى راصد موضوعي كحلقة دائرية (تختفي معالم مدار الأرض مع الزمن) ملفوفة في ضفيرة (مدار القمر حول الأرض). أما الأشكال الأخرى فتمثل قوانين فيزيائية أخرى (d, c, b, a). ومن شأن هذا النموذج أن يحل مشكلات شتى تتعلق بأسس الفيزياء.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2003b19N11-12_H01_002676.jpg

 

على أن تحديد ما يعنيه هذا “الشمول” كميا مسألة عويصة مازال البحث فيها في بداياته الأولى. ومن السمات المدهشة والمشجعة للبنى الرياضياتية أن التناظر وخصائص اللاتغير invariance properties المسؤولة عن بساطة كوننا ونظامه orderliness تنزع إلى الشمولية، وهذه هي القاعدة لا الاستثناء. والبنىالرياضياتية تتجه إلى امتلاك هذه الخصائص حكما (بسبب غياب البديل)، ومع ذلك لا بد من إضافة فرضيات منطقية أخرى تمكنها من الانطلاق.

 

ماذا يقول “أوكام”؟(************)

لذلك تؤلف النظريات العلمية للأكوان المتكافئة تراتبية hierarchy متدرجة ذات أربعة  مستويات، تصبح فيه الأكوان أكثر فأكثر اختلافا عن كوننا. فقد يكون لهذه الأكوان شروط بدء مختلفة (المستوى الأول)؛ أو ثوابت فيزيائية وجسيمات مختلفة (المستوى الثاني)؛ أو قوانين فيزيائية مختلفة (المستوى الرابع). ومنالمفارقات أن المستوى الثالث هو المستوى الوحيد الذي كان هدفا للقسط الأكبر من النقد طوال العقود الماضية، لأنه يتفرد بأنه لا يضيف أنماطا كونية جديدة من الناحية النوعية.

 

وسيشهد العقد القادم تطورا مثيرا في القياسات الكونية المتعلقة بالخلفيةالميكروية الموجة وبتوزع المادة على نطاق واسع. وسيكون من شأن تلك  القياسات المتقدمة تعزيز المستوى الأول أو دحضه عن طريق إدراك درجة تقوس الفضاء وطوبولوجيته. ويُنتظر من تلك القياسات أيضا أن تسبر المستوى الثاني عن طريق اختبار نظرية الانتفاخ الأبدي الشواشي. كذلك سيسهم التقدم في مجالي الفيزياء الفلكية وفيزياء الطاقة العالية في توضيح درجة ضبط الثوابت الفيزيائية. ومن ثم إضعاف أو تعزيز حالة المستوى الثاني نتيجة لذلك.

 

وإذا قدر النجاح للجهود التي تبذل حاليا لإنتاج حواسيب كمومية، لوفر ذلك دليلا آخر لمصلحة المستوى الثالث، إذ ستستغل تلك الحواسيب ـ جوهريا ـ صفة التكافؤ في الكون المتعدد من المستوى الثالث لأغراض الحوسبة الموازية. ويبحث العلماء في تجاربهم عن دليل لحدوث  خرق أو تجاوز في الصفةالواحدية unitarity violation، ومن شأن ذلك أن يستبعد المستوى الثالث نهائيا. وأخيرا فإن النجاح أو الفشل في التحدي الكبير للفيزياء الحديثة (توحيد نظرية النسبية العامة ونظرية الحقل الكمومي) سيسهم في تحويل الآراء فيما يتصل بالمستوى الرابع. فإما أننا سنقع على بنية رياضياتية تلائم كوننا تماما، وإما أننا سنصطدم بحد  الفاعلية اللامعقولة للرياضيات، مما يترتب عليه التخلي عن ذلك المستوى.

 

إذن هل يترتب عليك الاقتناع بالأكوان المتكافئة؟ إن الجدال الرئيسي المعارض لها يرى أنها  متلافةٌ وغريبة وعديمة الجدوى. فأول الآراء يقول إن نظريات الأكوان المتعددة مكشوفة وغير منيعة لما يسمى نصل أوكام(6) razor Occam’s لأنها تسلم بوجود عوالم أخرى يتعذر علينا رصدها. ولماذا يترتب على الطبيعة أن تكون متلافة فتنغمس في لجج من أعداد لامتناهية من  العوالم المختلفة؟ ومع ذلك يمكن تحويل هذا الرأي ليكون مؤيدا للكون المتعدد. فما  الذي ستبدده الطبيعة بالضبط؟ إنه بالتأكيد ليس الحيز أو الكتلة أو الذرات ـ فالكون المتعدد من المستوى الأول (الذي لا خلاف عليه) يحتوي أصلا على مقدار لانهائي من هذه العناصر الثلاثة جميعا؛ فمن ذا الذي يهتم إذا ما بددت الطبيعةُ المزيد منها؟ إن القضية الحقيقية هنا هي انخفاض درجة  البساطة ظاهريا. أما المتشكك فيكون قلقا على جميع المعلومات اللازمة لتحديد تلك العوالم اللامرئيةكافة.

 

ولكن مجموعة كاملة غالبا ما تكون أبسط بكثير من أحد عناصرها. ويمكن أن يصاغ هذا المبدأ بدرجة أكبر من الصيغة  الاصطلاحية باستعمال مفهوم محتوى المعلومات الخوارزمي algorithmic information content، وهو إجمالا ـ في سياق عدد ما ـ طول أقصر برنامج حاسوبي يولِّد ذلك العدد كمحصلة. خذ مثلا  مجموعة جميع الأعداد الصحيحة. أيهما أبسط يا ترى: المجموعة الكاملة أم عدد واحد منها؟ قد تظن بسذاجة أن عددا واحدا أبسط، والحقيقة أن المجموعة برمتها يمكن توليدها عن طريق برنامج حاسوبي سهل جدا، في حين أن  رقما واحدا قد يتطلب برنامجا طويلا جدا، ومن ثم فالمجموعة الكاملة هي في الواقع أيسر.

 

وبالمثل، فإن مجموعة جميع الحلول لمعادلات مجال آينشتاين أيسر من حل واحد بعينه؛  فالمجموعة توصف بعدد قليل من المعادلات، على حين يتطلب الحل الوحيد توصيف مقادير هائلة من البيانات البدئية على سطح فائق التميزhypersurface. والفكرة هنا هي أن درجة التعقيد تتزايد عندما نحصر اهتمامنا في عنصر واحد معين من مجموعة، وينجم عن ذلك ضياع التناظر والبساطة اللذين يلازمان مجموعة جميع العناصر بأخذها جملة واحدة.

 

بهذا المعنى تكون الأكوان المتعددة الأعلى مستوى أبسط من غيرها. وعلى ذلك فإن الانتقال من كوننا  إلى الكون المتعدد من المستوى الأول ينفي الحاجة إلى تعيين شروط البدء؛ والارتقاء إلى المستوى الثاني ينفي الحاجة إلى تعيين الثوابت الفيزيائية؛ كذلك ينفي الكون المتعدد من المستوى الرابع الحاجة إلى تعيين أي شيء على الإطلاق. ويتركز زخم التعقيد كله في الملاحظات الذاتية للراصدين ـ منظور الضفدع. أما من منظور الطائر فلا  يمكن للكون المتعدد أن يكون أكثر بساطة.

 

إن الشكوى من صفة الخفاء والغرابة هي أمر جمالي أكثر منه علميا، وليس له معنى في الواقع إلا في النظرة الأرسطوية للعالم. ومع ذلك فماذا نتوقع؟ عندما نطرح سؤالا عميقا عن طبيعة الحقيقة، ألسنا نتوقع جوابا يبدو  غريبا؟ لقد أتاح لنا التطور حدسا مرتبطا بالفيزياء المألوفة لدينا والتي اكتسبت  قيمة المحافظة على الذات لدى أسلافنا الأباعد. إذن كلما غامرنا أبعد من العالم المألوف كان علينا أن نتوقعه أن يبدو غريبا.

 

وثمة سمة مشتركة للمستويات الأربعة للكون المتعدد، هي أن أبسط النظريات، وربما أفضلها، تتناول الأكوان  المتكافئة حكما (في غياب الرأي البديل). ولتفنيد وجود تلك الأكوان يحتاج المرء إلى تعقيد النظرية عن طريق إضافة عمليات لم تعززها التجربة العملية، وكذلك مسلَّمات أساسية وضعت لهذا الغرض بالذات مثل: حيز متناه، انهيار دالة موجية، ولاتناظر وجوديّ (يتعلق بطبيعة الوجود). ولذلك يتجه حكمنا إلى ما نجده أكثر  تبديدا وأقل تناسقا: أهي عوالم كثيرة أم كلمات كثيرة. ولعلنا سنتعود تدريجيا  الطرائق الغريبة لكوننا، ونجد أن غموضه هذا جزء من سحر جماله وجلاله. ▪

 

 المؤلف

Max Tegmark

أستاذ الفيزياء وعلم الفلك في جامعة پنسلڤانيا. كتب نسخة رباعية الأبعاد للعبة الحاسوبية المسماةتتريس Tetris عندما كان طالبا في الجامعة. وأصبح مطورا للبرمجيات وخبيرا في تحليل الخلفية الكونيةالميكروية الموجة والحشود المجرية.  يتصل جزء كبير من عمله بمفهوم الأكوان المتكافئة: تقييم الأدلة على الفضاء اللانهائي والانتفاخ الكوني، واستنباط رؤى عميقة في فك الترابط الكمومي، ودراسة سعة تقلبات الخلفية الميكروية الموجة وبُعدية الزمكان، وقوانين الفيزياء الأساسية، واحتمال تباينها من مكان إلى آخر.

 

مراجع للاستزادة 

Why Is the CMB Fluctuation Level 10-5? Max Tegmark and Martin Rees in Astrophysical Journal, Vol. 499, No. 2, pages 526-532; June 1, 1998. Available online at,arXiv.org/abs/astro-ph/9709058

Is “The Theory of Everything” Merely the Ultimate Ensemble Theory? Max Tegmark in Annals of Physics, Vol. 270, No. l, pages l-51; November 20, 1998. Available online at arXiv.org/abs/gr•qc/9704009 Many Worlds in One. Jaume Garriga and Alexander Vilenkin in Physical Review, Vol. 064, No. 043511; July 26, 2001. Available online at arXiv.org/abs/gr•qc/0302010

Our Cosmic Habitat. Martin Rees. Princeton University Press, 2001.

Inflation, Quantum Cosmology and the Anthropic Principle. Andrei Linde in Science and Ultimate Reality: From Quantum to Cosmos. Edited by J. D. Barrow, P. C. W. Davies and C. L. Harper. Cambridge University Press, 2003. Available online at arXiv.org/abs/hep-th/021104B
The author’s Web site has more information at

www.hep.upenn.edu/-max/multiverse.html

Scientific American, May 2003

 

 PARALLEL UNIVERSES(*)

Level I: Beyond Our Cosmic Horizon (**)

 Overview/Multiverses(***)

Level 1 Multiverse(****)

Level II: Other Postinflation Bubbles(*****)

 Level II Multiverse(******)

 Level III: Quantum Many Worlds(*******)

Level III Multiverse(********)

 Level IV: Other Mathematical Structures(*********)

 The Mystery of Probability(**********)

 Level IV Multiverse(***********)

?What Says Occeam(************)

 

(1) الوجه الآخر لنفسك، الأنا الآخر، الذات الأخرى للشخص.

(2) الطوبولوجيا topology: الدراسة المعممة لخصائص الفضاءات التي لا تتغير بالتشويه أو المط.

(3) [انظر: “Is Space Finite? ” by J-P. Luminet – G. D. Starkman – J. R. Weeks; Scientific American, April 1999

(4) [وانظر أيضا: “The Inflationary Universe,”; by A. Guth – P. J. SteinhardScientific American, May 1984].

(5) [انظر: by George; News Scan “Been There, Don That,” 

Scientific American, March 2002].

(6) مبدأ أساسي يُنسب إلى الفيلسوف الإنگليزي ويليام أوف أوكام، وينص على وجوب الالتزام بالحد الأدنى الضروري من الفرضيات عند شرح قضية ما.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق