غير مصنف

المُشبّك: حوسبة بلا حدود

المُشبّك: حوسبة بلا حدود(*)

بربطها بين المعالجات الرقمية وأجهزة التخزين والبرمجيات على نطاق عالمي، تتأهب تقانة

 المشبّكات بخطى متزنة لتحويل الحوسبة من نشاط فردي أو نشاط خاص بشركات

 إلى برنامج خدمات عام.

<I. فوستر>

 

كان البشر الأوائل لا يأكلون إلا الطعام الذي يجمعونه بأنفسهم ولا يستخدمون إلا الأدوات التي يصنعونها بأنفسهم.

 

لقد استمرت الجهود التي بذلها البشر من أجل فك الارتباط بين الإنتاج والاستهلاك آلاف السنين، وأدت في النهاية إلى نشوء الزراعة والتصنيع المكثف وتوزيع الطاقة الكهربائية. وصارت النتائج التي ترتبت على ذلك، من خصخصة للعمل واقتصاد واسع النطاق وتقانات جديدة، هي التي تحدد عالمنا الحديث ـ وتفسح لي المجال للجلوس في أحد المقاهي أحتسي فنجانا من القهوة وأكتب هذه المقالة على حاسوبي المحمول، دون أن أعير أدنى اهتمام للمصادر الأصلية التي أقوم باستهلاكها أو استخدامها، ومن بينها الماء والقهوة والكهرباء وعرض نطاق الشبكة اللاسلكية.

 

هذا التوافر الجاهز والسريع لهذه المصادر يصلح لأن يكون مثلا على مفهوم الافتراضية(1) virtualization، الذي يشير (في علم الحاسوب) إلى حجب بعض الوظائف المفيدة خلف واجهة بينية interface تخفي تفصيلات حول كيفية وضع هذه الوظائف موضع التنفيذ. فعلى سبيل المثال، عندما يفتح خادم المقهى حنفية الماء، فكأنه يغرف من برميل لا ينضب. والظاهرة نفسها تحدث عندما أقوم بتوصيل حاسوبي المحمول بقابس الكهرباء في الجدار، فبسبب وجود مشبّك كهربائي ضخم وغير منظور وراء القابس، من يدري متى وكيف جرى توليد هذه الطاقة الكهربائية؟

 

غير أن الحوسبة بحد ذاتها لا تتسم بالطابع الافتراضي. فالحاسوب المحمول، أو الحاسوب المنزلي، أو حتى حاسوب أحد المراكز المتطورة للمعلومات التابع لإحدى الشركات، هي نظم ذات قدر كبير من الاستقلالية والاكتفاء تنفذ برامج خزنت محليا. ولما كنا لا نقبل وضعا تكون فيه كل مؤسسة أو شركة تجارية مضطرة إلى تشغيل محطة الطاقة والمكتبة والمطبعة وخزان الماء الخاصة بها، فلماذا نقبل ذلك بالنسبة إلى الحواسيب؟

 

هذه الحالة غير المثالية دفعت علماء الحواسيب إلى البحث عن بدائل أخرى أكثر فعالية. فالشبكات الرقمية تزداد سرعتها يوما بعد يوم، فلم لا نقوم «بتجميع» الحواسيب بصورة مستمرة وفاعلة انطلاقا من قطع موزعة بحيث يتمكن المستخدمون من طلب الموارد ـ كالمعالجة والخزن والبيانات والبرمجيات ـ بغض النظر عن الموقع وعن المصدر المناسب لتوفيرها؟ وبمعنى آخر، لماذا لا نجعل الخدمات الحاسوبية العامة افتراضية؟ إن مثل هذا «المشبّك» الحوسبي من شأنه أن يكون كليّ الحضور مثلما هو المشبك الكهربائي ـ وأن يكون مفيدا مثله.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2003b19N11-12_H04_002698.jpg

 

الأعمال التجارية على الإنترنت(**)

من المتوقع أن تكون مؤسسات التجارة الإلكترونية من بين المستفيدين من وجود مشبك حاسوبي واسع الانتشار، لأن ذلك يمكّنها من تكييف معلوماتها ونظم حواسيبها تبعا لتقلبات عمليات الطلب فيما هي تعمل في الوقت ذاته على ربط هذه النظم بالشركاء والموردين والعملاء من أجل توسيع شبكة الخدمات التي يتلقونها. ولنتخيل هنا شركة سفريات للمغامرات تؤمن لزبائنها رحلات استكشاف في الواقع الافتراضي لمواقعها الموجودة تحت البحر. فبمجرد أن يباشر أحد الزبائن المحتملين الإبحار في المياه الافتراضية خارج منتجع «كوزومل» السياحي حتى تصبح الشركة مضطرة إلى الوصول إلى بعض قواعد البيانات والبرمجيات اللازمة لاسترجاع المعلومات الجغرافية المتعلقة بالرحلة، وتحويل البيانات إلى رسوم مجسمة، وكتابة المعلومات التجارية المناسبة فوقها، ودمج كل ذلك في صور ڤيديو حقيقية مصدرها كاميرات التصوير التي جرى تركيبها في الموقع ذاته. ويستحيل على أي شركة سفريات أن تقوم بمفردها بتشغيل هذه الإمكانات، ولكن إذا توافرت تقانات المشبكات، يصبح بإمكانها تجميع الموارد الضرورية من عدة مصادر، يعمل كل واحد منها على تلبية حاجات عدد كبير من العملاء؛ ويحقق بالتالي اقتصادا مؤاتيا واسع النطاق [انظر الإطار في هذه الصفحة].

 

إضافة إلى ذلك، فإن منظومات المشبكات تحمل في طياتها وعودا لعدد آخر من المجالات التي يقتصر العمل فيها على فئات قليلة. ففي مجال الطب مثلا، يسمح الوصول إلى الحواسيب وقواعد البيانات البعيدة لطبيبي الخاص بمقارنة صوري الشعاعية بصور ملايين المرضى الآخرين، الأمر الذي قد يمكنه مثلا من اكتشاف وجود ورم خبيث في وقت مبكر. وقد يسمح لعلماء الكيمياء البيولوجية في أمكنة أخرى بغربلة 10000 عقار من العقاقير المرشحة لأن تكون أدوية خلال ساعة واحدة بدلا من سنة بكاملها، أو قد يمكِّن المهندسين المدنيين من اختبار تصميم لأحد الجسور المقاومة للزلازل خلال دقائق معدودة بدلا من عدة شهور.

 

هذا المفهوم الخاص بحوسبة المشبكات التي يغلب عليها الطابع الافتراضي بالكامل يشكل امتدادا طبيعيا لشبكة الإنترنت الحالية. فقد أضفت الإنترنت الطابع الافتراضي على الاتصالات، وسمحت لأي شخص أو جهاز بالاتصال بشخص أو بجهاز آخر بغض النظر عن الموقع أو عن الوسائل المستعملة لذلك. وقد نتج من ذلك انفجار واسع في كمية الوظائف المبتكرة: البريد الإلكتروني وشبكة الوِب العالمية وتطبيقات الأنداد peer-to-peer، بما في ذلك نظم تشارك الملفات file-sharing systems، مثل نظام KaZaA؛ ونظم الحوسبة الموزعة البسيطة، مثل مشروع البحث عن الكائنات الفضائية SETI@home  ومشروع مكافحة الإيدزFightAIDS@home ومشروع «مشبك أبحاث مرض الجدري» Smallpox ResearchGrid. فالهدف الذي ينشده الذين يعملون بيننا حاليا على تطوير المشبك هو إضفاء الطابع الافتراضي على الحوسبة والمعلومات بحيث يستطيع أي شخص أو جهاز أن يزود أي شخص أو جهاز آخر بخدمات برمجية، وبحيث ـ وهذا ليس أقل شأنا ـ يكون الوصول إلى مجموعات متفاوتة من تلك الخدمات مأمونا وموثوقا.

 

رحلة غوص في الواقع الافتراضي يوفرها المُشبِّك(***)

http://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2003b19N11-12_H04_002699.jpg

لكي نظهر بالصور ما يمكن لنظام حوسبة مشبكة مكتمل النمو أن يفعله، لنتخيل شركة سفريات للمغامرات [سكوباتورز] تؤمِّن رحلات استكشاف في الواقع الافتراضي لمواقعها تحت البحر. تسمح هذه الخدمة لأحد الزبائن المحتملين، المزود فقط بحاسوب منزلي وعصا تحكم(2)، بأن «يبحر» في تمثيل مجسم لأحد الشعب المرجانية ـ وهو في هذه الحالة، الشعب المرجاني الذي يقع خارج منتجع كوزومل في المكسيك.

تتدبر هذه الشركة الصغيرة أمرها لتأمين هذه القدرات الحوسبية الخارقة عن طريق استعمال المشبك للتعاقد على مهمة تجميع موارد حاسوبية مترامية الأطراف وضرورية لإحداث محاكاة واقعية. وعندما يريد أحد الزبائن أن يبحر في مياه البحر الكاريبي الافتراضية، تتصل حواسيب «سكوباتورز» بالحواسيب المخدمة البعيدة التي تمسك بزمام تفاصيل الوصول إلى قواعد البيانات والبرمجيات البعيدة. بعدئذ تقوم هذه المخدمات بانتقاء المعلومات التصويرية والخرائطية ذات الصلة، وتحول البيانات إلى رسوم مجسمة، ثم تدمجها في صور ڤيديو مأخوذة في الزمن الحقيقي من آلات تصوير مقامة في الموقع نفسه، وتطبع فوقها المعلومات التجارية المناسبة. وجميع هذه المزايا، إضافة إلى البرمجيات التي تولد خبرة افتراضية مقنعة، يمكن الحصول عليها عن طريق مزيج من العقود الطويلة الأجل والمزايدات التنافسية من قبل عدد من الموردين والسماسرة [مثل «شركة الألعاب الحاسوبية»، وشركة «كومبيوترز»] يؤمن كل واحد منهم خدمات لعدد كبير من الزبائن ويحقق بالتالي اقتصادا ملائما واسع النطاق. أما الموردون الموجودون على المُشبك فمهمتهم تأمين أعمال الإدارة وكشف الحساب والوظائف المماثلة. [انظر الصفحة 55 لمزيد من التفاصيل حول كيفية تأمين أنظمة المشبك لهذه التطبيقات التجارية المعقدة].

 

لقد نشأ اهتمامي بحوسبة المشبكات grid-computing جراء اهتمامي بالطريقة التي تمكِّن الأدوات الحاسوبية من رفع مستوى الفكر البشري. وفي أوائل التسعينات من القرن العشرين كنت أعمل على تطوير أدوات للحوسبة العلمية في «مختبر أرگون الوطني» التابع «لوزارة الطاقة الأمريكية». وكانت الشبكات العالية السرعة قد بدأت بالظهور إلى الملأ، وبدا واضحا أنه إذا تمكنا من دمج الموارد الرقمية والأنشطة عبر الشبكات، فقد يؤدي ذلك إلى حدوث تحول في طريقة العمل العلمي. وعلى سبيل المثال، يمكن ربط أجهزة المختبر بالحواسيب البعيدة من أجل القيام بتحليل للبيانات في الوقت الفعلي. كما يمكن دمج عدة قواعد بيانات موزعة من أجل البحث عن وجود ترابطات مهمة فيما بينها.

 

وهكذا قررتُ (المؤلف) في عام 1994 أن أركز أبحاثي من جديد على الحوسبة الموزعة. وبمساعدة الزميلين <S. تويكه> [من مختبر «أرگون»] و<C. كيسلمان> [الذي كان حينذاك باحثا في «معهد كاليفورنيا للتقانة» MIT، وهو حاليا مدير مركز تقانات المشبكات في معهد علم المعلومات بجامعة ساوث كارولينا] تمكَّنت من وضع مشروع يهدف إلى إنشاء منظومة برمجيات تسمح بالتعاون العلمي على صعيد عالمي. وقد أطلقنا على هذا الجهد اسما عظيما نوعا ما هو «مشروع گلوبوس» Globus Project.

 

نظرة إجمالية /حوسبة مُشبّكة(****)

• تشير الحوسبة المشبكة إلى التكامل الواسع النطاق بين نظم الحواسيب (عبر شبكات عالية السرعة) لتأمين الوصول حسب الطلب إلى إمكانات ووظائف معالجة البيانات التي تتوافر في جهاز واحد منفرد أو في مجموعة من الأجهزة.

• تستعمل النظم المشبكة لغات تشاركية وپروتوكولات تفاعلية لتوسيع رقعة انتشارها في العالم للوصول إلى الموارد الحاسوبية والمعلومات والخدمات اللازمة للوفاء بحاجات المستخدم المحلية.

• تعتبر الشبكات الشديدة التكامل التي تستخدم نظما مشبكة شفافة بالنسبة إلى المستخدمين ـ فهي تبدو وكأن الخدمات التي تأمنت من بعيد قد وفرتها حواسيب محلية.

• تتيح تقانة المشبكات تعاونا تجاريا وعلميا واسع النطاق بين أفراد المنظمات الافتراضية، والتجارب البُعدية، كما تتيح إجراء حوسبة موزعة وتحليلا للبيانات يتميز بأداء رفيع.

 

والحوسبة الموزعة ليست فكرة جديدة على الإطلاق؛ إذ إن عددا كبيرا من المفاهيم التي تشكل أساس منظومات المشبكات الحالية كان موجودا حتى قبل ولادة الإنترنت. ففي منتصف الستينات من القرن العشرين، مثلا، كان <F. كورباتو> [الذي يعتبر رائد نظم التشغيل بالمشاركة الزمنية time-sharing] قد وصف نظام «مالتيكس» Multics، الذي اعتبر في حينه نظاما ثوريا، بأنه «برنامج خدمات حوسبية» computing utility. وكانت المصارف وشركات صناعة الطائرات قد أدخلت في صلب عملها نظم تشغيل موزعة ومتطورة منذ عدة عقود. غير أننا أجرينا مقاربة للمسألة من منظور مختلف تفرضه حاجات الباحثين العلميين. فقد علَّمتنا التجربة أن المتطلبات الصارمة في معظم الأحيان والفوضى التي لا يمكن السيطرة عليها إلا بشكل جزئي يمكن أن تشكل دوافع قوية للتجديد والابتكار. ويبدو أن اختراع الوِب من قبل <T. برنرز-لي> لم يكن من قبيل المصادفة، فهو عالم حواسيب وكان عمله مع فيزيائيي الطاقة العالية مصدر إلهام له لابتكار نظام شامل لمشاركة المعلومات.

 

وفيما يخص عملنا، فقد رأينا أن الجماعات العلمية تتطلب وجود تقانات تمكِّن مجموعات المشاركين الذين ينتمون إلى مؤسسات مختلفة ـ أي ما نسميه منظمات افتراضية (virtual organization(VO ـ من أن تتشارك في الموارد بطريقة منظمة ومدارة بشكل جيد. ومثلما يشترى لاعبو كرة القدم المحترفون من نواد مختلفة ليتدربوا معا ضمن فريق وطني ينافس للحصول على كأس العالم، فإن مثل هذه المنظمات الافتراضية العلمية تعترض طريق المؤسسات العادية مثيرة بالطبع عددا لا يحصى من المشكلات التنظيمية والسياسية. وبشكل خاص يحتاج المشاركون في هذه المنظمات الافتراضية إلى أن يتشاركوا في المعلومات والحواسيب وأدوات الخزن والبرمجيات بطريقة منظمة كلما باشروا عملا تعاونيا؛ إلا أنهم، خلافا للاعبي كرة القدم، ربما لا يكونون مضطرين إلى ارتداء الزي نفسه أو التخاطب باللغة نفسها أو التقيد بالقوانين نفسها أو حتى أداء المباراة ذاتها!

 

لقد قمت مع <كيسلمان> و<تويكه> بوضع تصور لنوع جديد من برمجيات التكامل يمكنه أن يحقق هذا النوع من المشاركة، ليس عن طريق الاستعاضة عن النظم الموجودة في المواقع المشاركة وإنما بربطها معا ضمن بنية المنظمة الافتراضية. وسوف تتمكن البرمجيات من إنجاز هذه المهمة عن طريق توحيد مقاييس مجموعة متنوعة من الوظائف ـ أهمها المقدرة على التثبت من هوية المشارك، وإجازة القيام بنشاط مطلوب، وتحديد الموارد المتاحة والوصول إليها، والتحكم في حركة البيانات. وبما أن برامج خدمات هذه المنظمات الافتراضية سوف تعمل فوق البنى الحاسوبية القائمة، فإنها تصبح قادرة على إنجاز هذه الأهداف بتكلفة مقبولة.

 

مجموعة مختارة من مشروعات مشبكات دولية(*****)

http://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2003b19N11-12_H04_002700.jpg

 

الأعمال الأولى للمشبك(******)

ما لبثت أفكارنا أن وُضعت قيد الاختبار بأسرع مما توقعنا. ففي أواخر عام 1994 قدم كل من <R. ستيڤنس> [مدير قسم الرياضيات وعلم الحاسوب في جامعة «أرگون»] و<A .T. دوفانتي> [مدير «مختبر العرض المرئي الإلكتروني» في جامعة إيلينوي بشيكاگو] اقتراحا بإنشاء وصلات مؤقتة بين 11 شبكة من شبكات حواسيب البحث العالية السرعة من أجل بناء مشبك وطني (مشبك “I-way”) لمدة أسبوعين يسبقان ويتخللان انعقاد مؤتمر صناعي معروف باسم «مؤتمر الحوسبة الفائقة لعام 95». وقد لبى دعوتهم لتقديم تطبيقات لهذا النظام أكثر من 60 باحثا علميا.

 

وكان ستيڤنس ودوفانتي قد أقنعاني مع فريق صغير من العاملين في «أرگون» بتطوير البرمجية التي أدخلت المواقع السبعة عشر المشاركة في المشبك “I-way” ضمن منظومة افتراضية واحدة. وقد مكنت الپروتوكولات التي وضعناها المستخدمين من إجراء تطبيقات على حواسيب منتشرة في جميع أرجاء البلاد. فكان بإمكان المستخدمين أن يسجلوا دخولهم إلى الشبكة مرة واحدة، ويحددوا مواقع الحواسيب الملائمة، ويحجزوا الوقت المطلوب، ويُدخلوا تعليمات برامج التطبيقات، ويراقبوا بعد ذلك عملية تنفيذها. وكمثال على ذلك نذكر أن إحدى المجموعات برئاسة <L. فريتاگ> [من مختبر «أرگون»] تمكنت من بناء شبكة أتاحت لمهندسي الاحتراق في جميع أرجاء الولايات المتحدة العمل على إدخال تحسينات على المحرقات incinerators الصناعية.

 

لقد سجلت تجربة المشبك I-way نجاحا كبيرا، وكانت بمثابة مصدر إلهام لكثير من الأعمال التي تلتها. فقد منحت «هيئة الأبحاث المتقدمة في وزارة الدفاع الأمريكية»(DARPA) مشروع گلوبوس التمويل اللازم لإجراء المزيد من الأبحاث. وتمكنا عام 1997 من الكشف عن الإصدار الأول لنظام برمجيات مشبكنا، وكان اسمه «عدة أدوات گلوبوس» Globus Toolkit، وأوضحنا طريقة عمله عبر 80 موقعا منتشرا في جميع أنحاء العالم. في أثناء ذلك قامت «المؤسسة القومية للعلوم» (NSF) بتمويل إنشاء «المشبك الوطني للتقانة» لربط علماء الجامعات بالحواسيب الأكثر تطورا، كما بدأت وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) عملها بإنشاء «المشبك الجبار للمعلومات» Information Power Grid وكان ذا أهداف مماثلة، وأطلقت وزارة الطاقة عملا رائدا حول كيفية استخدام المشبكات في الأبحاث العلمية.

 

وقد شهدت نهاية التسعينات من القرن الماضي انتشارا متزايدا لمفاهيم المشبك وتقانته. وعلى سبيل المثال فقد أقر فيزيائيو الطاقة العالية الذين يعملون على تصميم مُصادِم الهادرونات الكبير Large Hadron Collider في «المركز الأوروبي للأبحاث النووية» CERN بأن المنظومة المشبكة سوف تكون حاسمة في تحليلها الكميات الهائلة من البيانات التي سيوفرها مسرّع الجسيمات الجديد. ثم أعقب ذلك وضع مشروعات هدفها تطوير تقانات المشبكات اللازمة، وبخاصة «المشبك الأوروبي للبيانات» European Data-Gridو«المشبك الأمريكي للفيزياء» و«مشبك بيانات فيزياء الجسيمات» Particle-Physics Data Grid. وقد شكلت هذه المشروعات وأخرى مماثلة، حافزا إلى تطوير البنية التحتية المرتبطة بالمشبك وجماعات المستخدمين والتطبيقات البرمجية الجديدة.

 

إن الطبيعة العالمية للعلم تفرض أن تكون إمكانية التشغيل المتبادل وشبه المتواصل أمرا مهما بين البنى التحتية ذات الموارد المشتركة. ومما أسهم في تعزيز ذلك أن معظم الجهود التي انصبَّت على تطوير منظومات المشبكات كانت قد بنيت على عُدة أدوات گلوبوس، إلا أنه كان واضحا أن المعايير التقنية المحددة جيدا والتي تلبي احتياجات الجماعات السكانية، سوف تكون أساسية فيما لو توسعت حوسبة المشبكات إلى خارج حدود مستخدميها الأوائل. ولذلك، ففي عام 1998، عقد عدد منا أول لقاء حول ما صار يطلق عليه لاحقا اسم «منتدى المشبك العالمي» Global Grid Forum وهو منظمة دولية لجماعات  المستخدمين والمعايير.

 

استغلال موارد المشبك(*******)

إن تقانات المشبكات هي بنية تحتية مما لا يجعل القراءة عنها آسرة، فعندما تعمل البنية التحتية، تكون غير منظورة مثلها مثل نظام للصرف الصحي وهو يعمل. غير أن البنية التحتية للمشبكات أسهمت في تحقيق بعض المشروعات الافتراضية الآسرة حقا.

 

فمنذ الوقت الذي وجه فيه گاليليو مقرابه نحو الكوكب زُحل، صار قدر علماء الفلك أن يقضوا الليالي الطويلة والباردة في مراصدهم. إلا أنه بفضل التقدم الحاصل في تقانات الحوسبة وأدوات الاستشعار من بُعد، تمكن جيل جديد من «علماء الفلك النظريين» من إحراز تقدم ملموس. فبدلا من الجلوس طوال الليل بلا حراك، يجلس هؤلاء الفلكيون أثناء النهار في مكاتب مريحة يملون تعليماتهم إلى الحواسيب، بحثا عن المعلومات المفيدة الرقمية في مسوحات السماء. وبالنسبة إلى هؤلاء الفلكيين المعاصرين، فإن محدودية مدة استخدام المقاريب لا تعتبر عائقا رئيسيا للتقدم، وإنما العائق هو صعوبة العثور على البرمجيات وأدوات التخزين والموارد الشبكية والحاسوبية التي يحتاج إليها الفلكيون لتحليل الكميات الهائلة من البيانات المتولدة من تلك المسوحات.

 

وكان فريق من جامعة شيكاگو و«مختبر فِرمي» وجامعة ويسكونسن ـ ماديسون قد بدأ منذ مدة بالبحث عن السبل الكفيلة بتطبيق تقانات المشبكات على تحليل البيانات المأخوذة من أحد السجلات الجديدة للمحفوظات، وهو «مركز سلون للمسح السماوي الرقمي» (SDSS). وسوف ينتج من هذا الجهد الموسع لرسم خريطة ربع سماء الليل تحديد مواضع أكثر من 100 مليون جرم سماوي، إضافة إلى درجات سطوعها المطلق absolute brightness. ونحن نهدف من جراء تسخير الموارد الحاسوبية التي تحويها مختبرات الولايات المتحدة الأمريكية برمتها إلى تمكين العلماء خلال مدة لا تتعدى تحضير فنجان قهوة من إنجاز مسوحات كان إنجازها يستغرق أسبوعا بكامله.

 

لقد سبق لهذه المجموعة أن كوّنت قاعدة بيانات لحشود المجرات galaxyclusters  تعتبر ذات أهمية قصوى لعلماء الكون الذين يعملون على وضع نظريات حول ولادة الكون. وسوف يعقب ذلك بحث عن الأجرام المجاورة للأرض، وهو موضوع يعنينا جميعا، مادامت الكُويكبات asteroids سوف تصطدم يوما ما بكوكب الأرض. والجدير بالذكر أن هذا الجهد ينصب في مشروع دولي أكثر طموحا يركز على ربط عدد كبير من قواعد البيانات الفلكية بمرصد افتراضي شامل.

 

أرشيف موزع لصور الثدي الرقمية(********)

نظرا لأنها تُمكن من الوصول إلى جميع أنواع الموارد الحاسوبية البعيدة، تقوم الحوسبة المشبكة بتغيير الوسائل التي تنجز بوساطتها مهام المعالجة. ويعتبر التصوير الرقمي للثدي إحدى هذه الحالات. فتصوير الثدي بوساطة الحاسوب يُعطي تشخيصا أكثر دقة من الصور الفوتوغرافية. إلا أن تخزين ما يقدر بنحو 28 تيرابايت من بيانات الصور التي يمكن الحصول عليها يوميا في الولايات المتحدة والوصول إليها يعتبر مشكلة كبيرة. وتقوم تقانة الحوسبة المشبكة، التي وضعت أساسا من أجل أرشيف المحفوظات الوطنية لصور الثدي الرقمية، بإنشاء خزانة ملفات افتراضية واسعة لا يقتصر عملها على تخزين هذه الصور ونقلها بشكل موثوق فحسب، وإنما يتعدى ذلك بأن يُسمح للأطباء بالتشاور فيما بينهم آنيا واستخدام أساليب التشخيص بوساطة الحاسوب أينما كانوا؛ وبالتالي، يصبح بالإمكان مقارنة صورة ثدي إحدى المريضات، إما بصور سابقة أخذت لها أو بصور مجموعات مماثلة من المرضى.

http://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2003b19N11-12_H04_002701.jpg

 

وتترك تقانات المشبكات بصماتها أيضا على الطب السريري حيث يسهِّل التصوير الرقمي digital imaging  مقارنة صور الثدي الشعاعية وغيرها من صور تفرُّس scan  الجسم، سواء بمرور الوقت بالنسبة إلى المرضى الإفراديين أو ضمن دائرة مجموعات المصابين بحالة مرضية معينة. غير أن أجهزة التفرس المتطورة تعني القدرة على التعامل مع طوفان من البيانات المرئية. ويقدر الخبراء الحاليون أن خُمس صور الثدي المأخوذة للمرة الأولى قد أسيء تشخيصها. فضلا على ذلك فإن من الصعب تحديد مواقع الصور المسبقة التحضير في 20 في المئة من مجمل الحالات. وحاليا تتصدى لمثل هذه المشكلات مكتبات للصور الرقمية يجري إنشاؤها من خلال مشروعات مثل مشروع «سجل المحفوظات الوطنية لصور الثدي في الولايات المتحدة» ومشروع eDiamond في المملكة المتحدة. كما أن هذه المنظومات المشبكة تربط أيضا بين الأطباء وبعض الأدوات التحليلية المتقدمة من أجل عمليات التشخيص المؤتمت فضلا على أنها تمكن الباحثين من إجراء دراسات معمقة لتحديد تأثيرات البيئة وأساليب العيش في ظهور الأمراض [انظر الإطار في أعلى هذه الصفحة].

 

ثمة مشبك آخر من الصور المتعلقة بالصحة يدعى «الشبكة الأمريكية لأبحاث المعلوماتية البيولوجية الطبية» مهمتها تجميع بيانات تفرُّس الجسم من مصادر مختلفة وذلك من أجل القيام بدراسات مقارنة لصور الدماغ الواردة من عدد كبير من قواعد البيانات. وقد يسهم هذا المشبك في الإجابة عن بعض الأسئلة من مثل: «كيف تختلف بنية الدماغ لدى مرضى ألزهايمر عن بنية دماغ الأشخاص الأصحاء؟»

 

وتُبين لنا «الشبكة الأمريكية لمحاكاة هندسة الزلازل» (NEES) كيف تستطيع تقانات المشبكات أن تدعم عمليات الاختبار والتجريب. فالمهندسون المدنيون الذين يعدون تصاميم لمنشآت مقاومة للزلازل، يستطيعون اختبار صحة مفاهيمهم داخل مرافق اختبارية تحتوي على تجهيزات مثل قوائم الرج shaketables والطاردات المركزية centrifuges. ويركز قسم من البرنامج الذي بلغت تكاليفه 82 مليون دولار على تركيب مشبك من المشبكات NEES يربط مرافق الاختبار القائمة وتلك المنشأة حديثا بسجلات محفوظات البيانات والمصادر الحاسوبية وجماعة المستخدمين في الولايات المتحدة جميعها. كما أن هذا المشبك يمكِّن الباحثين المقيمين في مواقع بعيدة من المشاركة في تجارب يجري تنفيذها في أمكنة أخرى. ومن بين الخطط التي أعدت لهذا الصيف (2003) مثلا إعداد دراسة عن أعمدة الجسور سوف يتم اختبارها في الوقت ذاته بوساطة قوائم رجّ موجودة في ولايتي كاليفورنيا وإيلينوي. وسوف تتبادل الشبكات فيما بينها المعلومات المتعلقة بمستويات قوى التغذية المرتدة وتولد بيانات عن كيفية سلوك المنشآت أثناء حدوث الزلازل.

 

الرهان على المشبك(*********)

ليس العلميون وحدهم المتحمسين بشدة لإمكانات حوسبة المشبكات. فمنذ عام 2000، تزايد عدد الشركات التي واظبت على دراسة التطبيقات التجارية لتقانات المشبكات، حتى إن تعابير من نوع «حوسبة الخدمات» utility computingو«التجارة الإلكترونية حسب الطلب» e-business on demand  و«الحوسبة الكوكبية» planetary computing و«الحوسبة المستقلة» autonomic computingو«مشبكات المؤسسات» enterprise grids، أخذت تنتشر على نحو متزايد في الإعلانات التسويقية وخطط الأعمال التجارية.

 

لكي نفهم هذا الاهتمام المتزايد، لا بد من إلقاء نظرة على التكاليف المرتفعة وحالات الإحباط المتواصل التي ارتبطت بتشغيل الحواسيب، وهو مسعى لم يرق في تطوره بعد إلى أكثر مما يمكن اعتباره أساسا صناعة ريفية. فالجميع يعرفون أن المستخدمين يمضون وقتا طويلا في تركيب أجهزتهم الخاصة وصيانتها وتصليح أعطالها وتحديثها، والتي على الرغم من كل ذلك لا تعمل معا بشكل جيد. أما حوسبة المشبكات فإنها تبشر بالتغلب على هذه المشكلات عن طريق فك الارتباط بين الإنتاج والاستهلاك، ومن ثم تفسح المجال للوظائف المتخصصة والخدمات المشتركة لأن تتحول إلى سلع.

 

لا شك أن التقدم نحو تحقيق هذا الهدف ليس أمرا واضح المعالم. ومع ذلك فقد حدثت تحولات مماثلة في عدة مجالات كالتصنيع والطاقة الكهربائية والهاتف. فعلى سبيل المثال، كانت السيارة في أول عهدها بمثابة ألعوبة فاخرة بين أيدي الهواة الخبراء. أما اليوم فإن أي شخص تقريبا في العالم المتقدم قادر على قيادة السيارات والشاحنات تسانده في ذلك شبكة واسعة من الخدمات والإنتاج الواسع النطاق.

 

إن تحقيق نجاح مماثل في صناعة الحوسبة قد يؤدي إلى نشوء نظام بيئي حاسوبي قوامه المصنِّعون والموزعون والمستهلكون. فقد يكتسب المنتجون اقتصادا واسع النطاق ويدخلون تحسينات على معايير الأمان والوثوقية. وقد يتمكن الموزعون من تركيز اهتمامهم على مقايضة طلبات المستهلكين بالموارد المتوافرة وإيجاد أشكال جديدة من الخدمات ذات قيم مضافة. أما المستهلكون فبوسعهم الاستفادة من منظومة سريعة النمو من التطبيقات والأجهزة تديرها مصالح بعيدة جديدة.

 

إن تحويل هذه الرؤية الجديدة للحوسبة بوساطة المشبكات إلى حقيقة واقعة يقتضي توافر عدد كبير من التقانات المبتكرة. فالإنترنت وشبكة الوِب العالمية تتيحان إرسال الرسائل والوصول إلى صفحات الوِب من أي مكان في العالم تقريبا؛ إلا أننا نحتاج إلى أكثر من ذلك بكثير إذا كان المستخدمون راغبين في مشاركة مصادرهم على صعيد واسع النطاق. والواقع أننا صرنا نمتلك كلاما لكننا لم نتوصل بعد إلى امتلاك لغة مشتركة. ويجب على المتعاونين في هذا المجال أن يكونوا متفقين بشأن كيفية وصف الخدمات، وكيفية تثبت كل فريق من هوية الفريق الآخر، وكيفية وصف قواعد الوصول والتحقق منها، وكيفية إدارة الأنشطة.

 

لقد خطت جماعة المشبك خطوة هائلة نحو التصدي لهذه المشكلات عندما أطلقت عام 2002 مبادرتها لتحديد «بنية خدمات المشبك المفتوح» Open GridServices Architecture. فمن شأن هذه البنية أن تدمج تقانات خدمة الوِب التي غدت شائعة في عالم الصناعة في تقانات المشبكات التي تشق طريقها الجديد من قبل الجماعة العلمية.

 

التوصيل بالمشبك(**********)

لكي نوضح ماالذي تستطيع بنية مفتوحة مكتملة النمو أن تفعله، لنعد مجددا إلى شركة سفريات المغامرات «سكوباتورز» ScubaTours [انظر الإطار في الصفحة 36]. ماالذي سيحدث عندما يطلب أحد الزبائن رحلة غوص افتراضية في مياه منتجع «كوزومل» السياحي؟ إن أول شيء تفعله شركة سكوباتورز هو التثبت من امتلاك المشترك وصلة اتصال عريضة النطاق، ثم تحدد الأمكنة التي يرغب المشترك في مشاهدتها، وتحيل مسؤولية تنفيذ طلبه إلى أحد موفري الخدمات المتخصصين في الواقع الافتراضي يدعى «مؤسسة الألعاب الحاسوبية». (تؤمن «مؤسسة الألعاب الحاسوبية» الدعم أيضا لعدة شركات متخصصة في ألعاب الإنترنت، ومن هنا جاء اسمها). ثم تقوم «مؤسسة الألعاب الحاسوبية» بدورها بتجميع البيانات والبرمجيات اللازمة لتأمين «الرحلة السياحية» المطلوبة ـ وهي سيل من صور الڤيديو تتولد استجابة لأوامر المستخدم الملاحية. بعد ذلك تبدأ حواسيب هذه المؤسسة بعملية بحث داخل المشبك لتحديد موقع أكثر موردي العمليات الحاسوبية قدرة على إعطاء مسحة طبيعية لصور الڤيديو. وعندئذ تقوم هذه المؤسسة بتركيب هذه البرمجيات، لتبدأ بعد ذلك عملية الغوص الافتراضي. والواقع أن «مؤسسة الألعاب الحاسوبية» تؤدي هنا دور الوسيط الذي يجمع الخدمات من مصادر مختلفة بهدف توفير قدرات متخصصة للمستخدم.

 

ومع أن هذه العمليات ينبغي أن تبدو جلية للمستخدم، فإن نجاحها أبعد من أن يكون سهل المنال. إذ لا بد أن يكون مهندسو «مؤسسة الألعاب الحاسوبية» قد توصلوا إلى وضع برمجيات متخصصة يمكنها أن تعمل على حواسيب متعددة، ولا بد أن يكونوا مدركين لكيفية تقدير القدرة الحوسبية وسعة الشبكة التي يحتاجون إليها قبل تحديد موقعها. وهم لهذه الغاية يجرون اتصالا «بوسيط» أهلٍ للثقة يقوم بدور غرفة مقاصة للخدمات الحوسبية. وبمجرد أن يتوصلوا إلى تحديد موقع مرشّح يفي بهذا الغرض، «كشركة كومبيوترز مثلا» يصبح بإمكانهم الاتصال به مباشرة مستخدمين إحدى اللغات المشتركة. عندئذ يتفاوضون معه بغية إقامة جو من الثقة وحسن النوايا المتبادلة فيما بينهم («كالقول مثلا: لست من مقتحمي المواقع»، و«أنا مستعد للدفع» و«أنتم شركة معترف بها»)، وتحديد الشروط التي تجري العملية بمقتضاها (عدد الحواسيب ونوعية الأداء والتكلفة، وما شابه ذلك).

 

بعد أن ينتهي المهندسون من التفاوض بشأن الوصول إلى تجهيزات «شركة كومبيوترز»، يبقى على «مؤسسة الألعاب الحاسوبية» أن تحمِّل برمجياتها وتدير عملية الغوص الافتراضي. وقد يرغب المستخدم في السير باتجاه غير متوقع، مسببا بذلك زيادة في المتطلبات الحاسوبية، أو قد تفشل بعض الحواسيب أو الشبكات في عملها. وفي الحالتين يجب على «مؤسسة الألعاب الحاسوبية» أن تدرج بعض الحواسيب الإضافية أو أن تخفض من جودة عملية المحاكاة.

 

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه التفاعلات تتطلب وجود لغات معيارية لوصف الإمكانات التي توفرها شركات تشغيل الموارد والإعلان عنها والاستفسار بشأنها، وكذلك لتسهيل عملية التخاطب بين المشتركين. كما تبرز الحاجة إلى آليات لتحديد هوية الفرقاء وإجراء حسابات الاستخدام وتنظيم عمليات الدفع وما شابه ذلك. والواقع أن «عدة أدوات گلوبوس» تشتمل حاليا على البرمجيات اللازمة لإنجاز عدد كبير من هذه المهام، كما أن مجموعات العمل المنتمية إلى «منتدى المشبك العالمي» تمكَّنت من نشر عدد إضافي من المعايير العامة.

 

وأتوقع أن يؤدي توحيد المقاييس إلى حفز عمليات الابتكار والمنافسة في الخدمات الحوسبية، تماما مثلما جرى في سائر الصناعات. وقد يكون مجديا استخدام مجمعات من الحواسيب المكتبية أو حتى من الحواسيب المنزلية كأحد الموارد المهمة للحوسبة أو الخزن. وقد وجدنا، على سبيل المثال، أن نحو نصف الموارد الحوسبية المستخدمة في الشبكة SDSS  مصدرها حواسيب مكتبية جرى تجميعها ضمن نظام أطلق عليها اسم «كوندور» Condor. كما أن بعض الشركات مثل «داتا ـ سينابس» و«أنتروپيا» و«پلاتفورم» و«يونايتد ديڤايسز» تقوم حاليا بتركيب واجهات بينية لپروتوكولات الشبكات داخل مجمعات الحواسيب المكتبية لكي تمكنها من القيام بالحوسبة الافتراضية.

 

يتوقف نجاح حوسبة المشبكات على ارتفاع أعداد المتبنين لها. ومن بين الاستراتيجيات الأكيدة لتجاوز الموقف التقليدي المحير تأمين وصول مجاني للتقانات الأساسية. من هنا، فمن الأهمية بمكان ألا يقتصر الأمر فقط على إتاحة جميع المواصفات الرئيسية للمشبك مجانا للجميع وإنما أن تكون هناك طريقة سهلة ومفتوحة لتطبيق هذه المواصفات. إن «عُدة أدوات گلوبوس» تلبي هذه المتطلبات. إلا أن أي تقدم إضافي يتوقف على الإسهامات التي يقدمها الأكاديميون وأرباب الصناعة والباعة، كما يتوقف على إدراج مفاهيم المشبكات ضمن البرمجيات التجارية وكذلك على تدريب الفرقاء الآخرين.

 

المرحلة التالية، إلى أين؟(***********)

بعد أن أحرزت تقانات المشبكات نجاحا داخل الأمكنة ومشبكات الشركات التي تهتم بالتعاون العلمي أخذت تتوسع باتجاه مجموعات أكثر انتشارا، بما في ذلك المجموعات التي تقوم على علاقات تجارية صرفة. وبدأت عملية توحيد المقاييس تشكل حافزا للاستثمار والابتكار. وخلال السنوات القليلة القادمة، سوف ينتج من هذا العمل وضع أساس لمنظومة المشبك الشامل.

 

وفي تلك الأثناء أخذ باحثو المشبكات يتصدون للمجموعة التالية من التحديات أبرزها: كيف يمكن إدارة بنى تحتية واسعة وموزعة بحيث تصبح قادرة على تأمين خدمة موثوقة لا تتأثر بالأعطال؟ وكيف نستطيع أن نسمح للمستخدمين باستغلال إمكانية توفر الموارد والخدمات بحسب الطلب؟ وكيف يجب أن تتطور مفاهيم وتقانات المشبك مع تعاظم أعداد الحواسيب وقدراتها أضعافا مضاعفة؟ إن الإجابات عن هذه التساؤلات سوف تتبلور انطلاقا من البحث والممارسة العملية على حد سواء، وسوف تستدرج أفكارا مهدت الطريق لها مجالات الحوسبة المستقلة والحوسبة الكلية الحضور وحوسبة «الأنداد» [انظر «الحاسوب العالمي»، مجلة العلوم، العددان8/9 (2003) ، ص 26]. فهذه الميادين تتقارب نحو تبني رؤية واحدة لبيئة الحوسبة في المستقبل.

 

المؤلف

Ian Foster

ولد فوستر بنيوزيلندا؛ ويقيم حاليا في شيكاگو حيث يعمل مديرا مساعدا بقسم الرياضيات وعلم الحاسوب في «مختبر أرگون الوطني»، وأستاذا لعلم الحاسوب في جامعة شيكاگو. كما يعمل فوستر في المجالس الاستشارية لعدد من الشركات من بينها «أنتروپيا» و«إنسورس». وقد حاز جوائز عديدة منها جائزة الجيل الثاني للبنى التحتية للمعلومات الشاملة Global Information Infrastructure Next Generation ومدالية «لافليس» التي تقدمها الجمعية البريطانية للحواسيب.

 

مراجع للاستزادة 

The Grid: Blueprint for a New Computing Infrastructure. Edited by I. Foster and C. Kesselman. Morgan Kaufman,1999. (Second edition in press.)

The Grid: A New Infrastructure for 21st Century Science. I. Foster in Physics Today, Vol. 55, No. 2, pages 42-47; 2001.

The World-Wide Telescope. A. Szalay and J. Gray in Science, Vol. 293, pages 2037-2040; 2001.

The Physiology of the Grid: An Open Grid Services Architecture for Distributed Systems Integration, 2002. I. Foster, C. Kesselman, J. Nick and S. Tuecke.

www.globus.org/research/papers/ogsa.pdf

Grid Computing: Making the Global Infrastructure a Reality. Edited by F. Berman, G. Fox and T. Hey. John Wiley & Sons, 2003.

More information can be found at www.mcs.anl.gov/~foster

Scientific American, April 2003

 

(*) THE GRID: COMPUTING WITHOUT BOUNDS

(**) Grid-Enabled Virtual-Reality Dive Tour

(***) Grid Business

(****) Overview/ Grid Computing

(*****) Select International Grid Projects

(******) Early Grid Work

(*******)Exploiting the Grid

(********) Distributed Archive of Digital Breast Image

(*********) Laying Down the Grid

(**********) Plugged into the Grid

(***********) Where Next?

 

(1) إضفاء الصفة الافتراضية على الأمور.

(2)joystick

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق