غير مصنف

جيش من الإنسالات الصغيرة

جيش من الإنسالات الصغيرة(*)

في هذه الأيام يعتبر مصممو الإنسالات(1) كلَّ صغير جميلا.

<R.گرابووسكي> ـ <E.L.ناڤارو-سرمنت> ـ <K.P.خوسلا>

 

اقتحمت مجموعة من الإرهابيين مبنى يضم عددًا من المكاتب، وأخذت عددًا غير معلوم من الأشخاص كرهائن. سد الإرهابيون المداخل وغطوا النوافذ، ولم يستطع أي شخص معرفة عددهم أو الأسلحة التي يحملونها أو المكان الذي يحتجزون فيه رهائنهم. لكن، يندفع فجأة فريق من شرطة المهمات الخاصة (الكوماندوس) داخل الغرف ويلقون القبض على الإرهابيين حتى قبل أن يلتقطوا أسلحتهم. فكيف حصل الكوماندوس على المعلومات التي احتاجوا إليها من أجل التحرك بتلك الجرأة ودون تردد؟

 

الجواب هو فريق من الإنسالات(1) الصغيرة المنظمة التي تسللت إلى المبنى عبر نظام التهوية وتحركت بشكل منظم عبر فتحاته. بعضها كان مزودا بمكروفونات لرصد المحادثات، وأخرى بآلات تصوير ڤيديو صغيرة، وبعضها الآخر بمحسات تشتم الهواء بحثا عن العوامل الكيميائية أو البيولوجية. وقامت ببث لاسلكي مباشر لتلك المعلومات إلى السلطات.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N1_H04_003244.jpg

إن ملي إنسالات مؤلفي المقالة أصغر من أن تستطيع فعل الكثير فرادى، لذلك عليها العمل كفريق. إن الأداة الغريبة البيضاء المشابهة للحية في المنتصف هي سلسلة من الملي إنسالات المرتبطة معا من أجل تسلق درج. وحولها تصطف أشكال أخرى من الملي إنسالات التي فُصِّلت كل منها لمهمة محددة.

 

هذا هو تقريبا السيناريو الذي قدَّمته وكالة مشروعات الأبحاث الدفاعية المتقدمة (DARPA) إلى باحثي الإنسالات عام 1998. لقد كان تحديهم هو تطوير إنسالات استطلاع صغيرة يستطيع الجنود حملها على ظهورهم ويمكنها التبعثر على الأرض كالفُشار. أما على الجبهة الداخلية فيمكن لرجال الإطفاء وعمال البحث والإنقاذ قذف هذه الإنسالات عبر النوافذ وجعلها تنطلق للبحث عن ضحايا محتجزين أو لشم مواد سامة. حاليا، تبقى هذه السيناريوهات دون مستوى التقانة الحالية. ومع ذلك، أسر مشهد الإنسالات الصغيرة انتباه كبار مصممي الإنسالات. فبدلا من التركيز على بضع منصات كبيرة مزروعة بالمحسات، أصبح الضوء هذه الأيام مسلطًا على التحول نحو بناء أساطيل من الإنسالات الصغيرة الخفيفة والبسيطة.

 

من حيث المبدأ، فإن للإنسالات القزمة(2) مزايا عديدة مقارنة بأبناء عمومتها ذات الحجم الأكبر. فهي تستطيع الزحف عبر الأنابيب وتفتيش الأبنية المنهارة والاختباء في فجوات خفية. وتستطيع مجموعة منها حسنة التنظيم تبادل معلومات المحسات لوضع مخطط لأشياء لا يمكن إدراكها من نقطة منفردة. ويمكن أن يساعد بعضها بعضا على تسلق العوائق أو على النهوض بعد التعثر. وبحسب الحالة، يمكن لقائد الفريق إقحام عدد أكبر أو أصغر من الإنسالات. فإذا فشل أحدها، لا تفشل المهمة برمتها، فالبقية تستطيع المتابعة.

 

لكن الإنسالات الضئيلة(3) تستلزم فلسفة تصميم جديدة. فهي لا تتمتع بميزات الطاقة والحجم الوفيرين اللذين تتمتع بهما أبناء عمومتها الأكبر، ولا يمكنها استيعاب جميع المكونات الضرورية لتنفيذ مهمة معينة. حتى حمل شيء بصغر آلة تصوير ڤيديو يمكنه تقريبًا إرباك إنسالة ضئيلة، لهذا يجب توزيع المحسات وقدرة المعالجة والقوة الفيزيائية على عدد من الإنسالات التي يتعين عليها حينئذ العمل متضافرة معًا. إن هذه الإنسالات تشبه النمل في مستعمرة، فالنملة ضعيفة وغير منيعة بمفردها، لكنها شديدة الفعالية عندما تتحد قوتها مع قوى الأخريات.

 

عجلات وأرجل وكرات گولف وعلب صفيح(**)

اتخذ الباحثون نُهُجًا مختلفة لمقاربة مشكلات بناء إنسالات بهذا الحجم. بعضهم تبنى نَهجًا بيولوجيًا لمحاكاة صفات الحشرات والحيوانات. فعلى سبيل المثال، طور مصممو الإنسالات في جامعة Case Western Reserve منصة ذات قدرة حركية عالية منمذجة على صرصور. إنها تستخدم هجينا من العجلات والأرجل للانطلاق عبر التضاريس غير المستوية. وطور فريق من جامعة متشيگان في مدينة آن آربر إنسالة ذات رجلين مزودة بكؤوس ماصة في نهايات أطرافها المتمفصلة تسمح لها بتسلق الجدران على غرار يرقانة الفراشة.

 

لم توحِ البيولوجيا بالشكل الفيزيائي للإنسالات فحسب، بل بنظم تحكمها أيضًا. فقد اخترع العاملون في مجال الإنسالات بمعهد MIT إنسالات بحجم كرات گولف تلتمس الغذاء بالطريقة نفسها التي يلتمسه بها النمل. إنها تستخدم محسات بسيطة للتعبير عن عواطفها نحو بعضها بعضًا ولاتخاذ قرارات جماعية. وقد استلهم هذا النوع من البحث فكرته من عمل عالم الإنسالات الشهير <R.A.بروكس>. ففي خوارزميات التحكم المبني على السلوك التي كان هو رائدها، تستجيب كل إنسالة لمحفزات محلية. ليس هناك من خطة مركزية أو ضابط يأمر الجنود. بدلاً من ذلك، ينبثق تصرف الفريق نتيجة لتجمع الأفراد المتفاعلين معًا. لكنْ، وعلى الرغم من الإبداع في هذا النهج، تبقى هناك مشكلات كثيرة قبل أن يستطيع الإثمار، فالمهام المحددة الأهداف تتطلب إجراءات محددة وخططًا محكمة، وهذا شيء لا يستطيع السلوك المنبثق توفيره، ليس حاليا على الأقل.

 

في الجانب الأكثر تحديدًا، طور الباحثون في جامعة مينسوتا كشافة scoutsعلى شكل إنسالات يمكن قذفها كالقنابل اليدوية عبر النوافذ. إن هذه التجهيزات ذات العجلتين والمشابهة لعلب الصفيح المزودة بآلات تصوير ڤيديو تسمح بتشغيلها عن بُعْد من قبل مستخدم يتحكم فيها. وعلى نحو مماثل، صنعت الشركة PARC (المعروفة سابقًا بـ Xerox PARC) إنسالة على شكل أفعى عالية التمفصل يمكن توجيهها عن بعد بوساطة الڤيديو من قبل مستخدم. بالمعنى الحرفي للكلمة، تزحف هذه الإنسالة فوق العوائق وعبر الأنابيب. لكنْ، وكالكشافة، تفتقر هذه الإنسالات حاليا إلى الاستشعار المحلي الكافي، وعليها الاعتماد على مشغل بشري لاتخاذ القرار. وهذه العقبة تجعلها غير عملية للتصنيع بأعداد كبيرة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N1_H04_003245.jpg

إنه يحمل الإنسالة بكاملها بين يديه: أحد المؤلفين (كرابووسكي) يحمل ملي إنسالة. إن هذا التصميم بالذات هو أصغر ما استطاع المصممون صنعه من مكونات متوافرة في الأسواق.

 

هناك بضع منصات إنسالية صغيرة أصبحت متوافرة تجاريًا خلال السنوات القليلة الماضية. فقد غدت خپرا khepera  ـ وهي إنسالة بحجم قرص الهوكي المطاطي تم تطويرها في سويسرا ـ شائعة في أوساط الباحثين المهتمين بالتحكم المبني على السلوك. كما أن بعض الهواة يجرون التجارب على هذه التقانة. والشركة Living Machines في لومپوك بكاليفورنيا تنتج إنسالة صغيرة قابلة للبرمجة تُعرف بإنسالة الجيب. وبشكل موازٍ، تُمكِّن الشركة LegoMindstorms ـ وهي فرع للشركة الشهيرة Lego التي تصنع مكعبات الألعاب ـ جمهور العامة من تركيب إنسالات بسيطة وتشغيلها. إن الإنسالات التجارية تستخدم حاليًا في المشروعات العلمية وفي المسابقات المدرسية. لكن الاستشعار والتحكم في هذه التصاميم التجارية مازالا بدائيين جدا، وهي تفتقر إلى الكفاءة لإنجاز المهام المعقدة.

 

نقص الطاقة(***)

لقد كان التركيز في جامعة كارنيگي ميلون، على المرونة. وقد أنشأنا فريقا مؤلفا من نحو 12 إنسالة صغيرة «ملي إنسالة» millibot، أطوال جوانب كل منها نحو خمسة سنتيمترات. إن هذا هو الحجم الذي ما زلنا نستطيع من أجله استعمال مكونات متوافرة في الأسواق للاستشعار والمعالجة، مع أنه كان علينا وضع التصميم الخاص بنا لبطاقات الدارات والمتحكمات. تتكون كل من هذه الإنسالات من ثلاثة أجزاء رئيسية: واحد للحركة وواحد للتحكم وواحد للاستشعار. يوضع جزء التحكم في الأسفل، حيث يسيِّر محركاه عجلات مصنوعة من حلقات دائرية. إن النموذج الحالي يستطيع التحرك على أرض المكتب وعلى السجاد بسرعة قصوى تبلغ نحو 20 سنتيمترًا في الثانية، أو نحو سُدس سرعة المشي العادي للإنسان، وعندما نطور منصات حركة جديدة، يمكننا إدخالها في مكانها في الإنسالة دون الحاجة إلى إعادة تصميم سائر أجزائها.

 

نظرة إجمالية/الملي إنسالات(****)

▪  يوما ما سوف تكمِّل الإنسالات الصغيرة أبناء عمومتها الأكبر والأعلى كلفة. تستطيع إنسالات بحجم علب الكبريت الانطلاق عبر الأنابيب والزحف خلال ركام الأبنية المتهدمة، وهذه مهارات مفيدة جدًا في التجسس والاستطلاع والبحث والإنقاذ.

▪  بسبب محدودية الحجم وطاقة البطارية الكهربائية، ليست لدى الإنسالات الصغيرة مقدرة إنسالة كبيرة منفردة. إن عليها اقتسام المهام والعمل معا كفريق، وهذا أمر ليس سهلاً كما يمكن أن يبدو. لقد كان على المهندسين تطوير تقانات جديدة من أجل تنفيذ مهام من قبيل التحقق من الموقع ووضع مخطط منطقة.

 

أما الجزء الأوسط، فيوفر المعالجة والتحكم، يحوي التصميم الحالي معالجًا ميكرويًا ذا 8 بتات مماثلاً للمعالجات التي استُخدمت في الحواسيب الشخصية في بدايات ثمانينات القرن العشرين. وعلى الرغم من أن هذه المعالجات لا تقارن بالحواسيب الحديثة، فإنها لا تزال تستطيع تأدية التحكم في الإنسالة في الزمن الحقيقي. أما جزء الاستشعار الذي يوضع في الأعلى، فيتضمن محسات صوتية وأخرى تحت الحمراء لقياس مسافات العوائق المجاورة، ومحس أشعة تحت حمراء مشابه للمحسات المستخدمة في كشف الحركة وذلك من أجل كشف الأجسام الساخنة، وآلات تصوير ڤيديو من أجل المراقبة، ومودم لاسلكي للاتصال مع الإنسالات الأخرى أو مع القاعدة المركزية.

 

الملي إنسالات تجد طريقها في العالم(*****)

تشريح الملي إنسالات

تحديد الموقع

ترسل إحدى الإنسالات نبضة فوق صوتية وأخرى كهرمغنطيسية في الوقت نفسه. وتستقبل الإنسالات الأخرى النبضة الكهرمغنطيسية آنيا والنبضة فوق الصوتية بعد مدة وجيزة. إن الفاصل الزمني بينهما هو مقياس للمسافة.

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N1_H04_003246.jpg

الإنسالات تتبادل الأدوار في إرسال النبضات واستقبالها.

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N1_H04_003247.jpg

يستخدم حاسوب قياسات المسافات لاستنتاج موقع كل إنسالة. أحد التحذيرات هو أن تراتيب خيال المرآة تعطي مجموعة القياسات نفسها.

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N1_H04_003248.jpg

يُحل هذا الالتباس بجعل إحدى الإنسالات تدور يسارا وتقيس موقعها الجديد الذي سوف يختلف اعتمادا على أي خيال مرآة هو الترتيب الصحيح.

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N1_H04_003249.jpg

استراتيجية وضع المخطط

تستطيع الملي إنسالات إيجاد طريقها عبر حيز غير معروف، وذلك باستخدام كل منها الأخريات كنقطة مرجعية. في هذا المثال، تُثبِّت ثلاث إنسالات أنفسها في المكان وتعمل كمنارات، وتمسح الإنسالة الرابعة المنطقة بوساطة محساتها. وعند اكتمال المهمة، تتبادل الإنسالات الأدوار، حيث تصبح إنسالات المقدمة منارات، وتبدأ ملي إنسالة المؤخرة بالتجوال وتحصيل المعلومات. وتُخاط المخططات التي جرى تجميعها بهذا النحو معا في مخطط مركب أكبر للمنطقة برمتها.

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N1_H04_003250.jpg

مرسل صوتي

يرسل نبضات فوق صوتية من أجل قياس المسافة

مستقبل فوق صوتي

يلتقط الأزيز الصوتي الوارد من أي اتجاه

الطبقة العليا تحوي المحسات

الطبقة السفلى

تحوي محركين وعلب المسننات ومقياس سرعة العجلات والبطاريات.

الطبقة الوسطى تحوي متحكمين ميكرويين ومودمًا لاسلكيًا يعمل بسرعة 4800 بتة في الثانية

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N1_H04_003251.jpg

 

قد تكون الطاقة هي القيد الأشد تأثيرا بالنسبة إلى هذه الإنسالات وسواها من الإنسالات الصغيرة. فالبطاريات (المدخرات) كبيرة وثقيلة، ولا يمكن تصغير حجمها على نحو مفيد: فبتصغير الحجم تصل البطارية إلى عتبة لا تستطيع بعدها توفير طاقة تكفي لتحريك وزنها. إن البطاريتين القابلتين للشحن اللتين تستخدمان في الهاتف الخلوي نوع NiMH  تحتلان في إنسالتنا الصغيرة نحو ثلث الفراغ المتاح. وهما توفران طاقة لصفيف محدود من المحسات فقط ولزمن تشغيل يراوح بين 30 و 90 دقيقة تبعًا لتعقيد المهمة. أما البطاريات الكبيرة، فيمكنها زيادة زمن التشغيل، لكن ذلك على حساب استبعاد مكونات أخرى. إن تصميم الإنسالات الصغيرة برمته عملية تسوية. فالسرعة والديمومة والوظيفة تتنافس مع الوزن والحجم وتوافر المكونات.

 

سلسلة الملي إنسالة(******)

أثناء التشغيل العادي، تستقصي الملي إنسالات الحيز فرادى وتتشارك في المعلومات وتبني المخططات. وعندما يصل الفريق إلى طريق مسدود من قبيل لبنة أو درج، تجتمع معاً لتشكل قطارًا متمفصلا.

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N1_H04_003252.jpg

قطار مجمع يضغط حافة العقبة

الوصلات ذات المحركات ترفع الإنسالات الأمامية أمام طرف العقبة.

عندما تصل الإنسالات العلوية إلى ظهر العقبة، تنحني نحو الأمام من أجل اكتساب قوة جر.

عندما تكتسب إنسالات المقدمة قوة جر كافية، ترفع الإنسالات الخلفية.

بعد تسلق العقبة، تذهب الإنسالات كل في طريقها.

 

من أجل التعامل مع هذه القيود، تبنينا منهجيتين في تصميم إنسالاتنا الصغيرة: التخصص والتعاون. يعني التخصص تزويد الإنسالة باستشعار ومعالجة كافيتين لوظيفة محددة، الأمر الذي يسمح لها باستخدام أمثلي للحيز والطاقة المتاحين. ففي مهمة نمطية، تكون مسؤولية بعض الإنسالات وضع مخططات لما يحيط بها، وتوفر الإنسالات الأخرى معلومات حية ترسلها إلى المشغل البشري أو تحمل محسات تخص تلك المهمة. ومن أجل تنفيذ المهمة، على الإنسالات أن تتعاون معًا.

 

 أين نحن؟(*******)

إحدى المهام الحيوية التي تتطلب التعاون هي تحديد الموقع، أي حساب موقع عناصر الفريق. تتمتع الإنسالات الأكبر بامتلاك تقنيات عديدة لمعرفة موقعها من مثل مستقبِلات منظومة الملاحة الفضائية GPS والمنارات الثابتة وتعرُّف المعالم بصريًا. إضافة إلى ذلك، فإن لديها قدرة المعالجة اللازمة لمطابقة المعلومات التي تُحصِّلها المحسات مع المخططات الموجودة.

 

ليس بين هذه التقنيات ما يعمل بشكل موثوق به في الإنسالات القزمة. فمدى التحسس فيها محدود؛ إن المحس الصوتي في الملي إنسالة يستطيع قياس مسافات على بعد مترين بحد أقصى، وهذه الإنسالات أصغر من أن تحمل وحدات استقبال ملاحة فضائية. أما الحساب الساكن dead reckoning – وهو تقنية متابعة الموقع بقياس سرعة العجلة – فسيفشل بسبب خفة وزن الملي إنسالة. إن شيئا بتفاهة اتجاه حبكة نسيج سجادة يستطيع التأثير في حركة تلك الإنسالات بشكل كبير، الأمر الذي يجعل قراءة مقياس سرعة العجلة غير دقيقة، على النحو الذي يفشل فيه مقياس سرعة السيارة بإعطاء قراءات دقيقة إذا سارت على بحيرة مغطاة بالجليد.

 

لذلك كان علينا استحداث تقنية جديدة. إن ما طورناه هو نسخة مصغرة من نظم الـ GPS. فبدلا من الأقمار الصنعية، تستخدم هذه التقنية موجات صوتية لقياس المسافات بين إنسالات المجموعة. فكل إنسالة مزودة بمرسل موجات فوق صوتية إضافة إلى مودم لاسلكي. ومن أجل تحديد المسافة، تُطلق الملي إنسالة في الوقت نفسه نبضة كهرمغنطيسية وإشارة فوق صوتية تنتشران في جميع الاتجاهات. وتستمع الإنسالات الأخرى لهاتين الإشارتين. إن الإشارة الكهرمغنطيسية وهي تنتشر بسرعة الضوء، تصل آنيا تقريبا. أما الإشارة الصوتية التي تتحرك بسرعة 340 مترا في الثانية، فتصل بعد بضع ملي ثوان، تبعا للمسافة الفاصلة بين الإنسالة المرسلة للإشارة والإنسالة المستقبلة لها. وتعكس قطعة معدنية لها شكل المخروط مثبتة في محس الإنسالة المستقبلة الإشارة فوق الصوتية إلى محس فوق صوتي، وهذا يسمح للإنسالة بكشف جميع الاتجاهات. إن العملية مماثلة لقياس بُعد عاصفة مقتربة من خلال قياس المدة الفاصلة بين ضوء البرق وصوت الرعد.

 

بتبادل أدوار الإرسال والاستماع، تحسب الإنسالات المسافات بينها، وتستغرق كل عملية قياس نحو 30 ملي ثانية. ويجمع قائد الفريق – وهو إما القاعدة المركزية وإما الإنسالة الأم التي نشرت الملي إنسالات جميع المعلومات، وتحسب مواقع الإنسالات بوساطة التثليث باستخدام الأضلاع trilateration. يشبه التثليث باستخدام الأضلاع تقنية التثليث باستخدام الزوايا triangulation الأكثر شهرة باستثناء أنها تعتمد على المسافات عوضا عن الاتجاهات لتحديد الموقع. في المستوي (الثنائي الأبعاد)، يشير كل تقدير للمدى إلى أن إنسالة أخرى تقع ضمن دائرة تحيط بالإنسالة المرسلة. إن تقاطع دائرتين أو أكثر يحدد الموقع المحتمل للإنسالات الأخرى (انظر الإطار في الصفحة 31). إن الخوارزمية تجد ترتيب الإنسالات الأفضل تطابقًا مع تقاطعات الدوائر وقياسات المدى جميعًا.

 

أحد الأمور التي تعقِّد الإجرائية هو أن أكثر من ترتيب واحد للإنسالات يمكن أن يتطابق مع المعلومات. أمر آخر هو أن قياسات المدى عرضة للخطأ والارتياب. فالإشارات فوق الصوتية تنعكس عن الأرض والجدران مؤدية إلى وجود التباس في قراءات المسافة. في الحقيقة، وتبعا للوضع الهندسي، يمكن للتداخل الموجي أن يؤدي إلى اختفاء الإشارة برمتها. ولهذا السبب، طورنا خوارزمية تجمع بين قياس المدى بالإشارة فوق الصوتية والحساب الساكن الذي يوفر على الرغم من مشكلاته معلومات إضافية كافية لإزالة الالتباسات. إن الخوارزمية تقوم بتقدير خطأ القياس وتحسب مجموعة مواقع الإنسالات التي تجعل الخطأ الكلي أصغريا.

 

إن ميزة طريقة تحديد الموقع هذه هي أن الملي إنسالات لا تحتاج إلى نقاط مرجعية ثابتة من أجل الملاحة. فهي تستطيع الدخول إلى حيز غير مألوف وتقوم بمسحه بمفردها. أثناء وضع المخطط، تعمل بضع ملي إنسالات مختارة كمنارات، حيث تبقى ثابتة، وتتحرك الأخريات لوضع المخطط، متفادية العوائق أثناء قياسها مواقعها نسبة إلى المنارات. وعندما ينجز الفريق تحري المنطقة المحيطة بالمنارات، تتبادل الإنسالات أدوارها، حيث تجعل الإنسالات التي كانت تقوم بالتحري من نفسها منارات لتقوم الأخريات بالتحري. تشبه هذه التقنية لعبة الأطفال الضفدع الوثاب، ويمكن تنفيذها دون تدخل من البشر.

 

سلسلة أوامر(********)

تعطي العوائق سببا آخر للإنسالات الصغيرة من أجل أن تتعاون. فحجم الإنسالة الصغيرة يجعلها حساسة لعدم الانتظام العشوائي الذي يسود حولنا، إذ عليها أن تتعامل مع الحصى والقاذورات والأوراق المتجعدة. تمتلك الملي إنسالة العادية خلوصا يساوي نحو 15 مليمترا، ولذلك يمكن لقلم رصاص أو غُصين أن يوقفها عن مسارها من أجل التغلب على هذه القيود، أتينا بنسخة جديدة من الملي إنسالات تستطيع الاقتران بها كعربات القطار. إن كلا من هذه الملي إنسالات التي يبلغ طول الواحدة منها 11 سنتيمترا وعرضها 6 سنتيمترات تشبه دبابة صغيرة من طراز دبابات الحرب العالمية الأولى. في الحالة الطبيعية، تتجول هذه الإنسالات بشكل مستقل، وهي ذات براعة تكفي لتخطي العوائق الصغيرة. لكن عندما تحتاج إلى عبور أخدود أو تسلق مجموعة من الدرجات، تستطيع الارتباط معا لتشكل سلسلة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N1_H04_003253.jpg

يمكنك رمي هذه الإنسالة عبر نافذة لتبدأ بعد هبوطها بالتجوال في المحيط. إن هذه الإنسالة المصممة من قبل فريق في جامعة مينسوتا (وهو أحد أشكال الإنسالات الكشافة) أصغر قليلاً من علبة المرطبات، ولها ذراعان تستطيعان جرها وتجعلانها تتسلق الأدراج وتتعامل مع الكائنات.

 

إن ما يكسب السلسلة براعتها هي وصلة الربط بين الملي إنسالات. فخلافا لوصلة الربط في القطار أو وشيجة المقطورة في السيارة، تحوي وصلات الربط في الملي إنسالات محركا قويا يستطيع تدوير الوصلة نحو الأعلى أو الأسفل بعزم يكفي لرفع عدة ملي إنسالات. ومن أجل تسلق درج، تندفع السلسلة أولاً تجاه قاعدته. وتقوم إحدى الملي إنسالات الموجودة قرب مركز السلسلة برفع الجزء الأمامي منها. وتقوم الإنسالات التي تصل إلى الأعلى بسحب الإنسالات السفلى (انظر الشكل في الصفحة المقابلة). في الوقت الحالي، يجب التحكم في هذه العملية من بُعد من قبل شخص، لكن في النهاية، على السلسلة أن تكون قادرة على تسلق الدرج آليا.

 

لقد بدأ انتباه المصممين بالتحول من تطوير المكونات الحاسوبية إلى تطوير نظم تحكم أفضل. وسيتبدل الاهتمام بالتحكم في بضعة أفراد إلى الاهتمام بإدارة المئات أو الألوف، وهذا تحدٍّ مختلف جوهريا سيتطلب خبرة من الحقول ذات الصلة كالاقتصاد والتعبوية العسكرية، وحتى من علم السياسة.

 

وإحدى الطرائق التي نتصورها للتحكم الواسع النطاق تأتي من الهرمية. فعلى غرار الجيش، تقسم الإنسالات إلى فرق أصغر يتحكم فيها قائد محلي. وسيكون هذا القائد مسؤولاً أمام سلطة أعلى. إن الملي إنسالات توَجَّه حاليا من قبل إنسالات كبيرة كالدبابات تستطيع معالجاتها (من طراز پنتيوم) التعامل مع الحسابات المعقدة الخاصة بوضع المخططات وتحديد المواقع. ويمكن لهذه الإنسالات الكبيرة أن تقطر سلسلة من الملي إنسالات خلفها كالبطات الصغيرة وتنشرها عند اللزوم في المنطقة موضع الاهتمام. والإنسالات الكبيرة نفسها تتصل بإنسالات أكبر في مجموعتنا على شكل عربات ملائمة لجميع التضاريس وتحتوي على حواسيب متعددة وآلات تصوير ڤيديو وأجهزة GPS، وهي ذات مدى يصل حتى بضع مئات من الكيلومترات. إن الفكرة هنا هي أن الإنسالات الأكبر سوف تنشر الإنسالات الأصغر في مناطق لا تستطيع هي نفسها الوصول إليها، بل تبقى قريبة منها لتقديم الدعم والتوجيه لها.

 

من المسلَّم به هو أن أمام الإنسالات الصغيرة طريقا طويلة. فخارج بضعة مختبرات، لا توجد فرق من الإنسالات الصغيرة تتجول في قاعات المباني باحثة عن المخاطر. وعلى الرغم من أن الإمكانات المحتملة لهذه الإنسالات تبقى هائلة، فإن مقدراتها الحالية ما زالت في حدود المستجدات على غرار ما كانت عليه الهواتف النقالة والحواسيب المحمولة قبل عقد من السنين. لكن، ومع رشح التقانة من التطبيقات العسكرية وغيرها، نتوقع أن تتحسن كفاءة الإنسالات الصغيرة تحسنا ملحوظا. إنها، وبعملها معا على شكل فرق، تمتلك مخزونا كاملا من المهارات؛ وتصميمها القائم على شكل وحدات وظيفية متخصصة يسمح بتفصيلها لتلبي مهام معينة. يضاف إلى ذلك أن العمل بها متعة وتسلية لا يقلان أهمية.

 

المؤلفون

R. Grabowski- L .E. Navarro-Serment- P. K. Khosla

بدأ كرابووسكي وناڤارو -سرمنت وخوسلا بالعمل معا في مشروع ملي إنسالة في صيف 1999. خوسلا هو رئيس قسم هندسة الكهرباء والحاسوب في جامعة كارنيگي ميلون. جعل لنفسه اسما في مجال الإنسالات بعد تصميم أول نموذج من أذرع تحكم يسهل السيطرة عليها وتحريكها والمستخدمة حاليا في معظم المصانع المؤتمتة. أما گرابووسكي وناڤارو-سرمنت فهما طالبا دراسات عليا. وقد أمضى كرابووسكي ثمانية أعوام في البحرية الأمريكية يعمل في مفاعلات نووية. لقد كان طوال حياته مولعا بالإلكترونيات ويستمتع باللعب في المكعبات Lego و تفكيك أجهزة الڤيديو القديمة. أما ناڤارو-سرمنت فهو مهتم في الأتمتة الصناعية ونظم التحكم. وكان يرأس قسم الهندسة الكهربائية في معهد للتقانة للدراسات العليا في المكسيك. وهو فلكي مبتدئ.

 

مراجع للاستزادة 

Behavior-Based Robotics (Intelligent Robotics and Autonomous Agents). Ronald C. Arkin. MIT Press, 1998.

Heterogeneous Teams of Modular Robots for Mapping, and Exploration. Robert Grabowski, Luis Navarro-Serment, Christopher J. J. Paredis and Pradeep K. Khosla in special issue on heterogeneous multirobot systems, Autonomous Robots, Vol. 8, No_ 3, pages 293-308; June 2000.

Millibot Trains for Enhanced Mobility. H. Benjamin Brown, J. Michael Vande Weghe, Curt A. Bererton and Pradeep K. Khosla in IEEElASME Transactions on Mechotronics, Vol. 7, No. 4, pages 452-461; December 2002.

For more information and links to various projects: www.andrew.cmu.edu/-rjg/army.html

Scientific American, November 2003

 

(*)AN ARMY OF SMALL ROBOT

(**)Whegs, Golf Balls and Tin Cans

(***)Power Shortage

(****)Overveiw/Millibots

(*****) Finding Their Way in The World

(******) Millibot Chain

(*******) Where are we?

(********) Chain of Command

 

(1) ج: إنسالة robot وهذه نحت من إنسان آلي.

(2) lilliputian robots

(3) diminutive robots

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق