أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

أمكنة في الجسم لا يصل إليها الدواء

أمكنة في الجسم لا يصل إليها الدواء(*)

كيفية إيصال العقاقير إلى حيث يجب أن تصل. من وجهة نظر العقار

إنها لرحلة طويلة تمتد من عبوة الدواء حتى موقع الألم أو العدوى (الخمج)

<R. لانگر>

 

بعد أن يتناول مريض دواء، على المادة الكيميائية فيه أن تجتاز متاهة حقيقية؛ وعليها أن تبقى حية في رحلتها عبر المعدة وأن تدخل الأمعاء سليمة قبل اختراقها الجدار المعوي وانتقالها خلال الدورة الدموية. وما إن تصل إلى الدم حتى تتعرض للترشيح في الكبد قبل أن تنتقل إلى باقي أجزاء الجسم. وعلى المركب الدوائي أن يقاوم في كل «محطة على الطريق» أحماض العُصارات الهضمية، ويقفز على الحواجز الغشائية، ويتقي الإنزيمات المصممة لتقطيعه إربًا لا فائدة منها.

 

وقد توصل العاملون في الصناعات الدوائية إلى حلول مختلفة لمساعدة بعض الأدوية المتاحة حاليا في الأسواق على اجتياز تلك العقبات؛ ولكن هذه المقاربات لا تنجح مع الكثير من العقاقير الأخرى. وعلى سبيل المثال، تعتمد إحدى الاستراتيجيات على تغليف حبوب الدواء بقشرة لا تذوب في إفرازات المعدة، بل تذوب مباشرة حين التقائها بالوسط الشديد القلوية للأمعاء الدقيقة. أما إذا كان العقار مصنوعًا من الپروتين ـ كما هي الحال في معظم الأدوية المُنتجة عن طريق استخدام التقنية الحيوية ـ فإنه من الضروري أيضًا تحاشي نشاط الإنزيمات المدمِّرة للپروتين التي تدعى پروتيازات. وإن تغليف حبوب الدواء بمادة تحميها (وهي الجزيئات المدعوة مثبطات الپروتياز) يمكنه أن يبقي الأدوية ذات الأساس الپروتيني حية، ولكنه لن يساعدها على اختراق بطانة الأمعاء؛ إذ إنها جزيئات كبيرة بحيث لا يمكنها المرور إلى الدم بالسهولة التي تمر بها معظم الأدوية النمطية، التي تتألف بصفة عامة من جزيئات صغيرة. يضاف إلى ذلك أن الأغلفة ذات قدرة محدودة على ضبط حرائك الدواءpharmacokinetics، أي: السرعة التي يدخل بها العقار إلى الدورة الدموية والزمن الذي يبقى فيه في أنسجة الجسم وأعضائه. وقد يكون الدواء مُسِمّاً إن وصل إلى مجرى الدم بسرعة شديدة وبتركيزات عالية، أو إذا بقي في مكانه مدة طويلة. كما قد يصير عديم الفاعلية إن تأخر كثيرًا بدءُ جولانه في الدم.

 

إن إيصال العقار عن طريق الحقن يتفادى العقبات التي تفرضها المعدة والأمعاء. ولكن من المعروف أن مرضى كثيرين يمتنعون عن حقن أنفسهم على نحو متكرر كما يرفضون زيارة الطبيب يوميًا. وبناء على ذلك، شرع العلماء في البحث عن طرق أفضل. وعلى مدى العقدين الماضيين، تم تصميم العديد من النظم البديلة لإيصال الدواء. وأصبحت الأدوية تعطى على شكل لصقات أو غرسات أو حقنات ذات مفعول طويل المدى، أو هُلامات موضعية، أو حبات يمكن التحكم في تحررها، أو رذاذ أنفي أو رئوي؛ وبلغت مبيعات هذه النظم البديلة أكثر من 20 بليون دولار في السنة بالولايات المتحدة وحدها. وهناك مثالان بارزان على هذه النظم صادقت عليهما مؤخرا إدارة الغذاء والدواء، هما: حقن نوتروپين ديپوت Nutropin Depot ـ وهو كرات ميكروية كثيرة الپوليمرات (المكاثير) التي تفرز هرمون النمو البشري مدة تصل إلى أربعة أسابيع وهي المدة الفاصلة بين الزرقات ـ وGliadel، وهو رُقاقة wafer يمكن غرسها في الدماغ لإيصال المداواة الكيميائية مباشرة إلى أورام الدماغ. وتتوافر الآن في أوروبا ـ كما ستتوافر عما قريب في الولايات المتحدة ـ إستنتات (شبكات) stents مغلفة بپوليمرات تستطيع إطلاق الدواء. وقد أظهرت حتى الآن نتائج جيدة في الحفاظ على أوعية الدم مفتوحة بعد إزالة الجلطة بإجراء يدعى رأب الوعاء angioplasty.

 

نظرة إجمالية/ إيصال الدواء(**)

▪ إن العديد من الأدوية ـ وخاصة العقاقير ذات الأساس الپروتيني والتي تعتمد التقانة الحيوية في تصنيعها ـ سرعان ما تتحطم إذا تم تناولها عن طريق الفم.

▪ ولهذا، يطور الباحثون طرقًا جديدة لإيصال الأدوية، بما فيها الأدوات التي يمكن لبسها، وتعطي نبضات كهربائية أو فوق صوتية لتمرير الأدوية عبر الجلد من دون ألم.

▪ إن المستقبل واعد بالشيپات الميكروية القابلة للغرس والتي توصل الأدوية بمقادير مبرمجة وتتصل بحواسيب في عيادات الأطباء.

 

وفي الواقع، لايزال العلماء بصدد استكشاف أجزاء الجسم كلها تقريبا ـ مثل الجلد والأنف والرئتين إضافة إلى الأمعاء ـ كمداخل لإيصال الأدوية. وابتكروا في هذه السيرورة طرقا غير باضعة لإعطاء الجزيئات المعقدة، مثل استخدام فائق الصوت ultrasound لدفع الأدوية عبر الجلد من دون ألم. كما جمعوا بين خطوات التقدم في التقانة النانوية nanotechnology والتركيب الميكرويmicrofabrication لصنع شيپات ميكروية microchips قابلة للغرس تستطيع إيصال الدواء بدقة وحسب جدول مواعيده.

 

خرق الجدار(***)

دأبت فرق عديدة من الباحثين على استخدام التقنيات الجديدة لحل مشكلة اختراق الجدار المعوي. فمثلا، طورت <E.  ماثيوفيتس> وزملاؤها [من جامعة براون] طريقة لجمع الپروتينات في قطرات متناهية الصغر من مادة صمغية سمّيت «لاصقا حيويا» bioadhesive، يمكنها أن تتغلغل داخل الخلايا المعوية وفيما بينها. وترجع أصول مفهوم استخدام الالتصاق الحيوي، الرامي إلى جعل الأدوية الفموية تلتصق بالأغشية المخاطية، إلى الأبحاث التي أجريت في السبعينات والثمانينات في مختبرات <T.  ناگاي> [من جامعة هوشي في طوكيو] وإلى أبحاث <R .J. روبنسون> [من جامعة وسكونسن ـ ماديسون] و<A .N.  پيپاس> [من جامعة پيردو] (ويعمل الآن في جامعة تكساس بأوستن). وحتى قبل عشر سنوات، بدا أن الپوليمرات الالتصاقية الحيوية الواعدة هي لدائن محبة للماء سُميت پوليمرات مولعة بالماء وهلامات مائية. واستدل الباحثون من هذه الدراسات المبكرة على أن أشد الپوليمرات قابلية للابتلال wettable  ـ تلك التي تتمتع بأعلى تركيزات زمر الكربوكسيل ـ كانت المواد المختارة للالتصاق الحيوي. ومع أنها تلتصق بمخاطية الأمعاء، فإنها لم تخترقها على نحو جيد، كما أنها أطلقت الپروتين بسرعة كبيرة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N4-5_H02_003432.jpg

 

وفي عام 1997 وجدت ماثيوڤيتس أن الپوليمرات اللاصقة الحيوية الكارهة للماء (الطاردة للماء) المسماة متعددات الأنيدريد (بلا ماءات) polyanhydridesالتي تعرض زمر الكربوكسيل على سطوحها الخارجية فيما تتآكل هذه السطوح، يمكنها الارتباط ببطانة الأمعاء كارتباط الپوليمرات المولعة بالماء؛ بيد أنها تستطيع أن تجتاز مخاطية الأمعاء وتدخل مجرى الدم بشكل أسرع. إن أحد متعددات الأنيدريد بصفة خاصة ـ وهو متعدد (الأنيدريد الفوماري الزهمي المختلط)  poly fumaric-co-sebacic anhydrideـ أظهر أنه ذو قوة لاصقة أشد من أية مادة أخرى خضعت للاختبار. والآن يجري البحث عن تقنية تتيح صنع شكل من الأنسولين يمكن تناوله عن طريق الفم. (وتركز العديد من مقاربات إيصال الدواء الجديدة على الأنسولين لأنه پروتين يجب أن يُحقن به بانتظام المصابون بالنمط 1 من الداء السكري). وتظهر الاختبارات على الحيوان أن متعدد الأنيدريد مادة واعدة مع كل من الپروتينات المولعة بالماء والكارهة له.

 

كما طور پيپاس وزملاؤه في العمل پوليمرات ليست التصاقية حيوية فحسب، بل تنتفخ استجابة لتغير باهاء pH  الوسط. وهذه الپوليمرات قادرة على حماية الدواء الپروتيني مثل الأنسولين من باهاء pH المعدة الحمضي، ومن ثم إطلاقه في وسط الأمعاء الشديد القلوية. وتستطيع الپوليمرات أيضا أن تحمي الپروتين من الپروتيازات في الأمعاء الدقيقة العليا، وأن تفتح مؤقتا الوصلات بين الخلايا المعوية، مما يسمح للپروتين بالمرور عبرها.

 

وهناك استراتيجية أخرى لإيصال الأدوية ذات الأساس الپروتيني عن طريق الفم. وتتمثل هذه في تغليف العقار بجزيئات حاملة يمكنها أن تنقله عبر بطانة الأمعاء. وقد طورت الشركة Emisphere Technologies في تاريتاون بولاية نيويورك سلسلة من الحاملات الجزيئية التي يبدو أنها تضغط الپروتينات وتجعلها أصغر حجما، فتتمكن هذه من عبور الأغشية الخلوية بسرعة أكبر. وما إن تنجز الحاملات فعلها في إيصال العقار إلى داخل الخلية حتى تتحطم وتسمح للپروتين بالارتداد إلى شكله الأصلي، وبالتالي النشيط. وتختبر الشركةEmisphere  الآن طريقة إيصال الأنسولين للمصابين بالداء السكري وإعطاء پروتين الهيپارين المميع للدم للخاضعين لجراحة استبدال مفصل الورك والذين يتعرضون أحيانا لجلطات دموية.

 

كما أن هناك علماء آخرين يعملون على المزاوجة بين پروتينات الدواء والجزيئات التي تستهدف مستقبلات نوعية في الجهاز المعدي والمعوي. وإن أحد الأمثلة الرائدة هو بحث <J .G. رسل-جونز> [من الشركة Biotech Australia في روز ڤيل، بنيوساوث ويلز]. لقد استغل هذا الباحث حقيقة أن الخلايا في الأمعاء تحتوي على المستقبلات الخاصة لانتزاع الڤيتامين B12 ونقله عبر جدار الأمعاء. كما وجد أنه باللجوء إلى ربط الپروتين بالڤيتامين B12، يمكنه الاحتيال على مستقبلات الڤيتامين فيجعلها تمسك بالپروتين إضافة إلى الڤيتامين. غير أن عدد مستقبلات الڤيتامين B12 في الأمعاء ليس وفيرا إلى حد يسمح بمرور الدواء الپروتيني المطلوب إلى الدم بالكميات اللازمة لتحقيق التأثير العلاجي. ويأمل علماء آخرون أن يسخروا اللكتينات lectins ـ وهي جزيئات دبقة وفيرة تؤلف جزءا من النسيج الضام بين الخلايا المعوية ـ أو مواد أخرى لأداء هذه المهمة.

 

المرور إلى ما بعد الأمعاء(****)

الصعوبات: تُفكك الأحماض والإنزيمات الهضمية الأدوية قبل أن تتمكن من الوصول إلى أهدافها؛ وتجد الأدوية صعوبة في اختراق جدار الأمعاء.

الحلول: (a) تغليف الأدوية بپوليمرات (مكاثير) لاصقة بيولوجية تستطيع أن ترتبط ببطانة الأمعاء وتنحشر بين الخلايا؛ (b) ربط الأدوية بالجزيئات الهادفة التي تسكن على مستقبلات خلايا الأمعاء التي تسمح بأخذ الأدوية؛ (c) ربط الأدوية بجزيئات ناقلة تواكبها إلى داخل الخلايا.

بعض الشركات التي تدرس هذه المشكلة:

Biotech Australia, Roseville, New South Wales
Emisphere Technologies, Tarrytown, N.Y.

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N4-5_H02_003433.jpg

 

استخدام اللصاقات(*****)

إن الأمعاء هي إلى حد ما الطريق المباشر إلى مجرى الدم؛ بيد أن الجلد أسهل منالا. ومع أن الجلد قد يشكل حاجزًا غير منفذ نسبيًا، هناك عدد قليل من الأدوية تمتلك الصفات الفيزيائية والكيميائية الملائمة لاختراقه بسرعة معقولة. وتتوافر الآن في الأسواق اللصاقات الجلدية التي يستمر مفعولها حتى سبعة أيام، ومنها لصاقات النيكوتين التي تساعد على إيقاف التدخين، والإستراديول (إستروجين) لمقاومة أعراض اليأس عند انقطاع الطمث أو تستخدم كموانع للحمل [انظر: «لَزْقات فعالة»، معرفة عملية،مجلة العلوم، العددان (2003) 9/8، ص 64].

 

مازال العلماء بصدد استكشاف أجزاء الجسم كلها تقريبا، مثل

الجلد والأنف والرئتين، إضافة إلى الأمعاء ـ كمداخل لإيصال الأدوية.

يمكن لتيار كهربائي صغير مباشر يتم تمريره عبر الجلد أن يجعل البشرة شفافة وتسمح بمرور العقاقير الأخرى، بما فيها الپروتينات. إن العلماء في الشركة ALZA [في ماونتن ڤيو بولاية كاليفورنيا] وفي الشركة Vyteris [وهي أحد فروع Becton Dickinson  ومقرها في فيرلون بنيوجيرسي] يجرون ـ وعلى نحو مستقل ـ تجارب سريرية متقدمة معتمدين على التقنية المعروفة بالاستشراد (المعالجة بالإيونات) iontophoresis. ويستخدم الاستشراد بصفة عامة لصاقتين، إحداهما سلبية الشحنة والأخرى إيجابية الشحنة، موصولتين بمستودع يحوي الدواء المطلوب. إن بوسع دفقة كهربائية غير مؤلمة أن تدفع الأدوية، التي تميل إلى أن تكون مشحونة، عبر طبقة البشرة الخارجية غير النفوذ ومنها إلى الأوعية الدموية للأدمة. ولقد تقدمت الشركة Vyteris بطلب للحصول على موافقة إدارة الغذاء والدواء لتسويق نظامها القائم على تقنية الاستشراد لإعطاء الليدوكائين الذي يزيل الألم. وإن بطارية تزويد الطاقة في هذا النظام صغيرة بحيث تسمح بأن توضع تحت الملابس. وتخطط هذه الشركة لاختبارات سريرية تفحص فيها قدرة طريقتها على إيصال جرعات يومية من الهرمون الدُّرَيْقيparathyroidal لمرضى هشاشة العظام، أو إيصال دفعات من الهرمون المطلق لموجهة القند gonadotropin كل 900 دقيقة للنساء اللواتي يتأهبن لإجراءات  الإخصاب عن طريق طفل الأنابيب.

 

اختراق الجلد(******)

الصعوبات: تمنع الطبقة المتقرنة الصلبة (طبقة الجلد الخارجية) دخول الدواء؛ إذ تجد الجزيئات الضخمة صعوبة في اختراق البشرة للوصول إلى أوعية الدم في الأدمة.

الحلول: يستخدم الاستشراد iontophoresis (في الأسفل) دفعات غير مؤلمة من الكهرباء ليصبح الجلد أكثر شفافية؛ كما يوظف فائق الصوت الموجات الصوتية التي تصنع مؤقتا قنوات صغيرة جدًا في الطبقة المتقرنة.

بعض الشركات التي تدرس هذه المشكلة:

Alza, Mountain View, Calif

Sontra Medical, Cambridge, Mass

vyteris, Fair Lawn, N.J.

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N4-5_H02_003434.jpg

 

كما استُخدم فائق الصوت لتعزيز نفوذية الجلد. واكتشف <J. كوست> [وهو زميل سابق في أبحاث ما بعد الدكتوراه] أن بوسع فائق الصوت أن يسبب اضطرابا مؤقتا في طبقة الجلد الخارجية، أي الطبقة المتقرنة، التي تؤلف الحاجز الرئيسي أمام الانتشار الدوائي. لقد قمت مع زميلي <D. بلانكشتاين> [من معهد ماساتشوستس للتقانة (MIT)] و<S.  ميتراگوتري> [وهو طالب دراسات عليا سابق في مختبري] باستخدام فائق الصوت لنرفع 50000 مرة قدرة الپروتينات التي هي بحجم الأنسولين كي تنتشر عبر الجلد. ويتم الآن في الشركة Sontra Medical [في كيمبريدج بولاية ماساتشوستس]، وهي شركة أسهمتُ في تأسيسها ويعمل <كوست> مديرًا علميًا لها، اختبار طريقة إعطاء الأنسولين والأدوية المضادة للألم. ويستخدِمُ جهاز فائق الصوت دفعة قصيرة (15 ثانية) من الطاقة، وهي أضعف كثيرا من تلك المستخدمة في التصوير التشخيصي، وذلك لجعل الجلد أكثر شفافية في نقطة معينة منه مدة تصل حتى 24 ساعة. ويتردد بوق فائق الصوت في هذه الأداة التي تُمسك باليد 000 55 دورة في الثانية (55 كيلوهيرتز) في وسط سائل مرتبط بالجلد. وتؤدي طاقة فائق الصوت ذات التردد المنخفض إلى إيجاد فقاعات صغيرة جدًا تتمدد وتتقلص في وسط الارتباط وفي الأغشية الخلوية للطبقة المتقرنة، حيث تحفر في الواقع قنوات مؤقتة متناهية الصغر تستطيع الأدوية أن تدخل عبرها.

 

يمثل إيصال الأدوية عن طريق الرئة وسيلة مهمة أخرى كما يمثل تحديًا كبيرًا آخر، سواء لمعالجة الحالات الرئوية أو لإيصال دواء ما إلى الدم بسرعة لمداواة أمراض في مكان آخر من الجسم. وتتألف الرئتان من أكياس مجهرية تدعى الأسناخ alveoli ترتبط مباشرة بالأوعية الدموية. وفي أثناء التنفس، يدخل الأكسجين إلى الدم من خلال الأسناخ، كما يخرج ثاني أكسيد الكربون العديم النفع. وبإمكان سيرورة أخرى مشابهة أن تتقبل الضبوبات aerosols ذات الجزيئات الأكبر، مثل الأدوية التي يؤلف الپروتين أساسها. ولكن كان من العسير تصميم مناشق inhalers تستطيع إنتاج عدد كاف من جسيمات الضبوب الصغيرة إلى حد تتمكن فيه من النفوذ إلى أعماق الرئة، من غير أن يضيع الدواء. (تُوصل معظم المناشق المعهودة، مثل تلك المستخدمة في معالجة الربو، أقل من 10 في المئة من محتوياتها). كما أن بوسع الخلايا المناعية في الرئة والتي تدعى البلاعم macrophages، أن تقضي بسرعة على غالبية الأدوية.

 

ويدأب العديد من الباحثين والشركات الآن على تصميم مناشق أفضل توصل إلى الرئتين ضبوبات بالغة الرقة بطريقة فعالة. ولقد طورت الشركة Aradigm [من هيوارد بكاليفورنيا] منشقة للأدوية السائلة، تدفع الدواء المطلوب عبر فوهات صغيرة ويمكن برمجتها مسبقا لإيصال جرعات محددة. كما أن هناك مقاربة أخرى توصلت إليها الشركة Nektar Therapeutics (وكانت تدعى سابقًا InhaleTherapeutic Systems) [في سان كارلوس بكاليفورنيا] يمكنها أن تشكل غيمة من الضبوبات انطلاقًا من مسحوق جاف بوساطة ضغط الهواء فيه وتحطيمه وتحويله إلى جسيمات دقيقة تستطيع الوصول إلى أعمق مناطق الرئتين. وحاليا تختبر كل من الشركتين الآن وسائلها في مرضى الداء السكري بغية إيصال الأنسولين من دون الحاجة إلى الحقن.

 

وحتى أواسط التسعينات لم يبد رجال العلم إلا اهتمامًا ضئيلا بجسيمات ضبوبية. وفي ذلك الحين شرع <A .D. إدواردز> [الذي كان حينذاك زميلا في دراسات ما بعد الدكتوراه بمختبري، وهو الآن أستاذ في جامعة هارڤارد] في التفكير بطرق أخرى لتصميم غيمات ضبوبية أفضل. ورأى أنه بالاعتماد على الإنقاص الشديد لكثافة الجسيمات الضبوبية مع زيادة حجمها ومساميتها يمكنه أن يقلل ميل الجسيمات إلى التكدس، وبذا تستطيع الدخول إلى الرئتين بوساطة تيار هوائي تنتجه منشقة بسيطة وصغيرة جدًا. وشبيه بهذا الفرق بين كرات السلة المبتلة وحبات الرمل المبتلة. فالأولى لا تنزع إلى الالتصاق بعضها ببعض، في حين تتعلق الأخرى بعضها مع بعض بسرعة.

 

إن بوسع دفقة كهربائية غير مؤلمة أن تدفع الأدوية، التي كثيرًا ما تكون

مشحونة، عبر طبقة البشرة الخارجية ومنها إلى الأوعية الدموية للأدمة.

ورأى إدواردز أن جعل الجسيمات الضبوبية أكبر يمكنه أن ينقص أيضًا قبض البلاعم الرئوية عليها، وهي التي تميل إلى ابتلاع الجسيمات الأصغر وتدمير الأدوية. وقد بيَّن إدواردز وغيره من العلماء في مختبراتنا الخاصة أن مقدارًا واحدًا مستنشقًا من الأنسولين المكون من ضبوب ذي جسيمات كبيرة قد يبقى حتى أربعة أيام في رئات الحيوانات. وهذه المقاربة هي الآن موضع اختبار على الإنسان من قبل الشركة Alkermes، مستخدمة أدوية عديدة مختلفة.

 

الدخول إلى الرئتين(*******)

الصعوبات: اختراق الأسناخ الرئوية، أو الحويصلات، مع تفادي التخريب الذي تسببه الخلايا المناعية المسماة البلاعم.

الحلول: تحقيق الحجم الأمثل لجسيمات الضبوب (سائلا أو مسحوقا) وبذا يمكنها الوصول إلى أعماق الرئتين، ومنع جسيمات الضبوب من الالتصاق بعضها ببعض كي تشكل غيمة رقيقة.

بعض الشركات التي تدرس هذه المشكلة:

Alkermes, Cambridge, Mass

Aradigm, Hayward, Calif

Nektar Therapeutics (formerly Inhale Therapeutic Systems), San Carlos, Calif

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N4-5_H02_003435.jpg

 

شيپات ميكروية ذكية(********)

حينما أتطلع إلى الأمام أرى أن نظم إيصال الدواء «الذكية» مثيرة إلى حد كبير. فهي تستطيع الكشف عن الإشارات الكيميائية في الجسم وإطلاق الأدوية استجابة لتلك الإشارات، مع حفاظها على تركيز العقار في الجسم ضمن المستوى العلاجي المرغوب.

 

إيصال الجينات(*********)

تعتمد المداواة الجينية على نقل مادة وراثية جديدة إلى خلايا الجسم

لقد أشار البيولوجي الشهير <M .I. ڤيرما> [من معهد سولك Salk للدراسات البيولوجية في سان دييگو] إلى أن هناك ثلاثة تحديات تكمن في المداواة الجينية وهي: إيصال الجينات، ثم إيصال الجينات، ثم إيصال الجينات. فإذا أراد العلماء إدخال جينة جديدة إلى الجسم، وجب عليهم أن يكثفوا الدنا DNAالموافق في رزم صغيرة تستطيع الخلية التقاطها. ولكن هذا لا يمثل حل المشكلة كلها؛ إذ يجب عليهم أيضًا حماية الجينة من الإنزيمات الخلوية المخربة، وإيصالها إلى النواة، وإطلاقها بشكل فعال. وبقي العلماء سنوات يُسَخرون الڤيروسات كنواقل شبيهة بأحصنة طروادة تتسلل بها الجينات الغريبة إلى الخلايا. غير أن هناك أخطارًا تكمن حتى في الڤيروسات المعطلة. وهذا ما توضح جيدا عام 1999 في الموت المأساوي الذي تعرض له <J.  كلسنگر> المتطوع الذي أجري عليه اختبار  المداواة الجينية.

وفيما يعمل الباحثون على فهم مخاطر النواقل الڤيروسية في المداواة الجينية وعلى الإقلال منها، يستنبطون أيضا وسائل بديلة لإيصال الجينات، ترتكز على پوليمرات (مكاثير) أو على جزيئات دهنية تدعى الشحميات lipids. وقد توصل <E .M. ديڤيس> [من معهد كاليفورنيا للتقانة (MIT)] إلى مقاربة مثيرة للاهتمام، تعتمد على پوليمرات تسمى الدكسترينات الحلقية ـ B الإيجابية الشحنة (CDs).

واختار ديڤيس الدكسترينات CDs لأنها غير سامة نسبيا، ولا تثير استجابة مناعية، إضافة إلى أنها ذوابة في الماء. ولقد كان قصده في الأصل رزم الدنا للمعالجة الجينية وجعلها جسيمات ذات حجم نانوي من الدكستريناتCDs  فقط. ولكنه وجد أن هذه التوفيقة كانت غير ثابتة عندما أعطيت للحيوانات. ولهذا طلع ديڤيس وإحدى طالبات الدراسات العليا وهي <H .S. پن> بفكرة تغيير سطح جسيماتCD  بإضافة متعدد الإتيلين گليكول المقترن بالأدامانتان (PEG). ويولّد هذا التحوير جسيمات نانوية متساوية الحجم من الدكسترينات CDs والدنا تقاوم التلازنclumping، ولا تصبح كُداسات لا فائدة منها مع الپروتينات في مصل الدم.

كما أن «زخرفة» سطوح الجسيمات بمركبPEG زودت <ديڤيس> و<پن> بكلاليب  كيميائية تربط جزيئات أخرى يمكنها أن تقود الجسيمات لتسكن عليها، وأن توصل جيناتها إلى أنماط نوعية من الخلايا. وتقوم الشركةInsert Therapeutics في پاسادينا بكاليفورنيا ـ  التي أسسها <ديڤيس> وتعمل <پن> الآن فيها ـ باختبار ما إذا كانت هذه المعقدات المستهدفة تستطيع أن تساعد على معالجة سرطانات وأمراض كبدية مختلفة.

ويعمد الآن <M .D. لين> [من جامعة وسكونسن-ماديسون] إلى تطوير پوليمرات متخصصة تستخدم كناقلات للمداواة الجينية. لقد ركَّب <لين> [الذي كان زميلا في دراسات ما بعد الدكتوراه في مختبري فيMIT] مجموعات (أو سلاسل) من الپوليمرات الإيجابية الشحنة القابلة للتدرّك الحيوي وتدعى متعددات الأمينوإستر polyaminoesters. وبالمشاركة مع <D. أندرسون> [وهو زميل آخر  في دراسات ما بعد الدكتوراه في مختبري] و<D.  پتنام> [الذي يعمل الآن في جامعة  كورنيل]، صنع <لين> مئات من هذه الپوليمرات واستنبط اختباراتِ تحرٍّ لتعيين أكثرها فائدة تبعا لسرعة ارتباطها بالدنا، ومقدار ذوبانها في مصل الدم، وحسن دخولها (أو اختراقها) الخلايا. ووجد الباحثون بالاعتماد على هذه الطريقة عددًا من الپوليمرات التي يمكنها أن تخترق الخلايا على نحو أشد فاعلية مما تقوم به النواقل القياسية غير الڤيروسية المؤلّفة من الفكتامين الشحمي lipofectamine ومتعدد الإثيل إنيمين.

واستخدم <E .F. كوهن> [من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو] طريقة المجموعات. وبالتعاون مع <R. زكرمان> من الشركة Chironفي إمريفل بكاليفورنيا، ركَّب كوهن صفًا جديدا من الپوليمرات التي تدعى الببتوئيدات. وتستطيع بعض من هذه أن تكثف الدنا في جسيمات، يتفاوت حجمها بين 50 و 100 نانومتر، تملك القدرة على اختراق الخلايا.

ويرى <W .S.كيم> [من جامعة يوتا] أن الشحميات مفيدة أيضًا في إيصال المعالجة الجينية. وهو يعمد إلى لف الجينة المطلوب إيصالها بغلاف من ستيريل متعدد الليزينstearyl polylysine، ومن ثم تغطيته بپروتين شحمي خفيض الكثافة. وفي الدراسات التي أجريت على الأرانب، استخدم <كيم> والعاملون معه هذا النظام لإيصال الجينة التي تكوِِّّد عامل النمو البطاني الوعائي (VEGF) إلى عضلة القلب التي تضررت بنقص الأكسجين (وهي حالة تدعى الإقفار ischemia)، وهو ما قد يحدث حينما تنسد الأوعية الدموية. ويخطط <كيم> لبدء اختبار هذه المقاربة في العام التالي بين المصابين بمرض القلب الإقفاري. ويؤمل أن تحفز الجينة VEGFالتي يتم إدخالها، نمو أوعية دموية جديدة توصل الأكسجين والمواد المغذية إلى المناطق المحرومة منها في عضلة القلب.

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N4-5_H02_003436.jpg

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N4-5_H02_003437.jpg

يجب على دائرة الدنا DNA، وتدعى بلسميدة plasmid (العلوي)، أن تدخل الخلية وتشرع بوظيفتها كي تتحقق المداواة الجينية الفعالة. لقد استخدمت معظمُ اختبارات المداواة الجينية التي طُبقت على البشر، الڤيروسات لإيصال الجينات إلى خلايا الجسم، ولكنها طرحت تساؤلات حول مشكلة السلامة. وحاليا يتطلع الباحثون إلى رزم البلسميدات في أقفاص من الپوليمرات (السفلي) تستطيع الخلايا الإمساك بها سريعًا.

 

وقبل بضع سنوات، بينما كنت أشاهد برنامجًا تلفازيًا حول كيفية صنع الشيپات السيليكونية للحواسيب، أدركت أن بالإمكان تطبيق التقانة ذاتها لتصميم نظم ذكية بغية إيصال الأدوية. وبالتعاون مع <J .M. سيما> [الخبير في MIT في تصنيع الخزف] وجدت طالبا في أواخر مرحلته الدراسية بجامعة ميتشيگان في آن آربر هو <T .J. سانتيني>، وافق على دراسة الفكرة كمشروع بحث صيفي. وقد استنبط <سانتيني>، الذي حصل على الدكتوراه من MIT، طريقة لصنع شيپات سيليكونية ميكروية تحوي عددا من الحُفيرات(1) يمكن ملؤها بالأدوية وتغطيتها بقلنسوة من طبقة ذهبية رقيقة. إن تطبيق إشارة كهربائية قوتها ڤلط واحد على حفيرة واحدة أو أكثر يذيب الأغطية الذهبية ويطلق الدواء. و<سانتيني> هو الآن رئيس الشركة MicroCHIPS، في بدفورد بماساتشوستس، التي تقوم حاليا بتطوير هذه النظم لاختبارها على المرضى من البشر.

 

تستطيع نظم إيصال الدواء «الذكية» الكشف عن الإشارات

الكيميائية في الجسم وإطلاق الأدوية استجابة لتلك الإشارات.

يمكن زرع الشيپات الميكروية تحت الجلد أو في النخاع الشوكي أو في الدماغ لإيصال الأدوية مثل مضادات الألم والعلاج الكيماوي الذي يستخدم في معالجة السرطان. وأظهرت الدراسات على الحيوان التي أجراها <J  أندرسون>  وزملاؤه [من جامعة كيس وسترن ريزيرڤ] أن المواد في الشيپات الميكروية متلائمة حيويًا، ومن غير المحتمل أن تكون لها تأثيرات جانبية. وسيكون من اليسير استعمال النظم المعتمدة على الشيپات والتي تشمل منبعًا صغيرًا للطاقة يمكن وضعه تحت الملابس، كما بوسع هذه النظم الاحتفاظ بسجل دقيق لمقدار الدواء الذي يتناوله المريض. ويمكن إرسال المعلومات التي يتلقاها الجهاز إلى حاسوب في منزل المريض أو في عيادة طبيبه أو في المستشفى؛ وبذا يتوافر للمريض سجل دائم لقصة مداواته. كما أن الشركة ChipRx، تطور حاليًا وسائل قابلة للزرع لاستشعار مستوى العقار في الجسم وإيصال المقادير المناسبة منه تبعًا لذلك. وقد أعلنت هذه الشركة أنها تعدّ لنشر أبحاث تصف فيها طرائقها.

 

وإننا نتطلع بأمل إلى اليوم الذي يتيسر فيه إيصال أي دواء في الوقت المناسب، وبالمقدار الملائم، وإلى أي مكان في الجسم على نحو دقيق وفعال.

 

التحكم في إطلاق الدواء(**********)

الصعوبة: المحافظة على العقار عند المستوى العلاجي المرغوب في الجسم، والابتعاد عن الحاجة إلى إعطاء الدواء على نحو متكرر.

الحل: استخدام الرقائق الميكروية القابلة للغرس ذات الخزانات المملوءة بالدواء والمغطاة بطبقة من الذهب قابلة للذوبان بفعل شحنة كهربائية لإطلاق الدواء في الأوقات الملائمة.

بعض الشركات التي تدرس هذه المشكلة:

ChipRx, Lexington, Ky.

MicroCHIPS, Bedford, Mass.

http://oloommagazine.com/images/Articles/20/SCI2004b20N4-5_H02_003438.jpg

 

 المؤلف

Robert Langer

أستاذ يشغل كرسي<J .K. جيرمزهاوزن> للهندسة الكيميائية والطبية الحيوية في معهد ماساتشوستس للتقانة. كما أنه مدير عدد من الشركات بما فيها الشركة Sontra Medical والشركة MicroCHIPS. حصل عام 2002 على جائزة <S .Ch. دراپر> في الهندسة، وهي تعد معادلة لجائزة نوبل. كما حاز عام 1998 جائزة ليملسون من المعهد MIT لكونه «واحدا من أكثر المخترعين إنتاجًا في مجال الطب». وهو واحد من القلائل الذين صادف وانتخبوا للأكاديميات الوطنية الثلاث في الولايات المتحدة وهي: معهد الطب والأكاديمية الوطنية للعلوم والأكاديمية الوطنية للهندسة.

 

مراجع للاستزادة 

Drug Delivery and Targeting. Robert Langer in Nature, Vol. 392 (Supplement), pages 5-10; April 30, 1998.

Drug Delivery: Drugs on Target. Robert Langer in Science, Vol. 293, pages 58-59; July 6, 2001.

Ultrasound-Assisted Insulin Delivery and Noninvasive Glucose Sensing. Joseph Kost in Diabetes Technology and Therapeutics, Vol. 4, No. 4, pages 489-497; 2002.

Scientific American, April 2003

 

(*) WHERE A PILL WON’T REACH

(**) Overview/ Drug Delivery

(***) Breaching the Wall

(****)Getting Past the gut

(*****)Patching it up

(******)Penetrating the Skin

(*******)Entering the Lungs

(********)Intelligent Microchips

(*********)Delivering Genes

(**********)Controlling Release

 

(1) تصغير حفرة

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى