أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

مقاريب المستقبل العملاقة

مقاريب المستقبل العملاقة(*)

يفيد المدلول الفلكي لقانون مورMoore  أن حجم المقاريب يتضاعف كل

بضعة عقود. لكن المصممين في هذه الأيام يعتقدون أن بمقدورهم بناء مقراب

أكبر ثلاثَ أو أربعَ، أو حتى عشرَ مرات، خلالَ عقد واحد من الزمن.

<R.گيلموتسي>

 

المقراب OWL المقترح بناؤه
قطر المرآة: 100 متر
الميز: 0.001 ثانية قوسيّة
مدة التعريض: ثانية واحدة
المقراب البالغ الضخامة VLT [المزوّد ببصريات تكيفية] قطر المرآة:8.2 متر
الميز: 0.012 ثانية قوسية
مدة التعريض: 160 ثانية
مقراب هَبل الفضائي
قطر المرآة: 2.4 متر
الميز: 0.04 ثانية قوسية
مدة التعريض: 1600 ثانية
المقراب البالغ الضخامة(VLT) [بدون بصريات تكيفية] قطر المرآة: 8.2 متر
الميز: 0.4 ثانية قوسية
مدة التعريض: 620 ثانية
 
من لطخة غير واضحة إلى مَعْلَمٍ واضح: يحظى مقراب ضخم مزوّدٌ ببصرياتٍ تكيّفية، برؤية أكثر حِدَّة من رؤية حتى مقراب هبل الفضائي [تستند هذه المحاكاة إلى صورة المقراب VLT للضوء تحت الأحمر القريب الصادر عن منطقة التكون النجمي 3603 NGC].

 

بعض أحسن أوقاتي، في مرصد بارنال(1) بجمهورية تشيلي، أمضيها ليلا،  وذلك عندما أذهب بعد يوم من العمل إلى ما نسميه «السطح العلوي»، وهو المنصّة التي تحتضن المقاريب الأربعة التي يبلغ قطر الواحد منها ثمانية أمتار، والتي يتألف منها مشروع المقراب البالغ الضخامة (Very Large Telescope (VLT. فكل شيء هناك ساحر خلاّب: الامتداد الواسعُ للسماء النجمية والحركاتُ السَّلِسةُ للقباب والمتعة غير المستحبة التي تغمرني عندما أدخن غليوني والصحراءُ المظلمةُ التي يصعبُ رؤية حدودها مع الأفق بسبب سطوعه الضعيف. وخلال وقوفي هناك متأملا بإعجاب المقراب VLT ـ أكثر مجموعة من المقاريب تطورا في العالم ـ ومتمتعا بمنظر آلاته الأربع التي تزن 430 طنا، وتدور بهدوء  وكأنها تؤدي مع السماوات رقصة باليه معقدة، كنت أفكر مليا في حظي السعيد الذي ساقني إلى العمل في مثل هذا المشروع الرائع. وإنه لإنجاز باهر أن تشارك البشرية كلها بالإسهام فيه. وكما هي الحال في جميع المقاريب الضخمة الأخرى الموجودة في أيامنا هذه، مثل مرصد كيك Keck Observatory ومقراب هبل الفضائي Hubble Space Telescope والمقراب Very Large Array، يشتمل المقراب VLT على أعلى التقانات التي تَعَيَّن على حضارتنا إبداعها. وإذا تَحَرَّيْتَ أصل كلَّ جزء من المشروع، توصَّلْتَ إلى أن إنجازه تطلّب، في النهاية، جهودَ ملايين من الناس.

 

لكن الفلكيين لا يكلّون ولا يملّون. فما إن اكتمل بناء المقراب VLT، حتى شرع كثير منا في التفكير بمقاريب تخلفه، تراوح أقطار مراياها الأولية ما بين 25 و 30مترا، أو حتى100 متر. وإحدى الأفكار التي كانت تدور في ذهني تصميم مقراب أسطوري اسمه OWL (وهذه الأحرف الثلاثة هي الأحرف المائلة في الكلمتين OverWhelminglyLarge، أي «كبير بقدر هائل»)، يسمح برصد ليلي رائع، وتملأ مرآته الضخمة، التي قطرها 100 متر، السطحَ العلويّ كله تقريبا لمرصد بارانال.

 

وكما هي الحال في جميع الآلات العلمية الجديدة، فإن المقاريب العاملة في هذه الأيام، التي قياس أقطارها يراوح ما بين 8 و 10 أمتار، لا تقتصر على تقديم  إجابات عن الأسئلة التي بنيت من أجلها، إنما أيضا تطرح أسئلة جديدة أكثر عمقا وتحديا تتطلب معالجتها آلات أكبر. فتحليل تركيب الكواكب الشبيهة بالأرض في منظومة نجمية أخرى؛ والبحث عن آثار للحياة عليها؛ ودراسة أولى المجرّات التي نشأت في الكون؛ وفهم طبيعة المادة العاتمة والطاقة العاتمة؛ وتصوير حشود الأجسام في منظومتنا الشمسية التي تقوم السفن الفضائية بدراستها ـ كل هذا يدفع الفلكيين إلى التفكير في جيل من المقاريب الضوئية العملاقة التي تتجاوز قدراتها قدرات المقاريب المتوافرة في هذه الأيام بمئات أو آلاف المرات. وقد ارتأت وكالات أوروبية مختلفة أن مثل هذه المقاريب تشغل قمة أولويات علم الفلك؛ وترى أكاديمية العلوم الوطنية الأمريكية أنه لا يعلو على هذه المقاريب سوى وريث مقراب هبل الفضائي، وهو مقراب جيمس ويب الفضائي(James Webb Space Telescope (JWST. ويوجد الآن عدد من المشاريع التي يجري التفكير فيها، ومن ضمنها المقراب OWL ومقراب الثلاثين مترا(ThirtyMeterTelescope (TMT ومقراب ماجلان العملاق(Giant Magellan Telescope (GMT الذي قطره 24 مترا.

 

ومن الناحية التاريخية، خضعت المقاريب للمدلول الفلكي لقانون مور، إذ كان كِبَرُ مقاريب كل جيل منها يُعادل تقريبا ضعف كبر مقاريب الجيل السابق له، وكان الانتقال من جيل إلى الجيل الذي يليه يستغرق عدة عقود. وهذه النزعَة إلى تطوير بناء المقاريب توضحها «متتالية كاليفورنيا»(2) الآتية، التي تبيّن تسلسل بناء المقاريب خلال القرن العشرين: مقراب هوكر(3)، المقام على ماونت ولسون، والذي قطره2.5 متر(1917)، مقراب هيل(4) الذي بُنِيَ على ماونت پالومار، والذي قطره خمسة أمتار(1948)، مقرابا كيك(5)التوأمان المقامان على ماونت ولسون في ماونت كيا بجزيرة هاواي(1993). بعد هذا المقراب، يجب أن يكون قطر مقراب الجيل التالي نحو 20 مترا، وأن يبدأ عمله عام 2025 تقريبا. تُرى، هل هؤلاء الذين يقترحون معنا بناء مقاريب تراوح أقطارها ما بين25 مترا و100 متر بحلول  منتصف العقد القادم قد فقدوا رشدهم؟ إن إلقاء نظرة عن كثب على تحديات بناء مقراب قد يجعلك تؤمن بسلامة عقول هؤلاء الفلكيين. فبناءُ مرصد أرضيٍّ ضخم ضروري لا لأن الحاجة إليه ملحّة فحسب، وإنما أيضا لأن معظم التقانات اللازمة لإنشائه متوافرة

 

 

نظرة إجمالية/ المقاريب الكبيرة جدا جدا(**)

 

  •  الحجم مهمٌّ في علم الفلك. فالمقاريب الكبيرة قادرة على كشف أبهت الأجرام السماويّة والحصول  على صور أشدّ وضوحا. ولأكبر المقاريب الحالية للضوء المرئي والضوء تحت الأحمر القريب مرايا أقطارها تراوح ما بين8 و10 أمتار. ويعكف الباحثون حاليا على  دراسة الجيل التالي من المقاريب التي تمتد أقطارها من20 مترا إلى عدد أسطوري يصل إلى100 متر.
  •  
  •  مع أن المقاريب مقامة على الأرض، فستزوَّد بتقانة البصريات التكيفية لتعطيل آثار الضبابيّة التي يحدثها الجوّ. وفي الحقيقة، ستزودنا هذه المقاريب بصورٍ أوضح كثيرا من تلك التي يوافرها مقراب هَبل الفضائي وبتكلفة أقل. وتسمح هذه الآلاتُ الجديدةُ بإنجاز عدّة مهمّات تتجاوز قدراتِ المقاريبِِ الحاليّة، مثل البحث عن كواكب تدور حول نجوم أخرى، وتحليل تركيب ما تكشفه منها.

 

مدى التحسينات(***)

 

يتجلّى الدافع القوي لتحدي قانون مور فيما يخص المقاريب في أنه لم يَعُدْ لدى الفلكيين من خيارات لتحسين قدرة أجهزتهم الحالية على تجميع الضوء. ففي مقرابٍ عاكس، يرتد الضوء أولا عن مرآة أوّليّة، ثم يصطدم بمرآة ثانوية لتجمّعه في بؤرة (محرق) موجودة في موقع ملائم يمكنك رؤيته بعينك، أو تأخذ صورة له، أو تحلّله إلى مجموعة متنوعة واسعة من ألوان التحليل الطيفيّ. وعندما يتحدث الفلكيون عن حجم مقراب، فهم يقصدون قطر مرآته الأوّلية. وتسمح لك مضاعفة هذا القطر برؤية أجرام سماوية بالسطوع نفسه، لكن عندما يتضاعف بعدها عنك.

 

وخلال السنوات الخمسين الأخيرة، صارت المقاريب أشد حساسية للأجسام ذات الضوء الباهت. ولا يعود السبب في ذلك إلى تكبير قطرها فحسب، وإنما أيضا إلى الإنجازات التي تحققت في تقانة المكشافاتdetectors. وخلال بناء مقراب هيل، الذي قطره خمسة أمتار، جرى تجهيزه بصفائح فوتوغرافيّة لا تسجّل سوى بضعة أجزاء في المئة من الضوء الساقط عليها. لكن فعالية المكشافات الإلكترونية في هذه الأيام قريبة من100 في المئة ـ وهذا يؤدي إلى  تحسن في الحساسية يعادل زيادة في القطر خمس مرات. لذا فإن الجيل الحالي من المقاريب هو في الواقع أكبر من أسلافه10 مرّات. وكي يقوم الجيل التالي  بإنجاز القفزة نفسها، في ظروف لا تسمح إلاّ بمجال محدود جدا لإحراز مزيد من التقدم في فاعلية المكشافات، فلا بدّ أن تكون أقطار المقاريب100 متر.

 

 

المسار الزمني لتطور المقاريب(****)

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2006/10/scan0039.gif ستواصل المقاريب المقترح بناؤها، مثل OWL و TMT، نزعتها التاريخية إلى زيادة مساحة فتحاتها.

 

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2006/10/scan0038.gif

 

ومع أن ثمة حوارا ودّيّا، إن صح التعبير، يدور بين مؤيدي التصاميم المختلفة لمقاريب المستقبل حول أكبرِ قطر يمكنهم بلوغه واقعيّا، فلا يشكّكُ أيٌّ منهم في الحاجة إلى إعطاء الجيل التالي من المقاريب دفعة إضافية في حجمها. وتقليديا، ظلّ حجمُ المقاريب في التصاميم الجديدة محدودا بالقدرة على إنتاج زجاجٍ مرآوي يمكن صبُّهُ ليتخذَ الشكلَ المطلوبَ، ثم صقلُهُ. ولما كان للضوءِ المرئيَّ طولٌ موجيٌّ أقصرُ من طول الموجات الراديوية، لذا، وعلى الرغم من إمكان جعل الأطباق الراديويّة بالغة الضخامة، فإن متطلباتها أقلّ صرامة بكثير من متطلبات المرايا الضوئية. ولِتمثيل هذا الفرق بين المتطلبات نقول إنّ المحرّكَ الذي تحتاج إليه للتحكم في حمل حبة من الرمل يختلف عن المحرِّك اللازم لحمل صخرة.

 

لمقراب هيل الذي قطره خمسة أمتار مرآة لها شكل مجسم القطع المكافئ(6)، ودقة استواء سطحها50 نانومترا. ولو كانت مساحتها تعادل مساحة مرآة أتلانتيك أوشن(7) لكان ارتفاع أكبر نتوء على سطحها خمسة سنتمترات. وقد  استعمَلَ صانعوها لصقلها أداة صقلٍ خشبية مغطاة بالقارّ؛ وفي المراحل الأخيرة من العمليّة، صقلوا بعض أجزائها يدويا. وقد استغرق إنجازُ هذه المهمة11 سنة (من ضمنها سنوات الحرب العالمية الثانية)، وخلال تلك المدة، كانت  قياسات شكل المرآة تًُؤْخَذُ كلَّ يومين.ويُضْبَطُ شكلُ المرايا في هذه الأيام بتحكّمٍ حاسوبيٍّ، وهذا يختصر كثيرا من مدة إنجازها. وقد استغرقَ صقلُ كلٍّ من مراياVLT الأربع التي قطرها8.2 متر سنة واحدة، وكانت القياسات تُؤْخَذُ دون انقطاع تقريبا. وتعادل جودةُ سطوحها، أو تتجاوز قليلا، جودة مرآة هيل، مع أن شكلها (مجسم قطعٍ زائد(8) وهو يُحْدِثُ أشد تركيز بؤري ممكن) أكثر تعقيدا  بكثير. لذا، لم يعد يمثلُ الصقلُ حجرَ عثرة رئيسيا.

 

وثمة مشكلة أصعب، هي تصنيع الزجاج نفسه. فبغية صبِّ قطع زجاج قطرها ثمانية أمتار، تعيّن على صانعي المقاريب أن يقيموا معامل خاصة لهذا الغرض، وأن يسلكوا طريقا تجريبيا وعرا، إذْ كانوا غالبا يصنعون عدة مرايا ثم يكسرونها قبل توصّلهم إلى المرآة المنشودة. ولا ترقَى الإجراءاتُ الحاليّةُ إلى بلوغ حتى ضعف الحجم. ولحسن الحظ، فقد قدّمَ الحلَّ الفلكيُّ الإيطاليُّ <H.G.دارتورو> عام1932: إنه المرآة المكوَّنةُ من عدة قطع. وعلى سبيل المثال، فإن مرآتي مقراب كيك التوأمي مكونتان من36 قطعة، كل منها مسدس قطره1.8 متر.  ويسمح الشكل السداسي لهذه القطع بالتصاق بعضها ببعض التصاقا محكما لملء سطح مجسم القطع الزائد. ولكل من هذه القطع شكل مختلف قليلا، يتوقف على بعد القطعة عن مركز المرآة. ومن حيث المبدأ، يمكن تكييف تصميمها لتتلاءم مع أي مساحة للمرايا. لكن الوجه السلبي لهذه العمليّة هو الحاجة إلى رصفِ القطعِ بدقة الأطوال الموجيّة الجزئيّة، وذلك للتقليل إلى الحد الأدنى من أثر الوصلات في جودة الصورة، وللإبقاء على التصاقٍ جيد للقطع بعضها ببعض على الرغم من الرياح العاتية التي تهب عليها.

 

وكما هي الحال في مقراب كيك، فإن مقرابي OWL وTMT سيتكوّنان من قطع سداسية الشكل. لكن مصممي مقرابGMT سلكوا طريقا آخر: فبغية تقليل عيوب  صنع المرآة من مجموعة من القطع إلى حدها الأدنى، فقد قرروا إنتاج عدد أقل من القطع، لكن بحجم أكبر. وسيكون مقرابهم مكوّنا من سبع مرايا دائرية قطرها8.4 متر (أولاها دخلت مرحلة التصنيع فعلا، وذلك للبرهان على صحة المبدأ الذي ارتضوه)(9). والسبب في اعتماد هذا الأسلوب هو صعوبة متابعة السير في عملية التكبير شوطا أبعد من ذلك.

 

 

 

رؤية لمقراب من النمط OWL(*****)

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2006/10/63.gif
http://oloommagazine.com/images/Articles/2006/10/63-2.gif
http://oloommagazine.com/images/Articles/2006/10/scan0036%20copy.gif
http://oloommagazine.com/images/Articles/2006/10/scan0037%20copy.gif

 

البحث عن رؤية(******)

 

ليست حساسية المقاريب للأجسام الباهتة الضوء سوى إحدى المواصفات المنشودة لهذه الآلة. وثمة مواصفة أخرى هي الميز(11). ومن حيث المبدأ، يجب أن يكون المقراب الكبير قادرا على توفير كلتا المواصفتين. وكلما كَبُرَ المقراب، قلَّ فساد الصور نتيجة الانعراج(12)، الذي يتسبب في اللطخات(13) التي تحدث  عندما تغير الموجة الواردة اتجاه جبهتها بسبب الحافة الخارجية للمرآة. بيد أن الانعراج كان، حتى عهد قريب، مسألة فيها نظر عندما يتعلق الأمر بالمقاريب الضوئية المقامة على الأرض. فحتى في أفضل المواقع لبناء المراصد، يجعل اضطرابُ الهواءِ أيَّ شيء، انفراجه الزّاويّ أصغر من 0.3 ثانية قوسية، ضبابيا وغير واضح المعالم. وإذا وَجَّهْتَ نَظَرَكَ إلى نجمِ منكب الجوزاء(14) العملاق (0.05ثانية قوسية) بواسطة مقراب پالومار، الذي حجمه خمسة أمتار وتكلفته 100 مليون دولار، فكل ما تراه نقطة متلألئة من الضوء الأحمر تبدو أسطع، لكن ليست أوضح، مما يمكن رؤيته بالعين المجردة.

 

وتعاني المقاريب الفضائيةُ مشكلة معاكسة، إذ إنها تقدم صورا عالية الميز، لكنها تفتقر إلى حساسية رؤية أضعفِ الأجسامِ ضوءا؛ هذا إذا تجاوزنا حقيقة شطرها للضوء إلى عدة ألوان نتيجة تحليلِها لمكوناته. لقد حَدَّدَ حجمُ المكوكِ الفضائيِّ قطر مقراب هبل الفضائي بمقدار2.4 متر، وحتى قطر مرآة المقرابJWST، فستكون 6.5 متر. هذا ويجب إجراء التحليل الطيفيِّ لما تكتشفه السّواتل(15) من الأرض.

 

هذه المبادلة(16) بين الحساسية والميز شيءٌ غيرُ مستحسنٍ للجيل التالي من  المقاريب، التي تتطلب أهدافُها العلميّةُ تَحَقُّقَ كليهما في وقت واحد. وخلال تعريض مقرابٍ قطره100 متر للضوء طوال إحدى الليالي، فسيكون قادرا على  رؤية أجرامٍ سماوية سطوعها يعادل جزءا في الألف من أضعف سطوع رآه الفلكيون حتى الآن. وحيث ترى المقاريب الحالية لطخة سوداء في الفضاء، يرى ذلك المقراب حشدا من الأجسام المعتمة. وفي غياب ميْزٍ عال، يندمج جميع هذه الأجسام معًا.

 

إن اجتماع الميْزِ العالي والحساسية العالية مهمٌّ جدا لاكتشاف كواكب شبيهة بالأرض خارج المنظومة الشمسيّة. ولرؤية هذه الكواكب، التي سطوعها أقل من جزء في البليون من سطوع النجم الذي تدور حوله، يتعيّن على الفلكيين حَجْبُ النجمِ باستعمالِ قرصٍ صغيرٍ عاتمٍ يُسمَّى راسم الإكليل(17). إلاّ أنه إذا كان هذا القرص كبيرا جدا، حَجَبَ الكوكب أيضا. ويعني الميْزُ العالي أنّ بمقدور الفلكيين استعمالَ قرصٍ صغيرٍ، وهذا يزيد من عدد الكواكب التي يكتشفونها. وأصغر حجم لمقراب يمكنه مسح مجرتنا بحثا عن كواكب لها مدارات شبيهة بمدار أرضنا هو80 مترا تقريبا. وباستطاعة هذا المقراب أن يُجرِي عملياتِ بحثٍ في رقعة من الفضاء تتضمن نحو400 منظومة نجمية شبيهة بمنظومتِنا الشمسية، وَأَنْ يقومَ بتحليلٍ طيفيٍّ لقرابة40 كوكبا من الكواكب الشبيهة بالأرض، إن وُجِدَ مثلُ هذه الكواكب,وللحصول على طيف أيٍ من هذه الكواكب، يتعيّن على المقراب تجميعُ الضوءِ طوالَ أسابيعَ، وهذا قد يكون مستحيلا.

 

طَوِّرْ وَتَكَيَّفْ(*******)

 

لبلوغ هذا الميز العالي، يجب أن يعتمد المقراب على البصرياتِ التكيُّفيَّة(18) لإزالة التشوهات التي تحدثها الاضطرابات الجوية. ولتحقيق هذا الغرض تُجرى مراقبةُ نجمٍ مرجعيٍّ (يمكن أن يكون «نجما» صنعيا يتولد بواسطة إضاءة ليزرٍ في طبقات الجو العليا)، ويُعدَّلُ شكل مرآة أخرى أصغرَ موضوعة بين المرآة الثانوية والمكشافات. وتقوم مجموعة من المكابس الصغيرة، أو المحفَّزات(19)، بدفع القسمِ الخلفيِّ من المرآة لتعديل شكلها.

 

ويُمَكِّنُ هذا النظامُ مقرابا من العمل بميزه الأعلى، أو قريبا منه، وكأن الجو غير موجود ـ ولا يحدّ من ذلك إلاّ انعراج الضوء. ويتعين على مقرابقطره100 متر أن يكون قادرا على رؤية أشياءَ انفراجها الزاوي 0.001 ثانية قوسية، وهذا أفضل  أربعين مرّة من قدرة مقراب هبل على رؤية تلك الأشياء. وبواسطة مثل هذا المقراب لا يبدو منكب الجوزاء مجردَ نقطة من الضوءِ، بل صورة ذات3000 بكسل، مقدِّمة  مستويً من التفصيل غير متوافرٍ حاليا إلاّ في الكواكب القريبة.

 

وتُستعملُ هذه التقنيةُ على كثيرٍ من المقاريب الكبيرة، بيد أن جعلها تعمل في الأنظمة التي لها حجم أكبر يتطلب تضخيمها. لكنْ ليس من الواضح البتة أن هذا المتطلَّب ممكنُ التحقيق. إن استخدام نظامِ بصرياتٍ تكيّفيّة على مقرابٍ قطره100 متر يستلزم أكثرمن000 100محفِّزٍ. وتجدر الإشارة إلى أنّ لأنظمة هذه الأيام1000 مُحَفِّزٍ على الأكثر. ويتعين على حاسوب التحكّم أن يكون قادرا على  تغيير شكل هذه المرآة عدة مئات من المرات في الثانية، لكن تقانة المعالجات لم تَرْقَ إلى هذا المستوى بعد.

 

ويسلك المهندسون في هذا الموضوع أسلوب الإنجاز على مراحل، وذلك ببنائهم أولا أنظمة تعمل بأطوالٍ موجية تحت حمراء، وهذه تحتاج إلى عدد أقل من المحفِّزات، لأن شدة أثر الاضطراب تقلّ مع ازدياد الأطوال الموجيّة. ويجب على المهندسين أيضا أن تكون لديهم القدرة على الإفادة من الجهود المبذولة في تطوير بصرياتٍ تكيّفيّة متقدمة للطبّ والطيران الفضائي والرقابة العسكرية وإلكترونيات المستهلكين. وثمة تقنية جديدة واعدة بوجهٍ خاص هي البصريات التكيفية المتعددة الترافق(20) التي تُجرِي التصحيحاتِ المتعلقة بالاضطراب على  ساحة واسعة للرؤية، وهذا يجعل الأنظمة غيرَ مقصورة على اللطخاتِ الصغيرة في السماء المحيطة بنجمٍ مرجعيِّ(21). ويعكِفُ مشروعVLT حاليا على دراسة  الاستعمال الفعّال للبصريات التكيفية المتعددة الترافُق.

 

ويمكن لقياس التداخل(22)، وهو تقنية تدمج الضوء الوارد من أكثر من مقراب، إنجازُ مَيْزٍ أعلى حتى من ميز المقاريب الكبيرة المقترحة(23). وتطبَّق هذه التقنيةُ في مرصد بارانال. هذا وإن المقاريبVLT الأربعة مبنيَّة في مواقع تفصل بينها مسافةُ 130 مترا، ومن ثَم يولّد دمجُ ضوئها الميزِ نفسه الذي يوافره مقراب قطره130مترا، وهذا يزودنا بتفصيلاتٍ رائعة عن الأجسام التي تدرسها تلك المقاريبُ. بَيْدَ أن لمقاييس التداخل محدوديتَها، إذ إنها لا يمكن أن تَرْصُدَ سوى ساحة صغيرة للرؤية، فاستعمالها يشبه النظر عبر ماصّة شراب. يضاف إلى ذلك أنْ تعقيد أدواتها البصرية يجعلها قادرة على استعمال نسبة مئوية صغيرة جدا من الضوء الذي تجمعه، مقابل نسبة50 في المئة أو أكثر من الضوء الذي تجمعه  المقاريب العادية. وفي جميع الأحوال، تعادل المساحةُ الكليّةُ لتجميع الضوء مجموعَ مساحاتِ تجميعِ المقاريب الأربعة فقط. وباختصار، إنها، مثل المقاريب الفضائية، تزيد من ميْزها بتخلّيها عن الحساسية، ومن ثم فهي ليست بديلا عن مقرابٍ عملاقٍ مُقامٍ على الأرض.

 

عَزَقَاتٌ ومسامير ملولبة(********)

 

لا ينمو الفيل مثل النملة. فازديادُ وزنِ مخلوقٍ يتناسب طرديا مع مكعب زيادة أبعاده الخطيّة، في حين يتناسب تزايد قدرة الهيكل العظمي على حمل ذلك الوزن طرديا مع المربع فقط لزيادة هذه الأبعاد، ومن ثم فالفيل بحاجة إلى سيقان أضخم كثيرا نسبيا. وما يصح في الثدييات الأرضية الكبيرة يصح أيضا في المقاريب. فجميع التقانات الضوئية المتقدمة في العالم لا تحظى بأي قيمة تقريبا إذا لم يكن هيكل المقراب قادرا على حمل وزنه. ومع أن الخبراء في علم الفلك الراديوي بنوا أطباقا قابلة للتوجيه تصل أقطارها إلى100 متر، فإن المتطلبات  الميكانيكية للمقاريب الضوئية أشد قساوة لأنها تعمل بأطوالٍ موجيَّة أقصر كثيرا.

 

ويجب أن تكون صلابة هيكل المقراب كافية لإبقاء المرايا متراصفة تماما إحداها مع الأخرى ولمقاومة الاهتزازات التي تحدثها الرياح. وتميل المقاريب القليلة الارتفاع والعريضة إلى أن تكون أصلب من المقاريب المرتفعة النحيلة، لكنها تتطلب حَنْيَ الضوءِ ليتَّجه بدقة أعلى إلى البؤرة، وهذا يعقِّد تصميمَها الضوئيَّ. لذا يجب على المهندسين أن يتوصلوا إلى توازنٍ بين المتطلبات الميكانيكية والضوئية. ولا يزال المقرابVLT يهتز إلى حد ما بفعل الرياح، لكن مرآته الثانوية تلغي آثار هذه الاهتزازات بحركتها بالاتجاه المعاكس نحو70 مرّة في الثانية. وسيفعل المقرابOWL الشيء نفسه.

 

وثمة مشكلة محتملة أخرى هي أنه خلال تعقّبِ المقرابِ الأجرامَ السماوية ينزاح مركزُ ثقله، وهذا قد يؤدي إلى حَنْيِ الآلة والإخلالِ بتراصفِ المرايا. وتَستعملُ معظمُ المقاريبِ الضخمة بنية هيكليَّة صمّمها المهندس <M.سيرورييه> لمقراب پالومار في الثلاثينات من القرن الماضي. وفي هذا التصميم، تُثبَّت كلُّ واحدة من المرايا بإطار مفتوح شبيه بالصندوق مكوّن من أربع دعامات مثلثة الشكل. وحين إمالتها، تنثني الأطر وتنزاحُ المرايا جانبيًّا. بيد أنه لمّا كانت كلُّ مرآة مثبتة بإطارٍ من النمط نفسه، فكلتا المرآتين تنزاحان بالقدر نفسه، وهذا يبقيهما متراصفتيْن. ويسلك تصميم المقرابOWL طريقة مشابهة، لكنه يتميز  بإمكان بنائه من بضع مكوِّناتٍ أساسية.

 

يقع الوزن الإجمالي لهيكل المقراب بين00010طن و00015طن، وهو يتوقف على الاختيار النهائي لمادة المرآة. وبغية المقارنة، نذكر أن وزن برج إيکل كاننحو000 10 طن عندما اكتمل بناؤه. ومع أنه يبدو عملاقا، فهو أخف كثيرا نسبيا من مقاريب هذه الأيام. فلو كَبَّرْتَ أحد المقاريبVLT الأربعة ليصبح بحجمOWL، لكان وزنه نصف مليون طن. ومع ذلك، فتحريك000 10طن بالدقة المطلوبة هو تَحَدٍّ في حدّ ذاته.  وتتضمن الخيارات التي يعكف المهندسون على دراستها حاليا عربات نقل منخفضة تشبه عربات القطار، تَسْتَعْمِلُ إدارات احتكاكيَّة(24) وطبقاتٍ رقيقة من الزيت يطفو عليها المقرابُ (كما هي الحال في وحداتVLT) وتعويما مغنطيسيا(25).

 

 

مقاريب مقترحة أخرى(*********)

 

مقراب قطر مرآته ثلاثون مترا (TMT)
http://oloommagazine.com/Images/Articles/2006/10/37.gif
30 مترا

700 مليون دولار

مرآة أولية مكونة من عدة قطع

www.tmt.org

 

القطر:

التكلفة التقديرية:

التصميم:

موقع الوِب:

 

صفيف مرايا ذات فتحات كبيرة (LAMA)

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2006/10/36.gif
42 مترا [المساحة المكافئة لتجميع الضوء]، 54 مترا [الميز المكافئ]

50 مليون دولار

18 مرآة من الزئبق السائل، ولكلٍّ منها شكلُ مجسّمِ قطع مكافئ وقطر قدره 10 أمتار، وجميعها موجّهة إلى الأعلى.

 www.astro.ubc.ca/LMT/lama

 

مقراب ماجلاّن العملاق (GMT)

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2006/10/35.gif
21.4 متر (المساحة)، 24.5 متر (الميز)

500 مليون دولار

سبع مرايا لها شكل مجسم قطع زائد، قطر كل منها 8.4 متر، ومحمولة على حمولة واحدة.

www.gmto.org

 

يورو 50

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2006/10/34.gif
50 مترا

700 مليون دولار

مرآة أولية مكوّنة من قطع لها شكل مجسم قطع ناقص

www.astro.lu.se/-torben/euro50

 

انتهاك القانون(**********)

 

يترتب على ما سبق أن الفلكيين لم يفقدوا عقولهم عندما فكروا في بناء مقاريب تصل أقطارها إلى100 متر. وفي حين كانت الزيادات في حجم المقراب  تتطلب في الماضي قفزة في الظلام التقانيّ، فإن الزيادات في المستقبل ستستفيد من المعارف والخبرات الحاليّة.

 

والسؤال الرئيسيّ الآن هو التكلفة. تاريخيا، كان ثمن صناعة مقرابٍ يتناسب مع قطر مرآته الأساسية مرفوعا إلى القوة  D2.6) 2.6),لذا فإذا كانت تكلفة كلٍّ من المقاريب الأربعةVLT التي حجم كل منها ثمانية أمتار قرابة100 مليون دولار، فإن ثمن المقراب الذي قطره20 مترا يبلغ نحو بليون دولار ـ وهذا أكبر مبلغ يأمل أي شخص في جمعه لشراء مقراب جديد. أما تكلفة مقراب قطره100 متر فمبلغٌ يُحْدِثُ الدُّوَارَ في الرؤوس: إنه70 بليون دولار. وما دام قانون تكلفة المقاريب هذا ساريا،  فيجب على الفلكيين التفكير مليا في بناء نُسَخ متعدّدة لمقراب صغيرٍ لبلوغ الحجم المكافئ المنشود، وعندئذ تصبح التكلفةD2. فببليون دولار يمكن شراء10مقاريب قطر كل منها8.2 متر مساحتها تكافئ مساحة مقراب واحد قطره26 مترا.  ولسوء الحظ، فللأسباب المذكورة آنفا، لا يُعني التكافؤ في الحجم تكافؤا في القدرة. فلصفيفarray المقاريبِ العادية حساسيّةُ مقرابٍ قطره26 مترا؛ لكنّ مَيْزَها هو مَيْزُ مقرابٍ قطره8.2 متر. ولهذا الصّفيف، عندما يُستعمل كمقياس تداخلinterferometer، مَيْز أعلى، لكنْ حساسيّة أخفض.

 

ولحسن الحظ، يعتقد المهندسون أن بمقدورهم انتهاك هذا القانون، وسبيلُهم إلى هذا إنتاج المكوّنات بالجملة، وهذا يجعل تكلفة كلٍّ من المكوناتِ تنخفض انخفاضا حادًّا. ويتطلب هذا بدوره مقاربة جديدة للآلات الضوئية. فبدلا من المرآة الأولية العادية التي لها شكل مجسم قطع زائد(26)، والتي توجب أن تكون كل قطعة منها مفصَّلة تبعا لموقعها فيها، يمكن أن يكون لمقراب قطره100 متر مرآة  كروية، لجميع قطعها شكل واحد. لذا يمكِّن خطُّ تجميع واحد من إنتاج جميع القطع التي عددها3048 بمعدل قطعة كل يومين. لكن المشكلة هي أن الشكل  الكروي يُحْدِثُ تشويها للضوء. وبغية تعويض ذلك، لا بد من تزويد المقراب بجهازٍ يسمى مصحِّحا(27)، يشبه ذاك الذي أصلح رؤية مقراب هَبل. ومع ذلك، يظل هذا النظامُ أرخصَ ثمنا.

 

وتمثل القبة إحدى النفقات الرئيسية لبناء أي مقراب. فلمقراب پالومار، مثلا، قبة حجمها قريبٌ من حجم قبة كاتدرائية القديس بطرس بروما، ولو أنها إلى حد ما لا تدانيها فنِّيا. وأحد أسبابِ كِبَرِ قبة پالومار هو أن قاعدة المقراب مائلة بغية توجيهه إلى النجم القطبي. وبهذه الطريقة تتمكّن هذه الآلة من تعقّب النجوم بسهولة، وذلك بمجرد تدوير المقراب حول محوره. هذا وإن المقاريبَ الحديثة مدعومة بقاعدة أشد تراصًّا تسمى الارتفاع/السمت(28) (يشير هذا المصطلح إلى  حركة ذات بعدين بدلا من الدوران البسيط حول المحور).

 

 والظرف غير المواتي هنا هو ضرورةُ استعمالِ آلية تَحَكُّمٍ أشدَّ تعقيدا، لكن الحواسيب جعلتها أسهل تناولا. لكنْ حتى بوجود قاعدة الارتفاع/السمت، يتطلب المقراب الذي قطره100 متر قبة باهظة الثمن. أضف إلى ذلك أنّ المحاكياتِ  الحاسوبيّة توحي بأن كل بنية ضخمة قد تولّد جيبا خاصا من الاضطراب الهوائي. لذا لن يتطلبَ المقرابOWL سوى سقفٍ منزلقٍ ليغطيه خلال النهار أو  في الطقس السيئ. وسيعمل المقرابُ في الهواء الطلق، ويستطيع تَحَمُّلَ رياحٍ معتدلة الشدة تصلُ سرعتُها إلى15 مترا في الثانية (نحو30 ميلا في الساعة).  وفي الحقيقة، يخفض النسيم الثابت الاضطرابَ الهوائيّ.

 

قد تبلغ تكلفة المقراب OWL، الذي حجمه (أي قطر مرآته الأولية) 100 متر، قرابة1.2 بليون دولار. أما تكلفة المقرابTMT فتقدر بنحو700 مليون دولار، وتكلفة المقرابGMT تقدر بنحو 400 مليون دولار. هذا وإن كلَّ مبلغٍ يصل إلى نحو بليون  دولار يظلّ أقلّ مما تتطلبه معظم التجارب الفضائية، لكنه يبقى مع ذلك مبلغا كبيرا من المال. ومن المحتمل أن التعاونَ الدوليَّ سيكون ضروريا لتوفيره.

 

البانوراما الفلكية(***********)

 

كان العقد الماضي عصرا ذهبيا لعلم الفلك، لكننا نتوقع حدوث المزيد من التقدمات حتى عام2015. فالمكشافاتdetectors المبتكرة والبصريات التكيفية ستعزز قدرات الجيل الحالي من المقاريب التي تراوح أقطارها ما بين8 و 10 أمتار، وهذا يشبه، إلى حد بعيد، ما أضافته آلات التصوير والمطيافات(29) الجديدة من قدراتٍ إلى مقراب هَبِل. وستكون آلات قياس التداخل(30) قد تطورت من حيواناتٍ  غريبة إلى أحصنة شُغْل تتعقّب أجراما ذات ضوء باهتٍ جدا يصل مَيْزُهَا إلى جزءٍ من ملّيثانية قوسية(31).

 

 وسيكون المقرابJWST، المتخصص بالأرصاد تحت الحمراء، قد أُطلِق. كما سيكون الصّفيفAtacama LargeMillimeter Array قد بدأ عمله بدستاتٍ من هوائياتِ الأطباق(32)، وهذا يمثّل جسرا بين علم الفلك تحت الأحمر وعلم الفلك الراديويّ. وربما يكون الفلكيون عاكفين على بناء المشروعSquare KilometerArray لاكتشاف الموجات الراديويّة المنخفضة التردّد، وهي منطقة من الطيف الكهرمغنطيسي لم تُكْتَشَفْ إلا بقدرٍ محدودٍ جدا.

 

بعد إنجاز هذه التقدّمات جميعها، فهل يحتاجُ الفلكيون حقا إلى مقاريبَ ضوئية عملاقة جديدة؟ الجواب هو، وبصوتٍ عالٍ، نعم! فثمة مواضيع علميّة حاسمة لا يمكن التصدّي لحلّها بآلاتٍ صغيرة، مثل: دراسة الكواكب الموجودة خارج المنظومة الشمسية، والمكوّنات الأساسية للنجوم والمجرات. وفيما يتعلق بالضوء المرئي وتحت الأحمر القريب، فإن المقاريب المقامة على الأرض توفر حساسية وميزا عاليين بتكلفة أخفض مما تتطلبه المراصد الفضائية.

 

إن عملية اختيار مقاربة من المقاربات المختلفة المتجسدة في المقاريبGMT,TMT, OWL ليست بالمهمة السهلة، فلكلٍّ منها ميزاته وعيوبه. وحديثا، توصلت لجنة دولية كُلِّفَتْ بمراجعة مفهوم المقرابOWL إلى أنه عملي، لكنه ينطوي على  مجازفة من الناحيتين التقنية والمالية. وحاليا، أعكف مع زملائي، بمساعدة مجموعة كبيرة من الفلكيين، على وضع تصميمٍ مشتركٍ أصغر، ومن المتوقّع صدور قرارٍ بهذا الشأن بحلول نهاية هذا العام. ومن ثَم فالمشاريع المختلفة قد تكون متقاربة بعضها من بعض. وبوجه خاص، فإن المقرابTMT ذاته هو نتيجةُ دمجِ عدة تصاميم سابقة.

 

وعلى مدى قرون، تطوّر كِبَرُ المقاريب التي كانت في البداية بحجم طاولة صغيرة توضع بجانب السرير، ثم صارت بحجم الغرفة، ثم البيتِ، ثم الكاتدرائية، والآن بحجم ناطحة سحابِ. وبفضلِ التقدمات التقانية الحديثة، يمكننا بناء آلاتٍ قادرة على رؤية أول نجومٍ وُلِدَتْ في الكون والكواكبِ المحيطة بنجومٍ أخرى، ومن المحتمل أن يكون ضمنَها كواكبُ شبيهة بأرضنا. ولم يَعُدِ السؤالُ يدور حول قدرتنا على بناءِ مقاريب عملاقة أو حول سبب رغبتنا في بنائها، إنما السؤال المطروح يتعلق بوقت بنائها وبحجمها.

 

 

المؤلف

Roberto Gilmozzi

 

 باحث رئيسي في المجموعة التي تعكف على دراسة تصميمِ المقراب OWL. شغل بين عامي 1999 و 2005 منصبَ مدير المرصد Very Large Telescope Observatory المقام في سيرّو پارانال بجمهورية تشيلي. وتتضمن اهتماماتُه العلميّةُ دراسة المستعرات والمستعرات الأعظمية وبقاياها وإشعاع الخلفية الكونية للأشعة السينية وتاريخ التكوّن النجمي في الكون.

 

  مراجع للاستزادة 

 

OWL concept Study.R.Gilmozzi and P.Dierick x in ESO Messenger, No.100, pages 1-10; June 2000. Online atwww.eso.org/projects/owl/publications/200_05_Messenger.htm

 

Astrophysical Techniques. Fourth edition.C.R.Kitchin.Taylor & francis, 2003.

 

Proceedings of Second Backaskog workshop on extremely Large Telescopes. Edited by A.L.Ardebreg and T.E.Andersen. Proceedings of the SPIE, Vol. 5382; July 2004.

 

The Light Brigade. Neil deGrasse Tyson in Natural History, Vol. 115, No.2, pages 18-29; March 2006.

 

Exploring the cosmic Frontier: Astrophysical Instruments for the 21st Centrury. ESO Astrophysics Symposia. Springer-Verlag ( in press). www.mpifr-bonn.mpg.de/berline04/

 

(*) THE GIANT TELESCOPES OF THE FUTURE

(**)  Overview  / Very, Very Large Telescopes

(***)  Scope for Improvement

(****)A Timeline of Telescopes

(*****)Vision for an Owl

(******) Vision Quest

(*******) Evolve and Adapt

(********) Nuts and Bolts

(*********)Other Proposed Telescopes

(**********) Breaking the Law

(***********) The Astronomical Panorama

 

(1) Paranal Observatory

(2)  California progression

(3) Hooker telescope

(4) Hale telescope

(5) twin Keck telescopes

(6) paraboloid 

(7) Atlantic Ocean

(8)hyperboloid 

(9)   انظر:Breaking the Mold, by W.W. Gibbs; Scientific American, December 2005

(10)bogies

(11)sensors

(12)the resolving power، أي القدرة على تمييز التفصيلات الدقيقة.

(13)diffraction

(14)blurring ring

(15)star Belelgeuse

(16)satellites

(17)trade-off

(18)coronograph

(19)adaptive optics

(20)actuators

(21)multiconjugate adaptive optics

(22) انظر: Three-Star Performance, by G.P. Collins, Scientific American, May 2000.

(23) interferometry

(24)انظر: A Sharper View of the Stars, by A.R. Hajian – J. Th. Armstrong; Scientific American, March 2001.   

(25)friction drives، وهي وسائل إدارة تشتغل بواسطة قوى الاحتكاك التي تنشأ عند ضغط عجلة دوّارة ضد عجلة ثانية.

(26)magnetic levitation

(27)hyperboloid

(28)corrector

(29)altitude/azimuth

(30)spectrometers

(31)interferometry

(32)submilliarcsecond

(33)dish antennas

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى