أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

البحث عن الكود العصبي

البحث عن الكود العصبي(*)

إن معرفة الكيفية التي تُفلت وفقها الجرذان

من القطط، تكشف كيف تُترجم إلى معلومات

عاصفةٌ من النبضات التي تكتسح الدماغ.

<L.A.M.نيكوليليس> ـ <S.ريبيرو>

 

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/7-8/15.gif

 

حينما انفتحت فجأةً الأبواب الانزلاقية بتحكم حاسوبي كاشفة حجرة دامسة الظلام، ولكنها مألوفة بالفعل للجرذة إيش، قامت الجرذة إيش بالضبط بما كان متوقعا منها بعد كل هذه الأسابيع من التدريب القاسي. فاندفعت بقوة دون تردد داخل الحجرة الضيقة، متحركة بأقصى سرعة نحو الجدار المقابل، ومتأثرة على الأرجح بالمكافأة التي كانت متأكدة من الحصول عليها نظرا لأدائها الممتاز في الآونة الأخيرة، وكانت على أتم استعداد لاستعراض مهاراتها والتباهي بها.

 

  لقد بدأت التجربة لحظة اجتياز الجرذة إيش حزمةً من الأشعة الضوئية تحت الحمراء أمام فتحة موضوعة في مسار عَدْوها مباشرة. كانت هذه الفتحة، المطوقة من الجانبين بذراعين صغيرين لقضيبين معدنيين كل منهما على شكل الحرف T يبرزان من جانبي الحجرة، تحدد حيزا (شقا صغيرا) ضيقا، وعلى الجرذة إيش أن  تمر من خلاله لتصل إلى الجدار المقابل. وكان العمل الذي عليها أن تقوم به أبعد ما يكون عن التفاهة، إذ كان عليها في محاولة واحدة أن تقدر قطر الفتحة بأسرع ما يمكن. ولجعل الأمور أكثر تعقيدا وإثارة للاهتمام كان حجم الفتحة يتغير عشوائيا من تجربة إلى أخرى. ولم يكن أمام الجرذة إيش وهي غير قادرة على رؤية القضيبين إلا سبيل واحد لبلوغ هدفها ألا وهو الاعتماد كلية على حسها اللمسي الشديد الحساسية.

 

  لقد تمكنت الجرذة إيش على نحو مثير للدهشة في 90% من التجارب أن  تميز على نحو صحيح ما إذا كانت الفتحة أضيق أو أوسع من ذي قبل، حتى عندما لم يتغير قطر الفتحة إلا بمقدار مليمترين فقط. واستطاعت أن تحل هذا اللغز اللمسي بالكاد في 150 جزءًا من الألف من الثانية بلمس حافات القضيبين بأطراف  الأشعار الطويلة البارزة التي تنبت من جانبي وجهها فقط. لم تكن حيلة الجرذة إيش عملا بسيطا من المنظور البشري، فأي شخص يحاول إنجاز مهمة أو حل مسألة مماثلة بوضع شاربه أو لحيته على الفتحة نفسها كان سيفشل فشلا مخزيا مثيرا للرثاء.

 

لكن إيش جرذة، وقاعدة كل شعرة من أشعار شاربيها تحتوي على كثافة عالية جدا من الأعضاء الحسية المحيطية المتخصصة المعروفة بالمستقبلات الميكانيكية التي تترجم الخصائص الرئيسية للمنبهات اللمسية إلى لغة يستطيع الدماغ أن يفهمها ألا وهي الكهرباء. تنتقل مثل تلك الإشارات الكهربائية في الجرذان كما في البشر بواسطة عدد وافر من الأعصاب المحيطية الموجودة في جميع أنحاء الجسم إلى تراكيب دماغية متعددة مترابطة فيما بينها فتتكون بذلك دائرة عصبية ضخمة تعرف بالجهاز الحسي الجسدي المسؤول عن ذخيرتنا المتسعة من الأحاسيس اللمسية. تسهم هذه الدائرة نفسها أيضا في نشوء معظم خبرتنا الإدراكية الشخصية، أي إحساسنا الخاص بذاتنا.

 

  لكن لا تزال منذ زمن بعيد وإلى الآن الكيفية المضبوطة التي يترجم بها الدماغ هذه اللغة من النبضات الكهربائية إلى مثل تلك المدارك الحسية الدقيقة والمتنوعة لغزا عويصا يصعب فهمه، وواحدا من أبحاث الدماغ المقدسة المضنية التي تتطلب بحثا طويلا جاهدا. إن حل (فك)(1) هذا الكود العصبي هو  بمثابة  فتح الأبواب لفهم ماهية هويتنا، إذ تنبثق قدراتنا على التحدث والحب والكراهية وإدراك العالم من حولنا وكذلك ذكرياتنا وأحلامنا، وحتى تاريخ جنسنا البشري من تجميع حشد من الإشارات الكهربائية البالغة الصغر التي تنتشر عبر أدمغتنا تماما مثلما تكتسح عاصفة رعدية السماء في ليلة صيف.

 

خطوط مستقيمة على نحو خادع(**)

 

كانت الجرذة إيش تشارك دون أن تعلم في تجربة صممت لمواجهة هذا السؤال المحوري جدا. أما كونها قد قررت أن تستخدم شعر وجهها لإنجاز هذه المهمة، فذلك كان مجرد أمر صائب فقط. فعندما تكون الجرذان في حاجة فعلية إلى الفرار من القطط بالاندفاع عبر فتحةٍ حجمها غير محدد وواقعة في مكان ما في أحد جدران مكان مظلم غير مألوف، فإن أشعار شواربها تمنحها أفضل أمل للنجاح.

 

  تترجم مستقبلات الجرذ الميكانيكية أي انحراف ميكانيكي صغير جدا لأشعار الشوارب إلى سلاسل متتالية سريعة من التفريغات الكهربائية الصغيرة التي تعرف بجهود الفعل الكهربائي(2) لتبلِّغ بالإشارة موضع  المنبهات اللمسية وشدتها ومدتها. تنتقل هذه النبضات إلى الدماغ عبر الجهاز  الثلاثي التوائم، وهو الشبكة العصبية التي تكون الجزء من الجهاز الحسي الجسدي المتخصص بنقل الإشارات اللمسية الواردة من الوجه ومعالجتها. لذلك فإن فهمنا للكيفية التي تحسب بها الجرذة إيش وغيرها من الجرذان بمنتهى السرعة واليسر قطر فتحة ما في مجرد جزء من الثانية مستخدمة فقط المعلومات الحسية التي تجمعها أشعار شواربها يرتكز على توضيح كيف تتآثر المجموعات الضخمة من العصبونات الموزعة عبر الجهاز الثلاثي التوائم لمعالجة تلك المعلومات الحسية الواردة.

 

يكشف البحث في هذه المسألة بالطبع عما هو أكثر بكثير من مجرد معرفة كيف تراوغ الجرذانُ القلقة القططَ الجائعة. لقد قام علماء الفزيولوجيا العصبية بالفعل منذ بداية سبعينات القرن العشرين بدراسة الجهاز الثلاثي التوائم في القوارض لمحاولة الإجابة عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بطبيعة الكود العصبي. إن العمل الذي نقوم به في مختبرنا والذي يقوم به آخرون في كثير من المختبرات في جميع أنحاء العالم من أجل حل شفرة هذا الكود يوضح فقط كيف تطورت الفرضيات العلمية بشكل مثير منذ ذلك الحين، وكذلك القدر الهائل الذي لا يزال علينا أن نتعلمه بعد.

 

لقد كانت النظرية التي يفضلها معظم علماء الأعصاب منذ ثلاثة عقود هي تلك النظرية المعروفة بنموذج الخط الموسوم(3)، لأنها اقترحت أن المعلومات الحسية المتولدة في محيط الجسم تنتقل عبر مسارات عصبية متوازية على طول الطريق إلى القشرة المخية الجديدة للدماغ. ومن حيث الجوهر تنتقل الرسالة خلال دائرة تغذية (تلقيم) تقدمية(4) تماما لتصل المستقبلات الحسية المحيطية (مثل أشعار  الشوارب) بالتراكيب الأعلى رتبة في الدماغ.

 

لقد لاقى هذا النموذج تأييدا ذا شأن مهم خلال السبعينات من القرن العشرين، عندما كشف <T.وولسى> و<H.فاندرلوس> [عالما التشريح العصبي في كلية الطب بجامعة جونز هوپكنز] النقاب عما بدا أنه خطوط الاتصال المادية داخل القشرة المخية الحسية الجسدية الأولية primary cortex (S1)somatosensory  في دماغ الفأر. ويمكن تقسيم القشرة المخية في الفأر، كما في الثدييات الأخرى، إلى ست طبقات على أساس النسيج المميز لكل منها وتوزيع أنماط الخلايا العصبية بها، وترقيمها من  I إلى VI من سطح الدماغ الخارجي الأقصى إلى الطبقة  القشرية الداخلية. وباستخراج كتل نسيجية تحوي القشرة المخية (5) S1  للفأر بأكملها، تمكن <وولسي> و<فاندرلوس> من تحضير شرائح رقيقة متماسة تغطي النطاق القشري المخي بأكمله، ثم صبغ تلك المقاطع النسيجية للكشف عن وجود أكسيداز السيتوكروم، وهو إنزيم ميتوكندري (مُتَقَدَّري) مرتبط بالنشاط الخلوي المكثف.

 

ولقد أدهش <وولسي> و<فاندرلوس> ما اكتشفاه من احتواء الطبقة القشرية المخية IV على عناقيد متعددة متمايزة من العصبونات الغنية  بأكسيداز السيتوكروم، ومنظمة تنظيما جيد التخطيط من الصفوف والأعمدة. وقد كونت آلاف من العصبونات المتراصة بإحكام كل عنقود برميلي الشكل(6)، وهذا حث الباحثين على تسمية العنقود الواحد بالبرميل والمطرس (المادة البينخلوية) بالحقل البرميلي. والأكثر إثارة للدهشة أن هذا الحقل البرميلي كان يحدد خريطة جميلة، ولو أنها محرفة بعض الشيء لخطم (مقدم فم وأنف) الفأر.

 

وسرعان ما وُجِد نسق حقل برميلي مماثل في القشرة المخية للجرذ [انظر المؤطر في الصفحة المقابلة]، وكشف المزيد من الدراسات عن وجود مثل تلك الخرائط الطوبوغرافية في تراكيب تحت قشرية منها جذع الدماغ والمهاد حيث لقبَت العناقيد بالبريملات وأشباه البراميل. ولقد أظهر بالفعل باحثون لاحقون أن تكدسات من هذه الخرائط الطوبوغرافية في كل واحدة من المحطات (التوصيلات) تحت القشرية بالجهاز الثلاثي التوائم تصل المستقبلات الحسية المحيطية الموجودة في أشعار وجوه الجرذان بالقشرة المخية S1 على طول  الطريق فيما بينهما.

 

 

نظرة إجمالية/ كود منبثق(***)

 

 إن العواصف من النبضات الكهربائية التي تكتسح الجهاز العصبي المركزي، تُتَرجْم بطريقة أو بأخرى إلى أفكار وانفعالات وأحاسيس. وقد قضى علماء الأعصاب عقودا من الزمان في محاولة حل شفرة هذه اللغة العصبية.

 لقد تصورت الفرضيات المبكرة بشأن الإدراك الحسي أن الإشارات تنتقل انتقالا خطيا صرفا على طول طرق عصبية غير مترابطة (منفصلة) فيما بين مستقبلات المنبهات ومراكز المعالجة العليا في الدماغ.

 لقد كشفت مراقبة مجموعات كبيرة من العصبونات في المسارات الحسية عن حقيقة أخرى بديلة، وهي أن المعلومات تُشَفَّر في نُسُق الأنشطة الزمانية المكانية للمجموعات العصبية بأكملها.

 

ويستخدم علماء الفزيولوجيا العصبية الحسية مصطلح «الحقل الاستقبالي»(7) لتحديد مقدار الجلد الذي يتسبب عند تنبيهه في استجابة  عصبونٍ بإنتاج جهود فعل كهربائي (كمونات عمل). وبناء عليه كان التنبؤ الأكثر أهمية لنموذج الخط الموسوم في حالة الجهاز الحسي الجسدي للقوارض أن الحقل الاستقبالي أو الحقل الحيزي للعصبون الفردي الواقع في أحد هذه البراميل الثلاثية التوائم سيقتصر على شعرة شارب رئيسية واحدة.

 

ولكن بحلول أواخر ثمانينات القرن العشرين بدأت نتائج مناقضة تتحدى هذه الرؤية الخطية الصرفة(8). فعلى سبيل المثال، سجل عالم الفزيولوجيا العصبية <M.أرمسترونگ-جيمس> [في جامعة لندن] حينذاك نشاط عصبونات فردية واقعة في عدة براميل قشرية مخية لجرذان مخدرة. ومع استطاعته تحديد شعرة الشارب الرئيسية لمعظم هذه العصبونات القشرية المخية، أثبت أيضا أن العصبون الفردي كان قادرا على الاستجابة لانحراف أشعار الشارب المحيطة بتلك الشعرة الرئيسية.

 

لقد اقترح <أرمسترونگ-جيمس> في استنتاج شبه ابتداعي (شبه هرطقي) بالنسبة إلى زمانه، أن الحقول الاستقبالية للعصبونات الفردية في القشرة المخية البرميلية للجرذ لم تقتصر على أشعار أولية فردية، بل اشتملت الحقول الحيزية بدلا من ذلك على بضع أشعار محيطة تدفع عند انحرافها العصبونات إلى إحداث استجابات حسية أضعف وأبطأ، ولكن مع ذلك يعتد بها. لقد كانت هذه الفكرة كافية لإحداث خلاف كبير في هذا المجال، ومع ذلك كانت مجرد بداية عقد انتقالي لفهم العلماء التكويد العصبي.

 

حوسبة مُوَزَّعة(****)

 

إن التقنية التي استخدمها <أرمسترونگ-جيمس> لتسجيل نشاط العصبونات الفردية (كل منها على حدة) في الجرذان المخدرة، كانت هي تقريبا الطريقة الرسمية المقررة في عام 1989، وذلك عندما قرر واحد منا (وهو نيكوليليس) مع <K.J.شابين> [الذي يعمل حاليا في جامعة الولاية بنيويورك في المركز الطبي التابع لها في القلب التجاري للمدينة] أن يطبقا طريقة جديدة للإصغاء إلى النشاط الكهربائي لعدة عصبونات فردية في آن واحد.

 

في البداية، ركزنا على العصبونات الواقعة في أشباه البراميل بالنواة الجوانية (الإنسية) الخلفية البطنية(ventral posterior medial nucleus (VPM، وهي تركيب يوجد في المهاد ويعد المصدر الرئيسي للاتصالات العصبية الصاعدة إلى الحقول البرميلية(9) في القشرة المخية الحسية الجسدية الأولية. أظهرت دراساتنا الأولى أن عصبونات النواة VPM أظهرت حقولا استقبالية واسعة جدا لأشعار  شوارب متعددة. وعلى غرار ما وجده <أرمسترونگ-جيمس> في القشرة المخية، نتجت الاستجابات الأقوى والأسرع لعصبونات VPM من انحراف شعرة الشارب الرئيسية لكل  عصبون منها محددة مركز حقله الاستقبالي، في حين انطلقت استجابات أضعف وأبطأ من تنبيه الأشعار المحيطة.

 

في الحقيقة، ازداد حجم الحقول الاستقبالية للعصبونات VPM الفردية  ازديادا ملحوظا مع تناقص مستوى تخدير الجرذان حتى إفاقتها تماما في النهاية، حيث إنها شملت أحيانا معظم الأشعار الوجهية على الجانب نفسه من وجه الجرذ. وإضافة إلى ذلك، لما كانت العصبونات VPM تستجيب لتنبيه الأشعار الوجهية المختلفة بعد فترات كمون أو تأخير مختلفة (وهي فترات فاصلة بين التنبيه والاستجابة)،  فإن الحقل الحيزي للحقل الاستقبالي لكل عصبون تزحزح وفقا للزمن التالي للمنبه. وبتعبير آخر، كنا لا نستطيع في الواقع أن نحدد مركز الحقل الاستقبالي لعصبون معين وحدوده إلا إذا عيَّنا لحظة زمنية محددة.

 

 

شبكة حسية(*****)

 

 

`http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/7-8/scan0004%5b1%5d.gif
 

لفترة زمنية طويلة، قام علماء الفزيولوجيا العصبية بدراسة الجهاز الثلاثي التوائم للجرذ كنموذج لاكتشاف كيف تُعالج المعلومات في الجهاز العصبي. ويمتد الجهاز الثلاثي التوائم، وهو عبارة عن شبكة عصبية تنقل المنبهات الحسية من الوجه، من مستقبلات حسية محيطية (مثل المستقبلات الميكانيكية المتجمعة عند قاعدة كل شعرة من أشعار الشارب) إلى الأعلى باتجاه جذع الدماغ وتركيبات الدماغ تحت القشرية، وأخيرا إلى القشرة المخية الحسية الجسدية الأولية. وبالفعل، بيّن علماء التشريح في سبعينات القرن العشرين أن الخرائط الفعلية لوجه الجرذ مُدْرَكَةَ ومُتَصَورَّةََ ومَرْئِية في المناطق الثلاثية التوائم في القشرة المخية [أدناه] وتحت القشرة المخية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/7-8/scan0004%5b2%5d.gif
 

 الحقل البرميلي القشري المخي(10)

 تشكل عناقيد برميلية الشكل ـ مؤلفة من عصبونات الحقل محتشدة بكثافة ومنظمة في تمثيل طوبوغرافي محرف بعض الشيء للوجه ـ حقلا برميليا في القشرة المخية الحسية الجسدية للجرذ. إن الصفوف [E . A] والأعمدة [1-5] من البراميل التي تعكس تنظيم أشعار الشارب في خمط (مقدم فم وأنف) الجرذ، تتيح للعلماء الرجوع والإشارة إلى برميل من البراميل أو شعرة الشارب الرئيسية المناظرة له من الموقع الخاص بهما على الشبكة.

 

 

إن هذا المظهر الزماني المكاني الديناميكي لاستجابات العصبونات قد أتاح الفرصة أيضا للخلايا أن تعيد تنظيم ردود أفعالها فورا بعد أي تغير في تدفق المعلومات اللمسية من محيط الجسم. فعلى سبيل المثال، عندما قمنا بمجرد تخدير رقع صغيرة من جلد وجه الجرذ تمكنا من مشاهدة إعادة تنظيم تامة للحقول الاستقبالية للعصبونات VPM في غضون بضع ثوانٍ لتتلاءم مع النسق الجديد للمعلومات  اللمسية الواردة.

 

وقد تابعنا هذه النتائج وأعقبناها بتجارب أكثر تحدٍّ من الناحية التقنية، تتضمن مراقبة نشاط عينات أكبر من العصبونات الفردية في محطات (توصيلات) متعددة من جهاز الجرذ الثلاثي التوائم، تقع في جذع الدماغ والمهاد والقشرة المخية. وقد منحتنا تسجيلاتنا المتزامنة المتعددة المواقع والمتعددة المساري الكهربائية عينات لعصبونات فردية يصل عددها إلى 48عصبونا لكل حيوان في  آن واحد موزعة عبر عدد من التراكيب العصبية المختلفة يصل إلى خمسة.

 

 

تقارب الإشارات وتلاقيها(******)

 

 إن تنبيه أشعار الشوارب الفردية على وجه الجرذ يكشف عن شبكة معقدة من التفاعلات الموزعة(11) عبر مجموعات من العصبونات  وعلى مر الزمن. وهكذا يتم تكويد المعلومات الحسية الواردة من شعرة شارب واحدة في نَسَق الاستجابات الزمانية المكانية بواسطة عدد كبير من الخلايا الموجودة في كل مكان بالجهاز الثلاثي التوائم للحيوان.

استجابات المجموعة العصبونية

بدلا من الاستجابة لشعرة شارب رئيسية واحدة فقط، يتفاعل 25 عصبونا في أعمدة  برميلية قشرية مخية مختلفة مع تنبيه أشعار شاربية مختلفة بأنماط استجابة متمايزة [أدناه]. يصور كل صف النشاط الكهربائي لخلية فردية بعد تنبيه شعرة الشارب.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/7-8/scan0005%5b1%5d.gif
 

استجابات المجموعة الخلوية

يُحدث تنبيهُ شعرةٍ شارب فردية موجاتٍ من النشاط الكهربائي في عناقيد خلوية برميلية الشكل في جذع الدماغ (SPv و PrV) والمهاد (VPM) والقشرة المخية (S1).

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/7-8/scan0005%5b2%5d.gif
 

مسارات الإشارات الثلاثية التوائم

يتم تعديل الإشارات اللمسية الواردة من الشعرة الشاربية بواسطة إشارات عصبية تنتقل على طول روابط جانبية ونازلة بين تراكيب الدماغ.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/7-8/scan0006%5b2%5d.gif

 

لقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يجري فيها على الإطلاق أخذ عينات حيزية على نحو شامل من المسار الحسي للحيوان. وقد كانت النتيجة واضحة بقدر ما كانت مثيرة للذهول؛ فانحرافات شعرة الشارب الفردية في الحيوانات اليقظة أطلقت موجات معقدة من النشاط الكهربائي، انتشرت عبر عدة عناقيد برميلية الشكل داخل كل تركيب من التراكيب العصبية الواقعة على طول الجهاز الثلاثي التوائم (انظر المؤطر في هذه الصفحة). لم يكن ما كنا نشاهده متناغما على الإطلاق مع انتقال المعلومات على طول خطوط موسومة ساكنة منعزلة عن بعضها؛ وإنما أوحت لنا نتائجنا بدلا من ذلك بالنموذج المعروف بالتمثيل الموزع أو بالكود العصبي المجموعي(12)، حيث لا يكون دماغ الجرذ قادرا على استخلاص معلومات حسية دقيقة وذات معنى عن البيئة المحيطة بالحيوان مباشرة إلا بضم أنشطة مجموعات كبيرة من العصبونات الفردية.

 

ولاختبار هذه المشاهدة (الملاحظة) إلى مدى أبعد، حاول <A.گزنفر> [وهو طالب دراسات عليا في مختبرنا] في منتصف تسعينات القرن العشرين، «قراءة» الرسائل المكودة التي ترسلها مجموعات العصبونات الثلاثية التوائم في الجرذ. وقد فعل ذلك بتغذية سلسلة من لوغاريتمات تمييز النسق الصنعية (المعروفة بالشبكات العصبية الصنعية artificial neural networks (ANNs)) بأنشطة الكثير من العصبونات القشرية المخية التي تم الحصول عليها أثناء التنبيه الميكانيكي للعديد من أشعار الشارب الفردية. في البداية قام <گزنفر> بتدريب واحد من اللوغاريتمات على استخدام نسق الإثارة الزمانية المكانية لمجموعات كاملة من العصبونات القشرية المخية لتصنيف مواقع منبهات شعرة الشارب الفردية؛ ثم بمجرد أن بلغت الشبكات ANNs مستوى عاليا من الدقة، قام بإدخال مجموعة جديدة من البيانات، ثم بقياس مدى جودة إمكانية تنبؤ اللوغاريتمات بموقع شعرة الشارب المنبهة. وعندما تمت تغذية الشبكات ANNs بأنشطة العصبونات الفردية منعزلة كانت دقة تنبؤاتها منخفضة للغاية. ولكن عندما تمت تغذيتها بالاستجابات المجتمعة لمجموعات العصبونات الفردية، تمكنت اللوغاريتمات بسهولة من التنبؤ بالموقع الصحيح لمنبه شعرة الشارب من محاولة واحدة.

 

وفي الوقت نفسه، كانت مختبرات أخرى تحصل باستخدامها مجموعةً متنوعة من الطرائق على بيانات تؤيد نتائجنا الكهربائية الفزيولوجية. ولقد واصل <گزنفر> مع <D. كروبا> [الحاصل على زمالة ما بعد الدكتوراه] جهودهما ليثبتا أول مرة أن إحصار النشاط العصبوني في القشرة المخية S1يؤثر في استجابات العصبونات VPM في المهاد، وهذا يوحي بأن إشارات الارتجاع(13) النازلة من القشرة المخية إلى النواة VPM  يمكن أن تؤدي أيضا دورا مهما في تعديل المعلومات الصاعدة من جذع الدماغ. وقد أدت هذه النتائج مع مثيلاتها إلى اقتراح مجموعتنا البحثية أن الاستجابات اللمسية للأشعار الشواربية المتعددة ذات الديناميكية العالية المشاهدة في كلٍ من العصبونات S1وVPM  كان يحددها عدد وافر من الإشارات المعدلة الصاعدة والهابطة والمتنقلة جانبيا والتي تتقارب للالتقاء عند كل واحد من هذه العصبونات في لحظة زمنية مختلفة.

 

 

 لن يتمكن الدماغ من استخلاص معلومات ذات مغزى إلا بضم أنشطة المجموعات العصبونية.

 

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/7-8/25.gif
طبقات القشرة المخية للجرذ

 

لقد كانت نتائجنا بالفعل بعيدة كل البعد عن نظرية الخط الموسوم ذي التغذية التقدمية المتزمتة(14). ولكن لا يزال الكثير من التنبؤات المشتقة من نموذجنا التقاربي الالتقائي اللاتزامني يتطلب اختبارات تجريبية مكثفة، وهذا قادنا إلى رحلة بحثية أخرى لعقد من الزمان نقوم فيها بتنبيه أشعار شوارب الجرذان بمجموعة من الوسائل لم يسبق تجربتها قط.

 

القرائن تؤخذ بعين الاعتبار(*******)

 

في عام 1998، قامت <E.فانسيلو> [وهي طالبة دراسات عليا في مختبرنا] بتصميم تقنية بارعة لقياس كيفية استجابة العصبونات S1 و VPM لمنبهات متشابهة في ظروف مختلفة في الجرذان الحرة الحركة. لقد تمكنت <فانسيلو> ـ عن طريق زرع مسرى كهربائي على هيئة قيد بالغ الصغر حول العصب تحت الحجاج، وهو فرع العصب الثلاثي التوائم الوارد من الأشعار الوجهية ـ من توصيل متتاليات دقيقة من النبضات الكهربائية إلى العصب في الوقت نفسه الذي تقاس فيه استجابات العصبونات S1 و VPM. وبعد ذلك قامت بقياس كيف تغيرت تلك الاستجابات العصبونية أثناء مختلف السلوكيات التي تظهر على الجرذان وهي تتجول تجوالها الروتيني اليومي. وكشفت هذه التجارب أنه عندما تحرك الجرذان أشعار شواربها تختلف جدا الطريقة التي تستجيب بها عصبوناتها القشرية المخية والمهادية للمنبهات اللمسية عن طريقة استجابتها عندما تكون هذه الحيوانات نفسها يقظة أو مخدرة.

 

وفي الجرذان الساكنة، كانت هذه العصبونات تستجيب للتنبيه على نحو تقليدي بمتتالية قصيرة من جهود الفعل الكهربائي (كمونات العمل)، تعقبها فترة زمنية طويلة الأمد يُثَبَّط فيها إطلاقها للدُّفْعات (الدفقات) العصبية بفعل تغيرات تحدث في أغشيتها الخلوية. ولكن <فانسيلو> وجدت أنه عندما تحدث الجرذان تحركا من أي نوع لأشعار شواربها، تطلق عصبوناتها القشرية المخية والمهادية الدفعات العصبية على نحو أكثر اطّرادا، استجابة لنبضة عصبية كهربائية فردية دون أي فترات تثبيط على الإطلاق.

 

لقد حثتها هذه الملاحظة على محاولة توصيل متتاليات من نبضتين كهربائيتين إلى العصب بدلا من متتاليات من نبضات فردية، وكانت النتيجة مذهلة. عندما كانت الجرذان يقظة ولكنها ساكنة ولا تحرك أشعار شواربها، كانت عصبوناتها القشرية المخية والمهادية تستطيع الاستجابة فقط للمنبه الأول من زوج المنبهات، في حين كان الآخر يُحْجَب بالتثبيط التالي للإثارة. ولكن عندما كانت الجرذان تحرك أشعار شواربها بنشاط، تمكنت عصبوناتها S1و VPM من الاستجابة بشكل  جيد جدا لكل من النبضتين الكهربائيتين، حتى عندما لم يكن يفصل بينهما إلا 25 ميكروثانية (25 جزءًا من المليون من الثانية). إن الانهماك في سلوك تحريك أشعار  الشوارب بخفة وسرعة قد غيَّر بوضوح خواص العصبونات، وهذا أتاح للقشرة المخية والمهاد تمثيل متتالية من المنبهات اللمسية تمثيلا صحيحا.

 

وفي أثناء هذه الفترة الزمنية، بدأ <كروبا> بالنجاح في تدريب الجرذان على أداء المهمة نفسها التي سوف تبرع في أدائها الجرذة إيش فيما بعد في غضون بضع سنوات. لقد قدمت هذه الطريقة وسيلة جديدة لاختبار فيما إذا كانت استجابات العصبونات تختلف أيضا، عندما يصبح لمهمة التمييز اللمسي النشيط للحيوان مغزى ومتطلبات أكثر، أي أكثر شبها بالحياة الحقيقية، مثل استخدامه شعرَ وجهه ليقدر قطر ثقب دائم التغير.

 

 

 

قراءة عقل جرذ(********)

 

 إن القدرة على التنبؤ بسلوك الجرذ تثبت أن لوغاريتم تعرّف النسق يستطيع أن يحل شفرة المعلومات الحسية المكودة في نشاط   الحيوان العصبي. فعندما تُغذَّى (تلقم) شبكة عصبية صنعية (ANN)  بتسجيلات من أدمغة  الجرذان المشتركة في التجربة المبينة في اليسار، فإنها يمكن أن تحدد فيما إذا كان الحيوان سيميز اتساع الفتحة تمييزا صحيحا أو لا. وكما هو متوقع، كان أداء الشبكة ANN (الرسم البياني) عند مستوى الصدفة قبل اقتحام الجرذان لحزمة الضوء عند مدخل الحجرة التجريبية [0 ثانية]. وبعد أن بدأت الحيوانات تستكشف الفتحة بواسطة أشعار شواربها [0.1 إلى 0.25 ثانية]، ارتفعت دقة تنبؤ اللوغاريتم بسرعة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/7-8/scan0035%5b1%5d.gif

 

 في هذه التجربة، استخدم الجرذ أشعار شاربيةلتحسس الفتحة المكونة بواسطة قضيبين متحركين يطوقان نتوءاً أنفياً NosePoke، ثم اتخذ الحيوان قراره بشأن تقدير حجم الفتحة بالبحث عن جائزة في غرفة خارجية في واحدة من محطتين كان قد تدرب بربطهما بـ <<ضيقة >> أو <<واسعة >>

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/7-8/scan0045%5b2%5d.gif

 

لقد أكدت نتائج <كروبا> ملاحظات <فانسيلو> السابقة ووسعت مداها؛ فعندما استخدمت الحيوانات أشعار شواربها استخداما نشيطا لتقدير قطر الفتحة، أظهرت نسبة مئوية كبيرة من عصبوناتها S1 و VPM استجابات قوية طويلة الأمد  بلا تثبيط. إضافة إلى ذلك، بدأت عصبونات متعددة في القشرة المخية تغير بشكل واضح معدلات إطلاقها للدفعات العصبية قبل أن تلمس أشعار شوارب الجرذان حافات القضبان بكثير، وهذا يوحي بأن حالة الجرذان السلوكية كانت تؤثر بالفعل في خواص العصبونات مُعِدَّة إياها للمهمة العصيبة الحاسمة التي أمامها.

 

  لقد قام <كروبا> بتغذية شبكة عصبية صنعية بأنماط الإثارة الزمانية المكانية لمجموعات العصبونات التي تم تسجيلها أثناء تنفيذ هذه المهمة، وذلك كبرهان نهائي يثبت أن هذه التأثيرات كانت أيضا جزءا من المعلومات المكودة للتغذية التقدمية والارتجاعية في داخل الجهاز الحسي للحيوان. لقد تمكنت الشبكة ANN بفضل اتحاد أنشطة نحو 50 عصبونا قشريا مخيا من التنبؤ بدقة بالغة  بقدرة الجرذان على تحديد اتساع الفتحة أو ضيقها تحديدا صحيحا في أي تجربة.

 

شبكة ديناميكية(*********)

 

إن قدرتنا على التنبؤ بسلوك الحيوان من أنماط الاستثارة العصبية وحدها قد أوحت لنا بأننا على المسار الصحيح نحو اكتشاف ترجمة للغة الجهاز العصبي. لقد كان جليا تماما أن دماغ الثدييات يعتمد على الأرجح على مجموعات عصبية واسعة الانتشار، تكونها على نحو ديناميكي خلايا متوافقة تماما، لتهب الحيوانات قدراتها الإدراكية الشديدة الحساسية بدلا من الاعتماد كليةً على نشاط عصبونات فردية متخصصة أو حتى أعمدة خطية من وحدات برميلية الشكل.

 

إن عضوية عصبون فردي في تلك المجموعات مرنة وسلسة على الأرجح ويمكن أن تتغير من لحظة إلى أخرى، كما يستطيع عصبون واحد أن يشترك في الكثير من هذه المجموعات في آن واحد. وتستطيع كذلك الخواص الاستثارية للخلايا الفردية أن تتغير باستمرار نتيجة لحالة المحيط الحسي والتجارب الإدراكية السابقة للحيوان وديناميكية دماغه الداخلية، سواء كانت تتخير العينات من البيئة المحيطة به إيجابيا أو سلبيا، وتوقعات الحيوان للمستقبل.

 

ونحن البشر نشترك مع الجرذان في الملامح الأساسية نفسها لبنية الدماغ  وفزيولوجيته وبيولوجية خلاياه؛ ونجتاز مثلها محيطنا الحسي بمساعدة شبكات عصبية معقدة، تُولِّد تصورات متعددة عن العالم المحيط بنا وتشكل الإدراك من لحظة إلى أخرى بمقياس دقيق وفقا للتغير في الانتباه والدوافع والحالة المزاجية وتأخذ في الحسبان تجاربنا الحسية السابقة.

 

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/7-8/27.gif

 

 

 كيف تستطيع أدمغتنا أن تمنح كل واحد منا هذا الوجود الفريد الذي يتعذر نسخه؟

 

ولكن كيف يمكن أن تنبثق جميع هذه النواتج الثانوية من التفريغات الكهربائية البالغة الصغر لبلايين العصبونات؟ كيف يمكن أن تجعلنا أدمغتنا نتصرف كلنا بمثل هذا التشابه في بعض الأوقات، ومع ذلك تمنح كل واحد منا وجودا فريدا يتعذر نسخه. وسوف يتفق معظم علماء الأعصاب على أن التفاصيل المعقدة لهذا اللغز سيظل يكتنفها غموض عميق لبعض الوقت.

 

ومع ذلك، أتاح لنا بالفعل عمل مجموعتنا البحثية ـ الرامي إلى حل شفرة الكود العصبي من وضع فهمنا السطحي لهذه اللغة قيد الاستعمال العملي ـ قراءة أنماط الاستثارة العصبية من القشرة المخية الحركية للفرد واستخدام لوغاريتمات الحاسوب لترجمة تلك المعلومات في الزمن الفعلي إلى تعليمات لتحريك ذراع إنسالة(15). إن أملنا هو أننا يوما ما، قريبا، سنبرع أيضا في تركيب واستعمال الكلمات والعبارات بالقدر الكافي لمخاطبة الدماغ. وسوف يتيح لنا ذلك على سبيل المثال صنع ذراع بشرية صنعية بديلة مُحَمَّلة بأجهزة إحساس لإرسال ارتجاع لمسي(16) إلى القشرة المخية الحسية الجسدية للشخص الذي يستعملها.

 

ومع أن حل شفرة الكود العصبي مازال بعيد المنال، فبإمكاننا حاليا فهم بضعة مقاطع لفظية واستخدامها، علما بأن ذلك لم يكن أمرا واقعا منذ 10سنوات فقط. إن واحدا من الأسباب المهمة التي تمكننا من استخدام هذه  اللغة بالفعل منذ الآن هو تكيفها المتأصل فيها والذي ينشأ بدوره عن خواص الاتصال المتشابكة خلال المجموعات العصبية. وحتى لو سقطت بضع كلمات، تستطيع الرسالة العبور والوصول بالطريقة نفسها تقريبا التي تستطيع بها شبكةُ تقانةٍ التعويضَ السريعَ عن فقدان بضع عقد.

 

لقد كان لتطور التجهيزات والمعدات التجريبية الأساسية تأثير حاسم في التقدم في هذا المجال. فقد كانت جهود علماء الأعصاب في العقود الماضية مقصورة على تسجيل نشاط العصبونات المنعزلة باستخدام مسارٍ كهربائية معدنية صلبة كانت تُتلف نسيج الدماغ إذا ما حُرِّكَت بعنف أكثر من اللازم؛ ومن ثم كان الباحثون مجبرين على دراسة نشاط الدماغ، في حين أن الحيوان مخدر أو على الأقل تم تسكينه وتقييده. أما الآن، وكما أثبتت التجربة الخاصة بمجموعتنا البحثية، فبمجرد أن تمكن العلماء من الإصغاء لعشرات العصبونات في تراكيب دماغية متعددة في آن واحد، أصبحت الرؤية الجديدة للنشاط العصبي، على أساس مجموعي، ممكنة. كما جعلت مواد المساري الكهربائية المرنة الجديدة الغرسَ الدائم لأجهزة تسجيل في الدماغ أمرا ممكنا، وهذا أتاح لنا اليوم الإصغاء إلى نشاط ما يقرب من 500 عصبون فردي  لفترات  زمنية طويلة في الحيوان اليقظ المنشغل بممارسة سلوكيات طبيعية.

 

ولا عجب أن مراقبة العصبونات كل على حدة قد تكون هي التي ساعدت على تبني وجهة النظر الخطية المركزية العصبون للاتصال العصبي. فتلك الطرائق البدائية القديمة يمكن تشبيهها بالاستماع لصوت واحد فقط أثناء تأدية مسرحية موسيقية مغناة (أوبرا). فمهما كان المغني المنفرد موهوبا، فسيجد المرء صعوبة في متابعة المسرحية. ولكن عندما تتجمع العصبونات في مجموعات عصبية كبيرة موزعة على نطاق واسع، فستمنحنا التآثرات الجماعية(17) لهذه العصبونات أوصافا بالغة  الدقة عن البيئة المحيطة بنا. وهكذا كلما فر جرذ من قِطٍّ مهاجم، كانت نجاته على  الأرجح بفضل سمفونية النبضات الكهربائية التي تُعْزَف في رأسه.

 

 

المؤلفان

Miguel A. L. Nicolelis – Sidarta Ribeiro

 

 لقد قاما باستقصاء التكويد العصبي معا عندما كان <ريبيرو> زميلا لما بعد الدكتوراه في مختبر <نيكوليليس> بجامعة ديوك. قام <نيكوليليس> [بصفته المدير المساعد لمركز ديوك للهندسة العصبية] و<W.A.دين> [أستاذة علم الأعصاب] بابتداع استخدام أغراس دماغية متعددة المساري الكهربائية لاستراق السمع لأنشطة أعداد كبيرة من العصبونات وتطوير طرائق حسابية لترجمة النتائج وتطبيقها. ويشترك كل من <نيكوليليس> و<ريبيرو> في ولعهما بنشر فوائد ووسائل علم الأعصاب المتقدم والمتطور. فهما مؤسسان مساعدان لمعهد ناتال العالمي لعلم الأعصاب في شمال شرق البرازيل. و<ريبيرو> هو المدير العلمي لمركز سيزار تيمولاريا للأبحاث والتعليم، وهو قسم بالمعهد يخطط أساسا لتجميع مؤسسة تدريب وأبحاث من الدرجة العالمية في علم الأعصاب، ومؤسسات للتعليم المدرسي والصحة العقلية والرياضة، ومتحف للعلوم، ومحمية طبيعية، لتشجيع التنمية الاجتماعية والاقتصادية في هذه المنطقة النائية من البرازيل.

 

 

  مراجع للاستزادة

Brain-Machine Interfaces to Restore Motor Function and Probe Neural Circuits. Miguel A. L.

Nicolelis in Nature Reviews Neuroscience, Vol. 4, pages 417—422; May 2003

 

Layer-Specific Somatosensory Cortical Activation during Active Tactile Discrimination

David J. Krupa et al. in Science, Vol. 304, pages 1989-1992; June 25, 2004

 

Global Forebrain Dynamics Predict Rat Behavioral States and Their Transitions. Damien

Gervasoni. Shih-Chieh Lin, Sidarta Ribeiro, Ernesto S. Soares, Janaina Pantoja and Miguel A. L

Nicolelis in Journal of Neuroscience, Vol. 24, No. 49, pages 11137—11147; December 8, 2004

 

International institute of Neuroscience of Natal: www.natalneuroscience.com

 

(*) SEEKING THE NEURAL CODE

(**) Deceptively Straight Lines

(***) Overview/ An Emerging Code

(****) Distributed Computing

(*****) A SENSORY NETWORK

(******) CONVERGING SIGNALS

(*******) Context Counts

(********) READING THE MIND OF A RAT

(*********) Dynamic Network

 

(1) crack

(2) action potentials

(3) labeled-line model

(4) strict feedforward circuit

(5) somatosensory cortex

(6) barrel shaped cluster

(7) receptive field

(8) neat linear view

(9) barrel fields

(10) cortical barrel field

(11) reactions distributed

(12) population neural code

(13) feedback، أو الاسترجاع؛ التغذية الراجعة؛ التلقيم المرتد.

(14) strict feedforward, labeled-line theory

(15) robot arm [انظر: “Controllining Robots with the Mind;” by Miguel A. L. Nicolelis – John K. Chapini; Scientific American, October 2002].

(16) tactile feedback

(17) collective interactions

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى