أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
فلك وعلم الكونيات

النفث العكسي للثقوب السوداء

النفث العكسي للثقوب السوداء(*)

يمكن لثقب أسود منفرد، أصغر من المنظومة الشمسية

في الحجم، أن يتحكّم في مصير عنقود كامل من المجرّات.

<W.تاكر> ـ <H.تاناباوم> ـ <A.فابيان>

 

 

لو رسمتَ خريطةً كبيرة للكون لبدت مثل خريطةِ شبكة الطرق العامة التي تصل بين الولايات المختلفة في الولايات المتحدة الأمريكية. فالمجرّاتُ تتراصف على شكل خيوطٍ تتقاطع فيما بينها ضمن الفضاء بين المجرّي(1) كما تتقاطع الطرق. وتوجد بين هذه الطرق مناطقُ قليلة الكثافة نسبيا تمثّل الريفَ الكوني. أمّا عند التقاطعات الكبيرة ـ حيث تتقارب خيوط متعددة ـ فهناك عناقيد مجرية(2)، أو ما يماثل المدن الكونية الكبرى.

 

إن حجم هذه العناقيد مرعبٌ. فبينما يستغرق الضوء ثانيةً واحدة ونيّف ليصل الأرض انطلاقا من القمر، ونحو ثماني دقائق إذا انطلق من الشمس، فإن الضوء الصادر عن مركز مجرّة درب التبّانة يستغرق 25000  سنة لكي يصلنا. ولكن حتى هذا الزمن يُعد ضئيلاً مقارنةً بالزمن اللازم للضوء لقطع المسافة بين طرفي عنقود مجري، والمقدّر بنحو 10 ملايين سنة. في الحقيقة، تُعد العناقيد المجرية أكبر الأجسام المتماسكة تثاقليا gravitationally في الكون. ومن الممكن للخيوط الشبيهة بالطرق أن تفوق العناقيد المجرية حجما، مع أنه لا يمكن اعتبارها، أي الخيوط، أجساما مترابطة ثقاليا gravitily.

 

إن التماسك التثاقلي يعني أن المجرّات والمادة الأخرى ضمن العنقود المجرّي المكتمل قد استقرت في حالة توازنٍ ديناميكي. وتتحرك المجرّات ضمن هذا العنقود دون أن تنفك منه؛ والذي يحول دون انفلاتها هو وجود المادة المعتمة(3): هذا النوع الغريب من المادة الذي لا دليل على وجوده إلاّ من خلال آثاره التثاقلية. وينجم عن تفاعل مختلف هذه المكوّنات داخل العنقود ظواهرُ عديدة وثرية، مازال الفلكيون في بداية استيعابها.

 

وكحال المدن الكبرى على الأرض، ليست العناقيد مجرّدَ مجموعٍ لقاطنيها؛ لأن السيروراتِ التي تحدث على مستوى العنقود تقرّر مصيرَ الأحداث التي تقع على مستويات أصغر، كنمو مجرّات معيّنة أو تزويد الثقوب السوداء الفائقة الكتلة(4)  والموجودة في مراكز هذه المجرّات بالوقود. وبدورها، تنفث الثقوبُ السوداء كمياتٍ هائلة من المادة بسرعات عالية جدا يمكنها أن تقود تطوّر العنقود المجرّي بمجمله. وللوهلة الأولى، تبدو هذه العلائق بين الأشياء الصغيرة والأشياء الكبيرة مثيرة للحيرة. فقُطْر كل ثقبٍ من الثقوب السوداء المعنيّة أصغرُ من قطر المنظومة الشمسية، ومن ثم تكون قدرتُها على التأثير في مصير العنقود المجري برمّته أشبهَ بحالِ حبة توت صغيرة تؤثّر في مصير كوكب الأرض بمجمله.

 

قضية الغاز المختفي(**)

 

تسمح هذه التفاعلات بتفسير كثير من الألغاز المزمنة في الحياة الحضرية للكون. ويعرف أحد هذه الألغاز بمسألة الجريان المتبرد(5)، ذات العلاقة بوجود غازٍ حرارته نحو عدة ملايين درجة ويملأ الفضاء الواقع بين المجرّات ضمن العناقيد المجرّية. إذا كانت المجرّاتُ ضمن العنقود المجرّي مماثلةً للمراكز المدنيّة في المدينة الكونية، فإن هذا الغاز يماثل الضواحي المحيطة بالمدن. وكحال الضواحي المحيطة بأكثر المدن الأمريكية، يُعد هذا الغازُ أكثرَ المناطق اكتظاظا وكثافةً: فهو يفوق في كتلته جميعَ نجومِ المجرّات ضمن العنقود.

 

ويُصدر هذا الغاز، الذي يتمّ تسخينه بصورةٍ رئيسية من خلال الانكماش التثاقلي(6)  البطيء للعنقود، أشعةً سينية. ونظرا لعدم قدرة المقاريب (التلسكوبات) الضوئية على رؤية هذا الغاز، ولأن الأشعة السينية لا تستطيع اختراق الغلاف الجوي للأرض، فإن اكتشاف ودراسة هذا الغاز قد اعتمدا على المراصد التي تدور حول الأرض. قبل نحو العقدين، لاحظ الفلكيون العاملون في مرصد آينشتاين السيني والتابع لوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا NASA)، وفلكيّو آلات أخرى حائمة، أن الأشعة السينية التي يصدرها هذا الغاز تحمل طاقةً كبيرة جدا، بحيث لا بدّ للغاز الفاقد للطاقة أن يبرد شيئا فشيئا ليعود ويستقر في قلب العنقود، ومنه تسمية مسألة «الجريان المتبرّد». كان <فابيان>  [أحد  مؤلفي هذه المقالة] من الرواد في دراسة هذه الجريانات باستخدام مرصد آينشتاين الحائم، ثم مركبة روسات ROSAT  الألمانية ذات الأشعة السينية أيضا. ووجد مع معاونيه أنه سيكون لهذه الجريانات تأثيرات مثيرة، فلو استمرّت لبليون سنة لشكّلَ الغازُ المتوضعُ في المناطق المركزية من العنقود تريليوناتٍ من النجوم الحديثة التكوّن.

 

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/10-9/52.gif
ليس من الحكمة النظر إلى ما ينفثه ثقب أسود فائق الكتلة، ذلك أن هذا النفث يولِّد فقاعات من الغاز الحار الذي تكافئ طاقته طاقة ملايين أو بلايين النجوم المستسعرة.

 

ولكن المشكلة الوحيدة هي أنه لم يكن بإمكان أحد أن يجد هذه النجوم. وقد بحث الفلكيون عبثا عن مقاديرَ كبيرة من غاز متبرّد، أو عن قبائل من نجوم حديثة التكوّن، ولكن دون جدوى. لو أن ثقبا أسود ابتلعها جميعها لصار ثقله يزن مقدارَ تريليونٍ من النجوم، ولكن حتى أكبر الثقوب السوداء لا تبلغ هذا الثقل. وقد ظلّ باحث آخر منا (تاكر) على اعتقاده في أن هذه التدفّقات المتبرّدة، الكبيرة في الحجم، لم تحدث وهي غير موجودة على المدى الطويل. وأحد التفسيرات المحتملة لذلك هو أن انبعاثات الطاقة على المدى الطويل من المجرة التي في مركز العنقود المجري قد أدت إلى تسخين الغاز، ومن ثم إلى إيقاف هذا التبريد الإشعاعي. وعلى مدى سنوات قام فلكيو الموجات الراديوية بتجميع الشواهد لمثل هذا النشاط. ولكن لم يُعرف فيما إذا كانت هذه الانبعاثات قادرةً على تزويد طاقةٍ لمنطقةٍ كبيرة في الحجم تكفي لإيقاف الجريانات المتبرّدة. ويبقى اللغز قائما: يجب على الغاز ضمن العنقود أن يتبرّد، ولكننا لم نستطع اكتشاف المنتَج النهائي لهذا التبرّد.

 

 كان حلّ هذا اللغز أحدَ أهم أهداف إطلاق مقرابين يعملان بالأشعة السينية عام 1999: مرصد تشاندرا Chandra ذي الأشعة السينية والتابع للوكالة ناسا ومرصد XMM-Newton  التابع لوكالة الفضاء الأوروبية. ولكون الغاز في العنقود يُشعّ طاقته نحو الخارج بشكل بطيءٍ نسبيا فإنه يحتفظ بسجلٍّ للفعاليات التي حصلت في العنقود خلال بلايين السنين القليلة الماضية. فعلى سبيل المثال، يحتوي هذا الغاز على العناصر والطاقة التي حُقنت فيه من انفجارات المستسعرات(7)  التي حدثت ضمن مجرّات العنقود. وكحال علماء الآثار الذين يستكشفون الماضي من خلال الأحافير (المستحاثات)، فإن الفلكيين يستخدمون هذه المقاريب الحديثة لينقبوا في الأشلاء والآثار المتبقيّة من مجرّات العنقود من أجل معرفة تاريخها.

 

فقاعة، فقاعة(***)

 

إن العنقود الأكثرَ سطوعا والذي تمّ اكتشافه باستخدام الآلات التي تعمل بالأشعة السينية هو عنقود پيرسوسPerseus ، وذلك بسبب سطوعه الذاتي الكبير وقربه النسبي إلى الأرض (نحو 300 مليون سنة ضوئية). لقد اكتشف مرصد روسات خلال التسعينات ثقبين كبيرين في الغاز الذي يتم ملاحظته بالأشعة السينية، وذلك في المنطقة المركزية من العنقود والتي يبلغ قطرها نحو 50000  سنة ضوئية. ويبدو الثقبان كساعةٍ رمليةٍ متوضعة على المجرة الضخمة NGC1275. وقد أعاد <فابيان>  ومعاونوه هذه الملاحظة، باستخدام مرصد تشاندرا هذه المرة، وقاموا بفحص الثقبين بتدقيق أكبر. وقد أظهرت بيانات تشاندرا الفجوتين بكلّ تفاصيلهما، موضحة اصطفافهما مع نفث الموجات الراديوية، التي تمّت ملاحظتها سابقا والمنبعثة من مركز المجرّة الضخمة. وفجوتا الأشعة السينية هاتان ليستا فارغتين، بل هما مملوءتان بحقول مغنطيسية وجسيمات عالية الطاقة، مثل الپروتونات والإلكترونات. وترتفع وتعوم هاتان الفجوتان النشيطتان والمنخفضتا الكثافة لتضعا جانبا الغاز الحارّ الذي يُصدر الأشعة السينية.

 

وتحتوي عناقيد أخرى كذلك على فقاعات. وقد كشفت أرصاد مرصد تشاندرا عن وجود فجواتِ أشعةٍ سينية بانبعاثات راديوية مصاحبة لها وذلك في العناقيد: هايدرا  Hydra A وهرقل Hercules A  وأبيل 2597 Abell. وقد كشفت المراقبات كذلك عن وجود فقاعات باهتة، سواء تمّت رؤيتها باستخدام الموجات الراديوية أو باستخدام الأشعة السينية، ممّا يدلّ على أن الجسيمات ذات الطاقة العالية داخلها قد فقدت غالبية طاقتها. وقد انفصلت “الفجوات الشبحية” هذه عن المجرّة المركزية، ويمكن أن تكون أثرا لمخلّفات فقاعات سابقة.

 

إن الفعاليةَ الأكثرَ لفتا للنظر والتي تمّت رؤيتها عبر مرصد تشاندرا، هي ما اكتشفه  <R.B.ماكنامارا> [الذي يعمل في جامعة واترلو  بأونتاريو] ومعاونوه، في العنقود MS 0735.6+7421 (وسندعوه اختصارا MS 0735). ومع أن صورة هذا العنقود ليست بوضوح صورة عنقود پيرسوس، فإنها تخبرنا قصة مذهلة. يبلغ قطر كلٍّ من فجوتي الأشعة السينية للعنقود نحو 600000  سنة ضوئية، أي أكبر بستّ مرّات من قرص مجرتنا درب التبّانة. ويدلّ حجما هاتين الفجوتين وكثافتاهما الملاحَظتان ودرجة حرارة الغاز المحيط بهما على أن عمرهما يبلغ نحو 100 مليون سنة ضوئية، وعلى أنهما تحتويان على طاقة حركية ضخمة مكافئة لطاقة 10 بلايين من المستسعرات. وحتى الفلكيون الذين اعتادوا التعامل مع البلايين والتريليونات يصابون بالدهشة من ضخامة هذه الفقاعات وما تمثّله من طاقة عملاقة.

 

 

 إن قدرة ثقبٍ أسود على التأثير في مصير عنقودٍ مجرّي برمّته أشبهُ بحال حبة توت صغيرة تؤثّر في مصير كوكب الأرض بمجمله.

 

 

 

نظرة إجمالية/فقاعاتعملاقة(****)

 

  اكتشف الفلكيون، من خلال استخدامهم مقاريب تعمل بالموجات الراديوية وبالأشعة السينية، فقاعاتٍ ضخمة تحوي جسيمات عالية الطاقة ويزيد قطرها على مئات آلاف السنين الضوئية. ويتجاوز المقدارُ اللازم لتكوين هذه الجسيمات حدا يفوق الوصف والتصديق كما لو أن100 مليون نجم صارت  مستسعرًا دفعة واحدة.

  الشيء الوحيد القادر على تكوين مثل هذا العملاق هو ثقب أسود ضخم. فليس كلّ ما يقترب من الثقب الأسود مصيره الفناء، إذ إن الغاز الحارّ والممغنط والذي يدوّم بشكل قرص نماء(8) نحو الثقب الأسود، يخضع لقوى  كهرمغنطيسية آخذة بالنمو تلفظُ قسما من الغاز خارجا على شكل نَفْث ضيق(9).

لا تكوّن النفوث فقاعاتٍ فحسب، بل إنها تمنح الحرارةَ والطاقةَ المغنطيسية إلى الغاز الواقع بين المجرّات ضمن العنقود المجرّي، ممّا يسمح بتفسير أحجيات في الفلك استعصى حلّها إلى الآن. ويبدو أن هذه السيرورة هي جزءٌ من دورةٍ تستغرق عدة ملايين من السنين لإتمامها، وهي ما ينظّم نمو المجرّات الفائقة الضخامة في مراكز العناقيد المجرّية.

 

 

 وهذه الطاقة تكفي لحلّ لغز الجريانات المتبرّدة. وفي الحقيقة، لقد استخدم<R.J.پيترسون> [الذي يعمل في جامعة پيرديو] وآخرون، أطيافا تمّ قياسها بواسطة المقراب  XMM  ليبيّنوا عدم إمكانية حدوث الجريانات المتبرّدة في العناقيد التي تحوي مثل تلك الفقاعات ـ وهذا دليل قوي على أن الفقاعات توقف تبرّد الغاز. ولكن هناك حلقة مفقودة في هذه الحجّة : كيف يتم انتقال الطاقة من الفقاعة إلى الغاز؟

 

هناك إجابة واضحة عن السؤال السابق، وهي أن الفقاعات تولّد موجات صدمٍ قوية مماثلة للانفجارات على الأرض وانتشارها في الغلاف الجوي. فعندما تندفع المادة الحاملة للطاقة والناجمة عن الانفجار نحو الغلاف الجوي بسرعات فوق صوتية، فإنها تجرّ معها الهواء المحيط بها ليشكّل غلافا رقيقا حولها. وتسبب الاصطدامات بين الجسيمات المنجرّة تحوّلَ الطاقة الحركية إلى حرارة. وكذلك فقد تمت ملاحظة موجاتِ صدمٍ قوية ضمن ظواهر كونية متنوعة، مثل مخلّفات انفجارات المستسعرات.

 

   ويُقال إن <H.L.مينْكن> لاحظ أنه «لكل مسألة معقدّة هناك إجابة واضحة وبسيطة ولكن خاطئة.» ولسوء الحظ، يبدو أن ظاهرة تسخين غاز العنقود من خلال موجات الصدم القوية تنطبق عليها هذه الملاحظة. فالمقاريب لا ترصد أيا من تلك الأغلفة الرقيقة الحارّة التي كان سيولّدها هذا التسخين. ومن المحتمل أيضا أن يكون التسخين بواسطة موجات الصدم القوية متركزا على المناطق المركزية من العنقود بصورةٍ لا تكفي لإيقافِ تبريدِ غازِ العنقود الذي يحصل على نطاق واسع.

 

بيد أن هناك آلية أكثر احتمالاً لنقل الطاقة، وهي التسخين عبر الموجات الصوتية. فقد يكون الغاز بين المجرّات داخل العناقيد مخلخلاً وقليل الكثافة بالنسبة إلى مقاييسنا البشرية (فهو مكافئ لوجود بضعة آلاف من ذرات الهدروجين لا غير في المتر المكعب)، ولكنه لا يزال يسمح بانتشار الموجات الصوتية فيه. وتتطوّر هذه الموجات لتصبح موجات صدمٍ ضعيفة، تكون بالكاد فوقَ صوتية، وتقوم بتسخينٍ لطيفٍ للغاز.

 

 

 

تشريح بنية العنقود المجرّي(*****)

 

إن أكبر الأشياء التي تستحق أن تُسمى «أشياء» هي العناقيد المجرية. ويتألّف العنقود من نحو 1000 مجرّة تجول وتدور ضمن كرة من الغاز الحارّ (اللون الأحمر) مثل النحل في خليته، في حين تمنعها الثقالة من التبعثر. وتوجد في مركز العنقود مجرّة ضخمة – حيث تحدث في هذا المركز أعنف السيرورات الفيزيائية في الكون الحديث.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/10-9/0007.gif

 

تفسّرُ دورةُ التسخين والتبريد سببَ عدم رؤيتنا لتلك النجوم. وتعيد نفوث الثقب الأسود الطاقةَ إلى الغاز وتوقف بذلك تدفّقَ هذا الأخير نحو الداخل.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/10-9/Copy%20of%200007.gif

 

عندما تحمل الأشعةُ السينيةُ الطاقةَ للخارج، يتبرّد الغاز في العنقود ويبدأ بالتدفّق نحو الداخل. ومع مرور بلايين السنين، لا بدّ أن تتشكّل نجوم جديدة من هذا الغاز المتبرّد، ولكننا لم نرَ إلاّ ما ندر من مثل هذه النجوم.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/10-9/Copy%20(2)%20of%200007.gif

 

 

ومن خلال معالجةٍ خاصة لصور عنقود پيرسوس، وجد <فابيان> ومعاونوه المدفعَ الدخاني لهذه الفكرة، ألا وهو وجود متسلسلة من التموّجات الوحيدة المركز تقريبا. تتغيّر كثافة الغاز وقيمة ضغطه بشكل فجائي عند التموج الأقرب إلى الداخل، في حين لا تعاني درجة حرارته هذا التغيّر، ممّا يدلّ على كونه موجةَ صدمٍ ضعيفة. وتتغيّر قيم الكثافة والضغط بشكل تدريجي عند التموّجات الخارجية الأبعد، ممّا يدلّ على كونها موجات صوتية. وتقتضي المسافةُ الفاصلة بين التموجات (35000  سنة ضوئية) وحسابُ سرعة الصوت في الغاز (1170 كيلومترا في الثانية)، مرورَ 10  ملايين سنة بين الحوادث المولدة للتموّجات. والمكافئ الموسيقي لطبقة الصوت هذه هو علامة «سي بيمول» في السلّم الموسيقي الذي يدنو علامة «دو» المركزية بـ 57 أوكتاف (سلّم موسيقي). وما يَنقُص هذه الموجات الصوتية من عذوبة موسيقية يتمّ التعويض عنه من خلال طاقتها وقوتها.

 

 وتُلاحَظُ الظواهر نفسها في عنقود کيرگو  Virgoوهو العنقود الأقرب إلينا، حيث تفصلنا عنه مسافة 50 مليون سنة ضوئية تقريبا. لقد تمكّن <W.فورمان>  ومعاونوه [في مركز هارکارد سميثونيان للفيزياء الفلكية] باستخدام مرصد تشاندرا، من رؤية المجرّة المركزيةM87  والرئيسية ضمن هذا العنقود. لقد وجدوا عالَما من البنى السلكية، كلّ منها بعرض 1000 سنة ضوئية وبطول 50000  سنة ضوئية. ومن الممكن أن تكون هذه الأسلاك، كحال التموجات في عنقود پيرسوس، ناتجةً من موجات صوتية ولّدتها سلسلة من فقاعات ناجمة بدورها عن انفجارات نحو الخارج ـ وتفصل بين الواحد منها والآخر الذي يليه فترةُ ستة ملايين سنة. وهكذا تعلو الدرجة الموسيقية لهذه الموجات الصوتية بمقدار أوكتاف (سلّم) واحد عن مثيلاتها في عنقود پيرسوس. وكذلك اكتشف فريق<فورمان> انبعاثا ساخنا على شكل حلقة نصف قطرها نحو 40000  سنة ضوئية، ومن الجائز أن تكون جبهةً لموجة صدم ضعيفة. كما وجدوا باستخدام الأشعة السينية فجوةً ضخمة تبعد نحو000 70 سنة ضوئية عن مركز المجرة.

 

وتغيّر السؤالُ الآن وأصبح يتعلق بكيفية قيام الطاقةِ الموجودة في الموجات الصوتية بتسخين الغاز. وقد يكمن الحل في عدمِ تغيّرِ درجةِ حرارةِ التموجات الداخلية في عنقود پيرسوس عبر جبهةِ الصدم. ويمكن للنقل الحراري أن يحملَ معه بعيدا وسريعا طاقةَ جسيماتِ الغاز التي سخّنتها موجات الصدم، أو يمكن للإلكترونات ذات الطاقة العالية التي نفذت من الفقاعات أو أفلتت من وراء الموجات أن تتسرّع وتنطلق بعيدا لتسخّن الغاز. وأي من السيرورتين تمنع درجةَ الحرارة عند جبهة الصدم من الازدياد.

 

أعاصير كهرمغنطيسية(******)

 

مع ذلك، فإن السؤال الأكبر هو ما سبب وجود الفقاعات بدايةً؟ هناك نوع واحد من الأشياء يمكن علميا أن يولّد مثل هذه المقادير الكبيرة من الطاقة وهو ثقب أسود فائق الكتلة. ومع أن غالبية الناس تفكّر بالثقوب السوداء على أنها البواليع الذروة، فإنها يمكن كذلك أن تجمع المادة ثم تنفثها خارجا بسرعات كبيرة. وتبقى المسألة المتعلقة بكيفية فعل الثقوب لذلك موضوعَ بحثٍ ودراسة مكثفين في السنوات الماضية.

 

وتبيّن سيرورات المحاكاة أن الثقب الأسود يمكن أن يؤدي دور محرّك عملاق. فالغاز الذي يسقط داخل هذا المحرّك يزيد من سرعة دورانه، وعندها تحوّل الحقولُ المغنطيسية هذه الطاقةَ الدورانية إلى حركة خطية مسببةً قذف جزء من الغاز. وأول من اقترح هذا السيناريو في أواخر السبعينات هو <D.R.بلاندفورد>[في جامعة ستانفورد] و<R.زناجيك> [وكان عندها في جامعة كامبردج، ثم ترك العالَمَ الأكاديمي من حينها]. إن الثقب الأسود الدوّار يسبب ليا في بنيةِ نسيجِ الفضاء حوله، ممّا يُجبر الحقول المغنطيسية في الغاز الساقط للداخل على اتّخاذ شكل قِمع، فنحصل على إعصار كهرمغنطيسي يقذف خارجا حقولاً وجسيمات مشحونة ضمن نَفْثين متعاكسين. أما الثقوب الدوّارة ببطء فتطلق نفوثًا ضعيفة؛ فتستمرّ غالبية الغاز الساقط في طريقها نحو الثقب لتُفقَدَ إلى الأبد. وخلافا لذلك، تُطلِق الثقوبُ السوداء السريعة التدويم ربعَ الغاز الساقط تقريبا نحو الخارج.

 

ونتوقّع للثقوب السوداء الفائقة الكتلة والمتوضعة في مراكز المجرّات أن تدوّم خلال استزادتها للكتلة عبر امتصاصها للغاز. وعندما يبتلع الثقبُ كميةً كافية من الغاز بحيث تتضاعف كتلته فإن أفقه، أو حدّه الخارجي، ينبغي أن يتحرك دورانيا بسرعة قريبة من سرعة الضوء. ووفقا لنظرية آينشتاين في النسبية، لا يمكن للثقب أن يصل إلى سرعة الضوء مهما كانت كمية الغاز التي التهمها، ومن ثم فإن أيَّ قطعة إضافية مكتسَبة من الغاز سينجم عنها تأثير متناقص. وتؤكّد طرقٌ متنوعة في الرصد من أجل تقدير تدويم الثقوب السوداء أن كثيرا من هذه الأخيرة تدور حول نفسها بسرعة كافية لإطلاق نفوث قوية وفق السيناريو السابق. ويمكن لظاهرة مماثلة أن تحدث على مستويً أصغر؛ فالثقوب السوداء النجمية الكتلة، أي التي تقارب كتلُها كتلةَ دزّينة من الشموس (عوضا عن بلايين منها)، يمكن أن تضخّ خارجا نفوثا قوية من جسيماتٍ بسرعات قريبة من سرعة الضوء، ممّا يسخّن الغاز المحيط ويدفعه جانبا.

 

وتبيّن الحساباتُ أن نفوث الثقوب السوداء لها مركّبتان أساسيتان: تدفّقٌ، أغلبه مادي، للخارج ويتحرّك بسرعة مقاربة لثلث سرعة الضوء مشكّلاً الغلاف الأبعد من القِمع، أمّا المركّبة الأخرى فهي المنطقة الداخلية على طول محور القِمع وتحتوي على غازٍ مخلخل لجسيمات بطاقات عالية جدا. إن المنطقة الداخلية هي ما يحمل القسم الأكبر من الطاقة ويخلق البنى الدرامية التي يراها فلكيّو الأشعة السينية أو الموجات الراديوية.

 

 إن إحدى أهم الخصائص المدهشة لنفوث الثقوب السوداء هذه هي قدرتها على المحافظة على شكل قلم الرصاص الذي لها حتى بعد اجتيازها مسافات من رتبة مئات آلاف السنين الضوئية، بعيدا عن نطاق مجرّاتها الأولية بكثير. وإضافة إلى ذلك، تنجحُ النفوث في تحقيق هذا الأمر، وهي بالكاد تُشعّ أية مقادير من الطاقة التي تحملها. ومن الممكن لضغط الغاز قرب الثقب الأسود أن يولد نفثا على شكل حزمة ضيقة، ثم يقوم القصور الذاتي بإبقاء النَّفْث ضيقا، تماما كما ينبثق الماء من خرطوم سقاية أو كما يتدفّق البخار من غلاية الشاي ذات الضغط العالي. وكذلك يمكن للحقول المغنطيسية الملتفّة والمتراصّة التي تنطلق خارجا مع النفث أن تؤدي دورا في تحقيق هذه الخاصة.

 

 

 

أقوى المحرّكات المعروفة علميا (*******)

 

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/10-9/0008.gif

ليست الثقوب السوداء مجرّد بواليع كونية، بل إنها أيضا محرّكات تحوّل الطاقة الدورانية إلى حركة خطية. وتنقل المادةُ الساقطةُ نحو الثقب تدويمَها إلى تدويم الأخير، ممّا يجعل حدَّه الخارجي يتحرّك بسرعة قريبة من سرعة الضوء. وعندئذ يُقمِّع(10) الحقلُ المغنطيسي  للثقب بعض المواد الساقطة نحوه وينفثها خارجه. ويمكن لثقبٍ سريع التدويم أن يُطلقَ وحدةً غازيةً من أصل كلّ ثلاث وحدات يلتهمها

 

وبغضّ النظر عن آلية الاحتجاز، فإن ضغط الغاز الذي يتحرّك ضمنه النفث سيفرض نفسه تدريجيا لتتباطأ النفوث وتعرض وتنتفخ مكوّنة غيوما ضخمة من الجسيمات ذات الطاقة العالية والممغنطة. وتستمرّ هذه الغيوم بالاتّساع مُزيحةً للخارج الغازَ المحيطَ فتخلق بذلك الفجواتِ المعتمة، التي تم رصدها بالأشعة السينية في مرصد تشاندرا.

 

الدورة الهدرولوجية الكونية(********)

 

إن الأحداث المتعاقبة ـ التي تبدأ بسقوطِ غازٍ داخل ثقب أسود سريع التدويم، لينجم عن ذلك نفوث ضخمة تتحرّك نحو الخارج، مشكلةً فقاعاتٍ عملاقة من جسيماتٍ بطاقات عالية، تقوم بتسخينِ مناطقَ واسعة من الفضاء ـ تمثّل سيرورةَ نفثٍ عكسي لنسب كونية حقيقية. إن الثقبَ الأسود لا يستجيب فحسب للأحداث، بل يؤثِّر بدوره في هذه الأحداث التي تحصل على مستوى العنقود المجرّي برمته.

 

 وأحد السيناريوهات المحتملة هو الآتي: في البداية، يكون الغازُ في العنقود المجرّي حارا جدا ويكون الثقبُ الأسود الفائقُ الكتلة الموجودُ في مجرّة ضخمة هادئا. وخلال نحو 100 مليون سنة، يبرد الغازُ الموجود في المناطق المركزية للمجرة ويأخذ بالانجرار نحو المجرّة المركزية في جريان متبرّد. ويتكاثف قسمٌ من هذا الغاز في الجريان المتبرّد ليشكّل نجوما تصبح لاحقا جزءا من المجرّة المركزية، في حين يغوص قسمٌ آخر ويكمل الطريقَ إلى آخره ليُغذيّ الثقبَ الأسود الفائق الكتلة. وعبر هذا الفعل، يخلقُ الغاز قرصَ استزادةٍ للثقب ويؤدي إلى إطلاق نفوث بطاقة عالية.

 

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/10-9/Untitled-2%20copy.gif
يبدو عنقود پيرسوس ساكنا عندما يُرى باستخدام الضوء المرئي (في اليمين) ولكن الحياة تدبّ فيه عندما يُرصد باستخدام الأشعة السينية (في الوسط). يمتلئ الفضاء الواقعُ بين المجرّات بغازٍ حارّ تحيكه عُرى وأسلاك وأشرطة مضيئة. وتستقرّ في قلب المجرّة المركزية  NGC 1275فقاعتان تبدوان فارغتين، ولكنهما في الحقيقة تحتويان على جسيمات بطاقات عالية. ومن خلال زيادة التباين في الصورة (في اليسار) تتبدّى تموجاتٌ نعتقد أنها موجات صوتية تنقل الطاقةَ إلى الغاز الواقع بين المجرّات. ومن أجل رؤيةٍ ديناميكيةٍ للصور، تصفّحِ الموقعَ: chandra.harvard.edu/photo/2003/perseus/animations.html

 

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/10-9/Untitled-3%20copy.gif
إن أقوى الانفجارات التي تمّت مشاهدتُها حدثت وتستمرّ في حدوثها في العنقود MS 0735 منذ 100 مليون سنة. وتُعتبر الفقاعتان (اللون الأزرق) في هذه الصورة المركّبة والتي حصلنا عليها باستخدام الأشعة السينية والموجات الراديوية معا، أقوى بـ 250 مرّة من مُماثِلَتَيها في عنقود پيرسوس. 

تعوّض النفوث إلى خارج المجرّةM87  في عنقود کيرگو عن ضعفها النسبي ـ حيث إن طاقتها لا تتعدّى 0.01 في المئة من طاقة مثيلاتها في العنقودMS 0735  بأشكالها وتفاصيلها المتنوّعة. فهناك نفوث بشكل ريشٍ ملتوٍ (وقد تكون هذه بقايا من انفجارات سابقة) أو بشكل أقواس (قد تكون موجات صدمٍ shock waves) أو بشكل حلقاتٍ ضعيفة (قد تكون موجات صوتية).

 

 

وتنطلق النفوث من داخل المجرّة لتصل خارجها، حيث يوجد غازُ العنقود المجرّي، فتتحول طاقتُها إلى حرارة؛ ثم تُنقص هذه الحرارةُ من شدّة الجريان المتبرّد، إن لم توقفه نهائيا. يشبه الأمرُ إذًا عضَّ اليد التي تمتدّ إليك: ذلك أن إيقاف الجريان المتبرّد يؤدي إلى إيقاف تزويد الثقبِ الأسود الفائقِ الكتلة بالغاز، ويعود الثقب تدريجيا إلى حالة الهدوء. وتتخامد شيئا فشيئا النفوث، ممّا يحرمُ غازَ العنقود من مصدر الحرارة. وبعد مرور ملايين أخرى من السنين، يكون خلالها قد تبرّد الغاز الحارّ والموجود في المنطقة المركزية من العنقود بشكلٍ كافٍ ليبدأ فصلٌ جديد من النمو للمجرة وثقبها الأسود الفائق الكتلة، مما يؤدي إلى استمرار الدورة.

 

وتدعم هذا السيناريو صورٌ بقدرةِ تحليل عاليةٍ  لعنقودي کيرگو وهيدراHydra وعناقيد أخرى أُخذت باستخدام الأشعة السينية أو الموجات الراديوية. فهذه الصورُ تُقدّم دلائل على وجود انفجارات متكررة تحدث بالقرب من الثقوب السوداء الفائقة الكتلة الموافقة للمجرّات المركزية. إن وجود الحلقات المغنطيسية والفقاعات والأشياء ذات الشكل الريشي والنفوث، بأحجام متفاوتة تراوح من بضعة آلاف إلى مئات الآلاف من السنين الضوئية، يؤدي إلى حدوث هذا النوع من النشاط العنيف داخل العناقيد المجرّية خلال فترةٍ تمتدّ إلى مئاتٍ من ملايين السنين.

 

 وإحدى النتائج المذهلة هي أن الثقوبَ السوداءَ الفائقة الكتلة لا تزال تنمو وتكبر بمعدّل سريع حتى يومنا هذا، في حين كان الفلكيون يعتقدون سابقا أن نموّها قد تناقص. وفي حالة العنقود MS 0735، يدل هذا النشاط على أن الثقبَ الأسود الفائق الكتلة قد ابتلع ما يكافئ 300 مليون شمس خلال 100 مليون السنة الماضية ـ وبذلك يكون قد ضاعف من حجمه وكتلته في هذه الفترة القصيرة نسبيا. ومع ذلك، لا دلائل على وجود أنواع أخرى من النشاط في الثقب الأسود المركزي هذا، كأن يُصدر أشعةً سينية ساطعةً أو ضوءا مرئيا كما تفعل عادةً الثقوب النشيطة. ونستطيع كشف خواص هذا النظام اللااعتيادي فقط من خلال الفجوات التي تم رصدها بالأشعة السينية.

 

نتائج كونية(*********)

 

 ومما يؤكد هذا السيناريو وجود التصادمات المجرّية التي تحدث دائما في المناطق المركزية من العناقيد المجرية. فعندما تمرّ مجرّة صغيرة نسبيا بالقرب من المجرّة المركزية الضخمة بدرجة كافية، فإنها تتمزّق إربا، فتلتحق نجومُها بالمجرّة الأكبر ويضيع قسمٌ من غازها في بالوعة الثقب الأسود؛ أمّا ثقبها الأسود المركزي فيلتحم مع ذلك الموجود في المجرّة الضخمة. إن الفجوات الضخمة التي لاحظناها في العنقود MS 0735، يمكن أن تكون الناتجَ النهائي لسلسلة أحداثٍ بدأت عندما التحمت مجرّةٌ بالمجرّة المركزية فأدّت إلى تدفّقٍ ضخمٍ من الغاز نحو الداخل باتّجاهِ ثقبٍ أسودَ فائقِ الكتلة.

 

يمكن أن يساعدَ دورُ التصادمات في العناقيد المجرّية العلماءَ على فهم تطوّر المجرّات في الكون في مراحله المبكرة. وبمعنى ما فإن العناقيد عبارة عن أحافير (مستحاثات) حيّة، لأنها تمثّل الأمكنة الوحيدةَ في الكون التي تحتوي على الشروط التي كانت سائدة قبل بلايين السنين عندما كانت المجرّاتُ أقربَ بعضها إلى بعض منه الآن، وعندما كانت حوادثُ الالتحام والاتّحاد أكثرَ شيوعا. وتبّين أعدادٌ متزايدة من الأبحاث أن كثيرا من مظاهر تشكّل المجرّات وتطوّرها ـ أي حجم المجرّات وشكلها ومعدّل تشكّلها ـ يمكن أن يفهم من خلال افتراض وجود دورة كونية تتضّمن اتّحاد المجرّات والتحامها. فقد بيّن <F.Ph.هوپكن>  ومعاونوه [في مركز هارکارد-سميث للفيزياء الفلكية]، من خلال سيرورات المحاكاة التي أجروها باستخدام حواسيب ضخمة، أن اتّحاد المجرّات الغنية بالغاز يدفع إلى تشكيل أعدادٍ كبيرة من النجوم وإلى حدوث تدفّقات غازية نحو الداخل باتّجاه المنطقة المركزية. ويؤدّي الغاز الساقط نحو الداخل إلى نموٍ سريعٍ للثقب الأسود الفائق الكتلة وإلى زيادةٍ في الإشعاع الصادر عن المنطقة المحيطة به. وبدوره يرمي هذا النفثُ العكسي مقاديرَ كبيرةً من الغاز خارج المجرّة ليتباطأ تشكّلُ النجوم بشكلٍ مفاجئ، ممّا يُنقص ويبطِّئ نموَّ الثقب الأسود ـ ويستمرّ ذلك إلى أن يحدث التحامٌ آخر.

 

  لقد حدث القسم الأكبر من سيرورة التغذية الراجعة(10) هذه والتي تحكّمت في تطوّر المجرّات في الماضي قبل نحو 8 إلى 10 بلايين سنة. ومن حينها، صار الكون أرقّ بكثير (من خلال اتّساعه وتمدّده ومن خلال ندرة سيرورات تشكّل المجرّات) ـ باستثناء داخل العناقيد. إن سيرورات النفث العكسي في العناقيد مشابهة (وإن كانت غير مطابقة) للسيرورات التي حدثت في الكون القديم، تسمح للفلكيّين بدراسة النفوث والفقاعات والموجات التي تحكّمت في مصير مجرّتنا ومجرّات أخرى.

 

قد يبدو غريبا أن تؤّثر الثقوب السوداء الفائقة الكتلة التي تراوح كتلها بين بضعة ملايين ومئات الملايين من كتلة الشمس، في المجرّات التي تراوح كتلها بين بضعة بلايين وبضع مئات البلايين من كتلة الشمس، هذا إذا لم نذكر تأثيرها في مصير العناقيد المجرّية برمّتها والتي تُقاس كتلها بمئات التريليونات من كتلة الشمس، ويكمن ذلك في توضع الثقوب السوداء الفائقة الكتلة وحقولها التثاقلية في منطقة صغيرة جدا. إن الثقوب السوداء الفائقة الكتلة هي أكبر مزوِّد للطاقة الكامنة التثاقلية في المجرّة كلّها. وعبر انتزاعنا لهذه الطاقة من خلال أقراص النماء، وذلك بإطلاق النفوث الضخمة، فإن النفثَ العكسي يُزيد بمقدار كبير قدرة هذه الثقوب السوداء ـ ممّا يجعله من أهم السيرورات الفيزيائية التي تحدث في الكون. 

 

المؤلفون

 

Wallace Tuker – Harver Tananbowm – Andrew Fabian

 

  إنهم من روّاد علم الفلك بالأشعة السينية ومن أهمّ العاملين فيه. تتركّز أبحاث <تاكر> [المتحدّث العلمي لمركز تشاندرا للأشعة السينية] حول المادة المعتمة وعناقيد المجرّات ومخلّفات المستسعرات، وقد نشر العديد من الأبحاث العلمية والمقالات (بما في ذلك ثلاث مقالات في ساينتفيك أمريكان)، كما لّف نحو نصف دزّينة من الكتب، وكتب كذلك ثلاث مسرحيات عن الأمريكيين الأصليين حازت عدة جوائز. و<تاناباوم> هو مدير مركز تشاندرا للأشعة السينية، وعضو في الأكاديمية الوطنية للعلوم، وقد حاز جائزة روسّيRossi  في الفلك لعام 2004، وتتركّز أبحاثه على رصد النظم الثنائية بالأشعة السينية، ودراسة الكوازارات والمجرّات النشيطة، واستكشاف ودراسة المجرّات الساطعة الهادئة ضوئيا باستخدام الأشعة السينية. أما <فابيان> فهو أستاذ في جامعة كامبردج وعضو في الجمعية الملكية، وقد حاز جائزة روسّي عام 2001، وشارك في كتابة أكثر من 500 بحث علمي حول عناقيد المجرات والثقوب السوداء الآخذة بالنمو في أحجام متنوعة.

 

  مراجع للاستزادة 

 

Black Holes and Time Waeps . Kip Thorne . W.W. Norton , 1994.

Cooliong Flows  in Clusters of Galaxies . A.C . Fabian in Annual Review of Astronomy and astophysics , Vol . 32 pages 277- 318 : 1994 .

 

A Deep Chandra Observation of the Perseus Cluster : Shocks and Ripples . A.C. Fabian et al. in Monthly Notices of the Royal Astronomical Society , Vol . 344 . No 3, pages L 43 – L 47 September 2003 . Available at http://arxiv.org/abs/astro-ph/0306036

 

Energy Input from Quasars Regulates The Growth and Activity of Black Holes and Their Host Galaxies . Tiziana Di Matteo , Volker Springel and lars Hernquist in Nature , vol . 433 , pages 604- 607 ; February 10 -2005 arxiv.org/abs/astro-ph/0502199

 

Magnetically Driven jets in The kerr Metric .J. Hawely and J. krolik in Astrophysical Journal Vol . 641 No 1 Part 1 pages 103- 116 April 10 – 2006  :// arxiv.org/abs/astro-ph/0512227

 

For The Latest From The Chandra XMM-Newton orbiting observatories , seehttp://chandra.harvard.edu and http://xmm.esac.esac.int/

 

(*) BLACK HOLE BLOWBACK               

(**)The Case of the Disappearing Gas

(***)Bubble, Bubble

(****) Overivew/ Monster Bubbles

(*****)ANATOMY OF A CLUSTER

(******)Electromagnetic Tornadoes                                                           

(*******)THE MOST POWERFUL ENGINE KNOWN TO SCIENCE

(********)The Cosmic Hydrologic Cycle

(*********) Cosmic Consequences

                                      

(1)intergalactic

(2)cluster of galaxies

(3)darkmatter أو الخفية أو المظلمة

(4)supwermassive black holes

(5)cooling flow problem                          

(6)Gravitational collapse

(7)supernovaاو المستعرات الفائقة

(8)accretion disk

(9)narrow jet، و جمعها نفوث

(10)funnel :يُقمِّع: يجعله على شكل قِمع.

(11) feedback, أو الارتجاع, التلقيم المرتد                                    

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى