غير مصنف

أُفول الإنسان النياندرتالي

 

أُفول الإنسان النياندرتالي(*)

يعلم علماء الإنسان القديم عن الإنسان النياندرتالي أكثر من أي إنسان
منقرض آخر. غير أن انقراضه يبقى لغزا تزداد غرابته أكثر فأكثر.

<K.وونگ>

 

مفاهيم مفتاحية

  ساد النياندرتاليون، أقرب أقربائنا من البشر، أوروبا وغرب آسيا لأكثر من  000200سنة. ولكنهم اختفوا قبل نحو  000 28سنة.

  لمدة طويلة، شكّك العلماء فيما قاد إلى اختفائهم. فنظريات انقراضهم الأخيرة تُركّز على التغيّرات المناخية وعلى الاختلافات الصغيرة في السلوك والبيولوجيا التي ربّما مكّنت أفراد الإنسان الحديث من التغلّب على النياندرتاليين.

محررو سيانتفيك أمريكان 

 

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2010/3-4/2010_03_04_14.jpg

 

قبل نحو 000 28 سنة، تابعت مجموعة من أفراد الإنسان النياندرتالي العيش في أراضي جبل طارق البريطانية على طول شاطئ البحر الأبيض المتوسط الصخري. لقد كانوا على ما يبدو المجموعة المتبقية الأخيرة من النوع النياندرتالي. أمّا في المناطق الأخرى من أوروبا وغربي آسيا، فقد اختفوا قبل ذلك بآلاف السنين، بعد أن سيطروا على هذه المناطق أكثر من 000 200 سنة. ويبدو أن شبه الجزيرة الإيبيرية، الذي يتميز بمناخ لطيف نسبيا وبغناه وتنوع حيواناته ونباتاته، كان معقلهم الأخير. بيد أنه سرعان ما اختفت مجموعة جبل طارق مخلفة وراءها فقط عددا قليلا من أدواتها الحجرية وبقايا مواقدها المتفحمة.

ومنذ اكتشاف أول أحفورة للإنسان النياندرتالي في عام 1856، بدأ العلماء بمناقشة مكان هؤلاء الأفراد من البشر القدماء في شجرة نسب فصيلة البشر وماذا حصل لهم. فقد هيمنت على النقاش نظريتان متنافستان عشرات السنين. الأولى، تعتقد أنّ النياندرتاليين كانوا نوعا قديما من جنسنا البشري الحديث، الإنسان العاقل Homo sapiens، وتطوّروا إلى أفراد البشر الأوروبيين الحديثين أو اندمجوا فيهم تشريحيا. أمّا النظرية الثانية، فتفترض أنّ النياندرتاليين كانوا يشكلون نوعا منفصلا، الإنسان النياندرتالينسس H. neanderthalensis، قضى عليه بسرعة الإنسانُ الحديث لدى دخوله معاقل أفراد الإنسان القديم.

ولكن، خلال السنوات العشر الماضية، غيرت نتيجتان علميتان محور المناقشة بعيدا عن السؤال: هل كان الحدث بين النياندرتاليين والحديثين هو التزاوج أم الحرب؟ إحداهما تتوقع أن تعطي نتائج تحاليل الدنا DNA إشارات عن عمليات تهجين بين النياندرتاليين وأفراد الإنسان الحديث توقعها العديد من الباحثين في حالة حدوث اختلاط كبير بين المجموعتين. أما النتيجة الأخرى، فهي تستند إلى تحسين طرائق تحديد العمر لتبين أنه عوضا عن اختفاء النياندرتاليين مباشرة بعد أن غزا الإنسان الحديث أوروبا قبل 000 40 سنة، استمر وجودهم لمدة  000 15 سنة تقريبا بعد استقرار الإنسان الحديث  خلافا لنظرية الإحلال السريع التي يتصورها مؤيدو نظرية بليتزكريگ blitzkrieg theory .

وهذه الاكتشافات شجعت عددا من الباحثين على أن يتفحصوا باهتمام أكبر، عوامل أخرى يمكن أن تكون قادت إلى انقراض النياندرتاليين. ويدل ما وجدوه على أنّ الجواب يشير إلى تفاعل عدد كبير من الإجهادات.

 

عالم متقلب(**)

 

إن أحد خطوط الأدلة الجديدة القاطعة المتعلقة بانقراض النياندرتاليين هو بيانات المناخ القديم. فقد كان العلماء على دراية منذ بعض الوقت أن النياندرتاليين شهدوا الظروف الباردة الجليدية والظروف بين الجليدية الأكثر اعتدالا خلال كونهم أسياد مناطقهم لفترة طويلة. ومن ناحية ثانية، استطاع الباحثون في السنوات الأخيرة – استنادا إلى نتائج تحاليل النظائر المحتبسة في الجليد القديم والرواسب البحرية وحبوب اللقاح المستخرجة من موقع مثل گرينلاند وڤنزويلا وإيطاليا – إعادة بناء صورة أكثر دقة بكثير عن التغيرات المناخية التي حدثت خلال فترة تُعرف بمرحلة نظير الأكسجين 3(OIS-3) . ومن خلال تقصي ما جرى خلال الفترة الممتدة ما بين 000 65 و 000 25 خلت، نجد أن المرحلة OIS-3 بدأت بشروط مناخية معتدلة وانتهت بجليديات غطت أوروبا  الشمالية.

 

 

[الافتراض الأول]

هل تغير المناخ هو الذي أهلك النياندرتاليين؟(***)

   قبل 000 55 سنة تقريبا، بدأ المناخ في قارة Eurasia بالتقلب بشدة، من مناخ بارد إلى مناخ معتدل والعودة ثانية إلى ما كان عليه على مدى عشرات السنين. وخلال الفترات الباردة، تقدّمت الأغطية الجليدية وحلت محلّ البيئات الغابية سهول «التوندرا» الخالية من الأشجار على معظم الأراضي التي سكنها النياندرتاليون. رافقت هذه التغيّرات تغيّرا في حيوانات الفرائس المتاحة. فالفترات الزمنية الطويلة بين التقلبات المناخية الماضية أتاحت لأفراد النياندرتاليين المتناقصة في العدد وقتا كافيا لتعويض ما خسرته والتكيّف مع الظروف الجديدة.

ومع ذلك، وفي هذا الوقت، يمكن أن تكون سرعة تغيّر المناخ جعلت تعويض ما خسره النياندرتاليون مستحيلا. فقبل 000 30سنة لم يبق على قيد الحياة من النياندرتاليين إلاّ جيوبٌ قليلة، استمرّ وجودهم في شبه الجزيرة الإيبيرية، مع مناخها المعتدل نسبيا ومواردها الغنية. وهذه المجموعات كانت صغيرة جدا ومقسّمة لتوفير احتياجات حياتهم، ومع ذلك، فقد اختفت في آخر الأمر. يبيّن المصوّر في الأسفل الشروط المترافقة مع الحدود القصوى الباردة ( الجليدية) الأخيرة قبل نحو 000 20 سنة التي  زودتنا بتقريب عن الشروط الحدية التي ربما يكون النياندرتاليون قد تحملوها عند نهاية فترة سيطرتهم.

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2010/3-4/2010_03_04_15.png

 

إذا أخذنا بالحسبان أنّ النياندرتاليين كانوا الوحيدين من البشر في أوروبا في بداية المرحلة OIS-3 وأنّ أفراد الإنسان الحديث كانوا الوحيدين هناك في نهايتها، فقد شكّك الخبراء فيما إذا كان التناقص الشديد المفاجئ في درجات الحرارة هو الذي سبّب موت النياندرتاليين، وربّما كان ذلك بسبب أنّهم لم يجدوا طعاما كافيا أو دفئا إلى حد كافٍ. ومع ذلك، فإنّه من مناقشة هذا السيناريو يتبيّن أنّه سيناريو مضلّل لسبب أساسي واحد: وهو أنّ النياندرتاليين كانوا قد واجهوا شروطا جليدية باردة من قبل وبقوا مع ذلك على قيد الحياة.

 

وفي الواقع، تشير مظاهر بيولوجية وسلوكية متعدّدة للنياندرتاليين إلى أنّهم كانوا متكيّفين تماما مع المناخ البارد. فصدورهم الضخمة وأطرافهم القوية ربما كانت تحفظ حرارة أجسامهم، على الرغم من أنهم كان لديهم ثياب إضافية مصنوعة من جلود الحيوانات تجنّبهم البرد القارس. ويبدو أنّ بناء أجسامهم العضلي تكيّف مع صيد الثدييات الكبيرة التي تعيش بنمط التوحد النسبي  مثل وحيد القرن الصوفي  والتي كانت تجول في وسط أوروبا وشمالها خلال فترات البرد القارس. (ويمكن أن تكون سمات أخرى مميّزة للنياندرتاليين، مثل شكل الحواجب البارزة، سمات حيادية تكيفية أصبحت متوطدة عبر تغيّر وراثي تدريجي، وليس اصطفائيا.)

 

غير أنّ البيانات النظائرية تكشف أنه عوضا عن تغير المناخ بصورة مطردة من معتدل إلى قارس، أصبح غير مستقر بصورة متزايدة ووصل إلى ذروة العصر الجليدي الأخير متقلبا بشدة وبصورة مفاجئة. ومن جراء ذلك التقلب، حدث تغيّر بيئي كبير: فقد تحوّلت الغابات إلى أراض عشبية مجردة من الأشجار، وحلّت الأيائل محل وحيدات القرن. لقد حصلت هذه التقلبات بسرعة كبيرة لدرجة أنها أدت خلال مدى حياة الفرد الواحد إلى هلاك كافة النباتات والحيوانات التي ألفها، وحلّت محلّها مجموعات حيوانية ونباتية غير مألوفة له. وعندئذ، تغيّرت البيئة ثانية بسرعة وعادت إلى ما كانت عليه.

 

 

بعث النياندرتاليين(****)

 

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2010/3-4/2010_03_04_16.jpg

   من المتوقع في نهاية عام 2009 أن يقوم الباحثون بقيادة <S.پآبو> [من معهد ماكس پلانك لعلم الإنسان التطوري في ليپزيگ بألمانيا] بنشر مخطط تمهيدي عن جينوم الإنسان النياندرتالي. فقد حثّ هذا العمل على التخمين أنّ العلماء سيكونون يوما ما قادرين على استعادة هذا الإنسان المنقرض. ومثل هذا العمل البطولي، إذا كان من الممكن حصوله تقانيا، سوف يطرح جميع أنواع المآزق الأخلاقية: فما هي الحقوق التي سيحصل عليها الإنسان النياندرتالي؟ وهل سيعيش هذا الإنسان في مختبر أم في حديقة حيوان أم ضمن أسرة؟

إذا وضعنا جانبا ما يقلق أخلاقيا، فماذا يمكن أن يكتشف الباحثون من بعث الإنسان النياندرتالي؟ والجواب هو: أقل ممّا يمكن أن تتوقع. فالإنسان النياندرتالي الذي يولد ويتربى في ظروف معاصرة لا يمكن أن يحوز على معرفة العصر الجليدي الموروثة لينقلها إلينا، مثل كيفية تصنيع الأدوات الحجرية الموستيرية Mousterian أو قتل وحيد القرن الصوفي. وفي الواقع، لن يكون قادرا على إخبار العلماء بأي شيء عن ثقافة شعبه. ومع ذلك، من الممكن، أن تكشف دراسة بيولوجية ومعرفة الإنسان النياندرتالي عن الفروق المجهولة بين هذه الأقوام البشرية القديمة والأقوام الحديثة، والتي يمكن أن تكون قد أعطت الأقوام الحديثة مزية البقاء على قيد الحياة.

 

إنّ هذه الشروط البيئية المتقلّبة  ليست بالضرورة المناخ البارد بحد ذاته  هي التي دفعت شيئا فشيئا جماعات النياندرتاليين إلى نقطة اللاّعودة(1)، وفقا للسيناريوهات التي وضعها الخبراء مثل <C.فينليسون> [عالم البيئة التطورية في متحف جبل طارق] الذي يدير الحفريات في مواقع متعددة من الكهوف في جبل طارق. وهذه التغيّرات اقتضت من النياندرتاليين أن يتبنوا طريقة جديدة من الحياة في وقت قصير جدا. وعلى سبيل المثال، كما يزعم <فينليسون>، فإن إحلال الأراضي العشبية المفتوحة محل المساحات الغابية (المشجرة) ترك صيادي الكمائن من دون أشجار للاختباء خلفها. وحتى يبقى النياندرتاليون على قيد الحياة، كان عليهم أن يغيّروا الطريقة التي كانوا يصطادون بها.

 

إنّ بعض النياندرتاليين تكيفوا بالفعل مع عالمهم المتغيّر، كما يشهد على ذلك التغيّر في نمط أدواتهم وحيوانات صيدهم. غير أنّ الكثير منهم ماتوا على الأرجح خلال هذه التقلبات، تاركين خلفهم جماعات أكثر تشتتا. وفي الظروف العادية، كان هؤلاء النياندرتاليون قادرين على العودة إلى حيويتهم ونشاطهم، مثلما قاموا بذلك من قبل، عندما كانت التقلبات أقل عددا وأكثر تباعدا. وفي هذا الوقت، مع ذلك، لم تترك سرعة التغيّرات البيئية وقتا كافيا للعودة إلى حياتهم السابقة. ويدّعي <فينليسون> أنّ الظروف المناخية السيئة المتكرّرة جعلت أعداد أفراد النياندرتاليين في آخر الأمر تتناقص إلى درجة لم يصبحوا معها قادرين على مساندة بعضهم بعضا.

 

ويتابع <فينليسون> القول إنّ نتائج الـدراسـات الجـيـنـية التي نشرتهـا <V.فابر> وزملاؤها [من جامعة مديترانيان Mediterranean بمرسيليا في «پلوس وان PLoS One»] في الشهر 4/2009، تدعم الرأي أنّ أفراد النياندرتاليين كانوا مشتتين. فقد كشف تحليل الدنا المتقدّري mitochondrial DNA للإنسان النياندرتالي عن إمكان تقسيم النياندرتاليين إلى ثلاث مجموعات ثانوية  مجموعة أوروبا الغربية ومجموعة أوروبا الجنوبية وثالثة في آسيا الغربية  وكان حجم المجموعة يزيد وينقص.

 

نوع اجتياحي(*****)

 

أمّا بالنسبة إلى الباحثين الآخرين، فإنّ حقيقة أنّ النياندرتاليين اختفوا تماما فقط بعد دخول أفراد الإنسان الحديث أوروبا تشير، مع ذلك بكل وضوح، إلى أن الغزاة لهم ضلع في الانقراض، حتى ولو لم يقتل القادمون الجدد المستوطنين الأقدم. ومن المحتمل، كما يقول أولئك الذين يدعمون هذه النظرة، أن يكون انقراض النياندرتاليين نتيجة لتنافسهم مع القادمين من أفراد الإنسان الحديث على القوت وتدريجيا على الأرض المهجورة. ومع ذلك، يبقى ما جعل أفراد الإنسان الحديث الطرف الرابح في آخر الأمر، موضوع اختلاف كبير في الرأي.

 

 

[الافتراض الثاني]

هل كان أفراد الإنسان الحديث أكثر
ذكاءً من أفراد الإنسان النياندرتالي؟(******)

   تستمر نظرية انقراض النياندرتاليين القديمة بالاعتقاد أنّ أفراد الإنسان الحديث نافسوا النياندرتاليين بذكائهم الأعلى. غير أنّ الدليل المتزايد يشير إلى أنّ النياندرتاليين شاركوا في الكثير من السلوكيات المعقّدة نفسها، والتي كانت تنسب سابقا إلى أفراد الإنسان الحديث فقط (انظر الجدول). إذ تكشف النتائج العلمية أنّ بعض النياندرتاليين على الأقل كانوا قادرين على التفكير الرمزي  بلغة. وأنهم كانوا يحوزون على الأدوات ويعرفون كيف يكافحون من أجل الحصول على تنوع واسع من الأطعمة. ويبدو أن هذه الممارسات لا تزال أكثر رسوخا في ثقافة الإنسان الحديث ممّا هي عليه في ثقافة النياندرتاليين وهذا ما أعطى الهيمنة لأفراد الإنسان الحديث.  

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2010/3-4/2010_03_04_17.jpg

 

ثمة احتمال بأنّ أفراد الإنسان الحديث كانوا يقتاتون على ما كان يتيسّر لهم من طعام. إذ يشير التحليل الكيميائي لعظام الإنسان النياندرتالي الذي أجراه <H.بوشيرانز> [من جامعة توبنگن في ألمانيا] إلى أنّ البعض, على الأقل من هؤلاء النياندرتاليين, كانوا يفضلون أكل لحم الثدييات الكبيرة، مثل وحيدات القرن الصوفية، التي كانت نادرة نسبيا. بينما, في المقابل كان أفراد الإنسان الحديث المبكرون يأكلون جميع أنواع الحيوانات والنباتات. وهكذا، عندما اجتاح أفراد الإنسان الحديث معاقل النياندرتاليين وشرعوا في اصطياد بعض هذه الحيوانات الكبيرة لطعامهم، كما يحاول البعض أن يظهر، كان النياندرتاليون يواجهون المشاكل. وفي غضون ذلك، تمكن أفراد الإنسان الحديث من تكملة وجبات غذائهم المكونة من لحوم الحيوانات الكبيرة بتناول لحوم حيوانات أكثر صغرا، إضافة إلى قوت نباتي.

 

ويرى عالم الآثار <W.C.ماريان> [من جامعة ولاية أريزونا]: «أنّه كان للنياندرتاليين أساليبهم الخاصة للقيام بعمل ما، وكانت أساليب جيدة طالما لم يكونوا يتنافسون مع أفراد الإنسان الحديث.» وفي المقابل، يذكر <ماريان> أنّ الحديثين الذين تطوروا تحت شروط مدارية في إفريقيا، كانوا قادرين على التلاؤم مع بيئات مختلفة وتوصلوا بسرعة إلى أساليب مبتكرة للتعامل مع الظروف الجديدة التي تصادفهم. ويؤكّد <ماريان>: «أنّ الاختلاف الأساسي هو أنّ النياندرتاليين لم يكونوا تماما في مستوى التقدّم الفكري والمعرفي لأفراد الإنسان الحديث.»

 

لم يكن <ماريان> الوحيد الذي يعتقد أن النياندرتاليين كانوا أقل ذكاء. ثمة دراسة طويلة الأمد تدعم الرأي أنّ الحديثين تفوّقوا في الذكاء على النياندرتاليين، ليس فقط بتقانة أدواتهم الأفضل ونهجهم في البقاء على قيد الحياة، وإنما أيضا في موهبة الكلام التي ساعدتهم على تشكيل شبكات اجتماعية أقوى. ووفقا لهذا الرأي، لم يستطع النياندرتاليون الأغبياء أن يصمدوا أمام القادمين الجدد.

 

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2010/3-4/2010_03_04_18_a.jpg
يمكن أن يكون آخر معقل لأفراد الإنسان النياندرتالي مجموعة من الكهوف الشاطئية في أراضي جبل طارق البريطانية، حيث عاشت الأقوام البشرية القديمة حتى قبل 000 28 سنة. كان لمنطقة جبل طارق وباقي شبه الجزيرة الإيبيرية مناخ لطيف نسبي وموارد غذائية غزيرة مقارنة بالكثير من مناطق أوروبا خلال العصر الجليدي.

 

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2010/3-4/2010_03_04_18_b.jpg

 

غير أن زيادة حجم الأدلة تشير إلى أنّ النياندرتاليين كانوا أذكى ممّا دلّت عليه سمعتهم. فقد شاركوا على ما يبدو في الكثير من السلوكيات التي كان يُعتقد أنّها سلوكيات أفراد الإنسان الحديث. «فالحدود بين النياندرتاليين والحديثين، كما يضعها <B.C.سترنگر> [عالم الإنسان القديم في متحف التاريخ الطبيعي بلندن]، أصبحت أكثر غموضا.»

 

وفرت مواقع جبل طارق بعض المكتشفات الأكثر حداثة التي تضفي غموضا حول الحدود بين المجموعتين البشريتين. ففي الشهر 9/2008، أشار <سترنگر> وزملاؤه إلى أنّ النياندرتاليين في كهف گورهام Gorham&apos;s Cave وكهف ڤانگارد Vanguard Cave المجاور، كانوا يصطادون الدلافين والفقمات، إضافة إلى المحار. وإضافة إلى ذلك، فقد بيّن بحث غير منشور أنّهم كانوا يأكلون الطيور والأرانب أيضا. وقد قلبت الاكتشافات في جبل طارق، إضافة إلى نتائج الأبحاث من عدد من المواقع الأخرى، الاعتقاد السائد أن الحديثين هم الوحيدون الذين استثمروا الموارد البحرية والحيوانات الصغيرة والطيور.

 

ثمة دليل جديد، جاء من موقع «هول فلز Hohle Fels» في جنوب غرب ألمانيا، حول الحدود الغامضة بين سلوك الإنسان النياندرتالي وسلوك الإنسان الحـديـث. فهناك اسـتطاع عالم الإنسـان القـديم <B.هاردي> [من كينيون كوليجKenyon College] مقارنة الأدوات الصوانية  التي صنّعها النياندرتاليون الذين كانوا يقيمون في الكهوف في الفترة الممتدة بين ما قبل 000 36 و 000 40 سنة  بالأدوات الصوانية التي صنّعها أفراد الإنسان الحديث الذين كانوا يقطنون هناك بين ما قبل 000 33 و 000 36 سنة تحت شروط مناخية وبيئية متماثلة. وفي محاضرة ألقاها <هاردي> في الشهر 4/2009 في جمعية علم الإنسان القديم في شيكاگو، ذكر أنّ تحليله لشكل الاهتراء على الأدوات الصوانية والبقايا من المواد التي كانت بتماس معها، كشف أنّه – على الرغـم من أنّ أفراد الإنسان الحديث قد صنّعوا تنوعا كبيرا من الأدوات أكثر ممّا صنّع النياندرتاليون – فإنّ المجموعتين تشاركتا، على الأغلب، في النشاطات نفسها في موقع «هول فلز.»

 

وهذه النشاطات تتضمّن ممارسات معقّدة مثل استخدام صموغ الأشجار في ربط رؤوس الأحجار بمماسك خشبية واستخدام رؤوس الأحجار كأسلحة طعن أو قذف وتصنيع أدوات من العظام أو من الخشب. وللإجابة عن السؤال لماذا صنع نياندرتاليو «هول فلز» أنماطا من الأدوات أقلّ ممّا صنعه أفراد الإنسان الحديث، والذين عاشوا هناك فيما بعد، استنتج <هاردي> أنّهم كانوا قادرين على إنجاز العمل من دونهم. ويذكر: «إنّنا لسنا بحاجة إلى ملعقة گريب فروت لنأكل ثمرة من ثمار الگريب فروت.»

 

يبدو أنّ الادعاء أنّ النياندرتاليين كانوا يفتقرون إلى اللغة أيضا هو افتراض غير محتمل في ضوء الاكتشافات الحديثة. فالباحثون يعرفون الآن أن بعضهم على الأقل زَيَّنوا أجسامهم بالمجوهرات، وعلى الأرجح بالأصبغة. ومثل هذه المظاهر الطبيعية من السلوك الرمزي كانت تستخدم في الغالب كتعويض proxyعن اللغة، عندما يعاد بناء السلوك من السجل الآثاري (الأركيولوجي). وفي عام2007، روى البـاحثون بقيـادة <J.كراوس> [من معهد «ماكس پلانك» لعلم الإنسان التطوري في لايپزيگ بألمانيا] أنّ تحاليل الدنا النياندرتالي قد بيّنت أنّ هؤلاء الأفراد من البشر كانت لهم النسخة من الجينة FOXP2 الداعمة للكلام (اللغة) التي يحملها أفراد الإنسان الحديث.

مباريات فاصلة(*******)

 

مع تضييق التفاوت بين سلوك الإنسان الحديث والنياندرتالي، يدرس الكثير من الباحثـين الآن الاختلافات الصغيـرة بينهمـا في المعـرفة والبيـولوجـيـا لتفسير سـبب انـقراض النياندرتـالـيين. وتعتبر <K.هارڤاتي> [المتخصصة بعلم الإنسان القديم في معهد «ماكس پلانك» أيضا] «أنّ عدم استقرار الشروط المناخية إلى أبعد الحدود وتحوّلها إلى درجة أسوأ، ربّما جعل التنافس بين مجموعات البشر على أشده، ففي هذا الصدد، تصبح حتى المزايا الصغيرة مهمة جدا ويمكن أن ترجح أحد احتمالين: البقاء على قيد الحياة أو الموت».

 

يطرح <سترنگر> من جهته نظرية مفادها بأنّ التكيّف الثقافي الأوسع نوعا ما للإنسان الحديث زوده بحماية مخففة قليلا ضد الأوقات العصيبة. وعلى سبيل المثال، فإنّ الإبر التي تركها أفراد الإنسان الحديث تعطي إشارة إلى أنهم كانوا يستخدمونها في خياطة الثياب والخيام؛ وذلك لحمايتهم من البرد. بينما لم يخلّف النياندرتاليون وراءهم مثل هذه الإشارات التي تدل على أنهم كانوا يستخدمون الخياطة؛ وكما يعتقد بعض الباحثين، كانت لديهم ملابس وملاجىء أكثر بساطة.

 

ويمكن أن يختلف النياندرتاليون والحديثون أيضا في الأسلوب الذي كان أفراد مجموعاتهما يتقاسمون به المهام. وفي بحث نشـر في مجلة كارنت أنتروپـولوجـي عام 2006, افتـرض كـل من عالمي الآثـار <L.S.كوهن> و <C.M.ستينر> [من جامعة أريزونا] أنّ النظام الغذائي المختلف للأوروبيين الحديثين الأوائل يدعم تقسيم العمل، حيث كان الرجال يقومون بصيد الحيوانـات الكبيرة, والنساء يقمن بجمع وتحضير الجوز والبذور وتوت العليق. وعلى النقيض من ذلك، فإن تركيز النياندرتاليين على صيد الحيوانات الكبيرة يشير على الأرجح إلى انضمام نسائهم وأطفالهم إليهم في الصيد، ربّما ليساعدوهم على سَوْقِ الحيوانات نحو الرجال المنتظرين في كمائنهم. وإنّه بإحداث إمدادات إضافية أكثر وثوقا من الطعام مع بيئة أكثر أمانا لتربية الأولاد، يمكن أن يكون تقسيم للعمل قد سمح لأفراد الإنسان الحديث بالتكاثر على حساب النياندرتاليين.

 

ومع ذلك، كان النياندرتاليون يحصلون على طعامهم، وكانوا يحتاجون إلى الكثير منه. «كان النياندرتاليون رجال المهام الصعبة في عالم البشر»، هذا ما ذكرته الباحثة في علم الإنسان القديم <L.أيّلو> [من مؤسسة «وينر-گرين» في مدينة نيويورك]. فاستنادا إلى عدد من الدراسات التي كانت تهدف إلى تقدير معدلات الاستقلاب لدى النياندرتاليين, تم التوصل إلى النتيجة بأن أولئك الأفراد من البشر القدماء كانوا يحتاجون إلى عدد من السعرات الحرارية (الكالوريات) للبقاء على قيد الحياة أكثر ممّا كان يتطلّبه أفراد الإنسان الحديث.

 

لقد حدّدت الخبيرة في علم الطاقة البشرية(2) <K.ستيودل- نامبرز> [من جامعة ويسكونسين- ماديسون]، مثلا، أنّ التكلفة الطاقية للتحرّك كانت لدى النياندرتاليين أعلى بنسبة 32% من الناحية التشريحية عمّا كانت عليها لدى أفراد الإنسان الحديث، بسبب بُنية أجسام هؤلاء البشر القدماء الضخمة وقصر عظم الظنبوب (عظم الساق الأطول) الذي ربّما قصّر مدى خطواتهم. وتعبيرا عن احتياجاتهم الطاقية اليومية، ربّما كانت احتياجات النياندرتاليين من الطاقة أكثر بمقدار يتراوح ما بين 100 و 350 سعرا حراريا (كالوري) تقريبا من احتياجات أفراد الإنسان الحديث الذين كانوا يعيشون في الظروف المناخية نفسـها، وذلك انسجاما مع نموذج قدّمه كل من <W.A.فروهل> [من جامعة كاليفورنيا، سان دييگو] و <E.S.تشرشل> [من جامعة ديوك]. فأفراد الإنسان الحديث، حينئذ، يمكن أن يكونوا قد نافسوا في الواقع النياندرتاليين بمزية كونهم أكثر توفيرا للطاقة : إنّهم باستخدامهم طاقة أقل لنشاطاتهم المعتادة يعني أنّ أفراد الإنسان الحديث استطاعوا أن يكرّسوا طاقة أكثر لتكاثرهم وتأمين بقاء صغارهم على قيد الحياة.

 

 وثمة اختلاف آخر بين النياندرتاليين والحديثين يستحق الذكر، ألا وهو الاختلاف الذي مكّن من تحسين بقاء الحديثين على قيد الحياة بطرائق كثيرة. فقد بيّن بحث أجرته <R.كسپاري> [من جامعة متشيكان المركزية] أنّه قبل نحو000 30 سنة، بدأ عدد أفراد الإنسان الحديث الذين عاشوا حتى أعمار متقدمة بصورة كافية ليصبحوا بعمر الأجداد، بالزيادة بسرعة وبصورة مفاجئة. ولم يعرف تماما ما الذي سرّع هذه الزيادة في طول العمر، غير أنّه كان لهذه الزيادة نتيجتان أساسيتان: الأولى، تَوفّر للناس سنوات أكثر للتكاثر، ومن ثم زيادة في قدرات خصوبتهم. والثانيـة، توفر لديهم المزيد من الوقت لاكتسـاب معارف متخصصـة ونـقلها إلى الجيـل التالي  على سبيل المثال، معرفة أين توجد مياه الشرب في أوقات الجفاف. ويعلّق <سترنگر> على ذلك بالقول: «إنّ البقاء على قيد الحياة لمدة طويلة يعطي فرصا أكبر لتوسيع الشبكات الاجتماعية وتخزين معارف أوسع.» وفي المقابل، فهو يفترض أنّ بقاء النياندرتاليين على قيد الحياة لمدة أقصر جعل معارفهم أكثر عرضة للضياع.

 

ويمكن أن تتوفر أدلة إضافية تدل على سبب أُفول النياندرتاليين وذلك من تحليل تسلسل جينوم genome النياندرتاليين. ومن المتوقع نشر التسلسل الكامل لهذا الجينوم خلال عام 2009. غير أنّه من المحتمل أن يتأخّر ظهور الأجوبة؛ لأن العلماء لا يعرفون الشيء الكثير عن الدلالات الوظيفية لمعظم مناطق جينوم الإنسان الحديث، ناهيك عن جينوم الإنسان النياندرتالي. «إنّنا بعيدون كل البعد عن تفسير ما يكشفه جينوم الإنسان النياندرتالي.» هذا ما يذكره <سترنگر>. إضافة إلى ذلك، لا تزال هناك التحاليل في المستقبل التي ربّما ستمكّننا من تحديد دقيق للاختلافات الأيضية (الاستقلابية) أو الاختلافات في المعارف المكتسبة بين أفراد المجموعتين. وعلى سبيل المثال, يمكن لهذه الاختلافات أن تزودنا أيضا بجواب أكثر دقة عن السؤال فيما إذا كان النياندرتاليون والحديثون يتهجنون interbreed فيما بينهم.

إن لغز العصر الحجري المحيّر حول من المسؤول عن أفول النياندرتاليين، لايزال خفيا تماما. غير أنّ الباحثين يلتقون عند نتيجة واحدة؛ وهي أنّه بصرف النظر عمّا إذا كان عامل المناخ أو عامل التنافس مع أفراد الإنسان الحديث، أو كان العاملان معا، هما السبب الرئيسي في أفول النياندرتاليين، فإنّ العوامل المحدّدة المتحكّمة في انقراض مجموعات خاصة من هؤلاء البشر القدماء كانت تختلف بالتأكيد من مجموعة إلى أخرى. فبعض المجموعات يمكن أن تكون قد هلكت من المرض وبعضها الآخر من التهجين. ويعلّق <فينليسون> على ذلك بقوله: «قد تكون لكل وادٍ قصته الخاصة عن تاريخه.»

 

يؤكّد <فينليسون> أنّ آخر النياندرتاليين المعروفين الذين بقوا على قيد الحياة، هم الذين عاشوا في كهوف شواطئ جبل طارق قبل نحو 000 28 سنة، وهؤلاء لم يقضوا أيامهم في منافسة الحديثين؛ نظرا لأنّ الحديثين لم يستقروا هناك على ما يبدو إلاّ بعد آلاف السنين من انقراض النياندرتاليين. ومع ذلك، فإنّ البقية الباقية من قصتهم تتطلّب المزيد من البحث والتنقيب.

 

المؤلف

 K. وونگ

 

 

  مراجع للاستزادة

 

Older Age Becomes Common Late in Human Evolution. Rachel Caspari and Sang-Hee Lee in Proceedings of the National Academy of Sciences USA, Vol. 101. No. 30, pages 10895-10900; July 27. 2004.

 

Rapid Ecological Turnover and Its Impact on Neanderthal and Other Human Populations. Clive Finlayson and Jose S. Carrion in Trends in Ecology and Evolution, Vol. 22. No. 4, pages 213-222; 2007.

 

Heading North: An Africanist Perspective on the Replacement of Neanderthals by Modern Humans.

Curtis W. Marean in Rethinking the Human Revolution. Edited by Paul Mellars et al. McDonald Institute for Archaeological Research, Cambridge. 2007.

 

Neanderthal Exploitation of Marine Mammals in Gibraltar. C. B.

Stringer et al. in Proceedings of the National Academy of Sciences USA, Vol. 105, No. 38, pages 14319-14324; September 23.2008.

(*)Twilight of the Neandertals

(**)A World in flux

(***)Did Climate Change Doom the Neandertals?

(****)Resurrecting the Neandertal
(*****)Invasive Species

(******)Were the Neandertals Outsmarted by Modern Humans?

(*******)Tiebreakers

(1) the point of no return
(2) Hominid energetics

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى