غير مصنف

فجر الاندماج الكاذب


فجر الاندماج الكاذب(*)

لقد حلم العلماء طويلا بالتحكم في طاقة الاندماج النووي – مولد الطاقة النجمية – من أجل الحصول على طاقة آمنة، نظيفة

ولامتناهية. وحتى مع اقتراب هذا الحدث التاريخي المهم، فما زال هناك من يشكك في إمكان تحقيق مفاعل الطاقة الاندماجي

عمليا في أي وقت في المستقبل، المفاعل الذي باستطاعته تأمين طاقة لامتناهية ونظيفة.

<M.موير>

 

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2010/7-8/2010_07_08_028.jpg
حجرة الانفجار: في داخل حجرة الهدف للمنشأة الوطنية للإشغال (NIF)(1) توجد 192 حزمة ليزرية تتركز على هدف من وقود الهدروجين. سيُصْدِر الانفجار الناتج طاقةً أكبر من طاقة أشعة الليزر المستخدمة، ويمثل ذلك نقطة البداية لأبحاث الاندماج.

 

مفاهيم مفتاحية

   من المتوقع أن يصدر عن اندماج نظائر الهدروجين، وبشكل مباشر، مقدار أكبر من الطاقة مقارنة بتلك اللازمة لدمج الجسيمات معا – وهذا هو الحدث المحوري للحصول على الطاقة الاندماجية.

   إذا ما تم التحكم في هذه الطاقة، فمن الممكن أن يشكل ذلك أساسا لمحطات طاقة ثورية.

   إلا أن العلماء، في الوقت الراهن، ما زالوا يكتشفون تحديات هندسية مهمة قد تعيق بناء محطات الطاقة الاندماجية لعدة سنوات أخرى.

محررو ساينتفيك أمريكان 

 

في الوقت الراهن، إن الإشعال(2) متوقف. وخلال سنة أو سنتين، فإن المنظومة الليزرية التي تتكون من 192 حزمة ليزرية في المنشأة NIF – وهي المنظومة الليزرية الأضخم والأعلى قدرةً في العالم، والتي استغرق بناؤهــا 13عـاما وبلغت تكلفتـها 4 بلايين دولار – ستقوم بتركيز طاقات الحزم الليزرية على كرية بحجم لا يزيد على حجم حبة فلفل، حيث ستسحق الطاقة الليزرية لب الكرية بقوة هائلة تؤدي إلى دمج نظائر الهدروجين معا في داخل الكرية وتطلق بالتالي طاقة مثيلة بتلك الناجمة عن قنبلة هدروجينية مصغرة.

 

لقد سبق القيام بنجاح بهذا العمل البارع. إلا أن الطاقة الناجمة عن الاندماج كانت دائما أقل بكثير من طاقة الليزر المستنفدة. ولكن في هذه المحاولة، سينعكس السجل الحسابي، حيث ستكون الطاقة المتولدة في مركز الكرية أكبر من الطاقة المستنفدة من الليزر. ولهذا التغيير أهمية أكبر مما تمليه الحسابات المجردة. ومن حيث المبدأ، فإن بالإمكان تجميع فائض الطاقة واستثماره في تشغيل محطة الطاقة الكهربائية. أما وقود المحطة، فهو عبارة عن مواد موجودة في مياه البحر الاعتيادية؛ وستكون انبعاثات المحطة – النووية والجوية – معدومة. وسيشبه ذلك عملية أسر نجم لتشغيل الآلات على سطح الأرض مما يؤدي إلى إرواء ظمأ بني الإنسان اللامتناهي للطاقة ممتدا إلى آماد لا محدودة.

 

[آلية العمل]

اندماج بواسطة الليزرات(**)

   يقول <MB.ڤان وينترجيم> [مدير تشغيل المنشأة (NIF)]: «إن المنشأةNIF ليست سوى مضخم ليزري هائل.» فالجزء الأكبر من المنشأة مملوءٌبـ192 قناة ليزرية منفصلة حيث تأخذ، هذه القنوات، نبضة الليزر الضعيفة وتضاعفها أضعافا كثيرة. بعد ذلك يتم تركيز الأشعة الليزرية داخل حجرة الهدف ثم توجيهها إلى تجويف مكون من أسطوانة ذهبية تحتوي على الهدف ديتيريوم وتريتيوم.

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2010/7-8/2010_07_08_030.jpg
1- المضخم الليزري

بعد أن تنشق النبضة الليزرية وبعد انتقالها خلال المضخمات الأولية، فإنها تمر من خلال الألواح الزجاجية لمضخمة الإشعاع الرئيسية. تقوم مصابيح الزينون الومضية بتهييج ذرات النيوديوم في الزجاج. وعندما يعبر الشعاع الليزري من خلاله، يعيد الزجاج الطاقة مرةً ثانية إلى شعاع الليزر. وتتكرر هذه العملية في أكثر من 52 ممرا، حيث تعزز طاقة الليزر في كل ممر بمقدار 25%.

2- نحو الهدف

عندما تدخل أشعة الليزر حجرة الهدف التي يبلغ عرضها 10 أمتار، فإن البلورات تقوم بإنقاص طول موجة الضوء إلى النصف وتحوله من اللون الأحمر – الآمن بالنسبة إلى التجهيزات البصرية الليزرية – إلى أشعة فوق بنفسجية أكثر فاعلية في إحداث الاندماج.

3- الإشعال

في مركز حجرة الهدف تتركز أشعة الليزر على الجدران الجانبية للتجويف الذهبي مما يجعلها تصدر أشعةً سينية ذات طاقة عالية. تقوم هذه الأشعة بحرق الطبقة الخارجية لكرية الهدف مما يؤدي إلى زيادة الضغط داخل الكرية بحيث تصبح كثافتها أكبر بـ100 ضعف من كثافة الرصاص وترتفع درجة حرارتها إلى 100 مليون درجة مئوية. وهذا الارتفاع المفاجئ في الضغط ودرجة الحرارة يؤدي إلى إشعال الاندماج.

 

لقد تَمَّ البدء ببناء منشأة اندماج رئيسية أخرى في العالم، بتكلفة قدرها 14بليون دولار، في موقع خارج قرية كاداراش بجنوب فرنسا. إن جهاز المفاعل التجريبي الحراري النووي الدولي(ITER) – لا يعتمد على منظومة ليزرية، وإنما هو عبارة عن مغانط فائقة الموصلية تقوم بحصر نظائر الهدروجين معا وتسخينها إلى درجة حرارة تبلغ 150 مليون درجة مئوية – وهي أكبر بـ25000 مرة من درجة حرارة سطح الشمس. وتتنبأ هذه التجربة بإمكانية توليد فائض من الطاقة المحصلة. إضافة إلى ذلك، وبشكل مغاير لمنظومة الدفقات الليزرية المتقطعة، ستكون المغانط قادرة على حصر الپلازما مع بعضها بعضا لعشرات وربما مئات من الثواني وتولد توهجا مستمرا من الطاقة.

 

وهذه الإنجازات ستكون مَعْلما بارزا في السبيل إلى الهدف الذي كان الأكثر إثارةً منذ فجر العصر النووي والمتمثل بترويض العمليات التي تُجرى في مراكز النجوم والاستفادة منها في أغراضنا. إلا أن وميض الإشعال (أي حصول الاندماج) هو الجزء الأسهل في هذا السبيل، حيث إن هناك إدراكا متناميا بين الخبراء من العلماء في الاندماج النووي بأن تحديات بناء وتشغيل محطة طاقة الاندماج قد تكون أصعب بكثير من التحدي الفيزيائي المتمثل بإنتاج الكريات الملتهبة في البداية. وهناك بعض الفيزيائيين، من غير المعنيين مباشرة بأبحاث الاندماج يشككون في قابلية هذا المشروع للتحقيق حتى نظريا. فينبغي أن تتحمل مواد البناء المستخدمة في بناء المفاعل درجات حرارة عالية جدا تصل إلى بضعة ملايين درجة مئوية ولسنوات عديدة. فالمواد المكونة لمفاعل الاندماج ستكون معرضة لتصادم جسيمات نووية ذات طاقة عالية جدا مما يحيل هذه المواد إلى مواد هشة قابلة للتصدع، وكذلك تصبح ذات نشاط إشعاعي كبير. وكذلك ينبغي أن تقوم محطة الاندماج بإنتاج وقودها النووي عن طريق عمليات توليد معقدة. وحتى تكون مصدر طاقة مفيدا ومهما في الشبكة الكهربائية، فإنه يجب أن تستمر بتوليد الوقود بشكل ممتاز ومن دون انقطاع أو إعاقة أو حوادث كارثية مؤسفة لعقود عدة من الزمن.

 

يقول<R.هازلتاين> [رئيس معهد الدراسات الاندماجية في جامعة تكساس بأوستن]: «الفكرة جيدة، وهناك مسائل صعبة ولكنها قابلة للحل، ودعونا نركز على لب الاندماج ذاته. وقد يكون ذلك خطأ.»

 

وَعْد الطبيعة(***)

 

لقد بقي الاندماج – أو بالأحرى عدم معرفته – مصدر حيرة للعلماء منذ ستينات القرن التاسـع عــشر على الأقـل. فنظرية <Ch.داروين> في التطور عن طريق الانتخاب (الانتقاء) الطبيعي تستلزم بلايين السنين لحدوث التنوع الهائل في الحياة على الأرض. بيد أن أفضل تقدير لعمر الشمس آنذاك – والذي كان قد قدمه الفيزيائي البريطاني الشهير <W.ثومپسون> (والمعروف أكثر باسم اللورد كلڤن) – كان لا يتعدى بضع عشرات من ملايين السنين. وكما يذكر <Ch.سيف> في كتابه الرائع بعنوان «شمسٌ في زجاجة» (ڤايكنگ 2008)، فإن <داروين> اعتبر انتقاد ثومپسون أحد أخطر الانتقادات عصفا بنظرية التطور. وقد كانت حجة داروين الضعيفة قائمة على افتراض أن العلماء سيتوقفون عن الجزم بعمر الشمس لعدم كفاية القوانين المتعلقة بالكون آنذاك.

 

 

تفاعل الديتيريوم والتريتيوم(****)

   عندما يتم تقريب نظيري الهدروجين: الديتيريوم والتريتيوم قسريا أحدهما من الآخر بواسطة الضغوط ودرجات الحرارة العالية جدا؛ فإن هذين النظيرين يتغلبان على قوة التنافر الكهربائي بينهما، ويتم بالتالي اندماجهما. وينتج من هذا التفاعل الاندماجي: هيليوم ونيوترون وطاقة فائضة كبيرة.

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2010/7-8/2010_07_08_031.jpg

 

 

[منظر داخلي]

اندماج نووي باستخدام مغانط(*****)

   يسعى المفاعل ITER في جنوب فرنسا إلى تحقيق الاندماج بواسطة تسخين الپلازما المكونة من الديتيريوم والتريتيوم. ويتم احتواء الپلازما بواسطة مغانط فائقة الموصلية وذات قدرة عالية جدا، وتستخدم أشعةً ميكروية لتسخين الپلازما إلى 150 مليون درجة مئوية. وهذه العملية ليست متقطعة مثل الاندماج الليزري في المنشأة NIF، حيث يمكن للاندماج أن يستمر عشرات الثواني أو حتى مئاتها.

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2010/7-8/2010_07_08_032.jpg

 

وقد كان <داروين> على صواب. فقد مضت سبعة عقود قبل أن يتمكن العلماء من تطوير الآلية اللازمة لفهم مصدر إشعاع الشمس. فخلال فترة الثلاثينات من القرن المنصرم عرف العلماء أن المواد كافة مكونة من ذرات, وأن لهذه الذرات نوى مكونة من پروتونات ذات شحنة موجبة ونيوترونات متعادلة الشحنة. (الهدروجين عنصر فريد واستثنائي؛ لكون نواته مكونة من پروتون فقط). وبيّن <آينشتاين> من خلال علاقته الشهيرة E = mc2 أن من الممكن أن تتحول الكتلة إلى طاقة. وأظهرت الدراسات الطيفية أن الشمس ليست مكونة من صخور منصهرة كما افترض <ثومپسون>، وإنما مكونة من الهدروجين بشكل أساسي إضافةً إلى كمية قليلة من الهيليوم.

 

إن الليزرات ستسحق الهدف بنبضة تفوق في طاقتها مجمل ما يستهلكه مواطنو الولايات المتحدة كافة.

 

في عــام 1938 أدرك العــالــم الفيزيـــــائي <H.بيتِه> أن الضغط في مركز الشمس سيكون من الكبر بحيث إن نوى الهدروجين المفردة ستنضغط مع بعضها بعضا بقوة هائلة تمكنها من التغلب على قوة التنافر الكهربائي وتجعل الأيونات المتماثلة الشحنة تبتعد عن بعضها في الظروف الاعتيادية. وقد رتّب <بيتِه> الخطوات الأربع للتفاعل المتسلسل، والتي من خلالها تندمج أيونات الهدروجين في بعضها بعضا. وتكون النواتج النهائية للتفاعل أخف قليلا من كتل العناصر الداخلة في التفاعل، والفرق في الكتلة يتحول بموجب العلاقة E = mc2  إلى طاقة هي مصدر طاقة الشمس.

 

إن هذا التفاعل المتسلسل والمعقد يستلزم مقادير هائلة من الضغط تتوافر فقط في مراكز النجوم. والطريقة السهلة نسبيا لإحداث الاندماج هي البدء بنظيرين للهدروجين – ديتيريوم، الذي تتكون نواته من پروتون ونيوترون، وتريتيوم الذي تحتوي نواته پروتونا ونيوترونين. وعند تقريب الديتيريوم والتريتيوم أحدهما من الآخر كفاية يندمجان ويشكلان نواة الهيليوم (پروتونين ونيوترونين)، إضافة إلى نيوترون ودفقة من الطاقة. ويتطلب التفاعل درجة حرارة وضغطا أقل نسبيا مما عليه الحال في باطن النجم، مع أنه يولد مقدارا هائلا من الطاقة يميز تفاعلات الاندماج.

 

وإذا استطاع العلماء تحفيز الاندماج في وسط يمكن التحكم فيه، فإن مشكلة الطاقة في العالم ستنتهي تماما. فالوقود وافر جدا، لكون الديتيريوم موجودا في ماء البحر ومن الممكن توليد التريتيوم داخل المفاعل. والاندماج النووي، على خلاف المفاعلات النووية المعتادة، لا يولد نواتج نووية ذات نشاط إشعاعي وعمر وسطي كبيرين والمعروفة باسم النفايات النووية. ونظريا، فإن بإمكان گالون واحد من الماء المشبع بالديتيريوم إنتاج قدر من الطاقة يكافئ ما تحمله ناقِلة ضخمة مملوءة بالبترول وبنسمات من الهيليوم فقــط كعــوادم مــن المفـاعــل. يقول <I.E.موسيس> [مدير المنشأة NIF]: «ومن ثم، فلا توجد ضغوط سياسية على هذه التقنية وطاقة الاندماج هي طاقة نظيفة، ومصدر الوقود موفور لامتناهٍ، إنه أمر أكثر جودة من أن يصدق.»

 

وفي الواقع هذا ما حصل، فقد جاء أول تصميــم لمفاعل اندماجي على يد <L.سپيتزر> [الأستاذ في جامعة پرينستون] وقدر أن مقدار الطاقة التي سيؤمنها هذا المفاعل، والذي أطلق عليه اسم ستيلاراتور stellarator، هو 150مليون واط والتي تكفي لتزويد 150 ألف منزل بالطاقة الكهربائية. واعتمد <لايمان> في تصميمه على أن الإلكترونات ستنسلخ عن ذراتها عند درجات الحرارة الهائلة اللازمة للاندماج. ويؤدي ذلك إلى تكوين حساء من الجسيمات المشحونة يسمى پلازما, ويمكن احتواؤه بواسطة المجال المغنطيسي. ويتكون ستيلاراتور <سپيتزر> في جوهره من زجاجة مغنطيسية تقوم باحتواء الپلازما في موضعها حتى مع تسخينها إلى درجات حرارة عالية تصل إلى ملايين الدرجات المئوية.

 

بيد أن <سپيتزر> وعلماء آخرين اتبعوا نهجه لم يكونوا على دراية عميقة بسلوك الپلازما. والذي عرفوه لاحقا كان مخيبا لتوقعاتهم، إذ تبين أن سلوك الپلازما لم يكن حسنا.

 

تخيل أنك تمسك بالونا مرنا وأنك تضغطه إلى أصغر حجم ممكن. وبغض النظر عن مدى انتظام الضغط واستوائه, فإن البالون سينفلت من بين أصابعك. إن الشيء نفسه ينطبق على الپلازما. ففي كل مرة حاول فيها العلماء احتواء الپلازما وتقييدها داخل كرة محكمة تماما لدرجة كافية لحدوث الاندماج كانت الپلازما تجد طريقا لتتسرب خارجا من الجوانب. وهذا أمر محير وله صلة وثيقة بكافة أنواع مفاعلات الاندماج – فكلما جعلت الپلازما أكثر سخونة وأكثر انضغاطا, كانت مقاومتها لجهودك في احتوائها أكبر.

 

 

التاريخ الموجز للاندماج(******)

 :1950قام العالم السوڤييتي <A.سخاروڤ> بتصميم زجاجة مغنطيسية، أطلق عليها اسم توكاماك، تستطيع احتواء الپلازما، غير أن عمل <سخاروڤ> في مجال الأسلحة النووية أبعده عن المشروع.

1951: قدم العالم <L.سپيتزر> [من جامعة پرنستون] مشروع ستيلاراوتر، الذي هو مفاعلٌ اندماجيٌ آخر يعتمد على المجالات المغنطيسية.

1952: قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتفجير إيڤي مايك، وهي القنبلة الهدروجينية الأولى في العالم.

1969: سافر علماء غربيون إلى موسكو للتحقق من تصميم سخاروڤ (للتوكاماك)، حيث وجدوا أنه ينتج پلازما أكثر سخونةً وأكبر كثافةً من المفاعل ستيلاراوتر. ولذلك؛ أصبحت الزجاجات المغنطيسية (التوكاماكات) هي السائدة في الأبحاث الاندماجية المستندة إلى المجالات المغنطيسية.

1977: استُخدم ليزر شيڤا في حث الاندماج بالسفعات الليزرية.

2010: يتعين على المنشأة NIF مباشرة  إجراء تجارب الاندماج للديتيريوم والتريتيوم في وقت متأخر من هذا العام.

2018 (تقريبا): ينتهي بناء المفاعلITER  كما هو مبرمج له. ومن المخطط  لأولى اختبارات اندماج الديتيريوم والتريتيوم أن تتم في عام 2026.

وطيلة العقود الستة التي تلت ذلك بذل العلماء جهودا كبيرة لتطويع الپلازما باستخدام زجاجات مغنطيسية أضخم وأضخم. وفي كل محاولة كان علماء الفيزياء يكشفون القناع عن جهاز مطور ومصمم للتخلص من المشكلات التي واجهت الأجهزة التي سبقته، وقد أظهرت الطاقات الأعلى تنوعات جديدة من المشكلات. ويقول <Ch.بيكر> [المدير السابق لبرامج الاندماج في مختبرات آرگون وأوك ريدج الوطنية والرئيس الحالي للجنة الاستشارية للمفاعل ITERفي الولايات المتحدة الأمريكية]: «بغض النظر عن كيفية التعامل معها، فالپلازما دائما قليلة الاستقرار.»

 

وقد شهدت أزمة الطاقة في سبعينات القرن المنصرم ولادة برنامج بحثي مواز للحصول على الاندماج، يهدف إلى محاولة تجنب بعض المشكلات المتعلقة بالپلازما المحتواة مغنطيسيا. وتعتمد التقنيات المستخدمة في هذا البرنامج على منظومة ليزرية تعمل على تسخين وعصر كرية من الديتيريوم والتريتيوم. لقد بدأ هذا البحث الذي أُجري في مختبر لورنس ليڤرمور الوطني باستخدام منصة تجريبية بسيطة تتكون من شعاعين ليزريين. وفي عام 1977أدت التطورات التي حصلت على القدرة الليزرية إلى التوصل إلى آلة شيڤاshiva (اسم إله الخلق والفناء لدى الهندوس)، وبعد ذلك بناء آلة نوڤا nova عام1984. والطاقة الليزرية لكل برنامج من هذين البرنامجين فاقت مقدار الطاقة الأعلى التي كان مختبر ليڤرمور ذاته قد سجلها سابقا. ولكن، كما في البرامج المغنطيسية، لم يتمكن هذان البرنامجان من الوصول إلى نقطة التعادل أي النقطة التي تتساوى فيها الطاقة الناجمة عن الاندماج مع طاقة الليزر المستنفدة. ولتحقيق ذلك، فإن مختبر ليڤرمور يحتاج إلى ليزر بقدرة أكبر 70ضعفا من قدرة أي من الليزرات التي ظهرت حتى الآن. وفي عام 1997 بدأ العمل ببناء المنشأة NIF.

 

السفعات الصغيرة(*******)

 

لا تبدو المنشأة NIF ذات أهمية من الخارج. فهي عبارة عن بناء من دون نوافذ وحجمه يقارب حجم حظيرة طائرات، وهو مطليٌ بلون بني فاتح بحيث لا يبدو مغايرا لأي مكتب في متنزه ضاحية من الضواحي. ولكن مثل معظم المشاريع العلمية الكبيرة – كالمصادم الهادروني الضخم الذي يخطر على البال فورا – إن ما يثير الرعب هو الأشياء المدفونة عميقا في داخله. توجد في داخل هذه المنشأة دستات من أنابيب عرضها متر ممدودة عبر المنشأة. وتنتهي الأنابيب إلى حجرة الهدف التي هي عبارة عن ثلاثة أدوار مزودة بفتحات لتمكين الليزرات من العبور من خلالها. وفي مركز هذه الحجرة يوجد هدف الديتيريوم والتريتيوم مستقرا في مكانه بواسطة ما يبدو كرأس قلم الرصاص. وستتركز الليزرات إلى ما يقرب من بضعة ميليِّمترات من النقطة المركزية حيث ستسحق الهدف مولدةً قدرا من الطاقة – على الأقل لجزء قليل من الثانية – يلبي احتياجات الأمة جميعها من الطاقة الكهربائية.

 

ومع أن المنشأة NIF قد صممت من أجل الوصول إلى نقطة التعادل، إلا أن رسالتها الرئيسية ذات علاقة بالأمن القومي. ففي عام 1996 وَقَّعَ الرئيس  الأمريكي الأسبق <بيل كلينتون> معاهدة حظر الاختبار الشامل، وجرّم اختبارات الأسلحة النووية في الولايات المتحدة الأمريكية. وللتأكد من أن الأسلحة بالمخازن ستستمر بصلاحيتها للاستخدام كما هو مخطط لها – أي إن الرؤوس الحربية جميعها لن يتم اللجوء إليها إلا إذا أعطى الرئيس أوامره بالضربة العسكرية – فقد قامت مختبرات الأسلحة النووية الوطنية في لوس ألاموس وليڤرمور بتأسيس برنامج للإشراف على مخازن الأسلحة، وهو عبارة عن نظام صيانة واختبار مصمم للتأكد من موثوقية ما يقدر بـ5200  رأس حربي  موجودة حاليا في المخازن.

 

 

الطريقة البارعة للحصول على التريتيوم(********)

   ينبغي على مفاعلات الاندماج أن تنتج وقودها من التريتيوم عن طريق سلسلة تفاعلات معقدة. حيث يبدأ ذلك بأن يقوم نيوترون بصدم أيون ليثيوم-7  المثبت في  منطقة محيطة بالمفاعل تعرف بالبطانة. يولد هذا التفاعل الهيليوم والتريتيوم والنيوترون. يتابع هذا النيوترون الثانوي مساره حيث يصطدم بأيون الليثيوم-6، والمثبت كذلك في البطانة منتجا أيون هيليوم وأيون تريتيوم.

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2010/7-8/2010_07_08_034.jpg

 

إن معظم أعمال الصيانة للأسلحة النووية هي أعمال روتينية بسيطة تتمثل بالإشراف على وتبديل أجزاء الأسلحة، إضافةً إلى مهمة أساسية وهي النمذجة الحاسوبية للانفجارات النووية. وهذه النماذج مفرطة الحساسية للشروط الأولية؛ ومن ثم فإن المنشأة NIF  مصممة لتزويد النماذج ببيانات تتعلق بانفجارات مصغرة للديتيريوم والتريتيوم. (والمنشأة ستستخدم أيضا لأغراض علمية أساسية – وأحد أول هذه الاستخدامات دراسة الموجات الصدمية الناجمة عن النجوم المستعرة الأعظمية Supernova).

 

وعندما بدأت المنشأة NIF بالعمل في الشهر5/2009، حظيت قدرتها على توليد الطاقة باهتمام محرري الصحف. فمثلا نشر <Th.فريدمان> عمودا في صحيفة نيويورك تايمز بعنوان «التوليد البارد للطاقة الحقيقي الآتي» كتب فيه: «كل كرية يتم سحقها تطلق دفقة من الطاقة يمكن استخدامها في تسخين ملح سائل يستثمر في إنتاج كميات هائلة من البخار الحار الذي يعمل على تشغيل العنفات (التوربينات) turbine، ومن ثم توليد كهرباء المنازل تماما مثل عمل الفحم حاليا.»

 

نظريا، إن ما يقوله <فريدمان> صحيح. إلا أن المنشأة NIF لم تُعد قط لتكون آلة توليد للطاقة القابلة للاستخدام. فالمنشأة، في خطة العمل الحالية، ستبدأ بتجارب اندماج الديتيريوم والتريتيوم في نهاية هذا العام، وبعدئذ يتم التوصل إلى نقطة التعادل بعد سنة أو أكثر من ذلك التاريخ، فيما إذا كان كل شيء يعمل بالشكل الصحيح. وللعلم، فإن ذلك لا يعني تعادل محطة طاقة وإنما يعني، كما يوضح <موسيس>، مجرد الحصول على طاقة منطلقة من الكرية أكبر من طاقة الليزر المستنفدة في الاندماج.(وللعلم، فإن الطاقة اللازمة لإنتاج ليزر بطاقة قدرها 4.2 مليون جول، وتلك الطاقة الضائعة قبل الوصول إلى الهدف لم تؤخذ بالاعتبار). ومع ذلك، فإنه من المحتمل تحقيق هذا المعلم البارز بعد أكثر من 15 عاما وقبل تشغيل المفاعل ITER.

 

عقبات في طريق المفاعل(*********)

 

وبغض النظر عن كيفية تحقق الاندماج، سواء كان ذلك باستخدام طاقة ليزرية في حدود الميگاجول أو بواسطة السحق المغنطيسي، فإن الطاقة الناتجة ستكون من نصيب النيوترونــات المتولدة من الانـدمــاج والتي لا تتأثر بالمجالات الكهربائية أو المغنطيسية لكونها متعادلة الشحنة. وإضافة إلى ذلك, فإن هذه النيوترونات تخترق معظم المواد الصلبة في خطوط مستقيمة.

 

والطريقة الوحيدة لإيقاف النيوترونات هي جعلها تصطدم بشكل مباشر بنواة الذرة. وعادة ما تكون هذه التصادمات مخربة. فطاقة هذه النيوترونات تكون عالية جدا بحيث إنها تستطيع إزاحة ذرات المعادن المتينة كالحديد مثلا من مواضعها. لذلك, فإن هذه التصادمات الشديدة تضعف بنية المفاعل وتحوِّل مادته إلى بنية هشة قابلة للكسر.

 

وفي حالات أخرى تحول هذه النيوترونات المواد المعتادة (المكونة للمفاعل) إلى مواد مشعة. فعملية اصطدام النيوترون بنواة الذرة قد تؤدي إلى امتصاصه من قبل النواة فتصبح غير مستقرة. لذلك, فإن حزمة من النيوترونات – حتى ولو كانت ناتجة من تفاعل نظيف مثل الاندماج – قد تجعل أي وعاء عادي خطيرا إشعاعيا، يقول <بيكر>: «إذا أراد أحد أن يبيعك أي نوع من الأنظمة النووية قائلا إنها خالية من الإشعاع؛ فلا تلتفت إليه واحتفظ بنقودك.»

 

إضافة إلى تحقيق الاندماج، فإن على المحطات الاندماجية أن تحول طاقة النيوترونات إلى حرارة تُشغِّل العنفات. إن التصاميم المستقبلية لمثل هذه المحطات تقوم بعملية التحويل هذه في منطقة محيطة بمركز الاندماج يدعى بالبطانة. ومع أن احتمال تصادم نيوترون ما بنواة أي ذرة ضعيف في البطانة، إلا أن بطانة سميكة ومصنوعة من مادة ملائمة – بسمك بضعة أمتار من الرصاص مثلا – ستمتص جميع النيوترونات التي تمر بها تقريبا. وهذا يؤدي إلى تسخين البطانة، ويقوم سائل تبريد مثل ملح منصهر بنقل الحرارة خارج المفاعل. ويستخدم هذا الملح الحار في غلي الماء وإنتاج البخار الذي يدير العنفات كما في أي مولد كهربائي.

 

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2010/7-8/2010_07_08_035.jpg
توهجٌ حار: منظر الپلازما داخل مشروع الأبحاث المتقدمة للتوكوماك الفائق الموصلية الكوري، الذي بدأ العمل في عام 2008.

 

 

التحديات

   على العلماء أن يتغلبوا على عدد من الصعوبات قبل أن يبزغ فجر الطاقة الاندماجية.

الحرارة : ينبغي أن تكون المواد الملامسة للتفاعلات قادرة على تحمل درجات حرارة عالية جدا لسنوات طويلة.

البنية : النيوترونات ذات الطاقة العالية تحيل المواد إلى مواد هشة.

الوقود : على مفاعل الاندماج أن يغذي ذاته بالتريتيوم الذي ينتجه من خلال سلسلة معقدة من التفاعلات.

الموثوقية : المفاعلات الاندماجية الليزرية تولد انفجارات متقطعة فقط، في حين ينبغي على المفاعلات الاندماجية المغنطيسية أن تحتوي الپلازما لأسابيع وليس لمدة ثوانٍ.

 

وعلى الرغم من أن البطانة ليست بتلك البساطة، فإنها تقوم بمهمة أخرى بالدرجة ذاتها من الأهمية كتلك المتعلقة باستخلاص الطاقة. فالبطانة تقوم بإنتاج الوقود الذي يغذي المفاعل.

 

ومع أن الديتيريوم موجود بوفرة ورخيص الثمن، إلا أن التريتيوم نادر جدا ويجب الحصول عليه من التفاعلات النووية. إن بإمكان محطة طاقة نووية معتادة أن تنتج ما بين 2 إلى 3 كيلوغرامات من التريتيوم سنويا، وبتكلفة تقريبية تتراوح ما بين 80 إلى 120 مليون دولار لكل كيلوغرام. ولسوء الحظ، فإن مفاعل الاندماج المغنطيسي سوف يستهلك ما يقرب من كيلوغرام من التريتيوم كل أسبوع، يقول <محمد عبده> [مدير مركز العلوم والتقانة الاندماجية في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس]: «إن ما يحتاج إليه الاندماج أكثر بكثير مما يستطيع تزويده الانشطار.»

 

وحتى تتمكن المحطة الاندماجية من إنتاج التريتيوم اللازم لها ذاتيا، عليها أن تستثمر بعض النيوترونات التي كانت ستستخدم في توليد الطاقة. ويوجد في داخل البطانة قنوات من الليثيوم، وهو معدن لين ونشط تفاعليا مما يجعله قادرا على أَسْر النيوترونات السريعة ليشكل الهيليوم والتريتيوم. بعد ذلك، يتسرب التريتيوم الناتج عبر القنوات المشار إليها، ويتم أسره بواسطة المفاعل وإعادته إلى الپلازما مجددا.

 

إلا أن الصورة تصبح مزعزعة عندما ندخل في التفاصيل الدقيقة. فكل تفاعل اندماج يلتهم أيون تريتيوم واحدا وينتج نيوترونا واحدا أيضا. لذلك، على كل نيوترون ينتج من المفاعل أن يولد أيون تريتيوم على الأقل، وإلا فإن المفاعل سيعاني نقص التريتيوم لكونه يستهلك تريتيومًا أكثر مما ينتج. ومن الممكن التغلب على هذه الصعوبة في حال قيام العلماء باستحداث تفاعلات متسلسلة ومعقدة. فأولا يصدم النيوترون نظير ليثيوم 7، والذي على الرغم من كونه تفاعلا مستهلكا للطاقة، فإنه يُنْتِجُ أيونا من التريتيوم ونيوترونا. بعدئذ هذا النيوترون الثاني يصدم نظير ليثيوم-6  منتجا نيوترونا آخر.

 

إضافة إلى ذلك، فإنه يجب تجميع هذه النيوترونات كافة وإدخالها إلى الپلازما بكفاءة 100% تقريبا. يقول <M.ديتمار> [فيزيائي الجسيمات الأولية في المعهد الفيدرالي السويسري للتقانة بزيورخ]: «في هذا التفاعل المتسلسل لا نستطيع فقدان نيوترون واحد، وإلا فإن التفاعل سيتوقف. وأول شيء ينبغي القيام به (قبل بناء المفاعل) هو أن نبين أن إنتاج التريتيوم سيتحقق، ومن الواضح أن هذا أمرٌ محال.»

 

يقول <هازيلتاين>: «إن هذه البطانة الاندماجية ألة رائعة حقا، فهي تمتص حرارة كبيرة وتتعامل معها بعناية فائقة دون أن تسخن أكثر من اللازم، أيضا فهي تمتص النيوترونات وهي مصنعة من مواد بعمر حياة كبير نسبيا على الرغم من تعرضها لتصادم هذه النيوترونات، وأخيرا تستثمر النيوترونات في تحويل الليثيوم إلى تريتيوم».

 

ولكـن لسوء الحظ، فإن المفاعـل ITER لا يقوم باختبار تصاميم البطانة مما يجعل العديد من العلماء – وخاصةً في الولايات المتحدة الأمريكية التي ليس لها دور كبير في تصميم، أو بناء أو تشغيل هذا المفاعل – يرون ضرورة وجود منشأة منفصلة لتصميم وبناء هذه البطانة. يقول <محمد عبده> في هذا الخصوص: «عليك أن تبرهن على أن بإمكانك القيام بذلك في نظام عملي، وإننا لم نقم ببناء أو اختبار البطانة أبدا.» وإذا ما خصصت الميزانية اللازمة لمثل هذه المنشأة غدا، فإن فهمنا للقضايا المتعلقة بها بشكل جيد سيستغرق ما بين 30 إلى 75  سنة وذلك قبل بناء وتشغيل المنشأة حسب تقدير <عبده>. يضيف <عبده> قائلا: «إنني أعتقد بإمكان إنجاز ذلك ولكنه يتطلب عملا كبيرا جدا.»

 

الكذبة الكبرى(**********)

 

لنقل إن ذلك قد تحقق في عام 2050. ولنقل إن كلا من المنشأة NIF والمفاعلITER قد حققا نجاحا متواضعا في تحقيق هدف الحصول على الطاقة في الوقت المناسب وضمن الميزانية المخصصة. ولنقل إن الطبيعة لم تحمل في ثناياها مفاجآت خلال تدرج الفيزيائيين في زيادة الطاقة لكل نظام؛ وإن الپلازما الفوضوية السلوك سلكت كما هو متوقع. لقد أوضحت منشأة منفصلة للمواد كيفية بناء بطانة تستطيع إنتاج التريتيوم وتحويل طاقة النيوترونات إلى طاقة كهربائية، إضافة إلى استقرار البطانة على الرغم من تعرضها المستمر لتصادمات الجسيمات دون الذرية خلال العمل اليومي للمحطة. ولنفترض أن التكلفة التقديرية النهائية لمحطة الاندماج هي فقط 10  بلايين  دولار. فهل سيكون هذا خيارا مفيدا؟

 

إن من الصعب الإجابة عن هذا السؤال حتى من قِبَلِ الذين أمضوا حياتهم في متابعة حلم الطاقة الاندماجية. والمشكلة هي أن المحطات الاندماجية – مثلها في ذلك مثل المحطات الانشطارية – تهدف إلى توليد الطاقة بصورة تمكن من استرداد تكلفتها الأولية الباهظة، الأمر الذي يستلزم تشغيلها المستمر. يقول <بيكر>: «كلما كان لديك نظام ذو رأسمال كبير, فمن الضروري تشغيله باستمرار لأنك لا تدفع تكلفة الوقود.»

 

ولسوء الحظ، فإن من الصعب جدا المحافظة على استمرار الپلازما في حالة عمل لأي فترة زمنية ملموسة. حتى الآن تمكنت المفاعلات من الاحتفاظ بالپلازما الاندماجية لأقل من ثانية واحدة فقط. ويهدف المفاعل ITER إلى الاحتفاظ بالپلازما المشتعلة لعشرات من الثواني. ويعد الانتقال من هذه الفترة إلى استمرارية الاحتفاظ بالپلازما دون توقف قفزة كبيرة نحو الأمام لم تتحقق بعد. يقول <بيكر>: «يحتاج الاندماج إلى تحقيق 90% من الأشياء المتاحة، ويتضمن ذلك الأمور المتعلقة بالصيانة المنتظمة. وهذا يمثل أعظم ارتياب في قصور الموثوقية الاقتصادية لنظم الاندماج النووي.»

 

ويرى <موسيس> [مدير المنشأة NIF] أنه يمتلك الإجابة. فقد تقدم باقتراح تصميم لمفاعل اندماجي انشطاري هجين – تستخدم فيه النيوترونات من التفاعلات الاندماجية المحفزة بالليزر لإحداث تفاعلات انشطارية في بطانة تتكون من النفايات النووية المعتادة. وأطلق على نظامه اسم LIFE – الاسم عبارة عن الأحرف الأولى من الجملة laser inertial fusion engine – ويقول إن بإمكانه تحقيق ذلك وربط النظام بالشبكة الكهربائية في غضون 20 عاما.

 

ويعتمد هذا النظام على حقيقة أن 5% من اليورانيوم فقط يستخدم قبل أن يتم سحبه وتخزينه في مستودعات النفايات النووية. في النظام LIFE يتم قذف نفايات الوقود النووي بالنيوترونات مما يؤدي إلى تسريع تفكك هذه النفايات إلى عناصر أخف وأقل إشعاعية، ويكون ذلك مصاحبا لإنتاج الحرارة التي يمكن استخدامها في توليد الطاقة الكهربائية. يقول <موسيس>: «تبين دراساتنا أن النظام LIFE سيكون منافسا لجميع مصادر الطاقة المعروفة حاليا  وأقل تكلفة منها.»

 

ومن الطبيعي أن لا يخلو النظام LIFE من أوجه قصور. يقول <E.مورس>[أستاذ الهندسة النووية في جامعة كاليفورنيا ببيركلي]: «ينبغي النظر إلى الكذبة الكبرى في كل برنامج، والكذبة الكبرى في الاندماج النووي الليزري هي أن بالإمكان صنع كبسولات الهدف بتكلفة خمسة سنتات للكبسولة». إن كبسولات الهدف عبارة عن كريات بحجم حبة الفلفل ومؤلفة من وقود الديتيريوم والتريتيوم مصنوعة بدقة بالغة وكروية الشكل تماما للتأكد من أنها تنضغط بالتساوي من كافة الجوانب؛ لأن أي نتوء في الكريات يبطل قابليتها للانفجار. وهذا يجعل إنتاج الكريات باهظ التكلفة. ومع أن مركز ليڤرمور الذي يخطط لصنع كرياته في الموقع لم يفصح عن التكلفة المتوقعة لإنتاجها، فإن مختبر ليزرات الطاقة العالية في جامعة روتشيستر يقوم بصنع كريات مماثلة من الديتيريوم والتريتيوم. يقول <مورس>: «إن الميزانية السنوية المخصصة لصنع كريات الهدف المستخدمة في روتشيستر تبلغ عدة ملايين من الدولارات، وهم يصنعون ست كبسولات سنويا، ومن ثم يمكن القول إن تكلفة القطعة الواحدة تبلغ مليون دولار.»

 

وعلى خلاف ما يجري في المنشأة NIF والتي بمقدورها أن تسفع كرية كل عدة ساعات، فإن تدوير الكريات إلى حجرة الهدف في النظام LIFE، سيتم بسرعة بندقية گاتلنگ. يقول <موسيس>: «وهي آلة تدور بمعدل 600 دورة في الدقيقة، إنها تشبه ماكينة سيارة بقدرة مليون حصان horsepower – مع عدم انبعاث كربوني.» إن محطة من صنف LIFE ستستنفد تقريبا 90000 كرية يوميا.

 

ويستحيل، بطبيعة الحال التنبؤ بما سيؤول إليه الوضع العالمي للطاقة بعد 20 سنة. ربما ستكون الحاجة إلى الطاقة الاندماجية أكبر من أي وقت مضى، أو على النقيض من ذلك من الممكن أن يحدث اكتشاف رئيسي في الطاقة الشمسية، أو طاقة الرياح أو طاقة بديلة ليست في الحسبان بحيث تبدو الطاقة الاندماجية غالية الثمن وليس من اليسير الحصول عليها مقارنة بتلك المصادر. يقول <هازلتاين>: «عندئذ، من الممكن أن يقول الناس: نعم، إنها تعمل وهذا شيء عظيم، ولكننا لسنا بحاجة إليها الآن لأن لدينا قائمة بمصادر أخرى.»

 

لقد كان الاندماج في منأى عن هذه الاعتبارات، حيث كان ينظر إليه على أنه يختلف جذريا عن الوقود الأحفوري ذي التأثير الملوث للبيئة أو اليورانيوم الخطر. وكانت الطاقة الاندماجية تبدو نقية ورائعة – بمنزلة علاج دائم ونهاية عطشنا إلى الطاقة. وكانت القضية تبدو قريبة من الكون المثالي الذي يطمح البشر دائما في الوصول إليه.

وفي الوقت الحالي، فإن هذه الرؤى تتراجع. فالاندماج ليس سوى أحد البدائل الإضافية وقد يستغرق الأمر عقودا حتى يؤتي ثماره. إن عملية الإشعال قد تكون قريبة، ولكن عصر الطاقة اللامحدودة ليس كذلك.

 

المؤلف

 

<M.موير>

  مراجع للاستزادة

 

Sun in a Bottle: The Strange History of Fusion and the Science of Wishful Thinking. Charles Seife. Viking, 2008.

 

Fusion as an Energy Source: Challenges and Opportunities.

W. J. Nutall. Report of the Institute of Physics, September 2008.www.iop.org/activity/policy/ Publications/file_31695.pdf

 

Safe and Sustainable Energy with LIFE. Arnie Heller in Science and Technology Review. Publication of Lawrence Livermore National Laboratory. April/May 2009. http://str.llnl. gov/AprMay09/moses.html

 

Research Needs for Magnetic Fusion Energy Sciences. Final workshop report, June 2099. www. burningplasma.org/renew.html

(*)FUSION’S FALSE Dawn

(**)FUSION FROM LASERS

(***)Nature’s Promise

(****)THE D-T REACTION
(*****)FUSION FROM MAGNETS

(******) THE SHORT HISTORY OF FUSION

(*******) Little Blasts

(********) THE T TRICK

(*********) Reactor Roadblocks

(**********) The Big Lie

(1) the National Ignition Facility

(2) ignition

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق