أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
العلوم الاجتماعيةبشرعلم الاجتماع

أصول الإبداع

أصول الإبداع(*)

الدلائل الحديثة تدفع العلماء إلى إعادة النظر في أصول

الإبداع البشري وفي الزمن الذي بدأ فيه أجدادنا بالتفكير

خارج الأطر البدائية التي فرضتها احتياجاتهم الأساسية.

<.H پرينگل>

 

 

باختصار  

 

لأمد طويل اعتقد العلماء أن الإنسان الأول كان أسير احتياجاته الأساسية وأنه كان عديم الإبداع حتى قرابة 40000 سنة، حين تفجرت فجأة قدراته على الابتكار.

ولكن الاكتشافات الأثرية التي أجريت خلال السنوات القليلة الماضية بينت أن أسلافنا تمتعوا بومضات من الابتكار قبل ذلك بكثير.

وتشير هذه النتائج إلى أن قدرة الإنسان على الابتكار نمت خلال مئات آلاف السنين، تدفعها معا عوامل بيولوجية واجتماعية.

 

 

يضم متحف اللوڤر لوحة تحمل الرقم 779، ومن دون توقيع أو تاريخ، عُلِّقت هذه اللوحة خلف لوح من الزجاج السميك في قاعة رئيسة تشع فيها الأنوار. وكل يوم، فيما عدا أيام الثلاثاء التي يغلق فيها المتحف أبوابه، ما أن تدق الساعة تسعا حتى تمتلئ القاعة بسيل من الباريسيين والسياح، من عشاق الفن وممن تثير الغرائبُ فضولهم. وبينما تختلط أصواتهم لتصير أشبه بطنين النحل يَمدُّ البعض رقابهم ليحصلوا على منظر أفضل، وترتفع عاليا أذرع بعضهم الآخر بحماس ليلتقطوا صوراً لهذه اللوحة بكاميرات هواتفهم المحمولة. ولكن معظم الزوار ينحنون إلى الأمام ونظرات الإعجاب تملأ وجوههم ليتفحصوا واحدة من أكثر ما أبدع الإنسان شهرة: لوحة الموناليزا التي رسمها <ليوناردو دا ڤنشي>.

 

ولهذه اللوحة التي رسمها <دا ڤنشي> في مطلع القرن السادس عشر سحرٌ أخاذ لا يماثله جمال أية صورة رسمت من قبل. ولكي يرسمها طوّر <دا ڤنشي>، الذي اشتُهِر بما كَتَب عن رغبته في صنع المعجزات، تقنيةً فنيةً أطلق عليها اسم سفوماتو sfumato، أي «الدخان» بالإيطالية. وخلال فترة امتدت عددا من السنوات كان يطلي لوحته بطبقات شفافة متتالية شَكَّلت على سطح اللوحة رقائق لا تتجاوز سماكة بعضها ثخن خلايا الدم الحمراء. ومن المرجح أنه قد قام بذلك مستخدما طرف إصبعه ليتحسس سطح اللوحة. وهكذا، راكم بالتدريج ما بلغ عدده 30 طبقة، الواحدة فوق الأخرى، بحيث خفّف حدة الخطوط وتدرج الألوان حتى بدا التكوين بمجمله وكأنه يقبع خلف حجاب رقيق من الدخان.

 

ومن الواضح أن الموناليزا نتاج عبقرية مبدعة، فهي تحفة تضاهي بقيمتها الفنية موسيقى موتسارت ومجوهرات فابرجيه والرقصات التي صممتها <.M كراهام> وغير كل ذلك من الإبداعات الكلاسيكية. إلا أن هذه التحف الشهيرة ليست سوى مظاهر رائعة عن سمة تكمن في صلب تكوين الإنسان: القدرة على ابتكار الجديد المرغوب فيه، والموهبة التي تمكنه من التحسين المستمر للتصاميم والتقانات – من السيارات التي لا تُصدِر انبعاثات ضارة والتي صنعت في اليابان إلى مركبات الفضاء الانسيابية على منصات الإطــلاق لدى وكالة الطيران والفضاء الوطنية (ناسا). وكما يقول <.C هنشلوود> [عالم الآثار في الجامعة Witwatersrand بجوهانسبرگ] فإن الإنسان الحديث مخترع متمرس أساسا وهو يحقق تقدما باستمرار مستندا إلى تجاربه وما ينجم عنها من معارف تقانية.

 

لقد شكَّل تحري الأسباب التي أدت إلى حيازة الإنسان الحديث القدرة اللامتناهية على الابتكار التي يمتلكها الآن موضوعا لدراسات علمية مكثفة: فنحن لم نكن دوما على هذا القدر من الإبداع. ومع أن سلالة الإنسان انطلقت من إفريقيا قبل نحو ستة ملايين سنة، فإن أسلافنا الإفريقيين لم يتركوا وراءهم شيئا يذكر من المبتكرات خلال حقبة امتدت 3.4 مليون سنة، قبل أن يغادروا تلك القارة، مما يشير إلى أنهم كانوا يقطفون طعامهم بأيديهم أو يستخدمون أدوات بسيطة كالعِصِيِّ، يحفرون ويطعنون بها للحصول على غذائهم من نبات أو حيوان. وبالطبع، لم يبق لنا من تلك الأدوات أثر، ولكن في برهة من الزمن بدأ أسلافنا الرحّل من الأناسين(1) homininss بتفتيت الحصى التي حملتها مياه  الأنهار والسيول مستخدمين مطارق حجرية وشكلوا أدوات حادة للقص والتقطيع. ولا ريب في أن هذا الابتكار يُضمِر قدرا مدهشا من البراعة، لكن الفترة المديدة التي تلت ذلك لم تشهد من المبتكرات ما يستحق الذكر على الإطلاق. فقد استخدم أسلافنا الأوائل الفأس الحجرية المتعددة المهام مدة لا تقل عن 1.6 مليون سنة، ولم يضيفوا إلى النمـوذج الأول إلا قـدرا صغيـرا مـن التعـديلات. وكما تقول <.S مكبريارتي> [اختصاصية علم الآثار في جامعة كونتيكت]: «إن تلك الأدوات كانت في الواقع نمطية إلى حد بعيد.»

 

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2013/09-10/sa0313Prin02_opt.jpeg

 

إذن، متى بدأ العقل البشري يستخدم الأفكار الجديدة في مجالات التقانة والفنون؟ حتى وقت قريب، كان معظم الباحثين يجيبون عن هذا السؤال إشارة إلى بداية العصر الحجري القديم الأعلى(2) قبل نحو 400 ألف سنة، عندما شرعت سلالة الرجل العاقل Homo sapienss في فورة مفاجئة من الاختراعات المدهشة في أوروبا: فصَنَعَت قلادات من الأصداف وزينت جدران الكهوف التي كانت تقطنها بلوحات أنيقة لثور الأرخص aurochs وغيره من حيوانات العصر الجليدي، كما نَحَتَت مجموعة وافرة من الأدوات الجديدة التي شكّلتها من الأحجار والعظام. وقد حفزت هذه اللقى finds بروز نظرية تمتعت بقبول واسع النطاق، مفادها أن طفرة جينية عشوائية(3) حدثت في تلك الآونة وتُرد إليها وثبة  معرفية قَدَحَت زناد الإبداع بين بني البشر.

 

ولكن الأدلة الحديثة تطرح الآن شكوكا جدية حول نظرية الطفرة الجينية. فقد اكتشف علماء الآثار خلال العقد الماضي أدلة تتضمن أعمالا فنية وتقانات متطورة تفوق بقِدَمِها ما جرى العثور عليه من قبل، وتشير إلى أن قدرة البشر على تطوير أفكار جديدة قد برزت في وقت يسبق بكثير ما كانوا يعتقدون – بل يعود إلى حِقَبٍ سبقت ظهور الإنسان العاقل قبل 200 ألف سنة. ومع أن قدراتنا الإبداعية ظهرت في ذلك الزمن الغابر، إلا أنها بقيت كالجمر تحت الرماد آلاف السنين قبل أن تُطلق لهيب الإبداع في سلالة البشر بإفريقيا وأوروبا. وكما يبدو الآن، فإن الأدلة تشير إلى أن قدرتنا على الابتكار لم تنطلق فجأة في حقبة متأخرة من تاريخ تطور سلالة البشر، بل إنها تنامت عبر مئات الآلاف من السنين، مدفوعة بخليط معقد من عوامل بيولوجية واجتماعية متشابكة.

 

وبالتحديد، متى بدأ الإنسان بالتفكير خارج النطاق الذي تمليه احتياجاته الأساسية للبقاء؟ وما هي العوامل التي تضافرت لتذكي لهيب الإبداع البرّاق الذي يميز سلالة البشر؟ إن الإجابة عن أسئلة كهذه تستدعي تحريات تشبه ما نصادفه في قصة بوليسية تضم عدة خيوط من الأدلة، بداية من الدليل الذي يشير إلى أن الجذور البيولوجية لقدرتنا على الابتكار تعود إلى ماضٍ أبعد قِدما عما ظنّه العلماء من قبل.

 

استنتاجات

تخمير العبقرية(**)

 

توجد الآن أمثلة مدهشة حول تنامي قدرات الإنسان على الابتكار في مجالات التقانة والفنون خلال مئات الآلاف من السنين حتى وصولها إلى درجة الغليان قبل 60 إلى 90 ألف سنة في إفريقيا و40 ألف سنة في أوروبا. ويبدو من المحتمل أن عوامل اجتماعية من بينها تنامي تعداد البشر أدت دورا مهما في تحريض قدرات أسلافنا على الابتكار، وذلك من حيث ازدياد احتمال توصل أحد أعضاء المجموعة إلى اختراق تقاني، وكذلك من حيث تعزيز الترابط بين المجموعات، مما يسمح لأفرادها بتبادل الأفكار. والمخطط الزمني المجاور يعرض الأدلة الأقدم للابتكارات التي أدت إلى نقطة الغليان الثقافية التي بلغها بنو البشر.

 

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2013/09-10/Image223.jpg

 

 

أُمُّ الاختراع(***)

 

لطالما اعتبر الآثاريون (علماء الآثار)(4) أن استخدام الرموز هو واحد من أهم  المؤشرات على بزوغ المعرفة لدى الإنسان الحديث، وهذا يُردّ إلى حد بعيد إلى أن استخدام الرموز شاهدٌ على قدرة استخدام اللغة، وهي سمة بشرية مميِّزة. وهكذا، فإن رسوم الكهوف المذهلة من العصر الحجري القديم الأعلى تشير بوضوح إلى أناس كانوا يفكرون كما نفكر نحن. ولكن الخُبراء بدؤوا حديثا بالبحث عما يُلْمح إلى أنماط أخرى من سلوك الإنسان الحديث وتحري أصول هذه الأنماط في السجل الآثاري archaeological record، ليخرجوا بقرائن مثيرة.

 

لقد كرست <.L وادلي> [من جامعة Witwatersrand] مرحلة كبيرة من حياتها العملية في دراسة المعرفة لدى الإنسان القديم، مما قادها في تسعينات القرن الماضي إلى الشروع في تنقيب كهف سيبودو الذي يقع على بعد 40 كيلومترا شمال دربان في جنوب إفريقيا، حيث اكتشفت مع الفريق الذي يعمل معها منذ سنتين طبقةً غريبة بيضاء اللون من ألياف المواد النباتية. وقد بدت لها هذه المواد أجزاء من فِراش كان الإنسان القديم الذي كان يعيش في ذلك الكهف يصنعه من أعشاب وأغصان وأوراق النباتات، ليجلس وينام عليه. ولكن من المحتمل أن تكون هذه الطبقة النباتية قد تشكلت بفعل الرياح عندما عصفت بأوراق وأغصان النباتات الذابلة إلى داخل الكهف. وكما تستذكر <وادلي> فقد كانت الوسيلة الوحيدة للتحقق من الاحتمال الأرجح أن تُغلف الطبقة بأكملها ضمن سترة واقية من الجص plaster وتأخذها إلى المختبر لمعاينتها عن كثب. وقد استغرق العمل على وقاية هذه الطبقة النباتية ثلاثة أسابيع، وكانت <وادلي> خلالها تتبرم متسائلة «عما إذا كانت تفعل الصواب أو أنها تضيع الوقت المتاح لإجراء الأبحاث الحقلية؟»

 

إلا أن رهان <وادلي> عاد عليها بمنافع لا تقدر بثمن. ففي الشهر 2011/12 كتبت <وادلي> مع زملائها، في مجلة Science، أن قاطني كهف سيبودو كانوا قد انتقوا أوراق أشجار من نباتات تنتمي إلى نوع واحد فقط من بين أنواع الشجيرات التي توافرت حولهم قبل 77 ألف سنة تقريبا، أي قبل نحو 50 ألف سنة من أي اكتشاف جرى الإعلان عنه من قبل. ولكن ما كان أكثر إثارة للدهشة هو أن قاطني الكهف كانوا على دراية متطورة بأنواع النباتات المحيطة بهم. فقد بينت التحاليل أن الأوراق المنتقاة لصنع الفراش كانت قد قُطِفَت من شجرة تدعى Cryptocarya woodii تحوي مواد طبيعية مبيدة للحشرات واليرقات التي تحمل اليوم أمراضا مميتة. «وهي مواد من المفيد توافرها في فراش الإنسان، وخاصة إذا كان يعيش بالقرب من أحد الأنهار،» على حد قول <وادلي>.

 

ولم تقف العقول الخلّاقة في كهف سيبودو عند هذا الحد. فمن المرجح أن قاطني هذا الكهف قد طوروا أيضا كمائن للقبض على الظباء الصغيرة التي تتناثر بقاياها على أرض الكهف، كما صنعوا أقواسا وسهاما لاصطياد طرائد أكثر خطورة، بالنظر إلى أحجام وأشكال الأنصال الحجرية التي وُجدت في الكهف وعلامات الاهتراء التي بدت عليها. إضافة إلى كل ما سبق، فإن صيادي كهف سيبودو صنعوا عددا من المركَّبات الكيميائية الجديدة المفيدة. إذ تبين لفريق البحث لدى تحليل بقايا داكنة تلوثت بها الأنصال الحجرية التي عثروا عليها في الكهف أن هذه البقايا هي من مزيج من أصماغ عديدة المكونات كانت تستخدم في تثبيت الأنصال على الرماح الخشبية. بعد ذلك شرعت <وادلي> مع زملائها في سلسلة من التجارب ليقلدوا ما كان صيادو الكهف قد قاموا به لصنع تلك المواد اللاصقة. فمزجوا جسيمات من المََغْرة ocher ذات الأحجام المتباينة بأصماغ نباتية وسخنوا الخلائط الناتجة على نار الحطب. وقد نُشِر ما توصلوا إليه في مجلة Science، فبينوا أن سكان الكهف قد امتلكوا قبل نحو 70 ألف سنة على الأغلب مهارات متميزة في الكيمياء chemistry والخيمياء alchemy وتقانات المعالجة بالنار pyrotechnology.

 

وفي أماكن أخرى من جنوبي إفريقيا، عثر الباحثون مؤخرا على آثار تشير إلى كثير من المخترعات المبكرة الأخرى. فالصيادون اللمامون hunter-gatherers الذين سكنوا كهف بلومبوس(5) ما بين 100 و722 ألف سنة مضت، حفروا أشكالا  على كتل المغرة وصنعوا خرّامات من العظام، ربما ليستخدموها في خياطة الملابس الجلدية؛ وزينوا أنفسهم بخيوط من خرز صنعوها من الأصداف اللمّاعة؛ وبنوا استوديو (مُحْتَرَفا) studio كانوا يطحنون فيه المغرة الحمراء ويخزنونها ضمن أصداف الأبالون abalone، فيما يمثل أَبْكَرَ مثال نعرفه عن استخدام الحاويات. وإلى الغرب من هذا الكهف، وفي موقع يدعى پيناكل پوينت قام الإنسان القديم بتحوير الحجارة التي كان يعمل بها قبل 164 ألف سنة، إذ أخذ صخور السلكريت silcrete المحلية ذات النوعية المتدنية وعالجها على نار تحكَّم في حرارتها ليحولها إلى مادة لامعة يمكن نحتها بسهولة. وكما يعلق <هنشلوود> قائلا: «إننا نشهد الآن سلوكا لم نكن نحلم بوجوده قبل عشر سنوات.»

 

a0313Prin191.psd 

حكمة قديمة: أثمرت حفريات مضنية في كهف سيبودو بجنوب إفريقيا (في اليمين) عن أدلة تشير إلى استخدام قاطني الكهف فِراشا (في أعلى اليسار) صُنِّع من نباتات تطرد الحشرات (في أسفل اليسار) قبل نحو 77 ألف سنة، أي 50 ألف سنة قبل أقدم النماذج التي سبق اكتشافها.

 

 

 

a0313Prin11.psd

 

a0313Prin10.psd

 

إضافة إلى ما سبق، فإن الإبداعات التقانية لم تكن حكرا على الإنسان الحديث، فهنالك ما يشهد بامتلاك الأناسيد الأخرى خصالا إبداعية. ففي شمالي إيطاليا اكتشف فريق بحثي يرأسه <.P مازّا>، وهو آثاري من جامعة فلورنس، أن أقرباءنا من سلالة النياندرتال Neandertals الذين ظهروا لأول مرة في أوروبا قبل نحو 300 ألف سنة، صنعوا صمغا من قطران قشور شجرة البتولا birch ليلصقوا به رقائق حجرية بمقابض من الخشب، وهكذا صنعوا أدوات مركبة قبل 200 ألف سنة. وعلى نحو مماثل، استنتجت دراسة نشرتها مجلة Science في الشهر 2012/11 أن نصالا حجرية عُثر عليها في موقع يدعى كاثو پان 1(6) في جنوب إفريقيا كانت قد استخدمت رؤوسا لرماح عمرها 5000 ألف سنة، ومن المرجح أنها صنعت من قبل الإنسان القديم هومو هايدلبرگنسيس Homo heidelbergensis، وهو آخر سلف مشترك لكل من النياندرتال والإنسان العاقل. وفي كهف فُندرفِرك Wonderwerk بجنوب إفريقيا تشير طبقة من الرماد، تحوي قطعا من عظام محروقة إلى أن نوعا أقدم من الأناسين، ويدعى الإنسان المنتصب Homo erectus، تعلم كيف يوقد النار طلبا للدفء والحماية من الوحوش المفترسة قبل ما يناهز المليون سنة.

 

وحتى أسلافنا في الماضي السحيق كانوا قادرين أحيانا على الخروج بأفكار جديدة. ففي موقعين بالقرب من نهر كادا گونا في إثيوبيا عثر فريق يقوده <.S سيماو> [الاختصاصي بعلم الإنسان القديم paleoanthropology من جامعة إنديانا] على أقدم أدوات تعرف بالسكاكين الحجرية يبلغ عمرها 2.6 مليون سنة، وقد نحتها أوستراوپثيكوس گارهي Australopithecus garhi – أو من عاصره من أجناس – من الحجرِ، وكان يستخدمها لكشط اللحم عن جثث الحيوانات التي اصطادها. ولا ريب في أن مثل هذه الأدوات تبدو لأعيننا بدائية لأبعد الحدود، فهي بعيدة كل البعد عن الهواتف الذكية والحواسيب المحمولة واللوحية التي تطرحها اليوم خطوط الإنتاج الحديثة. «ولكن عندما كان العالم لا يحوي إلا ما تنتجه الطبيعة، فإن القدرة على تخيل شيء ما ومن ثم تحويله إلى حقيقة يبدو بمثابة السحر،» كما كتبت <.L گابورا> [الاختصاصية في علوم المعرفة من جامعة بريتِش كولومبيا] وزميلها <.S كاوفمان> [خبير علم النفس الذي يعمل الآن في جامعة نيويورك] في واحد من فصول كتيب كامبريدج حول الإبداع The Cambridge Handbook of Creativity (صدر عن مطبعة جامعة كامبريدج، عام 2010).

 

المعرفة والإبداع(****)

 

ومع أهمية ومضات الإبداع المبكرة تلك، فإن الفروقَ الشاسعة، عمقا واتساعا، بين ما أنجزه الإنسان الحديث وما توصل إليه أسلافه من مبتكرات يتطلب تفسيرا. فما هي التغيرات التي حصلت لأدمغتنا لتميّزنا عن أسلافنا؟ لقد بدأ الباحثون بفكّ هذا اللغز بتفحص مسوح scans ثلاثية الأبعاد لأقحاف الأناسين القدامى من خلال دراسة أدمغة أقرب أنواع الحيوانات إلينا من وجهة نظر تطورية، وهي قرود الشمبانزي والبونوبو bonobo، الذين تفرع أسلافهم عن نسبنا المشترك قبل نحو ستة ملايين سنة. وتوضح البيانات التي حصل عليها الباحثون، المدى البعيد الذي وصل إليه – بمرور الزمن – تطورُ المادة الرمادية لدى الإنسان.

 

وبصورة عامة، فإن عوامل الانتقاء الطبيعي natural selection رجحت نشوء أدمغة كبيرة لدى الإنسان الحديث. فبينما كان أنسباؤنا من الأسترالوپثِسين australopithecine يمتلكون جماجم تبلغ سعة قحفها 450 سنتيمترا مكعبا، تقارب سعة القحف لدى بعض قرود الشمبانزي، فإن الإنسان المنتصب كان يمتلك سعة قحفية تزيد على الضعف، بلغ وسطيها 930 سنتيمترا مكعبا، قبل 1.6 مليون سنة. وقبل 100 ألف سنة أضحى وسطي سعة قحف الإنسان العاقل يقارب 1.330 سنتيمترا مكعبا. وضمن هذا الحيز المتسع الذي يشغله دماغ الإنسان العاقل تقوم نورونات (عصبونات) neurons، يقدر عددها بمئة بليون نورون، بمعالجة المعلومات ونقلها عبر 165 ألف كيلومتر من الألياف العصبية المحمية بأغلفة واقية وعبر ما يقارب 0.15 كوادريليون(7) quadrillionn من المشابك العصبية synapses. ويشير <.DD فالك> [الخبير في علم الباليونُرولوجيا paleoneurology من جامعة الولاية بفلوريدا] أنه إذا نظرنا إلى العلاقة بين هذه السعة وما تبديه لنا السجلات الآثارية فيبدو أن هناك علاقة بين حجم الدماغ والإنتاجية productivity الفكرية والتقانية.

 

«ليس المهم كم أنت ذكيّ بل كم هي جيدة علاقاتك.»

<.M طوماس>، جامعة لندن كوليج

 

ولكن ازدياد حجم الدماغ لم يكن التطور الوحيد الذي حَدَثَ بمرور الزمن. ففي جامعة كاليفورنيا تقوم <.K سِمِنديفيري> [الاختصاصية في الأنثروبولوجيا الفيزيائية] بدراسة منطقة في الدماغ تدعى قشرة الفص الجبهي prefrontal cortex، وهي المنطقة التي يعتقد أنها المسؤولة عن التنسيق بين التفكير وإنجاز العمل الرامي إلى أهداف محددة. ومن خلال تفحص هذه المنطقة في دماغ الإنسان الحديث ولدى قرود الشمبانزي والبونوبو، اكتشفت <سِمِنديفيري> مع زملائها أن عددا من المناطق الجزئية subareas الجوهرية في قشرة الفص الجبهي قد خضعت لإعادة تنظيم أساسي خلال تطور الأناسين. وعلى سبيل المثال، فإن المنطقة الجزئية التي تدعى برودمان 10، وهي المسؤولة عن تحقيق الخطط وتنظيم المدخلات الحسية sensory، قد تزايد حجمها بمقدار الضعف بعد تفرع قرود الشمبانزي والبونوبو عن سلالة الإنسان. وإضافة إلى ذلك، فإن المساحات الأفقية بين النورونات في هذه المنطقة الجزئية توسعت بمقدار 50 في المئة مما أتاح حيزا أوسع لاحتواء مزيد من المحاوير axons والتغصنات dendrites، وسمح بتكوين صلات أكثر تعقيدا وأبعد مدى بين النورونات. ومن ثم أدى ذلك، كما يشير <فالك>، إلى تواصل أكثر تعقيدا وقدرة أكبر على التخليق synthesis.

 

هذا، وإن تحديد الكيفية التي يتسنى بموجبها لدماغ أكبر أعيد تنظيمه امتلاك قدرة أكبر على الإبداع ليس بالأمر اليسير. ولكن <گابورا> يعتقد أن دراسات علم النفس التي أجريت على أناس مبدعين تقدم لنا دليلا مهما. إذ يبدو أن المبدعين هم أفراد سارحو الذهن(8) متميزون. وعند التصدي لمعضلة ما، فإنهم  يطلقون العنان لأفكارهم، بحيث تستحضِر الفكرة أو الذكرى تلقائيا أفكارا أو ذكريات تتصل بها من قريب أو بعيد. ومن مزايا هذا الترابط الحر بين الأفكار والذكريات أنها تسمح بنشوء أفكار خلاقة خارجة عن المألوف. وكما تقول <گابورا>، عندما يستقر واحد من هؤلاء المبدعين على فكرة، ولو كانت غير واضحة تماما، لحل المعضلة المطروحة فسرعان ما تتحول أفكارهم نحو نمط يغلب عليه التحليل، لتتركز على أبرز الخواص المتعلقة بالحل، ومن ثم يشرعون في صقل الفكرة التي يتمحور حولها الحل كي تصبح قابلة للتطبيق.

 

وعلى الأغلب، كما تلحظ <گابورا>، فإن الدماغ الأكبر أدى إلى تعاظم القدرة على الترابط الحر. إذ يمكن لدماغ يحوي بلايين النورونات أن يخزن عددا أكبر من المحفزات stimuli المكوَّدة encoded. وإضافة إلى ذلك، فمن الممكن أيضا لعدد أكبر من النورونات أن يشترك في تكويد حادثة معينة، مما يؤدي إلى تشكل ذكرى لتلك الحادثة أغنى بالتفاصيل وكذلك إلى عدد أكبر من المسالك التي يمكن بموجبها ربط محفز بآخر. لنتخيل كما تقول <گابورا> أن أحد الأناسين احتك بنبات به أشواك حادة جرحته. وإذا حدث ذلك لفرد من الأوسترالوپثِسين، فإن دماغه يكوّد الحادثة بصورة بسيطة تتضمن الشعور بالألم وعلاقته بخصائص النبات الشوكي التي تسنى له تعرّفها. ولكن الإنسان المنتصب، بما لديه من مجموعة أكبر من النورونات قد يتمكن أيضا من تكويد عدد أكبر من الجوانب المتصلة بهذه الحادثة، مع ما قد يتضمن ذكرى نهايات الأشواك الحادة واللحم الذي مزقته. وهكذا، فعندما يشرع هذا الإنسان المنتصب في الصيد، فإن رغبته في قتل الطريدة قد تنشّط جميع المواقع المتصلة باللحم الممزق وتجلب إلى ذهنه احتكاكه بالنبات ذي الأشواك الحادة. وربما أوحت له هذه الذكريات عندئذ بفكرة جديدة عن سلاح يمكن أن يستخدمه لقتل الطريدة: رمح مزود بنهاية مدببة وحادة.

 

ولكن لم يكن بمقدور الأناسين ذوي الأدمغة الأكبر حجما إضاعة الكثير من الوقت في حالة من التفكير الترابطي، حيث يستدعي كل ما يلحظونه فيضا من الذكريات بعضها مهم والكثير منها غير ذي بال. بل إن بقاءهم على قيد الحياة كان يعتمد في معظم الأحيان على التفكير التحليلي، أو الانكفاء إلى النمط الأسلم من السلوك. لذا، كان لزاما على أسلافنا أن يطوروا أسلوبا يسمح لهم بانتقال يسير من نمط في التفكير إلى آخر وذلك من خلال تحكم دقيق بتراكيز الدوپامين dopamine وغيره من النواقل العصبية neurotransmitters. وتفترض <گابورا> أن الإنسان العاقل ربما تطلب عشرات آلاف السنين كي يصقل هذه الآلية قبل أن تتسنى له الاستفادة بصورة تامة من المزايا التي منحه إياها دماغه الكبير. وتقوم <گابورا> الآن مع زملائها باختبار هذه الفرضية باستخدام شبكة عصبية صنعية. فهم يستخدمون نموذجا حاسوبيا يحاكون فيه مقدرة الدماغ على التحول من النمط التحليلي إلى الترابطي ليتعرفوا كيف يمكن لهذا التحول أن يساعد المرء على التخلص من أزمة معرفية والنظر إلى الأشياء بصورة مستحدثة. «فامتلاك نورونات أكثر ليس كافيا، بل عليك أن تتمكن من استخدام هذا الفائض من المادة الرمادية،» وهذا ما تؤكده <گابورا>. وما أن وُضِعَت هذه القطعة الأخيرة من الأحجية في مكانها – ربما قبل ما يقارب 100 ألف سنة – حتى صارت عقول أسلافنا بمثابة علبة تحوي مواد قابلة للاشتعال، تنتظر الظروف الاجتماعية الملائمة كي تلتهب.

 

البناء على الألمعية(*****)

 

وفي خريف عام 1987 لاحظ باحثان من جامعة زيورخ، هما <.Ch و .H بويش> لدى مراقبتهما مجموعة من قرود الشمبانزي تبحث عن الطعام في الحديقة الوطنية في ساحل العاج، سلوكا لم يشاهداه من قبل. فبالقرب من عش للنمل على الأرض توقف أحد القردة وتناول غصنا غمسه في التربة الرخوة التي كانت تغطي مدخل العش وقبع ينتظر هجوم جنود النمل. وما أن تسلقت حشود جند النمل المحاربة مسافة 10 سنتيمترات على الغصن حتى سحبه القرد من العش وأداره نحو فمه ملتهما النمل المحارب كله، كما نتناول نحن وجبة خفيفة. وأعاد القرد العملية مرة بعد مرة حتى شَبِعَ.

 

إن قرود الشمبانزي بالغة البراعة في استخدام طيف عريض من الأدوات – إذ تستخدمُ الأحجارَ لتكسّر بها الجوز وتغرف به الماء من تجاويف جذوع الأشجار بواسطة أوراق الشجر، وتستخرج جذور النباتات المغذية بحفر الأرض مستخدمة العصي. ولكن لا يبدو أنها تستطيع البناء على هذه المعارف أو أن تبتكر تقانات أكثر تقدما. إذ يمكن لقرود الشمبانزي أن تعلّم سواها من القرود صيد النمل الأبيض، وكما يقول <هنشلوود>: «ولكن هذه القرود لا تسعى إلى تحسين أساليبها فهي لا تقول لأنفسها: “دعنا نقوم بهذا العمل باستخدام عصا مختلفة” بل تراها تقوم بالعمل ذاته بالصورة ذاتها مرة بعد مرة.» أما الإنسان الحديث فلا يعاني مثل هذه المحدودية(9). بل على العكس من ذلك، فنحن نقتبس كل يوم أفكار الآخرين ونطعّمها بشيء من عندنا، ونضيف إليها تحويرا بعد آخر حتى ننتهي إلى شيء جديد معقد. فعلى سبيل المثال، لم يأت شخص وحده، بكل ما تضمنه الحاسوب المحمول من تقانات معقدة: بل إن مثل هذه المنجزات تنجم دوما عن تبصر خلّاق يقوم به جيل بعد آخر من المخترعين.

 

يطلق اختصاصيو الأنثروبولوجيا على هذه الموهبة التي تميز جنسنا البشري اسم التصعيد الثقافي(10). وتتطلب قبل كل شيء القدرةَ على نقل المعارف من فرد إلى آخر ومن جيل إلى الجيل الذي يليه، وهكذا حتى يأتي أحدهم بفكرة تحسّن الأصل. وقد نشرت مجلة Science في الشهر 2012/3 دراسة وضعها <.L دين> وأربعة من زملائه – و<دين> اختصاصي في سلوك الحيوانات المرتقية (الپريماتولوجيا) primatologist، يعمل الآن في الجمعية الفيزيولوجية بلندن – بينوا فيها لماذا يمكن للكائنات البشرية القيام بالتصعيد الثقافي بينما لا يمكن ذلك لقرود الشمبانزي والكاپوتشين capuchin. فقد صمم <دين> وفريقه أحجية تجريبية تتضمن ثلاثة مستويات متتالية من الصعوبة، ثم قدموا هذه الأحجية إلى مجموعات من قرود الشمبانزي في تكساس وقرود الكاپوتشين في فرنسا وتلاميذ في روضة للأطفال بإنكلترا، ومن بين 55 من المشاركين من غير البشر لم يصل إلى المستوى الأرفع من المهارة إلا واحد من قرود الشمبانزي، وذلك بعد 30 ساعة من التجريب. أما الأطفال، فكان أداؤهم أفضل بكثير. فعلى العكس من مجموعتي القرود كان الأطفال يعملون متعاونين – وكانوا يتكلمون فيما بينهم، ويشجع أحدهم الآخر ويبينون لبعضهم بعضا السبيل الصحيح لحل الأحجية. وبعد ساعتين ونصف من التجريب بلغ 15 من أصل 35 طفلا المستوى الثالث من الصعوبة.

 

لقد أتاحت هذه المهارات المجتمعية والإمكانات المعرفية لأسلافنا القدرةَ على نقل المعارف بيسر فيما بينهم – وهو شرط أساسي للتصعيد الثقافي. ولكن أمرا إضافيا كان ضروريا كي يتسنى للإنسان العاقل الوصول إلى درجات أرفع من الإبداع قبل 60 إلى 90 ألف سنة خلت في إفريقيا، وقبل 40 ألف سنة في أوروبا. ويعتقد <.M طوماس> [وهو اختصاصي في علم الوراثة التطورية evolutionary genetics بجامعة لندن] أن الديموغرافيا demography قدمت هذا الدعم الإضافي. والفرضية الأساسية التي يقدمها <طوماس> بسيطة. فكلما كَبُرَ عدد مجموعة الصيادين اللمامين، تزايدت الفرص لقيام واحد منهم بابتكار يسهم في تحسين التقانات التي يستخدمونها. وإضافة إلى ذلك، فإن الأفراد ضمن المجموعات الكبيرة الذين كثيرا ما يحتكون بجيرانهم يمتلكون حظوظا أكبر لتعلم مبتكرات جديدة من أولئك الذين ينتمون إلى مجموعات معزولة أصغر. وكما يقول <طوماس>: «ليس المهم كم أنت ذكيّ، بل كم هي جيدة علاقاتك.»

 

ولاختبار هذه الفرضيات طوّر <طوماس> واثنان من زملائه نموذجا حاسوبيا يحاكي تأثير الديموغرافيا في عملية التصعيد. وتمكنوا، استنادا إلى بيانات جينية genetic data استقوها من الأوروبيين المعاصرين، من تقدير تعداد مجموعات الأوروبيين الذين عاشوا في العصر الحجري القديم الأعلى، حين بدأت دلائل الإبداع البشري بالظهور، وبالرجوع إلى ذلك حددوا كثافة السكان. ومن ثم درس الباحثون المجموعات البشرية في إفريقيا عبر الزمن وقاموا بمحاكاة تنامي تعداد هذه المجموعات والهجرات التي قامت بها. وبيّن النموذج الذي استخدموه أن الكثافة السكانية في المجموعات الإفريقية وصلت إلى الكثافة نفسها التي تميزت بها المجموعات الأوروبية في العصر الحجري القديم الأعلى منذ 101 ألف سنة، مباشرة قبل أن يُقلع الابتكارُ في إفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى، حسبما تشير إليه السجلات الآثارية. وكما بيّن النموذج أن الشبكات المجتمعية الكبيرة تحفز الإبداع البشري بشدة.

 

وتلقي أدلة آثارية نُشرت في مجلة Nature في الشهر 2012/11 الضوءَ على النهضة التقانية التي تبعت ازدياد الكثافة السكانية في جنوب إفريقيا. فقبل نحو 71 ألف سنة وضع الإنسان العاقل في پيناكل پوينت وصفة معقدة لصنع أنصال حجرية خفيفة الوزن تستخدم في صنع أسلحة مقذوفة تَمّ نقلها إلى آخرين. وقد تضمنت هذه الوصفة تسخين أحجار السلكريت إلى درجة حرارة معينة ليتسنى نحت أنصال قشرية لا يزيد طول الواحد منها على سنتيمترين فقط، يجري تثبيتها بعد ذلك بواسطة صمغ منزلي الصنع، على رماح صنعت من العظام. وكما تلحظ الآثارية <.F كوارد> [من جامعة رويال هولواي في لندن] و<.M گروف> [من جامعة ليڤربول بإنكلترا] في بحث نشراه في الدورية PaleoAnthropology عام 2011، فإن الإبداعات الثقافية تحتاج، كما هي الحال بالنسبة إلى الڤيروسات، إلى ظروف مجتمعية محددة للغاية كي تنتشر، وعلى الأخص فإنها تتطلب مجموعات كبيرة ومترابطة من البشر ليتناقلوا العدوى فيما بينهم.

 

ويعيدنا كل هذا إلى العالم المتصارع الزاخر والوثيق الترابط الذي نعيش فيه اليوم. فلم يسبق أن ازدحم الناس في الماضي كما هي الحال اليوم في المدن الكبرى، حيث يمكنهم النفاذ إلى عوالم من المعرفة بنقرة على لوحة مفاتيح الحاسوب. كما يمكنهم تقاسم مفاهيم مستحدثة ومخططات وتصاميم عبر الشبكات الاجتماعية المترامية الأطراف التي تتخذ مقرات لها ضمن الشبكة العنكبوتية. ولم يسبق أيضا أن تسارعت وتيرة الابتكار بالنحو الدرامي الذي نشهده اليوم، مالئة حياة البشر بكل ما هو جديد من تصاميم معمارية وتجهيزات إلكترونية وسيارات ومؤلفات موسيقية.

 

وهكذا، وبعد أن أنجز <دا ڤنشي> أكثر أعماله شهرة بخمسمئة سنة ما زلنا نتعجب من عبقريته المبدعة، عبقرية بُنيت على منجزات سلالة من الفنانين تتصل بماضٍ سحيق يعود إلى العصر الحجري القديم. وحتى الآن، فلا بد أن مجموعة من الفنانين الجدد تنظر إلى لوحة <الموناليزا> لتستوحي منها أعمالا جديدة تتألق بالإبداع. وهكذا، تستمر سلسلة الإبداع البشري من دون انقطاع؛ وفي عالمنا المتواصل على نحو لم يسبق له مثيل، تُسابِقنا موهبة الإنسان الفريدة للإبداع نحو مستقبل لا ندرك الآن كنهه.

 

المؤلفة

Heather Pringle
 

<پرينگل> كاتبة علمية كندية ومحررة مساهمة في مجلة علم الآثار Archaeology.

a0313Prin01.psd

  مراجع للاستزادة

 

Middle Stone Age Bedding Construction and Settlement Patterns at Sibudu, South Africa. Lyn Wadley et al. in Science, Vol. 334, pages 1388–1391; December 9, 2011.

Hominin Paleoneurology: Where Are We Now? Dean Falk in Progress in Brain Research, Vol. 195, pages 255–272; 2012.

 

THE ORIGINS OF CREATIVITY (*)

Fermenting Genius (**)

MOTHER OF INVENTION (***)

COGNITION AND CREATION (****)

BUILDING ON BRILLIANCE (*****)

 

(1) يشير المصطلح hominins، الذي تُرجم هنا بالأناسين، إلى مجموعة من الكائنات تضم الإنسان الحديث وأسلافه، إضافة إلى سلالات الإنسان التي انقرضت. بينما يستخدم المصطلح hominids، الذي تُرجم هنا بالأناسيد، ليدل على كائنات تشمل الإنسان الحديث وجميع الحيوانات المشابهة له من قرود الشمبانزي والغوريلا والأورانغوتان، إضافة إلى الأسلاف المباشرة لهذه الكائنات.

(2) Upper Paleolithic period

(3) random genetic mutation

(4) Archaeologists

(5) Blombos Cave

(6) Kathu Pan 1

(7) يقابل الكوادريليون ألف مليون مليون أو 1,000,000,000,000,000 أو عشرة مرفوعة إلى الأس 15: 1015.

(8) woolgatherers؛ جمع: سارح الذهن. (التحرير)

(9) limitation

(10) cultural ratcheting

http://oloommagazine.com/Images/none.gif

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

زر الذهاب إلى الأعلى