أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

المجتمع المُسيَّر بالبيانات


المجتمع المُسيَّر بالبيانات(*)

إن الآثار الرقمية القليلة، التي نخلفها يوميا وراءنا، تكشف النقاب
عنَّا بقدر أكبر مما نعرفه عن ذواتنا. وقد يصبح هذا كابوسا
لخصوصياتنا، أو أساسا لعالَم أكثر عافية وازدهارا.

<S.A. پنتلاند>

 

 باختصار

  مازالت المدن والحكومات تعمل وفقا لمبادئ وضعت قبل قرنين خلال الثورة الصناعية. وللتعامل مع مشكلات القرن الواحد والعشرين، كالازدياد الهائل في عدد السكان والتغيرات المناخية، فنحن بحاجة إلى تفكير جديد.

يمكن للبيانات الضخمة أن تسد لنا هذه الحاجة. فالآثار الرقمية التي نخلّفها وراءنا خلال ممارستنا حياتنا اليومية – التي تكشف النقاب عنا بقدر أكبر مما يكشفه أي شيء آخر – توفر لنا أداة فعالة لمعالجة المشكلات الاجتماعية.

بيد أن القلق الذي ينتابنا من إساءة استعمال هذه المعلومات هو قلق مشروع. فقبل أن يوفر البحث عن المعلومات مجتمعا أصح وأكثر ازدهارا، فنحن بحاجة إلى عرض جديد للبيانات New Deal on Data يمنح الأفراد تحكما أقوى في المعلومات الموجودة في حوزتهم حاليا.

 

 

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2014/09-10/2014_09_10_30.jpg

 

مع بداية منتصف القرن التاسع عشر، كوَّن نمو المدن السريع الناجم عن الثورة الصناعية مشكلات بيئية واجتماعية ملحة، وقد استجابت المدن ببناء شبكات مركزية لإيصال الماء النقي والطاقة والغذاء السليم؛ وتيسير المعاملات التجارية، وتسهيل الانتقال، والحفاظ على النظام. إلّا أن هذه الحلول، التي بلغ عمرها أكثر من قرن، غدت اليوم غير ملائمة بازدياد. فصلاحيتها تتراجع مع الزمن. إن كثيرا من مدننا مكتظ بوسائل النقل، وقد أخفقت مؤسساتنا السياسية ووصلت إلى طريق مسدود. إضافة إلى ذلك، فإننا نواجه حشدا من التحديات الجديدة في مقدمتها إطعام وإسكان الناس الذين تُقدّر زيادة عددهم في هذا القرن بنحو بليوني نسمة، وفي الوقت نفسه مَنعُ أسوأ الآثار الناجمة عن الاحترار العالمي global warming.

وتتطلب المشكلات الاستثنائية للقرن الواحد والعشرين تفكيرا ينسجم مع هذا القرن. بيد أن الكثيرين من علماء الاجتماع والاقتصاد مازالوا حتى الآن يفكرون في الأنظمة الاجتماعية المؤسسة على مفاهيم عصر حركة التنويرEnlightenment-era التي كانت سائدة في القرن الثامن عشر، مثل الأسواق والطبقات الاجتماعية – وهي نماذج مبسطة تُخضِع التفاعلات المجتمعيةsocietal interactions لقواعد وخوارزميات، في حين تهمل السلوك الفردي للإنسان. إننا بحاجة إلى أن نتعمق ونأخذ في الحسبان التفاصيلَ الدقيقة للتفاعلات المجتمعية. وتُوفر لنا الأداة التي تسمى البيانات الضخمة big dataالوسيلةَ لعمل ذلك.

وتُمكنّنا التقانة الرقمية من دراسة بلايين المبادلات بين الأفراد(1)، حيث يقوم الناس بتبادل الأفكار أو النقود أو الأحاديث عن أحوالهم الشخصية. ويستخدم مختبرُ البحوث في المعهد MIT الذي أعمل فيه، الحواسيبَ للنظر في النماذج الرياضياتية بين هذه المبادلات. ونحن نجد فعلا أننا نستطيع البدء بتفسير ظواهر – مثل الانهيارات المالية والاضطرابات السياسية ووباء الإنفلونزا – كانت غامضة في السابق. ويمكن لمحللي البيانات تقديم أنظمة مالية مستقرة وحكومات فعالة ورعاية طبية فعالة وغير مكلفة، وأشياء أخرى. ولكن علينا في البدء أن ندرك تماما قوة البيانات الضخمة، وأن نبني إطارا عاما لاستخدامها بطريقة مناسبة. إن القدرة على المتابعة والتنبؤ، بل وحتى التحكم في سلوك الأفراد والجماعات هو مثال معهود لنار پروميثيوس(2) Promethean fire التي يمكن استخدامها للأصحاء والمرضى.

القوة التنبؤية للبقايا الضئيلة من الآثار الرقمية(**)

عندما نُمارس حياتنا اليومية، فإننا نترك وراءنا آثارا افتراضية – أيْ ملفات رقمية لأولئك الناس الذين اتصلنا بهم، وللأماكن التي ذهبنا إليها والأشياء التي أكلناها والسلع التي اشتريناها. إن هذه الآثار تروي لنا قصة حياتنا بوجه أدق من أي شيء نختاره لاكتشاف أنفسنا. كما أن حالة الفيسبوكFacebook العائد لنا تجدد المعلومات التي نختارها وتنقلها إلى الناس مكتوبة وفق المعايير المتداولة. وفي المقابل، فإن البقايا الرقمية الضئيلة تسجل سلوكنا كما حدث فعليا.

وباعتبارنا حيوانات اجتماعية فإن سلوكنا ليس فريدا من نوعه كما نظن. فأولئك الناس الذين تتصل بهم وتراسلهم وتُمضي الوقت معهم وكذلك جيرانك، حتى أولئك الذين لم تلق بهم قطُّ، يشبهونك على الأغلب من زوايا متعددة. ويمكن لي ولطلبتي أن نحدد احتمال إصابتك بداء السكري، وذلك بفحص المطاعم التي تأكل فيها، وجمهرة الناس الذين تجتمع بهم. ويمكن استخدام المعلومات نفسها للتنبؤ بنوع الملابس التي تميل إلى شرائها أو بدرجة التزامك بسداد قرضك. ولما كان سلوكنا يتغير عندما نشعر بأننا على وشك الإصابة بمرض – إذ نذهب إلى أماكن أخرى ونشتري أشياء مختلفة ونتصل بأناس آخرين، ونبحث عن عبارات مختلفة – فمن الممكن الآن، عن طريق تحليل البيانات، وضع مخطط يمكن تحديثه باستمرار للتنبؤ بحي المدينة الذي هو الأكثر احتمالا لإصابة المقيمين فيه بالإنفلونزا في أي لحظة مفروضة.

إن الأنماط الرياضياتية(3) داخل البيانات الضخمة التي تزودنا بنظرة أعمق عن الأداء الوظيفي للمجتمع تتضمن أيضا تدفق الأفكار والمعلومات(4) بين الناس، ويمكن أن نرى هذا التدفق من خلال دراسة أنماط التفاعل الاجتماعي (التحادث وجها لوجه والمكالمات الهاتفية والتراسل عبر وسائل التواصل الاجتماعي). وعبر تقييم درجة التجديد والاستكشاف في أنماط مشتريات الأفراد (التي يمكن معرفتها من بيانات بطاقات الائتمان) أو أساليب الانتقال (كما يُبيِّنها نظام تحديد الموقع العالمي (GPS)ا(5)). فتدفق الأفكار أساسي لفهم المجتمع، ليس فقط لأن المعلومات التي نحصل عليها في الوقت المناسب تكون حاسمة للأنظمة الفعالة، بل أيضا لأن انتشار الأفكار وتركيبها يوفران قاعدة للتجديد. أما التجمعات التي تعيش بمعزل عن بقية المجتمع، فهي مهددة بالركود والتخلف.

ومن بين أكثر النتائج إذهالا، والتي اكتشفتُها مع طلبتي، هي أن أنماط التدفق الفكري (التي تقاس بسلوك الشراء، وقابلية التحركات الجسدية أو الاتصالات) ترتبط مباشرة بنمو الإنتاج والمحصول الإبداعي creative output. فالأفراد والمنظمات والمدن، وحتى المجتمعات التي يتعاطى بعضها مع بعض، والتي يستكشف بعضها بعضا، لكن خارج منظوماتها الاجتماعية، يُحققون نموا إنتاجيا أعلى ومحصولا إبداعيا أكبر، وحتى صحة أفضل وحياة أطول. إننا نرى تغيرات من هذا النمط في جميع المنظومات الاجتماعية، وحتى في مجموعات النحل. وهكذا يبدو أن تدفق الأفكار أساسي لصحة أي مجتمع.

ونتيجة لذلك، عندما نقوم بتحليل للشركات والحكومات، فمن المفيد اعتبارها آلات فكرية تقوم بحصد الأفكار وتوزيعها وذلك، في المقام الأول، عبر التفاعلات الفردية. ثمة نمطان رياضياتيان يقدمان إلينا دليلا على التدفق الصحي للأفكار. أولهما، المشاركة التي نعرّفها بأنها نسبة المبادلات الممكنة بين شخص وآخر التي تحدث على وجه منتظم داخل مجموعة العمل. أما العلاقة بين المشاركة والإنتاجية، فهي بسيطة وتقوم على أساس أن المستويات العالية من المشاركة تبشّر بإنتاجية عالية للمجموعة، بصرف النظر عن العمل الذي تقوم به المجموعة، وتحدد أنواع الشخصيات التي تتكون منها هذه المجموعة. النمط الثاني هو الاستكشاف، وهو قياس رياضياتي لمدى حصول المجموعة على أفكار جديدة من الخارج. إن الاستكشاف هو مُتَنبِّىء predictor  جيد لكل من التجديد والمحصول الإبداعي.

وفي التجارب الميدانية التي تجرى في شركات حول العالم، قمت مع طلبتي بقياس مستوى المشاركة والاستكشاف، وذلك بتزويد الموظفين ببطاقات تعريف اجتماعية وبأجهزة إلكترونية ترصد التفاعلات بين شخص وآخر. وقد وجدنا أن زيادة المشاركة داخل المجموعة يمكن أن تحسن الإنتاجية بدرجة عالية، وأنه في الوقت ذاته يقلل من التوتر النفسي. فمثلا، بعد أن علمتُ أن مراكز الاتصال تنظم عادة جدولا باستراحات لشرب القهوة، بحيث لا يمكن إلا لشخص واحد فقط أخذ استراحة لشرب القهوة في وقت محدد، قمت بإقناع مدير مركز الاتصالات في بنك أمريكا لكي ينظم جدول استراحات شرب القهوة حتى يجتمع الموظفون معا في وقت واحد. فقد كان الهدف من ذلك هو زيادة مقدار المشاركة بين الموظفين. وقد نجم عن هذا التغيير وحده زيادة في الإنتاجية بمقدار 15 مليون دولار في السنة.

 

[دراسة حالة]

ديناميات المجموعات(***)

  لدى تَعقُّب التفاعلات الاجتماعية بشارات مزودة بمحسات sensor-equipped ID badges، أو ببيانات هواتف خلوية، فمن الممكن جعل ديناميات المجموعات مرئية، وهذا يمكّن أفراد الفريق من رؤية طريقة عملهم معا. وفي الحالة التي يوجد مخططها في الأسفل، تعقب كاتب هذه المقالة وفريقه ديناميات مجموعة مؤلفة من ثمانية أشخاص، وكانوا يعطون أعضاءها مخططا لتفاعلاتهم في نهاية كل يوم. إن حجم الدائرة المحيطة بكل شخص يمثل مقدار تواصل ذلك الشخص مع المجموعة؛ ثم إن عرض القطع المستقيمة التي تصل بين شخصين يمثل مقدار تواصل بعضهما ببعض. وباستعمال هذين المخططين لتشخيص الاتصالات الضعيفة، غدا الفريق أكثر تفاعلا بعضه مع بعض، ومن ثم، أكثر إنتاجية.

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2014/09-10/2014_09_10_34.jpg

 

 

وقد وجدنا أيضا أن الاستكشاف – إنشاء اتصالات جديدة بين الناس – هو متنبىء ممتاز للتجديد وللمحصول الإبداعي. كما أن قنوات الاتصال الكثيرة، وبخاصة تلك التي يكون الاتصال فيها وجها لوجه، أَهمّ بكثير من قنوات الاتصال الإلكترونية. وبعبارة أخرى، لايمكن للبريد الإلكتروني أن يقوم مقام المقابلات والمحادثات.

وقد وجدنا أيضا أن نمط المراحل المتتابعة من الاستكشاف والانخراط في مجموعة (ينطلقُ أفرادها – بعد مناقشة موضوع بحث فيما بينهم – بحثا عن معلومات إضافية حوله، ينقلونها إلى مجموعتهم، وهكذا دواليك) تؤدي بانتظام إلى إنتاج إبداعي أفضل. وقد تمكن زملائي في مؤسسات بحث مرموقة من قياس هذا النمط من الاستكشاف في حالة التفاعلات التي تُجرى وجها لوجه، واستخدموا هذه القياسات ليحددوا بدقة تلك الأيام التي يكون فيها إبداع الباحثين في أَوْجِهِ. ويمكن تطبيق الطريقة نفسها على الفِرق الافتراضية التي يُوزَّع فيها أعضاؤها على أماكن كثيرة.

وهناك نماذج مشابهة أخرى لتدفق المعلومات تتنبأ بالمحصول الإنتاجي لمدن ومناطق بكاملها. فأنماط الانخراط في المجتمعات والاستكشاف خارجه تمكننا من التنبؤ حتى بأمور اجتماعية مثل متوسط العمر المتوقع، أو معدل الجريمة أو معدل وفيات الأطفال. إن أداء المناطق المتجاورة التي تمثل مستودعات منعزلة للمعلومات لا يقل سوءا عن أداء المناطق المنعزلة ghettosالفعلية مع غيرها، في حين أن المناطق التي تُجري اتصالات إحداها بالأخرى، والتي ترتبط بالمناطق المجاورة لها، تميل إلى أن تكون أفضل صحة وأكثر ازدهارا.

زيادة تدفق الأفكار إلى الحد الأعلى(****)

إن استخدام بيانات ضخمة لتشخيص مشكلات والتنبؤ بالنجاحات هو شيء واحد، في حين أن الشيء الأكثر إثارة هو أنه يمكننا استخدام بيانات ضخمة لتصميم المنظمات والمدن والحكومات كي تعمل على وجه أفضل من تلك التي لدينا اليوم.

ولفعل ذلك من الأسهل لنا أن نرى ما هو كائن داخل الشركات والهيئات ذات الشخصية القانونية. إذ بقياس تدفق الأفكار يمكن عادة العثور على تغيرات بسيطة لتحسين الإنتاجية والمحصول الإبداعي. وعلى سبيل المثال، فإن قسم الإعلان في بنك ألماني عانى مشكلات جدية لإطلاق حملات إعلامية ناجحة لترويج منتَج جديد، لذا أراد العاملون معرفة الخطأ الذي يرتكبونه في أدائهم. وعندما درسنا المشكلة باستخدام بطاقات التعريف الاجتماعية sociometric IDbadges، وجدنا أنه في حين كانت المجموعات ضمن المنظمات تتبادل الكثير من رسائل البريد الإلكتروني، فلم يتحدث أحد تقريبا إلى الموظفين في قسم خدمة الزبائن. فالسبب بسيط: قسم خدمة الزبائن كان في طابق آخر. وقد سَبّبَ هذا الواقع مشكلات هائلة، إذ من المحتم أن يتوقف قسم الإعلان عن تصميم الحملات الإعلامية التي لايستطيع قسم الزبائن دعمها. وعندما رأت الإدارةُ المخططَ الذي قدمناه لتصوير هذا الانقطاع في تدفق المعلومات، أدركت حالا أنه لابد من نقل قسم خدمة الزبائن إلى الطابق نفسه الذي يحوي بقية المرافق، وهكذا حُلّت المشكلة.

للمرة الأولى في التاريخ، تُمكننا رؤية قدر كاف من خفايا ذواتنا، وهذا يؤدي إلى بناء منظومات اجتماعية تعمل على وجه أفضل من المنظومات التي كانت متوفرة لنا.

 

إن زيادة المشاركة ليست حلا سحريا. وفي الحقيقة، فإن زيادة المشاركة من دون زيادة الاستكشاف يمكن أن تسبب مشكلات عدة. فمثلا، عندما كنت مع الطالب الحاصل على الدكتوراه <Y. آلتشولر> نقيس تدفق المعلومات داخل شبكة eToro  الاجتماعية لتجار المال، وجدنا أنه في مرحلة معينة يصبح تواصل الناس قويا لدرجة يصبح فيها تدفق الأفكار مسيطرا عليه بواسطة حلقات التغذية العكسية feedback loops. وبالطبع يمكن لأي شخص أن يُسوِّق أفكارا – إلّا أن هذه الأفكار ستكرر نفسها. ونتيجة لذلك، فإن عمل التجار يتحول إلى كلام في غرفة يسمعون فيها صدى أصواتهم. وعندما تسيطر حلقات التغذية العكسية داخل مجموعة من التجار، تبدأ المشاريع المالية الوهمية بالظهور. وهذا هو السبب الذي جعل الناس الأذكياء الآخرين مقتنعين بأن Pets.com كانت بورصة العصر.

ولحسن الحظ، فقد وجدنا أن باستطاعتنا إدارة تدفق الأفكار بين الناس وذلك بتقديم حوافز صغيرة للأفراد. ويمكن لبعض الحوافز أن تنبه الناس المعزولين إلى التواصل مع الآخرين بقدر أكبر، وهناك حوافز أخرى يمكن أن تشجع الناس الذين وقعوا في فخ التفكير الجماعي على استكشاف ما هو خارج عن نطاق اتصالاتهم الحالية. ففي تجربة أُجريت على 2.7 مليون مستثمر في شبكة eToro قمنا بتوليف الشبكة وذلك بإعطاء التجار قسائم حسم discountcoupons شجعتهم على استكشاف أفكار مجموعة أكثر تنوعا لتجار آخرين. ونتيجة لذلك، فقد بقيت الشبكة بكاملها في منطقة الأمان المنطقي الصحي. وقد كان الأمر الجدير بالملاحظة هو أنه على الرغم من أننا وجهنا الحوافز إلى عدد صغير من التجار، فقد تمكنّا من تحقيق زيادة ربحية لجميع التجار بنسبة تتجاوز 6%.

يمكن لتصميم تدفقات الأفكار أن يساعد على حل مأساة العوام، حيث يتصرف عدد قليل من الناس بطريقة توحي أن كل واحد منهم يعاني. ومع ذلك، فإن كون ما ينفق على الشخص الواحد قليلا جدا هناك، لا يولد سوى دافع ضعيف لحلّ المسألة. وهناك مثال ممتاز يمكن أن نراه في صناعة التأمين الصحي، فالأشخاص الذين لايستطيعون أخذ الدواء اللازم، أو ممارسة تمرينات رياضية، أو الأكل باعتدال، يحتاجون إلى تكلفة أعلى للرعاية الصحية ويرفعون بدل التأمين الصحي لكل فرد. وهناك مثال آخر يَرِدُ عندما يكون جَمْعُ الضرائب مركزيا جدا: عندئذ، يكون حافز السلطات المحلية ضعيفا للتوثق من أن كل واحد يدفع ما عليه من الضرائب، ونتيجة لذلك، ينتشر التهرب منها.

والحل العادي هو العثور على المخالفين وتقديم حوافز إليهم أو فرض غرامات عليهم حتى يعودوا إلى رشدهم. إلا أن هذا الأسلوب مكلف ونادرا ما ينجح. وقد بَيّنت مع طالب الدراسات العليا <A. ماني> أن التشجيع على مزيد من الانخراط مع الناس يمكن أن يقلل هذه الحالات. ويكمن الحل في تقديم حوافز مالية صغيرة لأولئك الذين هم أكثر تفاعلا مع المذنبين، ومكافأتهم أكثر من المذنبين لتحسين سلوكهم. وقد وجدنا في الحالات الواقعية – التي نستخدم فيها مبادرات لتشجيع السلوك السليم وذلك، مثلا، لحث الناس على توفير الطاقة – أن فعالية هذه الطريقة المبنية أساسا على الضغط الاجتماعي، أعلى بأربع مرات من الطرائق التقليدية.

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2014/09-10/2014_09_10_36.jpg
مناطق حارة: يمكن للباحثين، باستعمالهم بيانات الهواتف الخلوية، تحديد الأماكن التي يكون فيها احتمال إصابة الناس بالإنفلونزا أعلى ما يمكن. ويبين هذا الشكل مثالا على تجربة أجريت على الحرم الجامعي لمعهد ماساتشوستس للتقانة (M.I.T.).

 

ويمكن استخدام الطريقة نفسها للتعبئة الاجتماعية – في حالات الطوارئ، مثلا، أو في وقت نحتاج فيه إلى جهد خاص منسق لبلوغ هدف عام منشود. ففي عام 2009، على سبيل المثال، صَمَّمت وكالة مشاريع البحوث المتقدمة للدفاع (DARPA)ا(6)  مشروعا تجريبيا للاحتفال بالذكرى الأربعينية للإنترنت. وكانت فكرة المشروع إظهار كيف يمكن لوسائل الإعلام الاجتماعية والإنترنت القيام بالتعبئة في حالات الطوارئ في جميع أنحاء الولايات المتحدة. ولهذا الغرض قدمت الوكالة 000 400 دولار جائزة للفريق الذي يتمكن، وبأسرع وقت، من العثور على عشرة بالونات حمراء وُضِعت في أنحاء متفرقة من الولايات المتحدة. وقد وقّع على الاشتراك في المسابقة مايقرب من 4000 فريق، وسلك أغلبهم نحو أبسط طريقة تقريبا للفوز بالمسابقة، وهي إعطاء مكافأة لأي شخص يقوم بالإبلاغ عند رؤية بالون. أما فريق البحوث الخاص بي، فقد اتبع منهجا مختلفا وذلك بتقسيم المبلغ المخصص للمكافأة على الذين استخدموا شبكات التواصل الاجتماعي ليجندوا شخصا يمكن أن يرى بالونا لاحقا، وأولئك الذين يرون بالونا بأنفسهم. فقد شجع هذا المخطط، الذي له طريقة الضغط الاجتماعي نفسها لحل المشكلات المأساوية العامة، الناسَ على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بهم قدر الإمكان. وكانت النتيجة أننا حققنا الفوز في المسابقة جَرَّاء تمكننا من تحديد مواقع البالونات العشرة في تسع ساعات فقط.

تعامل جديد مع البيانات(*****)

بغية الوصول إلى مجتمع يُسَيَّر بالبيانات، فنحن بحاجة إلى ما أسميته «تعاملا جديدا مع البيانات»(7)، وهو ضمانات عملية بأن تكون البيانات المطلوبة للسلع العامة متوفرة بسهولة، وأن تقوم في الوقت نفسه بحماية جميع المواطنين. أما مفتاح التعامل الجديد، فيكمن في معاملة البيانات الشخصية على أنها ملك شخصي؛ بحيث تكون للأفراد حقوق الملكية للبيانات التي تخصهم. تُرى، ما الذي يَعْنِيه أن «تمتلك» البيانات الخاصة بك؟ ففي عام 2007 قَدّمتُ اقتراحا مشابها لقواعد الملكية واستعمالها والتصرف بها، وهي مشابهة لقواعد الملكية الواردة في مبادئ القانون الإنكليزي العام الآتي في الملكية والاستعمال والتصرف:

لديك الحق في امتلاك بيانات عنك. فبصرف النظر عن الجهة التي تجمع البيانات، فهي مِلْكٌ لك، ويمكنك النفاذ إليها في أي وقت. ومن ثم، فإن جامعي البيانات يؤدون دورا مماثلا لدور مصرف يدير البيانات نيابة عن «الزبائن.»

لديك الحق في التحكم الكامل في استخدام بياناتك الخاصة. كما يجب أن تكون شروط الاستخدام مشروحة بوضوح وبلغة سهلة، فإذا لم تكن راضيا عن الطريقة التي تستخدم بها الشركة بياناتك الخاصة، يمكنك إزالة تلك البيانات، تماما كما تغلق حسابك في البنك الذي لا يقدم خدمة مُرْضِية.

لديك الحق في التصرف ببياناتك أو توزيعها. لك الخيار في إتلاف بياناتك أو نقلها إلى مكان آخر.

في المنتدى الاقتصادي العالمي(8)، الذي عُقد في السنوات الخمس الماضية، اشتركت في مناقشة هذه المبادئ الأساسية مع سياسيين ومدراء تنفيذيين رئيسيين CEOs  لشركات متعددة الجنسيات، وجماعات الدفاع القضائي العامة في الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي ودول أخرى من العالم. ونتيجة لذلك، فقد صدرت قوانين في الولايات المتحدة و الاتحاد الأوروبي وأمكنة أخرى (مثل ميثاق الحقوق الجديد الخاص بالمستهلك في الولايات المتحدة) تمنحُ الأفراد سلطة أكبر للتحكم في بياناتهم الخاصة، وتشجعهم أيضا على زيادة الوضوح والتعمق في كل من المجالات العامة والخاصة.

مختبرات حَيَّة(******)

للمرة الأولى في التاريخ، يمكننا أن نعرف ما يكفي عن أنفسنا لبناء النُّظم الاجتماعية التي تعمل على وجه أفضل من تلك التي كانت موجودة لدينا. فالبيانات الضخمة تَعِد بالتوصل إلى تحول كبير مشابه لاختراع الكتابة أو الإنترنت.

ولاشك في أن الانتقال إلى مجتمع تُسيره البيانات سيواجه تحديا. وفي عالم يعجُّ بالبيانات غير المحدودة، فإن المنهج العلمي الذي نستخدمه عادة لم يعد يعمل، ذلك أن ثمة عددا كبيرا من الصلات المحتملة غالبا ما تُولّد نتائج لا معنى لها. ويعطينا المدخلُ الإحصائي العلمي النموذجي نتائجَ جيدة عندما تكون الفرضية واضحة والبيانات مصممة للإجابة عن السؤال. ولكن في ظل تعقيدات النظم الاجتماعية الفوضوية ذات الأحجام الكبيرة، فإنه توجد غالبا آلاف من الفرضيات المعقولة، ومن المستحيل توليف البيانات لكل هذا الحشد في آن واحد. لذلك، وفي هذا العصر الجديد، سوف نحتاج إلى إدارة مجتمعنا بطريقة جديدة أيضا. فعلينا أن نبدأ باختبار الاتصالات في العالم الحقيقي في وقت مبكر جدا مرارا وتكرارا أكثر من أي وقت مضى. إذن، نحن بحاجة إلى بناء «مختبرات حية» تمكّننا من اختبار أفكارنا لبناء مجتمعات تقاد بالبيانات الرقمية.

إن أحد الأمثلة للمختبرات الحية هو مدينة البيانات المفتوحة التي قمنا بإطلاقها توّاً في مدينة ترينتو بإيطاليا، بالتعاون مع حكومة المدينة وتيليكوم إيطاليا Telecom Italia، و تليفونيكا Telefonica ومؤسسة برونو كيسلر الجامعية للبحث العلمي Fondazione Bruno Kessler، ومعهد التصميم المُسير بالبياناتData Driven Design. فالهدف من هذا المشروع هو تشجيع المزيد من تدفق الأفكار داخل مدينة ترينتو. هذا، وإن أدوات البرمجيات – مثل نظامنا المفتوح openPDS(نظام مخزن البيانات الشخصية Personal Data Store) الذي يُطبق فكرة التعامل الجديد مع البيانات New Deal on Data  – تقوم بِجَعل تبادل البيانات الشخصية للأفراد آمنا (مثل تفاصيل الوضع الصحي أو حقائق تتعلق بأبنائهم) عن طريق مراقبة المكان الذي تذهب إليه هذه البيانات ومعرفة كيف يجري التصرف بها. وعلى سبيل المثال، فإن أحد تطبيقات النظام openPDS يشجع على تبادل أفضل الممارسات بين الأُسر التي تضم أطفالا صِغارا: كيف تقوم عائلات أخرى بإنفاق أموالها؟ كم من الوقت تقضي خارج البيت وتختلط بالمجتمع؟ أي دور حضانة أو أطباء يقضون معهم أطول وقت؟ وما أن يقوم الفرد بإعطاء الإذن، فمن الممكن أن تُجمع هذه البيانات، دون إظهار أسماء أصحابها، وتوضع بين أيدي أُسرٍ شابة أخرى عبر النظام المفتوح openPDS بطريقة آلية وآمنة.

ونحن نعتقد أن التجارب التي نجريها، كالتي قمنا بها في ترينتو، ستُظهر أن الفوائد الممكنة لمجتمع مُسيَّر بالبيانات تستحق منا الجهد والمخاطرة. تَصورْ أنه قد يكون باستطاعتنا أن نتنبأ بالانهيارات المالية ونخفف من وطأتها، وأن نكتشف الأمراض المعدية وأن نقي أنفسنا منها، وأن نستغل مواردنا الطبيعية بحكمة وأن نشجع الإبداع لنحيا حياة مزدهرة. ويمكن لهذا الحلم أن يتحول سريعا إلى واقع – هو واقعنا، إذا اجتزنا بحذر المآزق التي قد تعترض طريقنا.

 

المؤلف

     Alex “Sandy” Pentland
 <پنتلاند> مدير مختبر الديناميات البشرية في معهد ماساتشوستس للتقانة (M.I.T.)ا(9)، ويشارك في إدارة المنتدى الاقتصادي العالمي فيما يتعلق بالبيانات الضخمة big data والبيانات الشخصية personal data. وقد نُشر كتابه بعنوان “Social Physics” في الشهر 1/2014. http://oloommagazine.com/Images/Articles/2014/09-10/2014_09_10_32.jpg

  مراجع للاستزادة

 

Society’s Nervous System: Building Effective Government, Energy, and Public Health Systems. A. Pentland in Computer, Vol. 45, No. 1, pages 31–38; January 2012.
Personal Data: The Emergence of a New Asset Class. World Economic Forum, January 2012. www.weforum.org/reports/personal-data-emergence-new-asset-class
The New Science of Building Great Teams. Alex “Sandy” Pentland in Harvard Business Review; April 2012.

(*)THE DATA-DRIVEN SOCIETY

(**)THE PREDITIVE POWER OF DIGITAL BREAD CRUMBS

(***)Group Dynamics

(****)MAXIMIZING IDEA FLOW

(*****)A NEW DEAL ON DATA

(******)LIVING LABS

(1) individual exchanges
(2) أسطورة يونانية تقول إن پروميثيوس Prometheus سرق نارا من الآلهة وقدمها إلى البشر.
(3) the mathematical patterns

(4) the flow of ideas and information

(5) Global Positioning System

(6) Defense Advanced Research Projects Agency

(7) the New Deal on Data

(8) the World Economic Forum

(9) the Massachusetts Institute of Technology

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى