أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

هل احترار الكرة الأرضية


هل احترار الكرة الأرضية
أسرع من المتوقع؟(*)

إن فقدان الجليد وذوبان الأراضي الدائمة التجمد
وتأثيرات مناخية أخرى تحدث بوتيرة مُنذِرة بالخطر.

<J. كيري>

 

 باختصار

  يعتقد العلماء أنه يمكن تجنب مخاطر مثل ارتفاع كارثي لمستوى مياه البحر فيما لو أمكن الإبقاء على احترار كوكب الأرض تحت درجتين مئويتين.

مع ذلك، تشير البيانات الحالية أن ثلاث آليات تغذية راجعة feedback عالمية قد تدفع بالكرة الأرضية إلى الدخول في حقبة من التغير المناخي السريع، وذلك حتى قبل بلوغ ”حدّ“ الدرجتين المئويتين وهي: ماء ذوبان الجليديات المغيّر لدوران تيارات المحيط، وذوبان الأراضي الدائمة التجمد permafrostالمسبب لانبعاث ثنائي أكسيد الكربون وغاز الميثان، واختفاء الجليد عبر العالم.

قد تسرّع التغذياتُ الراجعة الاحترارَ وتعدّل الطقسَ عن طريق تغيير تيارات رياح الجت ستريم the jet stream وتضخم تفشي الجائحات الحشرية، وحدوث المزيد من حرائق الغابات الهائلة.

 

 

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/04-03/2015_04_03_04.jpg

 

على مدى العقد الماضي، اعتقد العلماء أنهم وضعوا تصورا لكيفية حماية البشرية من المخاطر الأسوأ للتغير المناخي. وكان يُعتقد أيضا أنه بإبقاء احترار كوكب الأرض planetary warming تحت درجتين مئويتين، يمكن تجنب مخاطر مثل الارتفاع الكارثي لمستوى مياه البحار والفترات الجافة الحارقة. وقد يتطلب البقاء تحت درجتين مئويتين، تحديدَ ثنائي أكسيد الكربون الحابس للحرارة في الغلاف الجوي ب 450 جزءا في المليون (ppm)، والذي وصل في يومنا هذا إلى ppm 395، علما بأنه كان ppm 280 في العصر ما قبل الصناعي.

ويبدو حاليا أن التقديرات كانت متفائلة جدا، لأن البيانات الأخيرة حول الكرة الأرضية تشير إلى أن كوكب الأرض يتغير بشكل أسرع مما هو متوقع، حيث إن مزيدا من جليد البحر حول المحيط المتجمد الشمالي يختفي وعلى غير ما كان متوقعا. كما أن الأراضي الدائمة التجمد permafrost في سيبيريا وألاسكا، أخذت تنفث الكثير من غاز الميثان وغازات الاحتباس الحراري(1)greenhouse gases الفعالة، وذلك على عكس ما كانت تتنبأ به النماذج الحاسوبية الموضوعة لهذه الغاية. وقد أخذت أيضا طبقات الجليد في غرب قارة آنتاركتيكا(2) Antarctica تتكسر بسرعة أكبر مما كان يعتقد، وأخذت الجليدياتthe glaciers المتجمعة على اليابسة المجاورة تنزلق بشكل أسرع نحو البحر. وقد حدثت أيضا ظواهر مناخية قصوى مثل الفيضانات وموجات الحرارة التي ضربت الولايات المتحدة في صيف عام 2012، وهي حاليا تشتد باستمرار. فالخلاصة، هي كما يقول <S. راحمستورف> [أستاذ فيزياء المحيطات في جامعة Potsdam بألمانيا]: «نحن كعلماء، لا نستطيع القول إنه إذا ما بقي الاحترار أقل من درجتين فإن كل شيء سيكون على ما يرام.»

وقد بدأت بالظهور تلك العوامل المجهولة the X factors التي قد تدفع بالكرة الأرضية إلى الدخول في عصر من التغير المناخي السريع، والتي شُخِّصت(3)طويلا على أنها حلقات تغذية راجعة feedback قد تعاود التأثير. فعلى سبيل المثال، يسمح نقصان كمية جليد البحر للشمس بتسخين مياه المحيط بشكل أكبر، وهذه المياه تُذوّب بدورها هذا الجليد. كما أن ذوباناً أسرع للأراضي الدائمة التجمد ينفث الكثير من غاز ثنائي أكسيد الكربون وغاز الميثان في الجو، اللذين يسببان بدورهما ذوبانا إضافيا للأراضي الدائمة التجمد، وهكذا دواليك.

إن احتمال وقوع تغذيات راجعة أسرع جعل بعض العلماء يتحولون إلى عرّافين. ويقول هؤلاء العلماء إنه حتى ولو تحركت الدول على نحو جدي باتجاه تقليص انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وذلك بهدف إبقائها تحت الحد ppm 450 ، وهو ما يبدو غير مرجح على الأغلب، فإن هذه التحركات تظل صغيرة ومتأخرة جدا. وما لم يتحرك العالم باتجاه إعادة مستويات غاز ثنائي أكسيد الكربون إلى الحد ppm 350، فإن <E .JJ. هانسن> [مدير معهد گودارد لدراسات الفضاء في وكالة ناسا] يحذر بقوله: «سوف نبدأ بعملية تخرج عن سيطرة البشر.» إذ نجد مستويات البحر قد تصل في هذا القرن إلى ما فوق الخمسة أمتار، الأمر الذي قد يؤدي إلى إغراق مدن ساحلية من ميامي وحتى بانكوك. وفي هذه الأثناء، قد يؤدي التزايد في الحرارة والجفاف إلى مجاعات هائلة. وفي هذا السياق، يتابع <هانسن> قائلا: «سوف تكون النتائج وعلى الأغلب خارج حدود التصور.» ومن ثم، ربما نكون على عتبة قفزة سريعة وغير عكوسة إلى عالم أكثر سخونة.

مثيرو المخاوف(4)؟ بعض العلماء يقولون نعم ومنهم <E. دلوگوكنسكي> [من المؤسسة NOAA] الذي يقول استناداً إلى تقديراته حول مستويات غاز الميثان: «لا أعتقد أنه في المدى المنظور يكون التغير المناخي الكارثي ورقة بحث من بين الأوراق على الطاولة.» وفي هذا السياق، قام عالم الجليديات <T .W. پڤيڤر> [من جامعة كولورادو في بولدر] بتفحص فقدان الجليد ice loss حول كوكب الأرض، واستخلص أنّ الارتفاع الأعظمي لمستوى المحيطات الذي جرى تصوره خلال هذا القرن، ما زال دون المترين وليس دون الخمسة أمتار. وعليه، فإنه يشترك مع <هانسن> في رؤيته حول الحاجة إلى معالجة سريعة للعواقب؛ لأنه حتى التغيرات الصغيرة يمكن أن تهدد حضارة لم تشهد بشكل ملحوظ إلا مناخا مستقرا. وفي هذا السياق، يحذر <پڤيڤر>، أنه على الرأي العام وصانعي القرار أن يتفهموا مدى خطورة ارتفاع مستوى سطح البحر إلى ما يتراوح بين 60 و70 سنتيمترا، ويضيف <هانسن>: «إن هذه الكوارث المنتشرة قد تقضي علينا فعليا.»

ومع أن العلماء ربما لا يتفقون على مسار التغير المناخي، إلا أنهم يدركون أن حلقات من التغذية الراجعة يمكن أن تضخم التغير مسببة قلقا شديدا حول مستقبل كوكب الأرض. وفي هذا السياق، يقول <E. روهلنگ> [أستاذ علم المحيطات والتغير المناخي في جامعة Southampton  بإنكلترا]: «علينا أن نبدأ بالتفكير أكثر في المجاهيل المعلومة والمجاهيل غير المعلومة». ويتابع قوله: «كان علينا ألّا نبحث عن احتمال وجود التغذيات الراجعة، لأن التغيرات السابقة للمناخ قد برهنت على وجود تلك التغذيات الراجعة.» وحتى تاريخه، يضع الباحثون جانبا مسألة المجاهيل، نظرا لفوات الأوان وهذا ما يخشاه <M. مانينگ> [عالم الجو من جامعة ڤيكتوريا ولينگتون(5)  في نيوزيلندا] الذي كان مشاركا رئيسيا في دورة 2007 لندوة التغير المناخي ما بين الحكومات (IPCC)ا(6)، حيث أشار إلى ما يلي: «سوف يكون معدل التغير المناخي للسنوات المئة على نحو يجعلنا ألا ننتظر ما يفضي إليه العلم.»

ماضٍ حار يمهد لمستقبل حار(**)

هناك سبب كبير جعل العلماء يقلقون بشكل متزايد حول مسألة التغير السريع للمناخ، ويتلخص بالفهم الأوسع لماضينا. ففي الثمانينات، ذُهل هؤلاء العلماء مما اطلعوا عليه من التسجيلات المدونة في عينات قُوارات(7)  (لباب)cores  الجليد التي تدل على أن الكوكب قد خضع لاختبارات متكررة لتحولات مثيرة وفجائية لدرجة الحرارة. وبناء عليه، اشترك العلماء في وضع وصف مفصل لفترة ماضية تمتد 000 800 عام. هذا وكما وصف <هانسن> في تحليل جديد له، فإنه توجد ترابطات وثيقة ومتينة بين الحرارة ومستويات كل من غاز ثنائي أكسيد الكربون ومستويات سطح البحر: فهي جميعها ترتفع وتنخفض معا وفي الوقت نفسه تقريبا. ومع ذلك، لا تدل هذه الترابطات على أن غازات الاحتباس الحراري هي التي تسبب احترار الكرة الأرضية. ومع ذلك، هناك بحث حديث يقوم به <J. شاكون> [من جامعة هارڤارد] وزملاؤه، يؤكد الاتجاه الآنف الذكر، فضلا عن أن قفزة في غاز ثنائي أكسيد الكربون قد سبقت قفزة أخرى في درجة الحرارة في نهاية العصر الجليدي الماضي. وقد استنتج هؤلاء الباحثون في ورقة حديثة في المجلة Natureا(8)  أن «التسخين المقاد بالتركيزات المتزايدة لغاز ثنائي أكسيد الكربون، يُعتبر تفسيرا للكثير من تغيرات درجة الحرارة.»

في الماضي كان بعض التغيرات سريعاً إلى حدٍّ لا يمكن تصديقه، إذ تبين أبحاث قام بها <روهلنگ> على رواسب البحر الأحمر، أنه خلال الحقبة الساخنة الماضية الواقعة في العصور الجليدية الممتدة على مدى 000 125 عام الماضية، كانت مستويات البحر قد ارتفعت وانخفضت إلى مترين خلال مئة عام. وعليه يقول <روهلنگ>: «إنه حقا شيء سريع وبشكل مذهل.» كما أشار تحليله، إلى أن مستويات البحر وصلت على ما يبدو إلى أكثر من ستة أمتار، أي أعلى مما هي عليه في أيامنا هذه، وفي مناخ مشابه إلى حد بعيد للمناخ الحالي. وفي هذا السياق، يقول <R. ألْلِّ> [أستاذ العلوم الجيولوجية في جامعة پنسلڤانيا الحكومية]: «إن ذلك لا ينبئك بما يحمل المستقبل، ولكن على المرء أن يكون حذرا.»

إنه لمن المدهش حقا، كيف لطاقة إضافية صغيرة أو قسرية forcing، أن تكفي لقدح التحولات الماضية. فعلى سبيل المثال، قبل 55 مليون سنة مضت كان القطب الشمالي the Arctic جنةً شبه مدارية subtropical  ذات درجة حرارة معتدلة بحدود 23 درجة مئوية، وكانت التماسيح لا تبتعد عن گرينلاند. وفي المقابل، ربما كانت المناطق المدارية the tropics حارة جدا لمعظم أشكال الحياة. وهذه الحقبة الساخنة المسماة «الأوج الحراري» إيوسين – پاليوسين (PETM)ا(9)، قد حُرّضت على ما يبدو بضربة حرارية سابقة بحدود درجتين مئويتين أصابت حرارة الكوكب الذي كان أسخن مما هو عليه في أيامنا هذه. وعليه، ربما سبَّبَ الاحترارُ إطلاقاً سريعاً لغازيْ الميثان وثنائي أكسيد الكربون اللذين أدّيا بدورهما إلى المزيد من التسخين والكثير من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي ولدت تسخينا لاحقا. والنتيجة النهائية: ملايين من السنوات والكرة الأرضية دفيئة hothouse. [انظر: «آخر احترار عالمي كبير»، مجلة العلوم، العددان 9/10 (2011)].

وخلال المئة سنة الماضية، تسببت البشرية في قفزة حرارية بسيطة أكبر من 0.8 درجة مئوية. كما قام البشر بضخ غازات الاحتباس الحراري في الجو بنسبة أسرع بعشر مرات مما كان قد حدث في الحقبة PETM الماضية، وهذا ما أعطى دفعة حرارية شديدة للمناخ. وفي هذا السياق، يقول <MM. هيوبر> [أستاذ علوم الجو والأرض في جامعة Purdue]: «إذا ما أمضينا المئة سنة القادمة ونحن نحرق الكربون، فسوف نتلقّى النوع نفسه من القفزة الحرارية.»

أكثر ما يخشاه علماء التغذية الراجعة هو فقدان(10) الجليد كاشفا بذلك مناطق أقتم من  الأراضي والبحار التي تمتص حرارة الشمس، مؤدية إلى المزيد من ذوبان الجليد وتضخم الاحترار العالمي.

 

لقد أبعدنا المناخ أيضا عن الأسباب والظروف المعروفة التي تؤدي إلى مختلف العصور الجليدية. وكما أشار إليه فلكي صربي يُدعى <M. ميلانكوڤيتش>، فقبل مئة سنة تقريبا، فإن تقدم وانحسار العصور الجليدية يمكن أنهما كانا مرتبطين بالتغيرات الصغيرة التي عاناها مدار الكرة الأرضية وزاوية ميلانها. وخلال عشرات الآلاف من السنين، تغيّر شكل هذا المدار من دورانيّ تقريبا إلى إهليلجي مركزي mildly eccentric  وذلك بسبب قوى الجذب المتنوعة التي تعرض لها كوكب الأرض تحت تأثير كواكب أخرى. ويقول <هانسن>: «إن هذه الانحرافات قد غيّرت الطاقة الشمسية الضاربة لسطح كوكبنا بمعدل وسطي بحدود 0.25 واط للمتر المربع الواحد، ومن الواضح أن هذا المعدل يعتبر صغيرا. ولتحريض التحولات في المناخ بشكل ملحوظ، يكفي أن يكون تضخيمها بواسطة التغذيات الراجعة، مثل التغيرات في جليد البحر وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري. ويقول <E. نيسبت> [أستاذ علوم الأرض في جامعة لندن]: «في احترارات الكرة الأرضية الماضية، كانت كل تغذية راجعة تلي أختها، وهكذا دواليك.»

إن الطاقة القسرية للمناخ الصادرة عن غازات الاحتباس الحراري التي يسببها البشر هي أكبر بكثير من ثلاثة واطات للمتر المربع، وحالتها متصاعدة. فهل يقفز المناخ أسرع باثنتي عشرة مرة؟ ليس بالضرورة. وفي هذا السياق، يشرح <روهلنگ> هذا الأمر قائلا: «لا يمكن ربط الجواب المستقى من الماضي بالمستقبل،» ويضيف: «ما تعلمناه هو أن تلك الآليات هي قيد العمل، فكيف يتم قدحها أو تحريضها وكيف يمكن أن تصبح سيئة.»

تغذيات راجعة مثيرة للقلق(***)

يتصور العلماء أن آليات التغذية الراجعة الأسرع هي تلك التي تشمل تيارات المحيط التي تحمل الحرارة إلى الكرة الأرضية. فإذا ما جرى تصريف مقدار ضخم من المياه العذبة freshwater داخل البحار الشمالية جرّاء ذوبان الجليديات أو هطول متزايد للأمطار، فسوف نجد التيارات الساخنة تتباطأ أو تتوقف؛ مما يؤدي إلى اضطراب القوة المحركة التي تقود تيارات المحيط العالمية. وعليه، قد يحوّل ذلك التغير، خلال عقد من الزمن، جزيرةَ گرينلاند من منطقة باردة إلى ساخنة. وفي هذا السياق، يقول <P. تانس> [أحد كبار علماء مختبر أبحاث منظومة الأرض NOAA]: «تشير تسجيلات قوارات الجليد في گرينلاند إلى وجود تغيرات قد تحدث بسرعة كبيرة جدا حتى في غضون عشر سنوات.»

يُذكّر <ألْلِّ> قائلا: «عندما أصبحت آلية المياه العذبة حقيقة واضحة في مطلع أعوام الألفية الثالثة، فإن الكثير منا صار قلقا حقا.» ويضيف: «حتى إن النماذج الأكثر تفصيلا، بينّت أنه مع أن إضافة المياه الناجمة عن ذوبان الجليديات والهطول المتزايد للأمطار أمر مفزع، فإننا لا نضيفها بالسرعة الكافية لتُحدث تغييرا جذريا في مناخ كوكب الأرض.»

وهناك تغذية راجعة مثيرة للقلق مباشرة وقد بدأت بالظهور، لتشمل الأراضي الدائمة التجمد. وقد اعتقد العلماء أن المادة العضوية في سهول التندرة(11) tundra تمددت متراً واحداً فقط في أعماق التربة المتجمدة، وهذا قد يأخذ وقتا طويلا ليتمكن التسخين من البدء بتذويب مقادير كبيرة في أعماق التندرة. وهذا التقدير كان خاطئا استنادا إلى بحث جديد، حيث يقول <T. شوور> [البيولوجي في جامعة فلوريدا]: «إن الكثير تقريبا من الأشياء التي وثّقناها شكّل مفاجأة فعلية.»

فالمفاجأة الأولى تمثلت بوجود الكربون العضوي في الأعماق حتى ثلاثة أمتار، وهناك كربون عضوي في أعماق أكبر من ذلك. أضف إلى ذلك أن سيبيريا تتمتع بتلال عملاقة من الأراضي الدائمة التجمد الغنية بالمادة العضوية المسماة يودوما yedoma التي تشكلت من مواد نقلتها الرياح من الصين ومنغوليا. وفي هذا السياق، يقول <شوور>: «تضاف هذه المخازن الكربونية إلى مئات البلايين من الأطنان المترية التي تساوي تقريبا ضعف ما هو موجود منها حاليا في الغلاف الجوي.» وكما يقول الباحث عن غاز الميثان <J.  ڤون  فيشر> [من جامعة كولورادو]: «إن ذلك الكربون ما هو إلا قنبلة موقوتة تتهيأ للانفجار.» ولأن الكثير من ذوبان الجليد نتيجة الاحترار يسمح للكثير من الميكروبات بالتغذي بالكربون العضوي، ومن ثم تحويله إلى كلٍّ من ثنائي أكسيد الكربون وغاز الميثان، فهذا يؤدي إلى نشوء درجات حرارة مرتفعة ويحرض المزيد من ذوبان الجليد.

وقد يجري بسرعة أكبر تهيؤ تلك القنبلة للانفجار. وغالبا ما يشكل الماء الذائب على سطح الأراضي الدائمة التجمد بحيرات مسطحة ضحلة. وقد وجدت <W .K. أنطوني> [من جامعة Alaska Fairbanks] أن غاز الميثان يتفجر من قاع البحيرات. كما وجد العديد من الباحثين أيضا أن الأراضي الدائمة التجمد يمكن أن تتكسر لتفتح أخاديد ضيقة صغيرة تسمى كارستات حراريةthermokarsts  تُعرِّض سطوح مساحات أوسع للهواء الطلق؛ مما يسرّع عملية الذوبان وإطلاق غازات الاحتباس الحراري. وقد اكتشفت بعثات دراسية قبالة سپتسبرگن في النرويج وسيبيريا، أعمدة plumes  من غاز الميثان تتصاعد من قاع المحيط في المياه الضحلة.

وبالاستقراء من هذه الانبعاثات الغازية إلى مساحات أوسع، نجد أن عددها يمكن أن يصبح كبيرا بشكل كاف ليغير المناخ تغيرا مفاجئا شديدا. ومع ذلك، فإن قياسات غاز الميثان العالمية لا تدل بالضرورة على وجود زيادة جديدة عليه. وأحد أسباب ذلك هو أن البقع الساخنة لاتزال إلى حدٍّ ما محليةً وذلك وفقا لما ذكره <E .V. رومانوڤسكي> [من جامعة Alaska Fairbanks] الذي قام برسم خرائط لدرجات حرارة الأراضي الدائمة التجمد. وثمة شيء آخر وجده العلماء أفضل عند اكتشاف البقع الساخنة وهو أنها كانت دوما موجودة. وهذا ما دعا <دلوگوكنسكي> إلى القول: «لست قلقا بشأن التغير السريع للمناخ الناشئ عن التغير في غاز الميثان.»

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/04-03/2015_04_03_08.jpg
تغير سريع: قد تسرع آلياتُ التغذية الراجعة احترارَ الكرة الأرضية: إذابة الأراضي الدائمة التجمد كما هي الحال في وسط جزيرة آيسلاند (في أقصى اليسار)، وتراجع الجليديات مثل جليدية Trift في جبال الألب السويسرية (في الوسط) والتي تقهقرت ثلاثة كيلومترات، والجليد الآخذ بالذوبان الذي ينزلق في البحر، كل ذلك يشاهد قبالة سپتسبرگن بالنرويج (في اليسار).

 

ولكن باحثين آخرين ليسوا متأكدين إلى هذا الحد – وعلى وجه الخصوص – بسبب وجود مصدر كبير محتمل آخر للميثان: أراضٍ رطبة مدارية tropicalwetlands. فإذا ازدادت الهطولات المطرية في المناطق المدارية – ويبدو ذلك مرجحا مع ارتفاع حرارة الغلاف الجوي – فسوف تتوسع الأراضي الرطبة وتغدو أكثر إنتاجية، مكونة المزيد من التحلل اللاهوائي anaerobic  الذي ينتج بدوره غاز الميثان. وقد تُصدر الأراضي الرطبة الموسعة غازاتٍ إضافية من غاز الميثان تكون كبيرة بقدر ما يكون الاحترار كبيرا في القطب المتجمد الشمالي. وفي هذا السياق، يقول <نيسبت>: «فإلى أي حدٍّ علينا أن نقلق؟ لا ندري ولكن من الأفضل أن نتابع البحث.»

تأثير الجليد(****)

إن التغذية الراجعة الأكثر ترويعا للعديد من علماء المناخ هي فقدان الجليد على كوكب الأرض. فعلى سبيل المثال، لم يكن الانكماش المثير لجليد البحر في المحيط المتجمد الشمالي خلال فصول الصيف الأخيرة متوقعا في العديد من النماذج الحاسوبية المناخية. وعليه، يقول <نيسبت>: «إنه الفشل الكبير للنمذجة». فالجليد على جزيرة گرينلاند وعلى طول القارة القطبية الجنوبية (آنتاركتيكا) آخذ في التلاشي أيضا.

ولمعرفة ما يجري تماماً، قام العلماء برسم خرائط للجليديات في گرينلاند بواسطة أقمار صنعية satellites وقياسات أرضية، كما أرسلوا مسابر إلى ما تحت طبقات الجليد في القطب الجنوبي وقد «رأوا أشياء لم يروها من قبل،» على حد قول <J.  ميهل> [عالم متقدم في المركز الوطني لأبحاث الغلاف الجوي].

وعلى جزيرة گرينلاند، راقبت الباحثة في علم الجليديات <S. داس> [من معهد علم المحيطات في Woods Hole] بحيرةً من مياه ذوبان الجليديات وهي تُصرَّف فجأة عبر شق في طبقة الجليد تبلغ ثخانتها 900 متر. وقد كان جريان المياه قويا بما يكفي لرفع الكتلة الجليدية الضخمة عن الطبقة الصخرية التي ترتكز عليها هذه الكتلة، ولانزلاقها إلى المحيط. وفي ألاسكا، تتوفر لدى <پڤيڤر> بيانات تدل على أن انزلاق جليدية كولومبيا Columbia الضخمة نحو البحر قد تَسارَع من متر واحد في اليوم إلى ما بين 15 و 20 مترا في اليوم.

وفي قارة القطب الجنوبي (آنتاركتيكا) وجزيرة گرينلاند، تأخذ طبقات الجليد التي تعوم فوق سطح مياه المحيط على طول السواحل في الانهيار وهي تذوب. وهذا مما يذكر بإلحاح إلى مدى عدم استقرار تلك الطبقات الجليدية. فارتفاع حرارة مياه المحيط يذيب الطبقات الجليدية من أسفلها، بينما يقوم الهواء الساخن بفتح شقوق في أعلاها. وتعمل الطبقات الجليدية العائمةthe ice shelves كدعامات تمنع الجليد المستند إلى قاع المحيط والجليديات المجاورة على اليابسة من الانزلاق في البحر بتأثير شد الثقالة gravity pullالمستمر. ومع أن ذوبان الجليد العائم، قد لا يؤدي إلى ارتفاع مستوى سطح البحر، لكن الجليديات الغاطسة تفعل ذلك. وفي هذا السياق يقول <ألْلِّ>: «نعمل الآن بجد لمعرفة ما إذا كان تزايد ارتفاع مستوى البحر بشكل ملحوظ أسرع من المتوقع.»

ولا يخشى من فقدان الجليد لمجرد رفعه مستوى سطح البحر، ولكن أيضا لأنه يطلق آلية تغذية راجعة قوية. فالجليد يعكس ضوء الشمس ويعيده إلى الفضاء. وبإبعاده، إضافة إلى امتصاص الحرارة الشمسية من قبل اليابسة والبحار الأكثر قتامة، يذوب المزيد من الجليد. ويمكن أن يفسر هذا التغير في عاكسية albedo  سطح الأرض الكيفيةَ التي تُضخم مؤثرات قسرية صغيرة سجلَ المناخ القديم. وفي هذا الصدد يقول <هانسن>: «سوف يحدث الشيء نفسه في أيامنا هذه.»

وهكذا ربما نجد فقط عدداً قليلا من العلماء الذين قد يذهبون بتفكيرهم بعيدا، كما فعل <هانسن> في توقعاته بأن مستوى المحيطات قد يرتفع إلى أكثر من خمسة أمتار بحلول عام 2100. ولكن <ألْلِّ> يقول: «لكننا في واقع الأمر لا نعرف ذلك تماما.» ويضيف: «ما زلت أتوقع أن الاحتمالات تظل لصالحي وذلك من حيث توقع ارتفاع أقل، ولكنني لا أنصح أيًّا كان بشراء ملكية ساحلية استنادا إلى أي شيء قلته.»

غابة للأشجار(*****)

أوضحت تقلبات مناخ الأرض في الماضي بأن التغذيات الراجعة سوف تحوّل الكوكب بشكل مأساوي فيما إذا أجهدناه بشكل كافٍ. وبحسب قول <هوبر>: «إذا أحرقنا جميع الكربون الذي بحوزتنا، سوف نضمن إلى حدٍّ ما الحصول على احترار مماثل لاحترار الحقبة PETM. ويكون ذلك مناسبا لتماسيح القطب الشمالي، ولكن ربما ليس للبشر ولا لأغلب النظم البيئية.

وفي الواقع، إن ما يجعل العلماء قلقين هو احتمال أنه حتى ولو لم تجلب التغذيات الراجعة الخاصة تهديدات للبشرية، فإنها قد تدفع آليات أخرى على القيام بذلك. فالمرشح الأول لذلك هو دورة مياه الكوكب أو الدورة الهيدرولوجية. وفي كل عام نجد دليلا إضافيا على أن التغير المناخي يسبب المزيد من الأحداث المناخية الأكثر خطورة مثل الفيضانات وفترات من الجفاف خلال المناخات الإقليمية الشديدة المتغيرة.

وهناك تحليل حديث قام به <راحمستورف> بيّن فيه أن موجات الحرارة المشابهة لتلك التي اجتاحت روسيا في عام 2010 هي أشد بخمس مرات مما هي عليه، وعلى الأرجح يعود سبب ذلك إلى أن الاحترار قد وقع بالفعل، أي إن العامل الضخم massive factor قد حدث. وهناك بحث جديد يلقي اللوم على التسخين الذي ضرب الرقم القياسي في شتاء الولايات المتحدة عامي  2011 و2012 (والبرد الذي ضرب الرقم القياسي أيضا في أوروبا وفي الفصل نفسه) وهذا ما أدى إلى فقدان جليد البحر في القطب الشمالي. وقد اقترح أحدهم آلية على النحو التالي: بقليل من جليد البحر، يسخن المزيد من مياه القطب الشمالي. ويطلق المحيط تلك الكمية الكبيرة من الحرارة المكثفة في فصل الخريف؛ مما يغير تدرجات الضغط في الغلاف الجوي التي تؤدي بدورها إلى حدوث تغيرات في اتجاه تيار الجت ستريم the jet stream الذي يمكن أن يفعل  فعله في المكان لفترات طويلة. وقد تسخّن هذه التغيرات شمال شرق الولايات المتحدة وتجعله في شتاء دافىء، بينما تضع شرق أوروبا في برد شديد.

إن ما يجعل هذه القضية أكثر تعقيدا هو احتمال حدوث تغذيات راجعة بيئية. فعلى سبيل المثال، ساعد ارتفاع درجات الحرارة في كندا وغرب الولايات المتحدة الأمريكية على إطلاق وباء الإصابة بحشرة خنفساء شجر الصنوبر الجبلي؛ فقد قتلت هذه الحشرة مئات الآلاف من الهكتارات المزروعة بالأشجار، مهددة بذلك تحويل الغابات من مستهلكات للكربون (أشجار صحية تقوم بامتصاص ثنائي أكسيد الكربون) إلى مصادر مطلقة للكربون (أشجار ميتة متحللة). وفي عام 2007، مهّدت موجةٌ حارة الطريقَ لإطلاق الحرائق الأولى على منحدرات التندرة الشمالية قبل 7000 عام؛ مما سرّع من ذوبان الأراضي الدائمة التجمد وإصداراتها الكربونية في تلك المنطقة. كما أن الاحترار في سيبيريا كان بداية تحويل الغابات الواسعة من أشجار اللاركس Larches إلى غابات من أشجار الراتينجية spruce وأشجار التنوب fir. وتقوم أشجار اللاركس في فصل الشتاء بإسقاط أوراقها الإبرية؛ مما يسمح لحرارة الشمس بأن تنعكس على الغطاء الثلجي وإعادتها إلى الفضاء. وبذلك تحتفظ أشجار الراتينجية والتنوب بأوراقها الإبرية لامتصاص حرارة الشمس قبل أن تصل إلى الثلج، وذلك وفقا لما شرحه عالم البيئة <H. شوگارت> [من جامعة ڤرجينيا]. وبحسب تقديراته، تقوم التغذيات الراجعة الناشئة عن تغيرات الغطاء النباتي وحدها برفع درجة حرارة كوكب الأرض درجة ونصف مئوية، حيث يقول: «نحن نلعب هنا ببندقية مُذَخَّرة(12)

يبدأ «السيناريو المخيف» المنسوب إلى الباحث <نيسبت> بقفزة من انبعاثات غاز الميثان وبصيف حار جدا، وجميعها يقود إلى حرائق هائلة تطلق الكربون في الغلاف الجوي. وعليه، سوف نجد الدخان والضباب الدخاني يغطيان آسيا الوسطى ويضعفان الرياح الموسمية الآسيوية المسماة مانسونmonsoons؛ مما يسبب كوارث واسعة النطاق في المحاصيل في الصين والهند. وفي هذه الأثناء، يترافق نشوء ظاهرة النينو El Nino الكبيرة المتمثلة بوجود مياه ساخنة بشكل غير عادي في منطقة المحيط الهادي المدارية، حيث تجلب الجفاف إلى منطقة الأمازون Amazon  وإلى أندونيسيا. وتؤدي كذلك إلى حرق الغابات المدارية وأراضي الخث(13) peatlands  مضيفة المزيد من ثنائي أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي وإلى وضع المناخ على مسار متسارع نحو الاحترار السريع. ويقول <نيسبت>: «إنه سيناريو قابل للتحقق،» ويضيف: «إننا أكثر هشاشة مما نعتقد ما نحن عليه.»

ولكن كيف يمكن أن تغدو حلقات التغذية الراجعة فعّالة؟ نجد النماذج المناخية الفعالة في تفسير الماضي والحاضر متعثرة وذلك عندما يتعلق الأمر بالتنبؤ بالمستقبل. ويقول <شوور>: «يستطيع الناس تصور هذه التغيرات الفجائية بشكل أفضل مما تعرضه النماذج.» ويضيف: «حتى ولو كان الكوكب في نقطة اللاعودة، فربما لا ندرك حدوثها.»

وتتمحور الخلاصة المقلقة لسياسة المناخ في أن العلم ليست لديه أجوبة نهائية. وفي هذا السياق، يقول <مانينگ>: «نحن نعلم المنحى وليس المعدل». ومع ذلك، يؤكد العلماء أن هذه الشكوك لا تبرر عدم الفعل. وفي المقابل، فإن هذه الشكوك تدعم قضية الجهد العالمي المباشر لتخفيف انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، لأنها تبين بوضوح مدى أهمية مخاطر التغير المناخي السريع. وفي هذا الشأن، يقول <نيسبت>: «ما نفعله في هذه اللحظة هو خوض تجربة يمكن مقارنتها على السلم الجيولوجي بأحداث كبيرة في الماضي، وعليه يمكن أن نتوقع مدخلات لها نتائج مشابهة لتلك التي وقعت في الماضي.»

لهذا السبب لا يستطيع <هانسن> النظر إلى أحفاده ولا يمكنه أن يصبح ناشطا بالنيابة عنهم؛ لهذا يقول: «إن ذلك قد يعتبر غير أخلاقي، وهو ترك هؤلاء الشباب يعيشون مع نظام مناخي يخرج عن السيطرة.»

المؤلف

     John Carey
 <كيري> كاتب مستقل ومراسل رئيسي سابق لمجلة Business Week، حيث كان يغطي لصالحها مجالات العلم والتقانة والطب والبيئة. http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/04-03/2015_04_03_06.jpg

 

  مراجع للاستزادة

 

Abrupt Climate Change. U.S. Climate Change Science Program and the Subcommittee on Global Change Research. U.S. Geological Survey, December 2008. http://downloads.climatescience.gov/sap/sap3-4/sap3-4-final-report-all.pdf

Managing the Risks of Extreme Events and Disasters to Advance Climate Change Adaptation. Working Groups I and II of the Intergovernmental Panel on Climate Change. Cambridge University Press, 2012. http://ipcc-wg2.gov/SREX/images/uploads/SREX-All_FINAL.pdf

Paleoclimate Implications for Human-Made Climate Change. James E. Hansen and Makiko Sato in Climate Change: Inferences from Paleoclimate and Regional Aspects. Edited by André Berger et al. Springer, 2012.

Video by Katey Walter Anthony of the University of Alaska Fairbanks of methane—from melting permafrost—catching fire: www.youtube.com/watch?v=YegdEOSQotE

Scientific American, November 2012

 

(*)GLOBAL WARMING: FASTER THAN EXPECTED?

(**)HOT PAST SUGGESTS HOT FUTURE

(***)TROUBLING FEEDBACKS

(****)THE ICE EFFECT
(*****)FOREST FOR THE TREES

 

(1) أو: غازات الدفيئة

(2) قارة غير مأهولة تقع حول القطب الجنوبي.

(3) hypothesized

(4) alarmists: المنبهون إلى المخاطر من دون داعٍ.

(5) Victoria University of Wellington

(6) the Intergovernmental Panel on Climate Change

(7) corotte = core: قُوارة مصطلح جيولوجي وهي العينة الإسطوانية في الصخر أو الجليد نتيجة عملية التقوير = corottage = coring

(8) مجلة Scientific American هي جزء من مجموعة النشر Nature.

(9) the Paleocene-Eocene Thermal Maximum

(10) أو: ذوبان

(11) سهل أجرد في المنطقة القطبية الشمالية.

(12) loaded gun: أو: بندقية محشوة.

(13) نوع رديء من الفحم الحجري.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى