غير مصنف

بحثا عن كنز غارق


بحثا عن كنز غارق(*)

يستعمل العلماء اليوم تقانات غريبة في الكشف عن سفن غارقة في أعماق
البحار، وانتشالها بدقة عالية تضاهي دقة حفريات التنقيب عن الآثار.

<J .Ph. هيلتس>

 

 باختصار

  تتيح التقانات الجديدة للمستكشفين سبر مواقع السفن الغارقة وتحديدها بسرعة، وانتشالها بدقة عالية تضاهي دقة حفريات التنقيب عن الآثار.

وفي واقعة السفينة الغارقة قبالة جزيرة أنتيكايثرا اليونانية، تمكن غواصون يرتدون أجهزة تنفس متجدد rebreathers من البقاء على عمق 1655 قدما زمنا وصل إلى تسعين دقيقة بدلا من الزمن الذي لا يتجاوز ثماني دقائق، وذلك باستعمال جهاز الرئة المائيةscuba التقليدي للتنفس تحت سطح الماء.

وتسمح منظومة الغوص المعدنية Exosuit للغواصين بالعمل تحت سطح الماء بضغط الهواء السطحي، والاستغناء عن الصعود البطيء إلى السطح الذي كان يتعين عليهم الالتزام به اتقاء للإصابة بداء شلل الغواص.

كذلك أسهمت التقانة التي اكتملت في موقعي غطس آخرين على البحر المتوسط – هما: پاڤلوپـيتري وجزر إيگادي – في جعل عمليات الاستكشاف تحت الماء أكثر سرعة وأدنى تكلفة، فأغرت مزيدا من المغامرين على الإقدام للكشف عن حطام سفن قديمة غارقة ومدن كاملة مغمورة.

 

 

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/06-05/2015_06_05_10.jpg

 

قبل ألفي سنة هبت عاصفة عاتية على سفينة رومانية في عرض البحر، فتقاذفتها الرياح لترتطم بجدار صخري شديد التحدر على الطرف الشمالي من جزيرة أنتيكايثرا Antikythera  اليونانية النائية. وغرق المركب بما كان يحمله من أطنان الكنوز والنفائس: من مسكوكات نقدية ومجوهرات ذهبية وعشرات التماثيل المرمرية والبرونزية، إضافة إلى أداة برونزية بديعة تعمل بآلية منتظمة، تعد اليوم بـمنزلة أول حاسوب تماثلي(1).

واستقر الحطام في قاع البحر، على عمق 165 قدما، لم يمس حتى عام 1900 عندما عثر عليه يوما غواصون يمتهنون صيد الإسفنج، كانوا مزودين بعدة بسيطة لا تزيد كثيرا على خوذة وخرطوم طويل يصل إلى السطح للتنفس. ولم يأل الغواصون جهدا للوصول إلى المركب البالي، فقضى أحدهم في سبيل ذلك وأصيب اثنان آخران منهم بالشلل.

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/06-05/2015_06_05_11.jpg
غدا <E. أوبراين> أول إنسان يرود المحيطات مرتديا منظومة الغوص المعدنية Exosuit، التي تُبقي ضغط الهواء بداخلها معادلا لما هو في خارجها عند مستوى سطح البحر، عدة ساعات، حتى عمق 1000 قدم.

 

ولم تنطلق حملة الاستكشاف التالية إلا في عام 1976، عندما قام <J. كوستو> وفريق عمله باستكشاف الموقع مستعينين بجهاز الرئة المائية scubaللتنفس تحت سطح الماء. ولإتاحة زمن كاف لعملية الصعود إلى السطح، التي يتعين أن تكون بطيئة تفاديا من الإصابة بداء شلل الغواص(2)  – أي التمدد السريع لعنصر النتروجين(3) (الآزوت) في الجسم؛ مما قد يؤدي إلى تلف الأعصاب والموت، فقد تمكن الغواصون من البقاء في قاع البحر بضع دقائق عزيزة لا أكثر في كل عملية غوص.

إلاّ أن فكرة الزمن المحدود للمكوث في قاع البحر تبددت في الشهر 10/2014 مع انطلاق حملة استكشافية جديدة إلى جزيرة أنتيكايثرا، عندما قفز المستكشف <Ph. شورت> من مؤخرة القارب المستعار پـيتروس آيرو Petros Iroمرتديا نظام تنفس محوسبا مزودا بخزانات مُركَّبة يسمى جهاز التنفس المتجدد المغلق الدارة(4). ومن شأن هذا الجهاز أن يحد من معدل تراكم النتروجين في نسُج الغواص، متيحا له التعامل مع السفينة الغارقة مدة ساعة ونصف قبل أن يرجع أدراجه إلى السطح. ومع ذلك، لا بد من أن تكون حركة الصعود بطيئة بعد هذه المدة الطويلة من الغوص. وقد اصطحب <شورت> مجلة يقرؤها في أماكن التوقف المقررة له أثناء رحلة الصعود. وفي غضون أسبوعين من عمليات الغوص، كشف <شورت> وزملاؤه النقاب عن مختلف أنواع الأجسام المرصعة بقشرة زينية: من جِرار خزفية مزدوجة المقبض إلى حربة برونزية بطول سبع أقدام.

وبعد رحلات الغوص العديدة لـ<شورت> وغيره، قام <E. أوبراين> [من مؤسسة وودز هول لدراسة المحيطات](5)  باختبار تقانة أكثر طرافة وغرابة؛ فارتدى، وهو على متن إحدى سفن الأسطول اليوناني المسماة ثيتيس Thetis، منظومة غوص لامعة منتفخة المظهر تسمى إكسوسوت(6)، جعلته يبدو كأنه مزيج من شخصيتي الرجل الحديدي(7) وبازّ لايتيير(8) الخياليتين. وعند الساعة 10:400 من صباح يوم مشمس نزل من السفينة ثيتيس إلى عباب البحر، وغاص حتى عمق 200 قدم، أي على مقربة تماما من موقع السفينة الغارقة. ويشار إلى أن منظومة الغوص هذه تحافظ على ضغط الهواء السطحي ثابتا، فتتيح للغواصين البقاء تحت الماء ساعات عديدة، ثم العودة إلى السطح مباشرة دونما حاجة إلى التوقف… أو القراءة. وبسعادة غامرة عبَّر <أوبراين> عنها إثر عودته إلى السفينة هاتفا: «لا ينتابك أي إحساس بالضغط أو العمق؛ فإحساسك وأنت على عمق 50 قدما كإحساسك وأنت على عمق 200 قدم، سوى أن الظلمة أحلك عند العمق 200 مرة.»

ولا شك في أن المعدات التي استعملها <شورت> و<أوبراين> تدل على التقانات الرصينة المتاحة لعلماء البحار اليوم. ومرد ذلك أنهم يسارعون، بحذق وبراعة، إلى تعديل ابتكارات تنتمي إلى ميادين اختصاصات أخرى وتسخيرها لخدمة أغراضهم ورفد قدراتهم؛ فمنظومة إكسوسوت مثلا معدة في الأصل لعمال أنفاق المياه وشبكات الصرف الصحي التي قد يبلغ طولها أميالا. غير أن الشركة F .J. وايت للتعهدات(9) أدخلت تعديلات عليها لتتلاءم مع أعمال سبر المحيطات.

ونتيجة لذلك، بات كثير من المواقع النفيسة المهمة، التي كان الوصول إليها مستعصيا، مفتوحة للاستكشاف، وهي تجود – في غضون أسابيع فقط – باكتشافات كان تحقيقها، إلى عهد غير بعيد، ربما يستغرق سنوات. خذ مثلا الموقع پاڤلوپيتري Pavlopetri في اليونان (وهو موقع أقدم مدينة ساحلية مغمورة عثر عليها)، حيث تمكن غواصون، على عمق ضحل لا يتجاوز بضع أقدام، من رصد راسم خرائط بصري optical mapper صغير التقط آلاف الصور الفوتوغرافية الرقمية الثلاثية الأبعاد. وقد استعملت برمجيات software خاصة لربط تلك الصور بعضها ببعض، فأظهرت منازل وطرقا ومراكز تجارية وقبورا مغمورة، ألفت بمجموعها صورة بلدة ساحلية كانت تنبض بالحياة قبل نحو 4000 سنة. كذلك، وفي عمليات تنقيب جرت قرب جزر إيگادي Egadi Islands قبالة جزيرة صقلية، حيث غرقت سفن رومانية وقرطاجية في عام 2411 قبل الميلاد وذلك أثناء المعركة الأخيرة من الحرب البونية(10) الأولى، وتمكنت أجهزة مسح سونارية(11) من تحديد دقيق لمواقع أكثر من اثنتي عشرة سفينة غارقة. واستطاعت غواصات إنسالية (ربوطية) robot submarines مجهزة بكماشات قوية سريعة الحركة تطويق تشكيلة منوعة من العتاد الحربي وانتشالها إلى السطح.

وقضيتُ (المؤلف) أسبوعا كاملا أو يزيد بصحبة غواصين وأفراد من طاقم حملة أنتيكايثرا، متنقلا جيئة وذهابا ما بين المراكب والشاطئ. وفي إحدى الأماسي كان <B. فولي> [عالم آثار بحرية من مؤسسة وودز هول، وقائد الرحلة] على موعد لإجراء مقابلة في حجرة تستعمل مستودعا للمؤن وتقع فوق أحواض السفن على منحدر جرف مكشوف للريح. وعلى الجدار من خلفه ظهر تذكار trophy للأيام الأولى – وهو مطبوعة كبيرة لأول خريطة فوتوغرافية تصنع للموقع. وقد أخبرني «أننا أصبحنا على عتبات حقبة جديدة.»

وتابع قائلا: «بإمكاننا أن نستوعب مساحة أوسع بسرعة أكبر ودقة أعلى. وتذكر أن السفن الغارقة تمثل مواقع آثارية تجمدت في لحظة من الزمن، خلافا للمواقع الأرضية» التي ما تنفك عرضة للاعتداء والسرقة وإعادة البناء والتخريب والنهب. وعلى سبيل المثال، يذكر أنه كان من المألوف في الماضي صهر التماثيل البرونزية لغرض صنع المدافع، على أنها قد تكتشف في أعماق المحيطات كاملة لم تصب بأذى، وآية ذلك أن أجود التماثيل في متاحف العالم لم تجلب – في معظمها – من الأرض، بل من البحر.

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/06-05/2015_06_05_13.jpg
ثلاثة مواقع قديمة لسفن غارقة، اتخذت ميادين اختبار لأجهزة علمية متقدمة من شأنها أن تجعل دراسة الآثار البحرية أكثر سرعة ودقة. ويُذكر أن منظومة الغوص إكسوسوت (المعروضة في مقالة “تطور استثنائي مذهل” في اطار “اكتشافات جديدة”) وضعت قيد الاستعمال في الشهر 10 / 2014 في موقع جزيرة أنتيكايثرا.

 

ولما كان الزمن يتعطل وينتهي على السفن الغارقة، فإن ما بداخلها من أشياء لم تمس على مدى آلاف السنين حري بأن يفتح آفاقا واسعة ورؤىً ثقافية وعلمية عميقة لخفايا المجتمعات السالفة. ويبدو أن إمكانات تحقيق هذا الأمل أضحت اليوم بالفعل أكبر. ويقول <J. هندرسون> [الباحث في علم الآثار من جامعة نوتنگهام بإنكلترا، والمشارك في إدارة حملة پاڤلوپـيتري]: «كان التنقيب البحري عن الآثار، والعمل تحت سطح الماء مشكلة عويصة في الماضي، إلا أنه لم يعد كذلك اليوم؛ فقد تجاوزنا تماما هذه المرحلة.»

رسم الخرائط آليا في أنتيكايثرا(**)

تتسم التقانة الجديدة بأنها مساعفة إلى حد بعيد تنطلق معه أحلام كبيرة وآمال عِذاب جديدة، منها وضع خرائط لمناطق كاملة من قيعان البحار العميقة الغور بسرعة نسبية، وذلك باستعمال مجموعة صغيرة من العربات الإنسالية الذاتية التوجيه(12)  غير المأهولة، التي تعمل تحت سطح الماء. وكان <فولي> ممن يرغبون في وضع خريطة لكامل قاع بحر إيجه، ما بين جزيرة كريت والبر الرئيسي اليوناني. وبالنظر إلى أن المنطقة كانت ممرا مزدحما تنشط فيه الحركة البحرية منذ 5000 سنة، كان من الطبيعي أن تتمكن الإنسالات السونارية(13)  من كشف وفرة من الأشياء في القاع بسهولة؛ ففي إحدى التجارب عثر <فولي>، في غضون عشرة أيام فقط، على ما يحتمل أنه عشر سفن غارقة، وقد قام بتوثيق ذلك وتصويره ڤيديويا.

وفي الماضي، كان على علماء الآثار البحرية أن يبذلوا جهودا مضنية لرسم خريطة موقع محتمل باستعمال أدوات يدوية بسيطة مثل: شرائط قياس، وأطر خشبية ذات أسلاك لصنع شبكات grids  تدل على مواقع محتملة لأجسام غارقة، وكيف جرى ارتباطها المفترض بعضها ببعض. وسرعان ما أصبح رسم الخرائط أو التنقيب بالحفر إلى أعماق تزيد على 100 قدم مشكلة عويصة، بسبب عدم قدرة الغواصين على البقاء تحت الماء أكثر من بضع دقائق قبل أن يضطروا إلى الصعود من جديد.

وفي جزيرة أنتيكايثرا، تولى فريق من المهندسين من جامعة سيدني تدلية ترادفية لطوربيدات tandem of torpedoes صفراء اللون من مؤخرة زورق متواضع في مياه بحر إيجه الرائقة. بعد ذلك تركوا الإنسالة طليقة لتجد طريقها إلى القاع بنفسها. ولم يكن رئيس الفريق <O. پـيزارو> بحاجة إلى تشغيل العربة المائية الذاتية التوجيه، المسماة سيريوس Sirius، لأنها تعمل مستقلة وفق برنامج مرسوم لها سلفا. وقد غاصت سيريوس إلى عمق يقع فوق موقع السفينة الغارقة بعشر أقدام، مصدرة 40 دفقة متوازية متداخلة – تشبه حركة آلة جز الأعشاب – ومطلقة في طريقها أضواء خاطفة متواترة تنير القاع لكاميراتها المجسامية stereo cameras. وقد وجدت العربة موضعها ضمن حدود دقة وصلت إلى ثلاث أقدام أو نحو ذلك، بفضل إشارة أعطتها منظومة تحديد مواقع GPSsignal. لكنها حصلت على معلومات أعلى دقة بكثير عن مواضع كل صخرة أو وهدة أو نتوء من أرض القاع، عن طريق ضم بيانات الصور إلى البيانات المتعلقة بسرعتها وعمقها وتوجهها. واستعملت كل معلومة، مهما صغرت، لإجراء التصحيحات والتعديلات؛ فلو اتفق مثلا وجود خيال باهت خلف صخرة في إحدى الصور، لانبرت صورة أخرى ملتقطة صورة من زاوية مختلفة لملء ذلك الخيال.

ومع أن جلسة واحدة مدتها ثلاث ساعات، متبوعة ببضع ساعات من العمل الحاسوبي كانت كافية لتكوين صورة كاملة عن الحطام القديم الغارق، فقد قام فريق العمل بجولتين إضافيتين تحقيقا لمزيد من الدقة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الصورة المركبة composite image النهائية تتألف من 000 500 صورة فوتوغرافية فردية تصل دقة كل منها إلى أعشار البوصة (الإنش)، فالصورةُ ثلاثيةُ الأبعاد، ومن ثم فإن بالإمكان إمالتها ومعاينتها من الجانب.

يقول <S. ويليامز> [أحد أعضاء فريق البحث] إن عملية مسح مشابهة لهذه في غرضها وحجمها أجريت في مكان آخر قبل سنوات قد استغرقت أكثر من شهر لإتمامها، في حين تمكنت مجموعته من إنجازها ثلاث مرات في غضون عطلة نهاية أسبوع واحدة لا أكثر.

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/06-05/2015_06_05_14.jpg
http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/06-05/2015_06_05_15_a.jpg
http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/06-05/2015_06_05_15_b.jpg
جهاز التنفس المتجدد rebreather الذي يرتديه <Ph. شورت> (الخزان الأحمر، الصورة في اليسار)، يحدُّ من تزايد معدل النتروجين الذين يمكن أن يشل حركة الغواص، فيتيح لفريق <شورت> الزمن الكافي لاستخراج حربة برونزية بطول سبع أقدام (الصورة في الوسط). وتنبري عربات ذاتية التوجيه [من دون طاقم قيادة] (الصورة الأخيرة) سريعا لوضع خرائط دقيقة لمساحات واسعة من قاع البحر، فترشد المستكشفين إلى مكامن الكنز الدفين.

 

تنفس وتنفس من جديد(***)

ما إن تمت عملية رسم الخرائط حتى غدا بإمكان الغواصين النزول إلى مواضع بعينها، مرارا وتكرارا حسب رغبتهم. ويذكر في هذا السياق أن الغواصين الذين وصلوا فعلا إلى القاع في عام 1900 ما كادوا يقضون ثلاث دقائق هناك، مع أن هذا الوقت القصير كان كافيا لاستعادة حاسوب تماثليanalog computer عتيق، يسمونه اليوم «آلية أنتيكايثرا»(14). ولا ريب في أن الغوص العميق ينطوي على خطر محدق، لأن ضغط الماء الشديد يضغط الغازات في النسيج البشري إلى جزء صغير من حجمها المعتاد، فتبادر خلايا الجسم إلى التعويض عن ذلك باستعمال هواء خزانات خاصة، يستنشقه الغواصون لملء النسيج ومقاومة الضغط. وهذا يعني أن على الجسم أن يجابه حجما كبيرا من الهواء، معظمه نتروجين. وكلما طالت مدة وجود المرء تحت الماء ازداد تراكم الغازات أكثر فأكثر.

ويتمثل الخطر الأكبر بأنه حالما يبدأ الغواصون بالصعود إيابا، تتحرر الغازات في النسج وتتمدد كفوران الغاز من زجاجة مياه غازية لدى فتحها. فمن الضروري أن يكون صعودهم بطيئا بحيث ترتشح الغازات ببطء. فإذا كان صعودهم سريعا جدا، تتكوّن في دمائهم فقاقيع يحتمل أن تعيق الدورة الدموية في الأوعية الدموية الدقيقة وتشل الأعصاب والأعضاء، علما بأن النتروجين هو العنصر المزعج على وجه الخصوص.

وعلى متن مركب الغوص الضيق، يحاول <شورت> جاهدا التعامل مع عدة تبلغ ضعفي ما كان يحمله في رحلات الغوص المعتادة باستعمال جهاز الرئة المائية، فهو الآن يحاول ما استطاع لحملها كاملة على جسده. وبدلا من استعمال قارورة معدنية بسيطة من الهواء، كما هي الحال في الغوص بالرئة المائية المتعارفة، يتغذى جهاز التنفس المتجدد rebreather من أسطوانتين يحملهما <شورت> على ظهره: تحتوي إحداهما على الأكسجين والأخرى على مزيج ثلاثي من الهيليوم والأكسجين والنتروجين. ويتلقى الجهاز زفير الغواص، فينقيه من غاز ثنائي أكسيد الكربون، ثم يحقن الأكسجين ليعوض ما استنفده الغواص منه. وتقوم برمجيات خاصة بمراقبة مستوى الأكسجين، مولدة – في المحصلة – مزيجا من الغازات، بحسب الحاجة، لجميع مراحل عملية الغوص.

وقد أتاحت لنا كل أمسية قضيناها هناك ساعة للعمل في فك التجهيزات ذات التقانة العالية، وتنظيفها ثم إعادة تركيبها. ويقول <شورت> وهو يجثو إلى جانب الخزانات والمظهار الحاسوبي الرسغي the wrist-mounted computerdisplay الذي يتحكم فيها: «أقر بأنني «مهووس» تماما بمثل هذه الأمور، ومن  المسلم به لدي أنها صائبة. وليس ثمة مشكلة إذا كان كل شيء يعمل على ما يرام، ولكن عليك مع ذلك أن تبقى متيقظا ومستعدا للقيام بما يلزم عند حدوث أي خلل: في الإلكترونيات مثلا. هذا هو ما يحتاج منك إلى الدربة من أجل الطوارئ المحتملة.»

حربة <سوتيريو>(****)

ومما كان مفيدا جدا ومساعفا حقا، مع أن تقانته لم تكن عالية بهذا القدر، في عمليات الغوص الأولى، هو مكشاف معدني يستعمل تحت الماء. ولا غرو، بعد مرور ألفي سنة، أن تكون الأجزاء الخشبية من السفن الغارقة قد تحللت جلها، وأن يكون أغلب المصنوعات اليدوية بداخلها قد دفن في الرمال والرسابات، وبعضه تحجر فاكتسى بطبقة من كربونات الكالسيوم وغيرها بحيث صار يبدو كصخور بيضاء كبيرة.

والمكشاف (وهو في شكله يشبه عصا الساحر) يُصدر تحت سطح الماء، كما على الأرض، طنينا إذا صادف جسما معدنيا. ولاحظ الغواصون في الأيام الأولى عدة إشارات قوية، وثـبتوا في مواضع ظهورها أحجارا طليت باللون الأصفر لتكون علامات تميز البقع الساخنة، توطئة للأبحاث اللاحقة.

وبعد تريث اضطراري لبضعة أيام هبت فيها رياح بسرعة ثلاثين ميلا في الساعة وارتفعت الأمواج ثماني أقدام، عاد الغواص <A. سوتيريو> إلى المناطق المعلمة وشرع بالحفر. هنا تحولت مساوئ الماء إلى مزايا مواتية؛ فالأرض الجافة غالبا ما تكون صلبة وتقتضي من عالِم الآثار الأرضية أن ينبش الموقع ببطء مستعملا الرفش(15) والمالج(16)، وأخيرا الفرشاة لإظهار البدائع اليدوية الدفينة. لكن «الأرض» في البحر لينة وسرعان ما تنجرف بمرور يد الغواص عليها، لذلك يمكن بسهولة حفر أخاديد واستعمال خراطيم خاصة لشفط الرسابة الطينية(17) وطرحها في مكان آخر. وبالفعل استطاع  <سوتيريو> بحركة واحدة رشيقة من قفازه، إزاحة عدة إنشات (بوصات) من الطمي. وما هي إلا تمريرة أخرى بيده حتى بدا طرف عقب حربة برونزية. وبالإمعان في نبش الموضع ظهر أخيرا الرأس الكبير الحاد لحربة سليمة مصونة، طولها الإجمالي سبع أقدام.

 

[خط زمني]

الغوص لاستكشاف أعماق البحر

  1531
بدايات استعمال أجراس الغوص
يرتدي متصيدو الكنوز أجراس غوص بدائية لتحري قاع بحيرة قرب روما بحثا عن سفينتين مرصعتين بالجواهر، جرى بناؤهما خصيصا للإمبراطور الروماني <كاليگيولا>. ويُرتدى الجرس، البرميلي الشكل، على العنق والكتفين، فيحبس قدرا من الهواء للغواص يكفيه مدة ساعة من الزمن.

  1620
بناء أول غواصة
اثنا عشر رجلا يزودون أول غواصة في العالم بمجاذيف بارزة من ثقوب على جانبي المركب، أُحكِم سدُّها بالجلد. ويقوم المخترع الهولندي <C. دريبل> بإجراء اختبارات عليها في نهر التيمز بطلب من ملك إنكلترا.

  1691
براميل إمداد بالأكسجين
الإنكليزي <E. هالي>، المرتبط اسمه بمذنب هالي، يوسع نطاق إمداد الهواء لأجراس الغوص بإنزال براميل أكسجين مثقلة باعتبارها عبوات لتجديد الإمداد.


1715
منظومة غوص تعاني عيوبا
الإنكليزي <J. ليثبريدگ> يبتدع منظومة غوص بدائية تحاكي برميلا أفقيا، تسد فتحتي ذراعيها بالجلد. ويخفق في بلوغ أعماق بعيدة بسبب تفاوت في الضغط بين جذعه وأعضائه.


1788
تطوير جرس الغوص
الأمريكي <J. سميتون> يضيف خزان هواء بمضخة يدوية تسحب الهواء عبر خرطوم إلى السطح. والصمام الأحادي الاتجاه يمنع رجوع الهواء في الخرطوم.


1864
رئة فولاذية تمهد للرئة ال‍مائية
الفرنسيان <B. روكويرول> و<A. دينيروس> حازا براءة اختراع جهاز الغوص أيروفورAerophore، وهو نموذج سابق للرئة المائية scuba. ويستنشق الغواص الهواء من خزان عبر غشاء وصمام، كما يضخ الهواء من السطح إلى الأسفل عبر خرطوم إلى الخزان لملئه.


1870s (سبعينات القرن التاسع عشر)
جهاز التنفس المتجدد يعيد تدوير الهواء
الإنكليزي <H. فلوس> يخترع جهاز تنفس متجدد: منظومة مغلقة الدارة تغذي الغواص بالأكسجين المضغوط، في حين تمتص الزفير من ثنائي أكسيد الكربون عن طريق حبل مشبع بالبوتاس الكاوي.


1900
الأسطول الأمريكي يبني غواصة
المهاجر الأيرلندي <J. هولاند> يبني غواصة  حديثة للأسطول الأمريكي، تعمل بالبنزين (الگازولين) والكهرباء. وقد راج نموذجه هذا (الذي حمل اسمه <هولاند>) بسرعة، وظهرت مراكب على غراره في أساطيل العالم إبان الحرب العالمية الأولى.


1919
الحرب تستحث ظهور السونار
يبتكر الأسطولان البريطاني والفرنسي منظومة سونارية لكشف الغواصات، تركب على المدمرات على مدى العقدين التاليين.


1934
مستكشفون يغوصون باستعمال كرة فولاذية
رجلان داخل كرة فولاذية مفرغة زنتها 2.5 طن أطلق عليها اسم «كرة الأعماق» bathysphereيسجلان رقما قياسيا في الغوص حتى عمق نصف ميل. ويتدلى كبل فولاذي من سفينة أم لرفعهما، في حين يُغذي كبل آخر جهاز هاتف وأضواء، وثمة أنبوب لتوفير الهواء.


1943
غواصون يتنفسون بعمق
تعرض للبيع منظومة الرئة المائية التي أطلقها المستكشف <J. كوستو> والمهندس <E. گاگنان>. وتتألف تقانة هذه المنظومة من صمام طلبٍ آلي(18)  لإمداد الغواص بالهواء  النقي عند كل نفس. وتبقى هذه هي المنظومة الأساسية التي يستعملها الغواصون التقليديون اليوم.


1955
البحث عن معادن يفضي إلى اكتشاف ألواح
علماء يمسحون قاع البحر باستعمال مكشاف معدني تحت-مائي underwater يدعى «مقياس المغنطيسية» magnetometer  تقطره سفينة. وتظهر عمليات المسح نموذجا مخططاstriped لمعادن تحت-سطحية subsurface تحدد عمر قاع البحر، كما تقدم عمليات المسح هذه دليلا يعضد نظرية تكتونيات الألواح [في الغلاف الصخري للأرض].


1960
بشرٌ يبلغون أعماقا قصوى
«غواصة الأعماق» bathyscaphe المسماة تريستا Trieste التابعة للأسطول الأمريكي، وهي بقطر 6.5 قدم، مع خزان بنزين بطول  50 قدما على ظهرها، تُمكن من بلوغ أعمق نقطة في المحيطات كافة – وهي القاع المسمى «ماريانا ترينش» Mariana Trench الذي يبلغ غوره سبعة أميال – على الرغم من وجود نافذة مصدوعة في تلك الغواصة.


1960s (ستينات القرن العشرين)
العلماء ينشرون إنسالات (ربوطات)
الأسطول الأمريكي يمول تطوير عربات يتحكم في عملها من بعد: وهي إنسالات تحت-مائية يتحكم في تحريكها من بعد باحثون على متن سفينة فوقها، وذلك لجمع بيانات أو استكشاف حطام سفن غارقة.


1970s (سبعينات القرن العشرين)
آلات تنفذ المهمة وحدها
جامعة واشنطن ترسل عربة تحت-مائية غير مأهولة إلى المناطق القطبية الشمالية، وهي مبرمجة سلفا لجمع بيانات وأداء مهام من دون تدخل بشري. ويسهم التقدم الكبير في ميدان صناعة هذه العربات والعربات المتحكم في عملها من بعد في جعل 98 في المئة من قيعان المحيطات في متناول العلماء.


1980
ڤيديو ينبثق من الأسفل
<R. بالارد> [مكتشف حطام باخرة البريد الملكي «تايتانيك» Titanic] يبتكر آلة تصوير تحت-مائية تُرسل، باستعمال ألياف بصرية، صورا ڤيديوية حية إلى السطح ليشاهدها العلماء والمعلمون ويدرسوها.


2014
غواصون يجدون جانب مرونة جديدا
فريق بحث عن سفينة غارقة في اليونان يختبر منظومة الغوص المصفحة «إكسوسوت»، التي تحتفظ بضغط سطح البحر بداخلها، فتتيح للغواصين بلوغ أعماق تناهز 1000 قدم، والمكوث هناك مدة تصل إلى 40 ساعة.

<A. نوردرم>

 

ويعتقد علماء آثار من أعضاء فريق البحث أن الحربة أثقل وزنا من أن تكون قد استعملت سلاحا، ويرجحون أنها كانت يوما في قبضة تمثال برونزي ضخم لمحارب قديم، ما زال مطمورا في الموقع. وقد انتشل الغواصون أيضا إبريقا من الصلصال النضيج terra-cotta  بارتفاع يقارب قدما ونصف القدم، ربما كان يستعمل لتقديم الخمر. ووجدوا كذلك حلقة برونزية لربط حبال السفينة، إضافة إلى حلقتين زينيتين لسرير روماني. أما الأدوات الصغيرة، فقد انتشلها الغواصون ضمن أكياس حملوها بأيديهم أثناء رحلة الصعود؛ وأما الكبيرة منها كالحربة فقد اتخذوا لانتشالها أنابيب مسطحة مفرغة من الهواء كانوا قد حملوها معهم وملؤوها بالهواء من أحد خزانات التنفس وربطوها على الأدوات ثم رفعوها إلى السطح بتعويمها رويدا وبرفق، وصولا إلى المركب.

بيد أن أكثر الاكتشافات إثارة للاهتمام كان على بعد 600 قدم – على مسافة كافية من الحطام الرئيسي، حيث ظن الغواصون أنهم عثروا على سفينة ثانية ربما كانت مبحرة مع الأولى. وهناك اكتشفوا مرساة ثانية، وقطعة من أنبوب رصاصي يحتمل أنه جزء من مضخة قعر (جمة) المركب the vessel’s bilge pump، ومجموعة مرتبة من الجرار بدت كأنها لم تمس قط، ودلت أشكالها وعلاماتها على أن منشأها أربعة مرافئ هي: پـيرگامون وإفسس وكوس ورودس – وهي الأنواع الأربعة ذاتها التي وجدت على متن السفينة الرئيسية.

وقد أثار التثبت من منشأ المكتشفات على الشاطئ فضول <Th. ثيودولو> [قائد حملة يعمل في المجلس التنفيذي اليوناني للإشراف على العاديات (الآثار القديمة) تحت سطح الماء]، فصرح أن «هذا المكان ما زال يضم أسرارا كثيرة مهمة، ولا بد من أن نعود إليه مرات ومرات لكشف النقاب عنها.»

المنظومة إكسوسوت الرائعة(*****)

من المنتظر أن يكون التقدم في الرحلة القادمة، إذا حصلت، أسرع بكثير، وذلك بفضل أكثر التقانات الجديدة تداولا على الألسن، والتي انطلقت في أثناء عمليات أنتيكايثرا: تلك هي منظومة الغوص إكسوسوت.

وبعد تأجيل دام أسبوعين بسبب أحوال جوية سيئة، وبتاريخ 7/10/2014، كان <أوبراين> يتدلى بكبل غليظ من سطح السفينة ثيتيس مرتديا المنظومة إكسوسوت، هبوطا إلى اليم. وكانت تلك أول مهمة تنفذ باستعمال هذه المنظومة، وهي من منتجات الشركة نايتكو للأبحاث(19). ويقول <J. كلارك> [من الشركة F .J. وايت للتعهدات، التي تحتفظ بملكية الدرع] مهللا: «إنها التجربة الأولى للمنظومة في مياه ملحة.»

وعندما صار <أوبراين> في الماء فصل عن الكبل، وغاص إلى القاع حتى عمق 200 قدم وقريبا من السفينة الغارقة. هناك حان له أن يختبر مزايا منظومة الغوص وكفاءاتها؛ فهي تحتوي على 18 مفصلا مرنا تسمح للغواص بحركات طبيعية للذراعين والساقين والجذع. فيستطيع <أوبراين> عند الحاجة الانحناء والجثو والانكباب على بطنه في قاع المحيط إذن، بل إن بإمكانه التلوي والتكيف مع شتى الأوضاع الجسدية التي يمكن أن يوجد فيها الغواصون العاملون.

لكن الإثارة الحقيقية لم تكن في متانة المنظومة ومرونتها، بل في أنها تبقي مرتديها – وهو في الأعماق – عند درجة ضغط سطح الماء السوي طوال مدة الغوص – فليس ثمة غازات مضغوطة في الجسم، ولا اعتلالات عضوية بعد زوال الانضغاط.

وفي غضون دقائق فقط بعد عودة <أوبراين> إلى السطح، وخلعه منظومة الغوص على ظهر المركب، أخبرني شخصيا، وهو يقف عند سور حافة المركب، أن تجربة الغوص باستعمال المنظومة مختلفة تماما عنها باستعمال الرئة المائية. وأكد هذا الأمر <F. لازارو> [ضابط في الأسطول اليوناني] عندما اختبر المنظومة حتى عمق 200 قدم في وقت لاحق من اليوم نفسه.

وتزن هذه المنظومة، المصنوعة من المعدن ومواد تركيبية صنعية، أكثر من 500 باوند على الأرض؛ لكنها في الماء خفيفة كالريشة، وتكاد تطفو بنفسها على الماء. وتتميز بقدرتها على إبقاء الغواص عند درجة الضغط الجوي السطحي حتى عمق يصل إلى 1000 قدم، وبذلك تزيد إلى حد بعيد الأعماق التي يستطيع الإنسان العمل فيها من دون أن يكون حبيسا في غواصة.

وفي أوساط علماء الآثار، يكثر الحديث اليوم عن استعمال المنظومة إكسوسوت في رياد مساحات واسعة من قاع البحر البكر – مما يلي الأعماق التي يرودها الصيادون، أي زهاء 300 قدم. ويزمع العلماء تزويد المنظومة بخرطوم شفط خاص يتيح لمرتديها البشري، في عمليات الغوص المستقبلية، سحب الرمل والطمي من سفينة غارقة، على مدى ساعات في كل مرة. ويأمل الباحثون باستعمال هذه المنظومة في مهمة جديدة لمتابعة عمليات التنقيب في أنتيكايثرا.

نموذج أولي في پاڤلوپـيتري(******)

لقد مهدت الحملات السابقة السبيل لحملة أنتيكايثرا؛ فالسلف البادر لعربة سيريوس الإنسالية (الروبوطية) استحدث في الواقع لغرض حملة پاڤلوپـيتري؛ فهو مصمم لمسح بنى غير اعتيادية على عمق من 10 إلى 15 قدما تحت سطح الماء على امتداد أحد الشواطئ الجنوبية لإقليم لاكونيا، عند طرف شبه جزيرة الپيلوپونيز اليونانية. وكان حطام قد اكتشف عام 1968، غير أن تحديد موقعه (رسم خريطته) كان بدائيا وتقريبيا، والتنقيب عنه كان جزئيا فقط. وفي عام 2009 قدم عالم الآثار <J. هندرسون> لإلقاء نظرة شاملة عليه.

ونصب المهندسون آلتي تصوير (كاميرتين) عاليتي درجة ال‍ميز high-resolution cameras على إطار صندوقي الشكل، دفعه الغواصون في مسالك متداخلة تقع فوق البنى المغمورة في الأسفل. وقرنت البرمجيات آلاف الصور بمعلومات تتصل بسرعة العربة وموضعها، فولدت خريطة فسيفسائية فوتوغرافية photomosaic طبق الأصل عن القاع – وهذا كله من دون الاستعانة بأسلاك شبكية وشرائط قياس.

وكونت الخريطة الفسيفسائية أول تمثيل واقعي لما وُجِدَ في القاع: مدينة كاملة ذات طرق تتخلل 15 مبنى، وغرف ملئت جرارا، وقبور، وجميع ذلك على مساحة إجمالية تزيد على فدانين إنكليزيين two acres. وفيما يتصل بتأريخ المواقع التي شهدت عمليات تنقيب، فقد قُدِّر عمر أقدم جزء من مدينة پاڤلوپـيتري بـ 4000 سنة، وكانت أول بلدة تحت الماء ترسم خريطتها رقميا ثم تنمذج بثلاثة أبعاد. وقد استعان <هندرسون> بـ<S. كلارك> [خبير في تحريك الرسوم حاسوبيا computer animation، وعمل أيضا في سلسلة أفلام هاري پوتر] لإضفاء اللمسة النهائية – فابتدع فيلما من الرسوم المتحركة وظف فيه بيانات المسح survey data لتصوير جولة سياحية مشيا على الأقدام وبالطيران الشراعي، في أنحاء البلدة عن الحالة التي كانت عليها في الماضي.

أشلاء من قرطاجة(*******)

ثمة حملة أخرى للتنقيب عن الآثار البحرية، رائدة في اعتماد التقانة الجديدة تحقيقا لأغراضها، تضمنت سلسلة من الرحلات إلى جزر إيگادي ما بين عامي 2005 و 2013.

وعلى مدى سنوات، كانت مدينة قرطاجة القديمة، تتحكم في الطرق التجارية الحيوية بين إفريقيا وما يعرف اليوم بإيطاليا؛ فقد كان لزوارقها الكبيرة التي تسير بمجاذيف يدوية وقائع في هزيمة مراكب روما مرات عديدة، ولاسيما بضرب هياكل المراكب المعادية بمدك ram برونزي ضخم مثبت إلى قيدوم(20) الزورق. وفي عام 2411 قبل الميلاد، بنى الرومان أسطولهم المجهز بمدكات لشن هجوم معاكس؛ إذ حمل زهاء مئتي سفينة حربية رومانية على عدة مئات من السفن الحربية والتجارية القرطاجية. ويصف المؤرخ <پوليبيوس> تلك المواجهة بأنها «أشرس حرب في التاريخ،» لكنه لم يحدد موقعها تماما.

واستعانت دائرة الإشراف على التنقيب الآثاري تحت الماء في صقلية بـ<S. توسا> [عالم آثار إيطالي] و<J. رويال> [من مؤسسة RPM البحرية بولاية فلوريدا الأمريكية] لاستقصاء موقع ميدان ذلك الحرب. وتشير وثائق قديمة إلى مكان يقع شرق جزيرة ليڤانزو، لكن حطام السفن قد يكون مبعثرا في أي مكان على امتداد رقعة بمساحة 100 ميل مربع من قاع البحر عند أعماق تصل إلى 300 قدم.

بدأ <توسا> و<رويال> تحريهما الذي دام سنوات على متن سفينة أبحاث أبحرت معتمدة في ذلك أسلوب التطواف جيئة وذهابا، ومزودة بجهاز للسبر برجع الصدى echo-sounding device للموجات الصوتية ثُبِّت على هيكلها، بحيث يطلق «جهاز السونار المتعدد الحزم» multibeam sonar 500 نبضة صوتية مختلفة فـي كل مرة، بمعدلات تصل إلى 400 نبضة في الثانية. وقد رسمت الموجات الصوتية، بانعكاسها عن قاع البحر، خريطة تقريبية لتلك المساحة الواسعة. وعكف الباحثون على تحليل الصدى، الذي بدا ينبئ عن وجود أجسام، وقد تتبين طائفة من أنواع الحطام، من طائرات حديثة إلى سفن عتيقة. غير أن درجة الدقة في تحديد أي من المواقع كانت منخفضة نسبيا.

وبعد عمليات تحليل مستفيضة عاد فريق العمل بجهاز تصوير سوناريsonar imager أعلى دقة يدعى الماسح القطاعي sector scanner، أنزله العلماء على منصب ثلاثي القوائم إلى قاع موقع محتمل، بغية الحصول على صورة صوتية sound image أقرب وأوضح. فبانت أشكال طيفية أمكن تعرفها باستعمال الماسح بسهولة أكبر. وللكشف عن مواقع أجسام معينة يعدها فريق العمل ذات أهمية، أرسلت غواصة إنسالية(21)  يتحكم فيها من بعد ومزودة بكاميرات. وعاين أعضاء فريق البحث، من على متن السفينة، ما كانت تعاينه الإنسالة من خلال وصلة ڤيدوية video link. وكانوا كلما وجدوا جسما أعملوا – من بعد – أذرعا ميكانيكية من الإنسالة ذات كماشات عند نهاياتها، في محاولة لالتقاط بقايا الجسم من الوسط الموحل وانتشالها إلى السطح – وهذا استعمال غير عادي للإنسالات في جلب مصوغات فنية أثرية من حطام مراكب غارقة.

لكن <توسا> و<رويال> لم يتمكنا من العثور على ما كانا يبحثان عنه إلا بعد انتهاء موسم البحث تماما عام 2010؛ إذ عثرا على سفينة غارقة ذات مدك. وعلى مدى السنوات الثلاث التالية لقيا ثمانية زوارق أخرى بمدكات أيضا، بعضها روماني وبعضها قرطاجي، واستطاعا انتشال المدكات البرونزية التسعة جميعها، وهي تحمل علامات تربطها بحقبة المعركة البحرية، بل إنها أضاءت حقائق كثيرة تتصل بالحروب البحرية آنذاك، من قبيل أن المدكات كانت تنصب على قيدوم السفينة ذات المجاذيف، عند خط الماء مباشرة، وكانت ذات ثلاثة نصال أفقية عريضة، معدة لاختراق بدن المركب المعادي عند ارتطامها به.

زمن الانفتاح(********)

ليس بدعا أن إمكانات التنقيب البحري العالي التقانة عن الآثار اليوم في توسع وامتداد مطردين؛ فقد بات بـمقدور الغواصين المزودين بأجهزة التنفس المتجدد ومنظومات إكسوسوت الوصول إلى أغوار غير مسبوقة تبلغ مئات الأقدام، والمكوث تحت سطح الماء ساعات. كذلك صار بإمكان عربات إنسالية مسيرة من سفن أو مبرمجة للعوم مستقلة بنفسها أن تستوعب ليس فقط ياردات مربعة، بل أميالا مربعة، وأن تلتقط صورا رقمية بدرجة عالية من الدقة تكاد تنتهي إلى كسور الإنش (البوصة). وربما يتمكن المستكشفون في المستقبل من تشغيل محطات إنسالية كاملة تحت الماء لا تتطلب زوارق باهظة الثمن وطواقم عمل. ولعل أكبر مطامح <فولي> وأحلامه يتمثل برسم خريطة لقاع البحر المتوسط برمته، وتصنيف آلاف السفن والمراكب الغارقة؛ إذ من شأن ذلك أن يوفر رؤى واستبصارات عميقة لمختلف الثقافات عبر العصور.

وفي مؤتمر تناول موضوع التنقيب الآثاري البحري، عقد في خريف عام 2014، أشار <رويال> أيضا إلى أن نسق التقانة الجديدة حري بأن يجعل عمليات الاستكشاف أسهل وأقل تكلفة: فبمبلغ لا يزيد على بضعة آلاف الدولارات يستطيع العلماء الوصول إلى مواقع معينة والعودة بصور ثلاثية الأبعاد لكائنات مدهشة. ويقول <رويال>: «قد يتزايد عدد من يفعلون ذلك وتتزايد الأماكن التي يرتادونها ومع شح الموارد المالية المتاحة، يتعين أن يجتزئ التنقيب الآثاري البحري بحدود ما هو متاح له.»

لقد غدا تاريخ البشر ممن يركبون متن البحار، مع تعطل عنصر الزمن في قيعانها، سهل المورد قريب المأخذ. وكما أخبرني <فولي>، ونحن على جزيرة أنتيكايثرا قبيل مغادرتنا، فإن «98 في المئة من أعماق المحيطات مجتمعة باتت اليوم ولأول مرة، ضمن إمكانات الباحثين.»

المؤلف

     Philip J. Hilts
 <هيلتس> كاتب مستقل في ميدان العلوم، ومؤلف لستة كتب، ومراسل سابق (حائز جائزة التميز) لصحيفتي نيويورك تاي‍مز وواشنطن پوست. وقد تولى إدارة برنامج الفارس للصحافة العلمية (22) في المعهد M.I.TT. ما بين عامي 2008 و 20144. http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/06-05/2015_06_05_12.jpg

  مراجع للاستزادة

 

Decoding the Heavens: A 2,000-Year-Old Computer—and the Century-Long Search toDiscover Its Secrets. Jo Marchant. Da Capo Press, 2009.

Egadi Islands battleground mapping site: www.nottingham.ac.uk/news/pressreleases/2013/november/ancient-naval-battle-site-relics-of-war.aspx

Return to Antikythera expedition Web site, including videos and photographs:http://antikythera.whoi.edu

 

(*)IN SEARCH OF SUNKEN TREASURE

(**)AUTOMAPPING AT ANTIKYTHERA

(***)BREATHE AND REBREATHE

(****)SOTIRIOU’S SPEAR
(*****)THE EXCELLENT EXOSUIT

(******)PROTOTYPE AT PAVLOPETRI

(*******)CARNAGE FROM CARTHAGE

(********)UNFREEZING TIME

 

(1) analog computer

(2) the bends: داء ينشأ عن الانتقال المفاجئ من جو عالي الضغط إلى جو عادي الضغط؛ مما يولد فقاقيع نتروجينية في الدم والنسج. وهذا الداء يُحدِث ضيقا في الصدر وآلاما في البطن والمفاصل، وتشنجا وشللا، وقد يفضي إلى الموت. ويسمى أيضا: داء كيسون caisson disease.

(3) nitrogen

(4) closed-circuit rebreather : منظومة غوص للتنفس تحت سطح الماء تمثل – لاسيما النموذج الإلكتروني منها – أحدث ما توصل إليه العلم في ميدان استكشاف أعماق البحار، فهي تعيد تدوير إمداد الغاز المتاح فتطيل مدة الغوص أكثر بكثير مما تتيحه أجهزة الغوص التقليدية، وينعدم فيها ظهور الفقاقيع والأصوات المصاحبة لأجهزة الغوص المفتوحة الدارة. وتستعمل هذه التقانة، إضافة إلى استعمالها تحت سطح الماء، في جو الفضاء وفي البيئات السامة (كما في منطقة يُكافَح فيها حريق، أو منجم تجري فيه عمليات إنقاذ).

(5) Woods Hole Oceanographic Institution

(6) Exosuit

(7) Iron Man

(8) Buzz Lightyear (التحرير)

(9) J. F. White Contracting

(10) Punic War

(11) sonar scanners؛ أي من الماسحات التي تستعمل طريقة السبر بالصدى لكشف مواقع الأشياء تحت سطح الماء. (التحرير)

(12) autonomous underwater robot vehicles

(13) sonar-toting robots

(14) the Antikythera mechanism

(15) shovel

(16) trowel

(17) أو: الطمي

(18) automatic demand

(19) Nuytco Research

(20) bow

(21) robotic submarine

(22) the knight science journalism program

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق