أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
الدماغسيكولوجياعلم النفس

عبقريّ بالمصادَفة

عبقريّ بالمصادَفة (*)

قد يطلق تعرضُ الرأس لصدمة قوية العنانَ لمهارات ذهنية وفنية خفية.

<A .D. ترفرت>

 

باختصار

   نجح الفيلم السينمائي رجل المطر RainMan، الذي مَثّل فيه <D. هوفمان> الدور الرئيس، بتركيز اهتمام العامة على متلازمة العليم savant syndrome التي يُبدي فيها الأشخاص المصابون بالتوحد قدرات ذهنية استثنائية منذ الولادة.

تمثل ظاهرة العليمية المكتسبة acquiredsavantism شكلا بديلا لهذه الحالة، حيث  تتطور قدرات استثنائية على الرسم أو العزف الموسيقي أو الحساب الذهني بعد الإصابة بصدمة تؤذي الدماغ.

وقد توجد مهارات العليم لدى معظم الأفراد. لكن التوصل إليها يستدعي تفعيل أو إيقاف دارات معينة ضمن دماغ الإنسان بواسطة تقانات تتضمن الحث الكهربائي electricalstimulation، أو حتى بالتركيز على تملّك مهارات معينة.

 

 

عندما كان <O. سيرل> طفلا في ربيعه العاشر أصابته كرة بيسبول طائشة فطرحته فاقدا للوعي. وعندما استعاد وعيه اكتشف أنه يستطيع أن يتذكر بدقة يوم الأسبوع المقابل لأي تاريخ تلا هذه الحادثة. كما أضحى قادرا على تذكر حالة الطقس لكل يوم مضى منذ إصابته. وغدا قادرا على تذكر أدق تفاصيل الأحداث اليومية.

كذلك <J. پادگت>، بعد أن تعافى من إصابته بارتجاج دماغي حاد نتيجة هجوم شرس نفذه لصوص حاولوا سلبه عام 2002، بدأ يرى ما كان يدعوها بالأخيلة، فأخذ يرسم صورا لما كان يرى على الورق. وعندما عرض رسومه على من حوله أخبروه بأن التصاميم التكرارية التي يرسمها، والتي يشبه كلٌّ من أجزائها الأصلَ، ما هي إلا فركتلات fractals.

ويمثل كل من <سيرل> و<پادگت> حالة استثنائية تعرف بمتلازمة العليم المكتسبة acquired savant syndrome، وهي حالة اشتهرت تحت مسمى العليميةsavantism – بفضل الفيلم السينمائي رجل المطر Rain Man الذي تم إخراجه عام1988. ويمتلك المصابون بمتلازمة العليم المكتسبة قدرات استثنائية في الموسيقى والفنون والرياضيات وتذكر الحوادث والأشياء. كما تنشأ لديهم مهارات ميكانيكية لم يألفوها، بينما يعانون صعوبات في استخدام اللغة وفي التفاعل مع الآخرين ويفتقرون إلى مهارات ذهنية أخرى. ففي فيلم رجل المطر، على سبيل المثال، كان <R. بابيت> الذي أدى دوره الممثل المعروف <D. هوفمان> يمتلك قدرات رياضياتية مذهلة وإمكانات استثنائية لحساب التواريخ، ومهارات أخرى، إضافة إلى ذاكرة شاسعة. إلا أنه كان يمتلك قدرات سلوكية وإدراكية محدودة للغاية، وهي من عوارض الاعتلال المسمى توحّداً autism.

وعلى العكس من ذلك، ففي متلازمة العليم المكتسبة تظهر مستويات تداني العبقرية في الفنون والمهارات الفكرية بعد الإصابة بالخرف أو التعرض لضربة شديدة على الرأس أو أي أذى آخر قد يصيب الدماغ. ويشير اكتشاف هذه الظاهرة إلى احتمال وجود قدرات فنية أو ذهنية كامنة. أي إن كلاًّ منا يمتلك قدرات شخص عليم، لكنها في حالة من السبات. حتى وإن كانت الحال كذلك، فقد يتسنى اكتشاف طرق مجدية لاستحضار هذه القدرات الدفينة في غياب المرض أو أي أذى سابق.

نحّات قابع في دماغك(**)

لقد عملت في معظم حياتي المهنية على دراسة متلازمة العليم. وحتى منتصف الثمانينات من القرن الماضي كنت على قناعة بأن هذه المتلازمة موجودة منذ ولادة الإنسان، أي إنها حالة خلقية congenital. لكن قناعتي هذه تبدلت بعد أن شاهدت المنحوتات الاستثنائية التي صنعها <A. كليمونس> في معرضه الأول. إذ يبدو أن <كليمونس> كان قادرا على التعلم بسرعة منذ أن كان رضيعا، لكن سقوطه من مكان مرتفع عندما كان في الثالثة من عمره أصاب دماغه بأضرار تدنت بسببها سرعة تطور قدراته الذهنية بشكل مطّرد؛ مما أدى إلى إعاقته الذهنية. وشمل ذلك امتلاكه القليل من المفردات وقدرات محدودة على المحادثة. لكنه طوّر بعدئذ قدرة مذهلة على النحت باستخدام كل ما كان يقع تحت يده من المواد، بما في ذلك الزبدة التي كان يحصل عليها من مطبخ المنزل. وترافقت هذه الموهبة باهتمام شديد بالحيوانات. فعلى سبيل المثال، كان باستطاعته النظر إلى صورة فوتوغرافية لحصان في مجلة ونحت تمثال ثلاثي الأبعاد في أقل من نصف ساعة، وينسخ بدقة عالية تفاصيل كلّ من العضلات والأربطة التي رآها في الصورة.

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/09-10/2015_10_09_15.jpg
بعد إصابته بصدمة قوية على رأسه، بدأ <پادگت> يتخيل ويرسم أشكالا هندسية في غاية التعقيد.

 

لقد أثار <كليمونس> اهتمامي بمتلازمة العليم المكتسبة وبحثتُ في التقارير الطبية عن هذه الظاهرة لكنني لم أجد إلا القليل منها. فقد كتبت <M.B. مينوگ> [اختصاصية الطب النفسي] عن القدرات الموسيقية الاستثنائية التي ظهرت لدى طفل في الثالثة من عمره، بعد أن أصيب بالتهاب السحاياmeningitis عام 1923. وفي عام 1980 قدّم <L .T. برينك>، وهو أيضا اختصاصي في الطب النفسي، تقريرا عن طفل عمره تسع سنوات ظهرت لديه مهارات ميكانيكية متميزة بعدما أصيب النصف الأيسر من دماغه بطلق ناري. إذ استطاع هذا الطفل فكّ وإعادة تركيب وتطوير دراجة هوائية متعددة السرعات، كما اخترع كيس ملاكمة قادراً على تمثيل دور منافس حي؛ يتمايل ويهتز كالخصم الحقيقي في مباريات الملاكمة.

وتعكس هذه التقارير القليلة التي وضعت قبل عام 1980 من القرن الماضي ندرة هذه الظاهرة. فارتجاج الدماغ أو السكتة الدماغية لا تؤدي عادة إلى تحفيز القدرات الذهنية والإبداعية. لذا قررتُ جمع ما وضع من تشاخيص لجميع هذه الحالات. وتمكنت بحلول عام 2010 من جمع معلومات حول 319حالة تصف فيها الأدبيات الطبية أشخاصا يتمتعون بقدرات استثنائية في أنحاء العالم. وتبين لي أن الحالات التي تنطبق عليها شروط متلازمة العليم المكتسبة لم تتجاوز 32 حالة.

ومن بين التقارير التي تمكنتُ من جمعها في سجل هذه الحالات مساهمات لعالِم الأعصاب(1) <B. ميلر> [يعمل الآن في جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو]. وكان <ميلر> قد عمل منذ عام 1996، متعاونا مع زملاء له، على جمع المعلومات حول 12 حالة لأشخاص مسنين أصيبوا بعلة تدعى بالخرف الصدغي الأمامي (FTD)ا(2). ويُبدي هؤلاء المسنون مهارات موسيقية وفنية، بل إن بعضهم بلغ مستوى الإعجاز فجأة دونما دلائل سابقة بعد أن تم تشخيص مرضه. وتتميز هذه العلة عن الخرف الناجم عن مرض ألزهايمر بأن الفعاليات التي تتدهور تقتصر على وظائف الفصوص الأمامية ولا تمتد لتشمل مساحات أكبر من الدماغ.

ويستهدف الخرف FTD غالبا المنطقة الصدغية the temporal area الأمامية اليسرى من الدماغ والقشرة الدماغية المدامية the orbitofrontal cortex. وتتمثل وظيفة كلتا المنطقتين بتثبيط نشاط منظومة الرؤية في المنطقة الخلفية من الدماغ، وهي مَعنية بمعالجة الإشارات القادمة من العينين. ويبدو أن إصابة هذه المناطق تؤدي إلى نشوء قدرات فنية استثنائية بسبب تعطل الإشارات المثبطة الواردة من مقدمة الدماغ. كما يبدو أن تعطيل هذه المناطق، التي تقوم بدور يماثل دور كوابح السيارة، يسمح للدماغ بمعالجة الرؤية والصوت بأساليب جديدة؛ فتتحرر الأحاسيس الفنية والنزعات الإبداعية وذلك على الرغم مما يُحدثه الأذى الذي حلّ بالفص الأمامي من سلوكيات غير مألوفة تتميز بها هذه العلة. وكما يقول <ميلر>، فإن الخرف FTD يقوم بدور نافذة غير متوقعة تُفضي إلى الإبداع الفني.

وكما تشير بحوث أخرى، فإن الإبداع الناجم عن صدمة تعرض لها الدماغ يعود إلى ضمور النشاط في مناطق معينة من الدماغ يواكبه نشاط تعويضي مكثف في مناطق أخرى. وبعبارة أدق، يشمل ذلك سلسلة من الأحداث، أعطيها الرمز 3R’s بناء على الحرف الأول من الكلمات التالية التي تصف ما يجري في كثير من الأحيان ضمن الدماغ بعد تعرضه لصدمة تصيب النصف الأيسر منه بوجه الخصوص، كما حدث في حالات الخرف FTD التي ذكرها <ميلر>. والكلمات الثلاث التي أعنيها هي: توظيف recruitment وإعادة توصيل rewiringوتحرير release. إذ تبدأ سلسلة الأحداث بتوظيف النسيج القشري الذي لم يتعرض للإصابة. وغالبا ما يكون ذلك في النصف الأيمن من الدماغ الذي يشهد ارتفاعا في مستوى النشاط الكهربي. وبعد ذلك يعاد توصيل مناطق من الدماغ بحيث تتشكل روابط جديدة بين مناطق منه لم تكن تتواصل سابقا. ويلي ذلك إطلاق القدرات الكامنة نتيجة النفاذ إلى المناطق التي أضحت تتواصل فيما بينها.

وقد استخدمت تجربة قام بها <R. تشي> و<A. سنايدر>، عندما كانا يعملان في المركز المخصص لدراسات العقل بجامعة سيدني، تقانة جديدة نسبيا للتحقق من أن هذه التغيرات في الدماغ هي السبب في نشوء مهارات العليم المكتسبة. فقد تمكن هذان الباحثان باستخدام تقنية الحث بالتيار المباشر عبر القحف (tDCS)ا(3)  من تحريض قدرات تشابه مهارات العليم المكتسبة لدى متطوعين من البشر. وهذه التقنية تولد تيارا كهربائيا مستقطباpolarized  يقلص نشاط الجزء المسؤول عن إدخال الإشارات الحسية، وعن الذاكرة، وعن المهارات اللغوية وغيرها من الفعاليات الدماغية التي يعنى بها النصف الأيسر للدماغ، وذلك بالتزامن مع زيادة نشاط الفص الصدغي الأمامي الأيمن(4) في النصف الأيمن من الدماغ.

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/09-10/2015_10_09_17_a.png
http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/09-10/2015_10_09_17_b.jpg
http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/09-10/2015_10_09_17_c.jpg
الهندسي: بدأ <پادگت> برسم أشكال هندسية كالتي يعرضها الشكلان في الوسط والسفلي  بعد أن تعرض لصدمة دماغية أثناء تعرضه للسلب. وقد حررت الصدمة لديه قدرات في الرياضيات والفيزياء والفنون لم يعرف في يوم من الأيام أنه يمتلكها، وهو الذي لم يكمل دراسته الجامعية.

 

لقد طلب <تشي> و<سنايدر> إلى المشاركين في الدراسة حل أحجية صعبة تدعى أحجية «التسع نقاط» nine-dot” puzzle“، مع ومن دون استخدام التقنيةtDCS. والمعروف أن هذه الأحجية تتطلب قدرا من الإبداع كي يتسنى الوصول إلى حلول غير تقليدية. وقد كان على المشاركين أن يصلوا بين ثلاثة صفوف يتضمن كل منها ثلاث نقاط باستخدام أربعة خطوط مستقيمة من دون رفع القلم عن الورقة أو المرور ثانية فوق أي من الخطوط التي كانوا قد رسموها سابقا. ولم يتمكن أي من المشاركين من حل المعضلة قبل التعرض للحث. وعند تعريض تسعة وعشرين من المشاركين لعملية حث كاذبة للتحقق من غياب تأثير العلاج الوهمي placebo – حيث لم يتم توصيل الإلكترودات electrodes الملصقة برؤوسهم بمصدر للتيار الكهربائي – عجز هؤلاء أيضا عن أداء المهمة. أما عند تفعيل التيار؛ نجح أربعون في المئة، أي 14 من أصل 33 مشتركا، في حل الأحجية.

كيف يمكن لشخص أن يحسن أداءه فجأة ويتفوق إلى هذا الحد كما لو أنه ضغط على مفتاح كهربائي؟ لا بد أن ذلك يعود إلى أن العليم الذي نجمت قدراته فجأة بسبب حادثة تعرض لها – وذلك الذي ولد متمتعا بهذه القدرات أو الذي اكتسبها بصورة بديلة – يمتلك معرفة ضمنية بأشياء لم يتعلمها قطُّ. فلم يتلق <كليمونس> النحات أي تدريب في الفنون. لكنه مع ذلك تمكن، وبصورة غريزية، من صنع منحوتاته وتأطيرها بحيث تظهر الخيول وكأنها تتحرك.

ومن التفاسير المعقولة للمواهب الخفية التي تظهر في متلازمة العليم – سواء أكانت جلية في مطلع الحياة أم مكتسبة لاحقا من خلال إصابة ما – أن هذا المخزون من المهارات والمعرفة موروث بطريقة ما. أي إننا لا نبدأ حياتنا بصفحة بيضاء خالية تتم الكتابة عليها لاحقا من خلال التربية والخبرات المكتسبة. وقد يأتي دماغ الإنسان محملا بمجموعة ضمنية من الاستعدادات المسبقة لمعالجة بيانات الرؤية أو لفهم قواعد الموسيقى والفنون والرياضيات. ويبدو أن العليم أقدر كثيرا على الولوج إلى هذه المعرفة الموروثة من غيره.

 

 

[تواريخ بعض حالات المتلازمة]

ذروة لحظات «وجدتها(5)»(***)

   أعطت متلازمةُ العليم المكتسبة من أصيب بها القدرةَ على كتابة الشعر والأداء الموسيقي وقدرات ذهنية سمحت له بإجراء العمليات الحسابية بسرعة فائقة. وفيما يلي بضع حالات من السجل الطبي لهذه المتلازمة.

كان <T. ماكهاف>، وهو عامل بناء في الواحدة والخمسين من عمره يعيش في ليڤربول ولم يُعرف عنه أي اهتمام خاص بالشعر أو الرسم. لكن تعرضه لنزيف في بطانة الجمجمة عام 2001 أعطب المنطقة الأمامية من الدماغ. وبعد أن تعافى بدأ فجأة يملأ الكراسات بالشعر. كما أضحى يقضي الكثير من وقته في الرسم والنحت. وقد أرجع الأطباء ظهور مواهب <ماكهاف> الجديدة إلى التراجع النسبي في التثبيط الذي كانت الأجزاء المتضررة من دماغه تمارسها؛ بحيث تحررت في دماغه القدرة على استحضار مطابقات غير مألوفة من كلمات وأخيلة. وقد عُرضت بعض أعمال <ماكهاف> في المملكة المتحدة ونشرت قصته في عدد من الوثائقيات التلفزيونية.

أما <O. سيرل> الذي أتى ذكره سابقا، والذي بدأ بحساب التواريخ منذ أن أصابته كرة بيسبول في طفولته، فهو يستطيع تحديد اليوم والأسبوع منذ إصابته، كما أنه يستطيع تذكر أحوال الطقس في كل يوم تلا إصابته. ومازال هذا الرجل الذي نشأ ويعيش في ولاية فرجينيا قادرا على حساب تواريخ الأحداث مع أنه بلغ الآن الرابعة والأربعين. غير أن الإمكانات التي يمتلكها تطورت بحيث أصبح قادرا على استحضار أدق التفاصيل من كل يوم مضى؛ وهي حالة تدعى ذاكرة مفرطةhyperthymestic memory. وقد أظهر مسح لدماغ <سيرل> أجري في المركز الطبي بجامعة كولومبيا(6)  أن <سيرل> يقوم باجراء  حسابات لا إرادية وأن مهاراته هذه لا تعود إلى تذكر التقويم بصورة آلية.

كان <D. أماتو>، وهو مدرب لموظفي الشركات في كولورادو، قد بلغ الأربعين ولم يكن له اهتمام خاص أو مهارة في مضمار الموسيقى. لكنه غطس في مَوضِع ضحل من بركة السباحة عام 2006؛ فتعرض لارتجاج شديد في الدماغ أفقده السمع في إحدى أذنيه. وبعيد خروجه من المستشفى تملكته رغبة للعزف على البيانو تعذّر عليه تفسيرها مع أنه لم يلمس هذه الآلة قطّ. وبدأ يرى بقعا بيضاء وسوداء نقلها من خياله وحولها إلى نوتة موسيقية للبيانو. ويعيش <أماتو> الآن من خلال ما يكسبه من الموسيقى وتأليف الألحان.

كان <T. سيكوريا> جراح عظام في نيويورك عندما تعرض عام 1994  للإصابة بصاعقة أثناء  استعماله هاتف العموم في الشارع. فقد أسعفته، بعد أن توقف قلبه عن الخفقان، ممرضةٌ كانت تنتظر بالصدفة دورها لتستخدم الهاتف. وعانى <سيكوريا> بعد أن تعافى لمدة أسبوع أو أسبوعين بعض المشكلات في استرجاع ذكرياته. وبعد ذلك تلاشت هذه العوارض وعاد إلى ممارسة عمله كجراح عظام بشكل كامل من دون أي أثر سلبي للصاعقة التي ضربته. إلا أن شيئا واحدا تغير في حياته إذ تطور لديه هوس جامح بالموسيقى الكلاسيكية، بينما كان اهتمامه قبل الحادثة منحصرا بموسيقى الروك. وبمرور الزمن تطور اهتمامه بالموسيقى إلى الرغبة في عزف المقطوعات الكلاسيكية. وبعد مضي فترة قصيرة من إصابته، سمع <سيكوريا> لحناً في حلمه أخذ يدور في رأسه ليلا ونهارا حتى قرر أن يترجمه إلى مقطوعة موسيقية للبيانو في 26 صفحة أسماها: سوناتا الصاعقة.

أما <J. پادگت>، فقد تطور لديه عشق للرياضيات والفيزياء ورسم الأشكال الهندسية، وذلك بعد أن تعرض لارتجاج دماغ تلا اعتداء شرسا عليه. ويُسمّي <پادگت>، الذي ما زال يعمل مديرا لثلاثة محال تجارية في ولاية واشنطن، إصابته السابقة بالأعطية الفريدة. إذ كان يصنف نفسه قبل الحادثة بين من يتجنبون الرياضيات، أما الآن فإن هذا الرجل الذي فشل في دراسته الجامعية يتلقى الآن عدة دروس في الرياضيات المتقدمة بغية فهم الأشكال الهندسية التي تشكل الآن موضع اهتمامه المستمر. كما أَلّف كتابا عن تجربته حظي برواج واسع.

 

مفتاح العبقرية(****)

ومعرفتنا بأن هذه المواهب يمكن أن تظهر في فترة متأخرة من الحياة تطرح التساؤلَ عمّا إذا كانت لدى كل منا المقدرة على التحول إلى عليم – وما إذا أمكن إحراز هذا التحول من دون تعرض الدماغ لأذى أو الإصابة بالخرف.

وقد توفر تقانة الحث tDCS وسيلة بديلة لتحرير الإبداع الدفين في الدماغ، كذلك حال تقانة شبيهة بها تدعى الحث المغنطيسي المتكرر عبر القحف(7)، ويمكن اعتبار وسائل كهذه حالة من التفكير العميق، تحرث وتثبط مناطق مختلفة في الدماغ؛ فتحسن احتمالات الارتقاء بقدرات الإنسان الإبداعية. إلا أن الحل التقاني قد لا يكون ضرورة مطلقة لاستحداث هذه القدرات، إذ يمكن لمجرد التأمل meditation، أو الالتزام الجاد بالتمرن على تملك مهارة فنية ما، أن يُفعِّل النصف الأيمن من الدماغ، وهو الأكثر إبداعا، ليحرر قدرات فنية لم تكن قد اكتشفت بعد.

 

[تعزيز الأداء العصبي]

عليم فوري(*****)

   يمكن لتقانة تسمى الحث المغنطيسي المتكرر عبر القحف(8) تحرير قدرات مؤقتة شبيهة بتلك التي تتولد بسبب صدمة قوية على الرأس أو نتيجة علة خلقية. وتقدم هذه التقانة فرصة لدراسة كيفية نشوء هذه القدرات. فعندما ترسل وشيعة coil، وضعت عند الصدغ الأيسر، مجالا مغنطيسيا نبضيا عبر الجمجمة يتوقف عمل الدارات الدماغية في المنطقة اليسرى من الدماغ، وهي المنطقة التي تتم ضمنها معالجة المفردات ومعلومات عديدة أخرى، فيما تتولى دارات الدماغ في الجزء الأيمن منه، وهي مكرسة بصورة اعتيادية لمهام حيزيّة spatial، القيام بدور أوسع نطاقا في معالجة المهام الذهنية عامة. وفي بعض الحالات تفوَّق من تعرضوا لهذه الحقول المغنطيسية على سواهم ممن لم يتعرضوا لمثلها، في التكهن بتعداد أشياء عرضت عليهم ضمن مجموعة تحوي عددا كبيرا منها.

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/09-10/2015_10_09_19.jpg

 

 

وربما أمكن العثور على طرق جديدة لتحديد ما الذي يحدث عندما يتم إيقاف أو تشغيل الوصلات الدماغية، وذلك من خلال المساعى التي يبذلها الباحثون للتوصل إلى فهم أفضل للدماغ وآليات عمله. ومن المرجح أن تكون تقنيات مثل التصوير بموتّر الانتثار (DTI)ا(9)  وتقنية التعقب بموتّر الانتثار(DTT)ا(10)  قادرة على تعرف أدق لطبيعة الوصلات التي تربط العصبونات neurons – بواسطة أسلوب يدعى «تتبع ألياف(11)» – أكثر من الطرق التي سبقتها؛ بحيث تكشف خفايا الصلات بين المناطق المختلفة في دماغ الإنسان، وبحيث يتسنى للباحثين الربط بين نشاط دماغي معين والظهور الفجائي لمهارات. كما ستسمح هذه التقانات الأكثر دقة بإعطاء صورة ثلاثية الأبعاد للألياف التي تربط خلايا الدماغ بعضها ببعض.

ومن التحديات التي تعيق الكشف عن الأسس العصبيولوجيةneurobiological لظاهرة العليم، صعوبة مراقبة الدماغ أثناء قيامه بمهام تضمر جهدا إبداعيا وتتطلب الحركة في الوقت ذاته. ولا يقتصر الأمر على صعوبة النحت أو عزف البيانو داخل جهاز التصوير بالرنين المغنطيسي (MRI)، حيث تؤدي أية حركة يقوم بها الإنسان أثناء الحصول على الصورة إلى الإخلال بدقتها. لكن تقنية جديدة تدعى مطيافية الأشعة تحت الحمراء الأدنى (NIRS)ا(12)  تسمح بتجاوز هذه المعضلة، حيث يمكن الاستعاضة عن التجهيزات الضخمة المستخدمة في تقنية الرنين المغنطيسي بقلنسوة مريحة تسمح بقياس مقدار الأكسجين في الدم الذي يجري عبر الأوعية الدموية في الدماغ، ومن ثم تنقل المعلومات إلى معالج معلوماتي للصور. وهنالك تقنية أخرى تم تطويرها حديثا تدعى تقنية المسح الطبقي بتحرير الپوزيترون (PET)ا(13)، ربما تمتعت بحظ أكبر لمراقبة عمل الدماغ إذا كان الشخص جالسا أو واقفا أو حتى ولو كان يمارس الرياضة.

وتستحق هذه الدراسات متابعة حثيثة. إذ توفر ظاهرة العليم المكتسبة دليلا قويا على وجود نبع غزير من القدرات الذهنية الكامنة لدى كل منا. لكن التحدي الآن يتمثل بإيجاد الطريقة المناسبة للنفاذ إلى هذه المهارات الاستثنائية واستثمارها – أي التوصل إلى هذا القدر القليل من ميزات رجل المطر – دون المساس بما تبقى من القدرات الذهنية الأخرى التي نمتلكها.

المؤلف

  Darold A. Treffert
  <ترفرت> طبيب نفساني من وسكونسن اطلع على الحالة الأولى لمتلازمة العليم المكتسبة في 1962. ومنذ ذلك الحين قام بأبحاث على هذه المتلازمة وعمل كمستشار في إخراج الفيلم السينمائي رجل المطر Rain Man. وهو ناشر للصفحة الإلكترونية www.savantsyndrom.com التي تستضيفها الجمعية الطبية في وسكونسن. http://oloommagazine.com/Images/Articles/2015/09-10/2015_10_09_16.png

 

  مراجع للاستزادة

 

Savant-Like Skills Exposed in Normal People by Suppressing the Left Fronto-Temporal Lobe. Allan W. Snyder et al. in Journal of Integrated Neuroscience, Vol. 2, No. 2, pages 149–158; December 2003.
Islands of Genius: The Bountiful Mind of the Autistic, Acquired, and Sudden Savant. Darold A. Treffert. Jessica Kingsley Publishers, 2010.
Struck by Genius: How a Brain Injury Made Me a Mathematical Marvel. Jason Padgett and Maureen Seaberg. Houghton Mifflin Harcourt, 2014.

(*)ACCIDENTAL GENIUS؛i أو: عبقري على غير توقع.

(**)YOUR INNER SCULPTOR

(***)The Ultimate Eureka Moments

(****)THE GENIUS SWITCH

(*****)Instant Savant

 

(1) neurologist

(2) frontotemporal dementia

(3) transcranial direct-current stimulation

(4) the right anterior temporal lobe

(5) يشير التعبير «وجدتها» إلى القصة الشهيرة التي تُروى عن <أرخميدس> الذي اندفع خارجا من الحمّام وهو يصيح: «وجدتها» بعدما اكتشف أن «حجم الماء المزاح من جسم مغمور فيه يساوي حجم هذا الجسم».

(6) Columbia University Medical Center

(7) repetitive transcranial magnetic stimulation

(8) repetitive transcranial magnetic stimulation

(9) diffusion tensor imaging

(10) diffusion tensor tracking

(11) fiber tracking

(12) near infrared spectroscopy

(13) positron-emission tomography

http://oloommagazine.com/Images/none.gif

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

زر الذهاب إلى الأعلى