فيزياءفيزياء نظرية

دليل الواقع: ست أفكار جذرية لتغيير الفيزياء

دليل‭ ‬الواقع‭:‬

ست‭ ‬أفكار‭ ‬جذرية‭ ‬لتغيير‭ ‬الفيزياء

هل‭ ‬المعلومات‭ ‬هي‭ ‬الإجابة‭ ‬لكل‭ ‬شيء؟

بقلم‭: ‬ستيوارت‭ ‬كلارك‭ ‬Stuart Clark‭ ‬وريتشارد‭ ‬ويب ‭ ‬Richard Webb

ترجمة‭: ‬همام‭ ‬بيطار

 


خلال‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬أُعيدت‭ ‬صياغة‭ ‬فهمنا‭ ‬للكون‭ ‬بالكامل،‭ ‬والفجوة‭ ‬الواضحة‭ ‬التي‭ ‬لاتزال‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬فهمنا‭ ‬تعني‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬المرجح‭ ‬أيضاً‭ ‬إعادة‭ ‬صياغته‭ ‬مجدداً‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬الأفكار‭ ‬التي‭ ‬توفّر‭ ‬السبل‭ ‬الممكنة‭ ‬إلى‭ ‬الأمام؟‭ ‬نستكشف‭ ‬هنا‭ ‬بعضاً‭ ‬من‭ ‬الأفكار‭ ‬الأكثر‭ ‬واعدا‭.‬

وللحصول‭ ‬على‭ ‬الحقائق‭ ‬والمعلومات‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬بأفضل‭ ‬نظرياتنا‭ ‬الحالية‭ ‬عن‭ ‬الكون،‭ ‬انظر‭ ‬إلى‭ ‬دليل‭ ‬الواقع‭: ‬القوانين‭ ‬الأساسية‭ ‬للكوزمولوجيا،‭ ‬وأيضاً‭ ‬إلى‭ ‬دليل‭ ‬الواقع‭: ‬القوانين‭ ‬الأساسية‭ ‬لفيزياء‭ ‬الكم‭. ‬ولقراءة‭ ‬المزيد‭ ‬عن‭ ‬المسائل‭ ‬التي‭ ‬مازالت‭ ‬عالقة‭ ‬في‭ ‬الفيزياء‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬اقرأ‭ ‬دليل‭ ‬الواقع‭: ‬ست‭ ‬مسائل‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬الفيزياء‭ ‬شرحها‭.‬

الفكرة‭ ‬1‭: ‬جاذبية‭ ‬مُعدَّلة‭ ‬

خضعت‭ ‬نظرياتنا‭ ‬حول‭ ‬الجاذبية‭ ‬للاختبار‭ ‬عند‭ ‬المقاييس‭ ‬الصغيرة‭ ‬فقط

إن‭ ‬النسبية‭ ‬العامة‭ ‬General relativity‭ ‬نظرية‭ ‬دقيقة‭ ‬للغاية‭ ‬للجاذبية‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬علمنا‭. ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬سيكون‭ ‬بإمكان‭ ‬نظرية‭ ‬جاذبية‭ ‬مُعدَّلة‭ ‬أن‭ ‬تطرد‭ ‬بعض‭ ‬الشياطين‭ ‬الكونييّن؟

فتنبؤات‭ ‬النسبية‭ ‬العامة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بحركات‭ ‬الأجسام‭ ‬الفضائية‭ ‬والكواكب‭ ‬دقيقةٌ‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬حجم‭ ‬النظام‭ ‬الشمسي،‭ ‬وقد‭ ‬بيّن‭ ‬الاكتشاف‭ ‬الحديث‭ ‬لموجات‭ (‬الجاذبية‭) ‬الثقالية‭ ‬gravitational waves‭ ‬أنها‭ ‬تتنبأ‭ ‬أيضاً‭ ‬بدقة‭ ‬بما‭ ‬يحصل‭ ‬عندما‭ ‬يندمج‭ ‬ثقبان‭ ‬أسودان‭ ‬Black holes‭ ‬يدوران‭ ‬حول‭ ‬بعضهما‭. ‬لكن‭ ‬على‭ ‬المقاييس‭ ‬الكونية،‭ ‬تمتلك‭ ‬تلك‭ ‬النُّظمُ‭ ‬الكثيرَ‭ ‬من‭ ‬الكتلة‭ ‬المحصورة‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬صغير‭ ‬نسبياً‭ ‬من‭ ‬الفضاء‭. ‬فماذا‭ ‬يحصل‭ ‬للجاذبية‭ ‬في‭ ‬بيئاتٍ‭ ‬تكون‭ ‬فيها‭ ‬قوتها‭ ‬أضعف؟

ربما‭ ‬تستطيع‭ ‬النسخة‭ ‬المُعدَّلة‭ ‬من‭ ‬الجاذبية،‭ ‬المعروفة‭ ‬بديناميكا‭ ‬نيوتن‭ ‬المعدلة‭ ‬Modified Newtonian Dynamics‭ (‬اختصارا‭: ‬النظرية‭ ‬MOND‭)‬،‭ ‬وصفَ‭ ‬الشذوذ‭ ‬Anomalous‭ ‬في‭ ‬دوران‭ ‬المجرات،‭ ‬الذي‭ ‬يؤخذ‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬المادة‭ ‬المُعتمة‭ ‬Dark matter،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬أي‭ ‬نظرية‭ ‬تتناول‭ ‬كيفية‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬التعديل‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬تقترح‭ ‬فرضية‭ ‬الجاذبية‭ ‬DGP،‭ ‬المسماة‭ ‬نسبةً‭ ‬إلى‭ ‬الأحرف‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬أسماء‭ ‬واضعيها‭ [‬دفالي‭ ‬Dvali‭ ‬وغابادادزي‭ ‬Gabadadze‭ ‬وبورّاتي‭ ‬Porrati‭]‬،‭ ‬أن‭ ‬الجاذبية‭ ‬تستطيع‭ ‬التسرب‭ ‬من‭ ‬فضائنا‭ ‬رباعي‭ ‬الأبعاد‭ -‬الزمكان‭- ‬إلى‭ ‬“حجم‭ ‬Bulk‭ ‬ذي‭ ‬أبعاد‭ ‬أعلى،‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إضعاف‭ ‬تأثيرها‭ ‬بمرور‭ ‬الزمن،‭ ‬وبذا‭ ‬ينتج‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬وهم‭ ‬الطاقة‭ ‬المُعتمة‭ ‬Dark energy‭. ‬ولايزال‭ ‬يتعين‭ ‬علينا‭ ‬اكتشاف‭ ‬أدلة‭ ‬تجريبية‭ ‬لدعم‭ ‬هذه‭ ‬الفرضية‭.‬

الفكرة‭ ‬2‭: ‬تناظر‭ ‬فائق‭ ‬

المزيد‭ ‬من‭ ‬الجسيمات‭ ‬قد‭ ‬يفسر‭ ‬لماذا‭ ‬الكون‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عليه‭! ‬

التناظر‭ ‬الفائق‭ ‬Supersymmetry،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بـ‭ ‬“سوزي‭ ‬SUSY”‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬أصدقائه،‭ ‬هو‭ ‬سكّين‭ ‬حربية‭ ‬سويسرية‭ ‬من‭ ‬النظريات‭ ‬العَمَليَّة‭: ‬فلديه‭ ‬أداة‭ ‬لكل‭ ‬شيء‭. ‬وتقترح‭ ‬الفكرة‭ ‬وجودَ‭ ‬بوزون‭ ‬Boson‭ ‬حامل‭ ‬للقوة‭ ‬لكل‭ ‬فيرميون‭ ‬Fermion‭ ‬مكون‭ ‬للمادة‭ ‬في‭ ‬النموذج‭ ‬القياسي‭ ‬لفيزياء‭ ‬الجسيمات‭ -‬والعكس‭ ‬صحيح‭.‬

ومضاعفة‭ ‬الجسيمات‭ ‬هذه‭ ‬تعني‭ ‬أكثر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬مضاعفة‭ ‬المتعة‭. ‬ويستطيع‭ ‬التناظر‭ ‬الفائق‭ ‬حل‭ ‬مسائل‭ ‬الضبط‭ ‬الدقيق‭ ‬Fine-tuning‭ ‬مثل‭ ‬الكتلة‭ ‬المنخفضة‭ ‬جداً‭ ‬لبوزون‭ ‬هيغز‭ ‬Higgs boson‭: ‬فتفاعلها‭ ‬مع‭ ‬جسيمات‭ ‬“شريكة‭ ‬فائقة”‭ ‬Superpartner‭ ‬يكبح‭ ‬زمامها‭ ‬حتى‭ ‬إنها‭ ‬بالكاد‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬المستوى‭ ‬القابل‭ ‬للرصد‭. ‬وقد‭ ‬بيّنت‭ ‬الحسابات‭ ‬المنجزة‭ ‬في‭ ‬ثمانينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬أنك‭ ‬لو‭ ‬افترضت‭ ‬صحة‭ ‬التناظر‭ ‬الفائق‭ ‬واستقرأت‭ ‬Extrapolate‭ ‬شدة‭ ‬القوة‭ ‬الكهرومغناطيسية‭ ‬والقوى‭ ‬النووية‭ ‬الشديدة‭ ‬والضعيفة‭ ‬عودةً‭ ‬بالزمن‭ ‬إلى‭ ‬بدايات‭ ‬الكون،‭ ‬فمن‭ ‬الممكن‭ ‬حينها‭ ‬توحيد‭ ‬تلك‭ ‬القوى‭ ‬في‭ ‬قوة‭ ‬فائقة‭ ‬Superforce‭ ‬وحيدة‭ ‬وبدقة‭ ‬مذهلة‭. ‬وما‭ ‬يتوج‭ ‬نجاح‭ ‬تلك‭ ‬الحسابات‭ ‬هو‭ ‬أنّ‭ ‬الشريك‭ ‬الفائق‭ ‬الأقل‭ ‬كتلة‭: ‬النيوترالينو‭ ‬Neutralino‭ ‬يزودنا‭ ‬بهوية‭ ‬جاهزة‭ ‬للمادة‭ ‬المُعتمة‭.‬

جيدة‭ ‬جدا‭ ‬لأن‭ ‬تكون‭ ‬صحيح؟‭ ‬ربما‭! ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الجسيمات‭ ‬فائقة‭ ‬التناظر‭ ‬موجودة،‭ ‬إذن‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مصادم‭ ‬الهادرونات‭ ‬الكبير‭ ‬الموجود‭ ‬في‭ ‬“سيرن”‭ ‬قد‭ ‬ولدّها‭ ‬بحلول‭ ‬هذا‭ ‬الوقت‭. ‬لكن،‭ ‬وبصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الإثارة‭ ‬الغريبة‭ ‬لظهور‭ ‬نقطة‭ [‬في‭ ‬المصادم‭] ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬واختفت‭ ‬لاحقاً،‭ ‬لم‭ ‬يُعثر‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬إشارة‭. ‬فربما‭ ‬تكون‭ ‬الجسيمات‭ ‬الشريكة‭ ‬فائقة‭ ‬التناظر‭ ‬أثقل‭ ‬مما‭ ‬نعتقد،‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬لم‭ ‬نمحِّص‭ ‬بعد‭ ‬وجودَها‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬البيانات‭ ‬المُستخلصة‭. ‬لكن‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬يواجه‭ ‬فيزيائيو‭ ‬الجسيمات‭ -‬وعلى‭ ‬نحوٍ‭ ‬متزايد‭- ‬فكرةً‭ ‬مزعجة‭: ‬ربما‭ ‬لم‭ ‬تقدم‭ ‬الطبيعة‭ ‬جوابا‭ ‬أنيقا‭ ‬كفكرة‭ ‬التناظر‭ ‬الفائق‭.‬

الفكرة‭ ‬3‭: ‬قوة‭ ‬خامسة‭ ‬

هل‭ ‬يستطيع‭ ‬العنصر‭ ‬الخامس‭ ‬quintessence‭ ‬إقصاء‭ ‬الأشباح‭ ‬الكونية؟

الجاذبية،‭ ‬والكهرومغناطيسية،‭ ‬والقوة‭ ‬النووية‭ ‬الضعيفة،‭ ‬والقوة‭ ‬النووية‭ ‬الشديدة‭ ‬هي‭ ‬أربع‭ ‬قوى،‭ ‬ويبدو‭ ‬هذا‭ ‬الرقم‭ ‬اعتباطياً‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬القوى‭ ‬الأساسية‭. ‬لماذا‭ ‬ليست‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك؟

فمن‭ ‬المرجح‭ ‬كثيراً‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬قوة‭ ‬خامسة‭ ‬طويلة‭ ‬المجال‭ ‬وضعيفة،‭ ‬وهي‭ ‬مشابهة‭ ‬قليلاً‭ ‬للجاذبية،‭ ‬وقد‭ ‬تتفاعل‭ ‬معها‭ ‬أيضاً‭. ‬ربما‭ ‬تلغي‭ ‬هذه‭ ‬القوة‭ ‬القليلَ‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬الجاذبية،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تشرح‭ ‬السبب‭ ‬الكامن‭ ‬وراء‭ ‬تسارع‭ ‬معدل‭ ‬التوسع‭ ‬الكوني،‭ ‬لتحاكي‭ ‬بذلك‭ ‬عمل‭ ‬الطاقة‭ ‬المُعتمة‭. ‬أو‭ ‬يُمكن‭ ‬إضافة‭ ‬هذه‭ ‬القوة‭ ‬إلى‭ ‬الجاذبية‭ ‬لتفسر‭ ‬السَّحب‭ ‬الإضافي‭ ‬الناتج‭ ‬عادةً‭ ‬عن‭ ‬المادة‭ ‬المُعتمة‭. ‬ومثل‭ ‬هذه‭ ‬القوة‭ ‬الخامسة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مَخْفية‭ ‬بطريقة‭ ‬ماكرة‭ ‬لتفسير‭ ‬عدم‭ ‬احساسنا‭ ‬بها‭. ‬وأحد‭ ‬الاقتراحات‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬الكمية‭ ‬الكبيرة‭ ‬من‭ ‬المادة‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الشمسي‭ ‬وحوله‭ ‬تشكل‭ ‬درعاً‭ ‬يفصلنا‭ ‬عن‭ ‬تأثيرات‭ ‬تلك‭ ‬القوة‭. ‬وهذا‭ ‬يجعل‭ ‬منها‭ ‬أيضاً‭ ‬فكرة‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬جداً‭ ‬اختبارها‭.‬

في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان،‭ ‬تُقترح‭ ‬القوة‭ ‬الخامسة‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬جسيمات‭ ‬كمومية‭ ‬لحل‭ ‬مسائل‭ ‬مثل‭ ‬الضبط‭ ‬الدقيق‭ ‬في‭ ‬فيزياء‭ ‬الجسيمات،‭ ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬قدرا‭ ‬ضئيلا‭ ‬من‭ ‬الأدلة‭ ‬الثمينة‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬القوة‭ ‬الخامسة‭ ‬عند‭ ‬هذه‭ ‬المقاييس‭. ‬فالشذوذات‭ ‬المتفرقة‭ ‬لاتزال‭ ‬تقدم‭ ‬للفيزيائين‭ ‬بعض‭ ‬الأمل‭. ‬لكن‭: ‬وُصُفت‭ ‬الانحرافات‭ ‬المكتشفة‭ ‬حديثاً‭ ‬في‭ ‬معدل‭ ‬الاضمحلال‭ ‬المتوقع‭ ‬لنواة‭ ‬البيريليوم‭ ‬المشعة‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬أول‭ ‬الأدلة‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬“قطاع‭ ‬مُعتم”‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬الجسيمات‭ ‬والقوى‭.‬

الفكرة‭ ‬4‭: ‬نظريات‭ ‬الأوتار‭ ‬

ربما‭ ‬تستطيع‭ ‬نظرية‭ ‬قصوى‭ ‬ما‭ ‬احتواء‭ ‬نظرية‭ ‬الكم‭ ‬والنسبية

تحطمت‭ ‬أحلام‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الفيزيائيين‭ -‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬آينشتاين‭- ‬في‭ ‬محاولات‭ ‬لصياغة‭ ‬نظرية‭ ‬موحدة‭ ‬لكل‭ ‬ظواهر‭ ‬الطبيعة‭. ‬

فقد‭ ‬برز‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية‭ ‬توجه‭ ‬محبوب‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬نظرية‭ ‬كل‭ ‬شيء‭: ‬نظرية‭ ‬الأوتار‭ ‬String theory،‭ ‬وخصوصا‭ ‬تلك‭ ‬النسخة‭ ‬المعروفة‭ ‬بالنظرية‭ ‬M M-theory‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬المادةُ‭ ‬مؤلفةً‭ ‬من‭ ‬جسيمات‭ ‬شبه‭ ‬نُقَطِيَّة‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬النموذج‭ ‬القياسي،‭ ‬لكنها‭ ‬مُكوَّنة‭ ‬من‭ ‬أوتار‭ ‬مهتزة‭ ‬أحادية‭ ‬البعد‭ ‬تتذبذب‭ ‬Vibrating‭ ‬في‭ ‬كون‭ ‬يتألف‭ ‬من‭ ‬زمكان‭ ‬بأحد‭ ‬عشر‭ ‬بعدا‭. ‬وتلك‭ ‬الأوتار‭ ‬تتذبذب‭ ‬بطرقٍ‭ ‬مختلفة‭ ‬لتخلق‭ ‬بذلك‭ ‬جسيمات‭ ‬أولية‭ ‬متنوعة‭- ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الغرافيتونات‭ ‬Gravitons‭ ‬التي‭ ‬تنقل‭ ‬قوة‭ ‬الجاذبية‭ ‬المُكمَّمة‭ ‬Quantised‭.‬

وتحتوي‭ ‬النظرية‭ ‬M‭ ‬ضمنياً‭ ‬على‭ ‬التناظر‭ ‬الفائق‭. ‬فأبعادها‭ ‬الإضافية‭ -‬المتكورة‭ ‬والصغيرة‭ ‬جداً‭- ‬تُفسَّر‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬شعورنا‭ ‬بها‭. ‬فالاختراقات‭ ‬العلمية‭ -‬كاكتشاف‭ ‬الطريقة‭ ‬اللازمة‭ ‬لربط‭ ‬نظرية‭ ‬جاذبية‭ ‬ذات‭ ‬الخمسة‭ ‬أبعاد‭ ‬مع‭ ‬نظرية‭ ‬كمية‭ ‬بحته‭ ‬ذات‭ ‬الأبعاد‭ ‬الأربعة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1995‭ – ‬يبدو‭ ‬أنها‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬توحيد‭ ‬القوى‭ ‬والنظريات‭. ‬

لكننا‭ ‬ما‭ ‬زالنا‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إنجازات‭ ‬مشابهة‭ ‬للتوافق‭ ‬Ads/CFT‭ ‬تنطبق‭ ‬على‭ ‬زمكانات‭ ‬مشابهة‭ ‬لكوننا،‭ ‬ولايزال‭ ‬على‭ ‬نظرية‭ ‬الأوتار‭ ‬أن‭ ‬تُقدم‭ ‬تنبؤا‭ ‬واحدا‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬قابل‭ ‬للاختبار‭. ‬ولعل‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يبعث‭ ‬على‭ ‬الإزعاج،‭ ‬أنه‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬تتنبأ‭ ‬بوجود‭ ‬كون‭ ‬متعدد‭ ‬Multiverse‭ ‬يصل‭ ‬عدد‭ ‬نسخه‭ ‬إلى‭ ‬10500‭ ‬كون‭ ‬مختلف‭.‬

وقد‭ ‬قاد‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬التساؤل‭ ‬عما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬نظرية‭ ‬الأوتار‭ ‬عِلما‭! ‬ومن‭ ‬حين‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬تظهر‭ ‬بعض‭ ‬المقترحات‭ ‬المنافسة‭ ‬لنظرية‭ ‬الأوتار‭. ‬ولكن‭ ‬جميع‭ ‬تلك‭ ‬النظريات‭ ‬بعيدة‭ ‬جداً‭ ‬عن‭ ‬نظرية‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬وفقاً‭ ‬لما‭ ‬يفهمه‭ ‬معظم‭ ‬الناس‭: ‬نظرية‭ ‬يمكنها‭ -‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭- ‬تفسير‭ ‬كيفية‭ ‬“بزوغ”‭ ‬خواص‭ ‬مثل‭ ‬الوعي‭ ‬من‭ ‬مادة‭ ‬جامدة‭.‬

الفكرة‭ ‬5‭: ‬الكون‭ ‬المتعدد

الكون‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عليه‭ ‬لأن‭ ‬كلَّ‭ ‬كون‭ ‬آخر‭ ‬موجود‭ ‬أيضاً‭! ‬

تقود‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬السبل‭ ‬إلى‭ ‬فكرة‭ ‬الكون‭ ‬المتعدد‭. ‬فنظرية‭ ‬الأوتار‭ ‬تحتاج‭ ‬إليها‭. ‬والتضخم‭ ‬يصنعها‭. ‬وفي‭ ‬حل‭ ‬العوالم‭ ‬العديدة‭ ‬لمسألة‭ ‬القياس‭ ‬في‭ ‬ميكانيكا‭ ‬الكم،‭ ‬فإننا‭ ‬نولّد‭ ‬باستمرار‭- ‬وعن‭ ‬دون‭ ‬قصد‭- ‬أكوانا‭ ‬موازية‭. ‬

تكمن‭ ‬الصعوبة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الأكوان‭ ‬المتعددة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬كلها‭ ‬مختلفة،‭ ‬أما‭ ‬الصعوبة‭ ‬الثانية‭ ‬فتكمن‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬حصولك‭ ‬على‭ ‬دليل‭ ‬مقنع‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬أيٍ‭ ‬منها‭. ‬

لكن‭ ‬الأكوان‭ ‬المتعددة‭ -‬بشكلٍ‭ ‬عام‭- ‬هي‭ ‬نقمة‭ ‬ونعمة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬يستطيع‭ ‬كون‭ ‬متعدد‭ ‬مُتضخم‭ ‬Inflationary multiverse،‭ ‬أو‭ ‬نظرية‭ ‬الأوتار‭ ‬حلَّ‭ ‬مسألة‭ ‬مثل‭ ‬الضبط‭ ‬الدقيق‭: ‬هناك‭ ‬أكوان‭ ‬أخرى‭ ‬توجد‭ ‬فيها‭ ‬جميع‭ ‬التشكيلات‭ ‬المحتملة‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬المادة،‭ ‬وتشكيلنا‭ ‬هو‭ ‬مجرد‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬التشكيلات‭ ‬حيث‭ ‬توافرت‭ ‬فيه‭ ‬الشروط‭ ‬الملائمة‭ ‬لتطور‭ ‬كائنات‭ ‬واعية‭ ‬ومتسائلة‭. ‬لكنّ‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬التعليل‭ ‬“الإنسي”‭ ‬يُعفينا‭ ‬من‭ ‬مسؤولية‭ ‬طرح‭ ‬أكثر‭ ‬الأسئلة‭ ‬سبراً‭ ‬للحقيقة‭ ‬وهو‭ ‬“لماذا؟”‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬أفضل‭ ‬ما‭ ‬بوسعنا‭ ‬بذله،‭ ‬ولكن‭ ‬بالسماح‭ ‬لجميع‭ ‬الاحتمالات‭ -‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬تقطنه‭- ‬بأخذ‭ ‬مداه‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الكون‭ ‬المتعدد،‭ ‬فإن‭ ‬العلم‭ ‬يسلب‭ ‬نفسه‭ ‬قدرتَه‭ ‬على‭ ‬التنبؤ‭.‬

الفكرة‭ ‬6‭: ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬معلومات

المادة‭ ‬والطاقة‭ ‬غير‭ ‬مُهميّن،‭ ‬فالمعلومات‭ ‬موجودة‭ ‬هناك‭.‬

عند‭ ‬محاولة‭ ‬توحيد‭ ‬النسبية‭ ‬العامة‭ ‬ونظرية‭ ‬الكم،‭ ‬يُفترض‭ ‬عموماً‭ ‬أن‭ ‬النسبية‭ ‬العامة‭ ‬على‭ ‬خطأ‭. ‬فهي‭ -‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭- ‬نظرية‭ ‬حقل‭ ‬كلاسيكية‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬النوع‭ ‬الذي‭ ‬ستدفعه‭ ‬نظريات‭ ‬الكم‭ ‬الأكثر‭ ‬لمعاناً‭ ‬في‭ ‬أحوال‭ ‬أخرى‭ ‬جانبا‭. ‬

لكن‭ ‬طالما‭ ‬بقيت‭ ‬نظرية‭ ‬الكم‭ ‬غير‭ ‬مُفسَّرة‭ ‬بشكلٍ‭ ‬كبير،‭ ‬ستكون‭ ‬هناك‭ ‬دوما‭ ‬فرصة‭ ‬بأن‭ ‬تكون‭ ‬هي‭ ‬الخطأ،‭ ‬أو‭ ‬مجرد‭ ‬تقريب‭ ‬لنظرية‭ ‬أكثر‭ ‬عمقاً‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يسحب‭ ‬حقاً‭ ‬أوتار‭ ‬التشابك؟‭ ‬إن‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬تجسده‭ ‬نظرية‭ ‬الكم‭ ‬ليس‭ ‬أكثر‭ ‬العوالم‭ ‬تشابكاً،‭ ‬فهنالك‭ ‬عوالم‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬النظرية‭ ‬أكثر‭ ‬اتساعاً‭ ‬ولديها‭ ‬درجة‭ ‬ترابط‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‭. ‬إذن،‭ ‬لماذا‭ ‬يحصل‭ ‬هذا‭ ‬القدر‭ ‬من‭ ‬التشابك،‭ ‬وليس‭ ‬أكثر؟‭ ‬

قد‭ ‬يُمثل‭ ‬ذلك‭ ‬الأمر‭ ‬قضية‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬إشكاليات‭ ‬الضبط‭ ‬الدقيق‭. ‬لكنه‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬التشابك‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬جذر‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الألغاز،‭ ‬وهناك‭ ‬تلميحات‭ ‬حديثة‭ ‬تُشير‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬يؤلف‭ ‬تلك‭ ‬الجدائل‭ ‬الطولية‭ ‬والعرضية‭ ‬التي‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬ترابط‭ ‬المكان‭ ‬والزمن‭ ‬معاً،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬التشابك؟‭ ‬إنّ‭ ‬أفضل‭ ‬ما‭ ‬يُمكننا‭ ‬قوله‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬الجمعية‭ ‬المشتركة‭ ‬بين‭ ‬الجسيمات‭. ‬

ويسلط‭ ‬هذا‭ ‬الضوءَ‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬المواضيع‭ ‬الشائعة‭ ‬في‭ ‬أحدث‭ ‬ما‭ ‬توصلت‭ ‬إليه‭ ‬الفيزياء‭: ‬إن‭ ‬فهم‭ ‬الزمكان،‭ ‬والطريق‭ ‬نحو‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬صورة‭ ‬أكثر‭ ‬توحيداً‭ ‬للطبيعة‭ ‬بشكلٍ‭ ‬عام،‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬المعلومات‭ ‬وليس‭ ‬المادة‭ ‬والطاقة‭- ‬باعتبار‭ ‬المعلومات‭ ‬هي‭ ‬الأمر‭ ‬الأكثر‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬الكون‭ ‬ولفهم‭ ‬عمله‭ ‬بطريقة‭ ‬أفضل‭.‬

ولعل‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الكون‭ ‬عبر‭ ‬عدسات‭ ‬المعلومات‭ ‬الملونة‭ ‬يكشف‭ ‬لنا‭ ‬حلولا‭ -‬واضحة‭ ‬لدرجة‭ ‬نغفلها‭- ‬تعالج‭ ‬المسائل‭ ‬التي‭ ‬نواجهها‭ ‬اليوم‭. ‬

ستيوارت‭ ‬كلارك‭ ‬Stuart Clark‭ ‬مستشار‭ ‬لنيوساينتست

ريتشارد‭ ‬ويب‭ ‬Richard Webb‭ ‬محرر‭ ‬مقالات‭ ‬رئيسية‭ ‬لدى‭ ‬نيوساينتست

نشرت‭ ‬المقالات‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬نيوساينتست،‭ ‬العدد‭ ‬3092،‭ ‬24‭ ‬سبتمبر‭ ‬2016

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق