فيزياءفيزياء نظريةميكانيكا الكم

هل يُمكن أن تكون غرابة ميكانيك الكم أغرب مما هي عليه ؟

بقلم: ستيوارت كلارك

ترجمة: همام بيطار

يحدد التشابك الكمّي مستوى محددا تماما من الترابط الغريب بين الأشياء؛ وأي زيادة أو نقصان في ذلك سيؤدي إلى نتائج أشد غرابة.
تخيل أننا موجودون في عالمٍ إذا ما التقينا فيه لمرة، فإنّ تأخري عن الحافلة التي ستقلني إلى العمل سيجعلك تتأخر بشكلٍ أوتوماتيكي أيضاً؛ أو إذا ارتديت فردتي جوارب تختلف إحداهما عن الأخرى، فإنك ستفعل الأمر نفسه أيضاً. سيكون ذلك عذراً قوياً لك، لكنه غريبٌ جداً.
العالم التقليدي الذي نعيش فيه ليس كذلك، فأنا أقوم بـ X ليحصل Y، وتأثير ما يفعله Z سيكون ضعيفاً بشكلٍ عام.
لكنّ هذه العلاقات الواضحة تختفي عندما ندخل العالم الكمّي: عالم الجسيمات تحت الذرية التي تُمثل لبنات بناء الكون، وسنقابل حينها ظاهرة التشابك Entanglement.
هذا النوع من التخاطر Telepathy الجُسيمي الذي وصفه آينشتاين عام 1935 يتحدى كل محاولة لتوصيفه حتى الآن. ويُمكن للجسيمات أن تتشابك عندما تتفاعل، وحالما تفعل ذلك، فإنّ قياس خواص أحدها سيؤدي إلى تثبيت خواص الآخر بشكلٍ آلي بصرف النظر عن المسافة الفاصلة بينهما.
لقد أطلق آينشتاين على هذا التأثير مصطلح «الفعل الشبحي عن بعد» Spooky action at a distance، وقد أثبت العديد من التجارب وجوده كمكون أساسي من مكونات عالمنا. ويقول كاسلاف بروكنير Caslav Brukner من معهد البصريات والمعلومات الكمية Institute for Quantum Optics and Quantum Information، في فيينا-النمسا: «لولا وجود التشابك لما كان بوسعنا الوصول إلى نظرية كمية كما هي الآن، وهذه النظرية تُشكل أسس الكيمياء، وصناعة أشباه الموصلات، وحتى الحياة نفسها.»
لكن إليك الشيء الغريب حقاً: لا يُوجد أي شيء قادر على منع العالم الكمي عن اتخاذ مستويات مختلفة من الترابط، فوجود عوالم غير مترابطة إلى درجة كبير هو أمرٌ ممكن داخل إطار يلغي معظم النظرية، كذلك هو الأمر بالنسبة إلى تلك المترابطة بشكلٍ هائل. لكن يُمكن فقط لكونٍ يمتلك المستوى الدقيق من الغرابة المرتبطة بالتشابك –مثل كوننا- أن ينتج هذا النسيج الغني من الظواهر، بما فيها الحياة.
لذلك، ربما لا يجب أن نتمنى وجود مستوى غرابة غير الذي يتمتع به كوننا، لكن سيبقى من الممتع معرفة سبب وجود الأشياء هي على ما هي عليه. ومعرفة ذلك تعني اشتقاق نظرية الكم بالاعتماد على مبادئ أساسية كسرعة الضوء الثابتة التي تُعتبر أساساً لنسبية آينشتاين (انظر: ارتياب كوني: هل سرعة الضوء ثابتة حقاً؟)، لكن العالمية المطلقة لنظرية الكم تجعل من ذلك هدفاً بعيد المنال وفقاً لبروكنير الذي يُضيف: «لست متأكداً حتى فيما إذا كان بالإمكان إنجاز هذا الهدف.»
ويعتقد عالم الفيزياء الكمية ساندو بوبسكو Sandu Popescu، من جامعة بريستول University of Bristol في المملكة المتحدة أنه ربما علينا القبول بأنّ مثل هذه الأسئلة ليست فيزيائية، وإنما فلسفية، ويتابع قائلاً: «يُمكننا التنبؤ بما سيحصل تماماً، لكنّ الإفصاح عن سبب حصول ذلك هو أمرٌ ليست لدينا أدلة عليه. إنّ ذلك يحصل لأنّ الطبيعة كمية، وقد يمثل هذا أفضل إجابة يُمكنك سماعها.»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق