العلوم البيئيةجيولوجيا

المخاطرة بكل شيء بحثا عن نمر أستراليا المفقود في محاولة أخيرة

بقلم: غراهام لوتون
ترجمة: مي بورسلي

ألهمت مشاهدتان محيرتان ومحتملتان لنمور تسمانيا المحافظَ على البيئة الشهير لمعرفة ما إذا كانت نمور ثيلاسين Thylacines قد انقرضت حقا.

“هذا الأمر اتخذ مجرى خاصا به،” هذا ما أخبرني به بيل لورانس Bill Laurance عبر اتصال سكايب SKYPE مشوش من موقع العمل الميداني في بورنيو. أنا لست مدهوشا، لكنني لا أقول شيئا. فما الذي تتوقعه عندما تكون أحد أكثر علماء الأحياء المحافظين على البيئة احتراما في العالم، وتعلن فجأة أنك خرجت للبحث عن نمور الثيلاسين؟
لا يكره لورانس الشهرةَ، لكنه ليس من الساعين إليها. إنه أستاذ في جامعة جيمس كوك James Cook University في ولاية كوينزلاند بأستراليا، وظيفته اليومية هي توثيق تدمير العالَمَ الطبيعي بالصيد الجائر وقطع الأشجار وتغير المناخ وغيرها. يقول: “أُتهم مرارا وتكرارا بأنني متحدث محبط بسبب الموضوعات التي أتكلم عنها مثل تدمير الموائل Habitats، وفقدان التنوع البيولوجي وما إلى ذلك. ولكن يسقط في جعبتك أحيانا أمر لا يمكنك مُقاومته. وبالنسبة إلى لورانس، وهو أمريكي يعيش في أستراليا، كان هذا الأمر نمر تسمانيا.
أكبر مفترس جرابي في العالم، الثيلاسين، في يوم ما، ظل لمدة طويلة مطبقا بشدة على الخيال والضمير. فقد عاشت تلك النمور في جميع أنحاء أستراليا حتى نحو قبل أربعة آلاف سنة، عندما مُحيت من على اليابسة، ربما نتيجة لمنافسة كلاب الدينغو التي وصلت حديثا. وظلت موجودة في تسمانيا، ولكن آخر حيوان معروف منها نفق في حديقة للحيوان في هوبارت عام 1936، بعد 59 يوما فقط من إقرار الحكومة التاسمانية الحماية القانونية لوقف الانقراض التي كانت مسؤولة عنه إلى حد كبير. وعلى مدار السنوات المئة الماضية، تعرض الثيلاسين لاضطهاد لا هوادة فيه على يد المستوطنين الأوروبيين. ومع عرض المكافأة الحكومية، أطلق مربو الأغنام عليها النار، ونصبوا لها الفخاخ وسمموها بالآلاف. وقد قُضي على آخر ثيلاسين بري في عام 1930 بإطلاق النار عليه. لكن استمرت المشاهدات في جميع أنحاء أستراليا. إلا أنها جميعا رُفضت تقريبا للاعتقاد أنها خدع أو حالات تَعرّف خاطئ: أي الاشتباه بالثعالب والدينغو والخنازير الوحشية وحتى خلفيات الوالابي. لكن هناك عددا قليلا من الحالات من الصعب إنكاره. وقد أدلى بواحدة من تلك المشاهدات بريان هوبس Brian Hobbs، عامل السياحة من قبيلة البوشمان من ذوي الخبرة من كوينزلاند. وفي إحدى ليالي عام 1983، أثناء التخييم في شبه جزيرة كيب يورك بأقصى شمال الولاية، شاهد مرتين مجموعة من أربعة حيوانات تشبه الكلاب ذات ذيول سميكة وشعر قصير وخطوط على جانبيها. وقال: “لم أر شيئا مثلها من قبل، في أي وقت مضى.”

احتفظ هوبس بهذا السر لنفسه لمدة 34 عاما. ولكن في وقت سابق من هذا العام، مدفوعا بتقرير سمعه عبر محطة الإذاعة المحلية حول إمكانية نفي انقراض الثيلاسين، اتصل بالمحطة، وسجلوا معه مقابلة عرض فيها الكشف عن موقع المشاهدة لأي شخص جاد بالتحقيق.
وهنا يدخل لورانس القصة. فبصفته ضيفا متكررا على المحطة، طُلب إليه التعليق على تصريح هوبس، فقال: “بعد سماع ذلك فكرت، ها … فاتصلت به، ولم أكن أقوده في الكلام على الإطلاق؛ حاولت فقط أن أجعله يخبرني بما قد رأى. فظللت أسأله أسئلة مفتوحة مثل: صِفْ هذا، وصِفْ هذا. إنه رصد معقول جدا.” وبطبيعة الحال، ربما كان قد رأى صورا للثيلاسين واستوعبها، كما كان ذلك في فترة الثمانينات مما يجعلها تحسب ضده. لكنه قال إنه أخفى ذلك لأنه لم يرد أن ينظر إليه على أنه مجنون.”
وكان أحد التفاصيل الرئيسية هو العينين. فإذا وجهت ضوء المصباح على وجه حيوان في الليل، فإن لون وشكل “لمعة العين” المنعكسة عادة ما تكفي عالِم الحيوان ذا الخبرة لتحديد الأنواع. وقد وصف هوبس عيني هذا الحيوان باللون الأحمر الساطع. ويقول لورانس: “هذا ليس شائعا، ونحن قادرون على هذا الأساس، على إقصاء الدينغو والكلاب والخنازيرالوحشية. تلك هي الأشياء التي أردنا أن نستبعدها. أما الثعالب، فلا توجد هناك لأن المكان دافىء جدا.” وسرعان ما قدم شاهد ثان وصفا مفصلا لرؤية النمور في المنطقة نفسها – التي لم يكشف عنها – وفي الوقت نفسه تقريبا. “وقال إنه شاهدها بوضوح، في ضوء القمر الساطع وعلى مسافة قريبة، بما في ذلك الخطوط . هذا الرجل هو حارس حديقة جاد، ويعمل منذ فترة طويلة في خدمة حدائق كوينزلاند الوطنية. لذلك كان لدينا اثنان من المراقبين ذوي مصداقية، مع أمور لا يمكن اختلاقها.”

ومن قبيل المصادفة، كان لورانس ينظم دراسة ميدانية في كيب يورك. فهناك توجد شبه جزيرة مثيرة للاهتمام من الناحية البيولوجية لكنها غير موثقة بشكل جيد، وحيث يعيش العديد من الأنواع المعرضة للخطر والانقراض، بعضها مشترك مع غينيا الجديدة القريبة ولاتوجد في أي مكان آخر إلا في أستراليا.
“وتساءلت ساخرا حتى وإن كنت أظهر بمظهر جدي، ما إذا كان هناك من يريد البحث عن الثيلاسين في عملهم.”  فرفعت زميلته، ساندرا أبيل Sandra Abell يدها. وبعدها أصدرت الجامعة بيانا صحفيا أعلنت فيه البحث، وبعد ذلك، يقول لورانس، “تلاحقت الأمور بشكل جنوني.”

وبما أنني لم أكن على معرفة بالثيلاسين، فقد قررت أن أبحث عن واحد منها. يمتلك متحف غرانت لعلم الحيوان Grant Museum of Zoology في كلية لندن الجامعية ثلاث عينات، بما في ذلك الهيكل العظمي الكامل لأنثى غير ناضجة. ويقدر حجمها تقريبا بحجم كلب الوبت whippet.

ويضم المتحف أيضا جمجمة لذكر ناضج، مما يشير إلى أن الثيلاسين كامل النمو يكون فعليا أكبر.
سألت مدير المتحف وخبير الثدييات الأسترالية جاك أشبي Jack Ashby عمّا إذا كان من المرجح للمفترس بهذا الحجم أن يعيش في كيب يورك من غير أن يُكتشف.
قدّر جوابه بعناية وقال: “إنه ليس مستحيلا. إنها منطقة غير مستكشفة بشكل جيد وليس هناك العديد من الطرق. ومن السهل عادة استبعاد المشاهدات، ولكن المشاهدات التي أعتقد أنها مختلفة قليلا هي التي تكون من كيب يورك. أنا لا أقول إنني أعتقد أنه يوجد هناك ثيلاسين، ولكن هذا هو المكان الوحيد الذي قد أشير إليه… ربما. ”

وبالنسبة إلى لورانس، “ربما” تكفي. “نحن لا نعتقد فعلا أن هناك احتمالا قويا مفاده أن الثيلاسين لا يزال موجودا في كيب يورك، ومن الخطأ عدم استكشاف الإمكانية على الأقل،” كما يقول.
وهكذا تستعد أبيل وفريقها بنصب 50 كاميرا في المنطقة التي رصدت فيها المشاهدات، على بعد كيلومتر إلى كيلومترين من بعضها، مع طعم معروف أنه ذو رائحة جذابة للحيوانات المفترسة. وسيقومون بالتحقق من الكاميرات كل بضعة أسابيع، وبتحميل البيانات – وسيأملون. وبحلول الوقت الذي يعود فيه موسم الأمطار في نوفمبر مما يجعل عبور شبه الجزيرة صعبا، فمن الممكن أن يعود الثيلاسين من عالم الأموات.
حسنا ربما. يقول لورانس: “إننا نعتبر هذه احتمالا بعيدا يتراوح بين 1 و 2 فى المئة. ولكن هناك العديد من الحالات التي يستمر فيها بقاء الأنواع النادرة في الأماكن النائية. فالحيوانات البرية الخجولة ذات الأعداد الصغيرة من الصعب جدا رؤيتها.” ولكن هل يستحق الأمر حقا كل هذا العناء؟ فمعظم الناس الذين يبحثون عن الثيلاسين يعتبرون مهووسين. وقلت للورانس إنه يخاطر مخاطرة كبيرة. فكل ذلك المجهود في العمل العلمي، كل ذلك الجهد في المجادلة لصالح سياسات الحفاظ على البيئة … هل يمكن أن ينتهي به المطاف إلى رجل عديم المصداقية يبحث عن نمور تاسي؟

ويشير لورانس إلى أنه كان يدافع لسنوات عديدة عن الجانب السائد لتيار الكريبتوبيولوجيا Cryptobiology، ليس فقط لأنه يؤتي ثماره. ففي السنوات الأخيرة، أعيد اكتشاف العديد من الأنواع “اللازاروس” [القديس إليعازار الذي عاد إلى الحياة بعد الموت]، بما في ذلك: فيل جاوا، وحيوان السولينودون الكوبي، وسحلية السكينك المرعبة. لكنه يعترف مع ذلك بالمخاطرة. “كنت أحاول أن أُخفف من بعض التكهنات الأكثر جموحا، وأنا آمل بأن تظل سمعتي العلمية مصانة مع انتهاء فترة البحث المحددة. فلا أريد أن يقترن اسمي بهامش يفيد بأنني “معتوه جزئياً.”
“لكنه ليس وحشَ لوخ نيس. إنه ليس مخلوق يتي. فهذه في العادة تكون على الجانب الآخر من الطيف.
هذا مخلوق عاش بالتأكيد في هذا المكان ثم اختفى. إذا حصلنا على أدلة – مع التشديد على كلمة إذا – فسيكون ذلك مؤشرا حقيقيا على اللأمل . وهذا مهم جدا في العالم الذي نعيش فيه.
بيل لورانس Bill Laurance أستاذ أبحاث متميز من جامعة جيمس كوك في كوينزلاند بأستراليا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق