فيزياءفيزياء نظريةميكانيكا الكم

فحص الواقع: الترابطات المختفية وراء غرابة ميكانيكا الكم

بقلم: آنيل أنانثاسوامي
ترجمة: همام بيطار

تُخبرنا ميكانيكا الكم أن الأشياء غير موجودة عندما لا ننظر إليها، لكن التجارب وبشكل يفوق الغرابة نفسها تُعيد إحياء بديل طالما جرى الاستخفاف به!

غادر عالم الفيزياء ديفيد بوم David Bohm الولايات المتحدة الأمريكية في شهر أكتوبر من عام 1951 بعد وصفه بالتعاطف مع الشيوعية واعتقاله لرفضه الإدلاء بشهادته أمام الكونغرس الأمريكي. وعلى الرغم من تبرئته من التهمة، فقد استمر تجريده من منصبه كأستاذ في جامعة برينستون Princeton University، وعاش في المنفى لأربعة وعقود وتوفي فيه كمواطن حاصل على الجنسية البريطانية. بقيت نظرية بوم -التي كانت في طور النمو عندما كان على سواحل وطنه- في الظل لفترة امتدت أكثر مما عاشه في المنفى. ويعود الأمر في جزء منه إلى السياسة، لكنّ أفكاره بدت ضعيفة من الناحية العلمية أيضا في ذلك الوقت. اقترح بوم وجود واقع مخفيٍّ Hidden reality وراء النظرية الكمّيّة، ونعني بذلك تنبؤاته المجنونة والمتمثلة بوجود عالم لا يظهر إلى حيز الوجود إلا حين تُقرر النظر إليه: فكرة مجنونة حقا! كان ذلك مخالفا لكل ما جرى التأسيس له، ولا يزال. لكن بعد مضي أكثر من ستة عقود، مازال بوم يحصل على آذان مصغية وجديدة لأفكاره، خصوصا مع ظهور تجارب جديدة ترجح أنه ربما كان محقا. إذا كان ذلك صحيحا، فإنّه سيكون من الأسهل سبر أغوار بعض جوانب الواقع، في حين سيبدو من الأكثر صعوبة استيعاب أفكار أخرى. انسَ الغرابة الكمّيّة القياسية، فالعالَم الذي كشف بوم عنه هو مكان أكثر عمقا وغموضا واتصالا مما تخيلنا يوما ما. لم يكن اقتراح فكرة أن الواقع حقيقي عصية دوما على الاختبار. فقبل مجيء الفيزياء الكمّيّة، تبلور فهمنا للواقع بفضل النظريات الكلاسيكية التي يُوجد الواقع داخلها بصرف النظر عن وجود الراصدين. وعلى سبيل المثال، تنص قوانين نيوتن للحركة على أننا نعيش في عالم حتمي يتصرف بطرق محددة تماما، وقابلة للتنبؤ بغض النظر عما نفعله.

جاءت العلامة الفارقة في عام 1905 عندما اقترح آلبرت آينشتاين إمكان شرح التأثير الكهروضوئي Photoelectric effect، الذي يفسر إصدار بعض المعادن لإلكترونات عندما تسليط الضوء عليها، فقط إذا كان الضوء مؤلفا من جسيمات كمّيّة هي الفوتونات كما أطلق عليها لاحقا. كان ينظر إلى الضوء على أنه عبارة عن موجة. ففي وقت مبكر من القرن التاسع عشر، أجرى عالم الفيزياء توماس يونغ Thomas Young إحدى تجارب الشق المزدوج Double-slit experiment الكلاسيكية التي يُرسل فيها الضوء نحو حاجز بشقين؛ وقد تطابق نمط التداخل المتكون على شاشة موجودة وراء الشقين مع ذلك الذي كان سينتج فيما لو كان الضوء عبارة عن موجات تنتشر نحو الخارج من الشقين، وهو سلوكٌ بدا مستحيلا فيما لو كان الضوء مكونا من جسيمات منفردة. إذن، ما ماهية الضوء الآن -موجة أم جسيم؟ الإجابة هي كلاهما معا، وهو ما أكدته تجربة يونغ لاحقا؛ وقد تضمنت تلك النسخ من تجربة يونغ ضوءا خافتا جدا بحيث يُسمح لفوتون واحد بالعبور من الشق عند لحظة زمنية معينة، ويسقط كل فوتون على الشاشة الموجودة خلف الشقين في بقعة عشوائية.

لكن، وبمرور الزمن، تبيّن أن تلك البقع لم تكن عشوائية، وإنما تُشكل نمط تداخل كما لو أن الإلكترون دخل في الشقين معا وتداخل مع نفسه. حاول اكتشاف مسار الفوتون، وفي الحال سيختفي نمط التداخل. ليست طبيعة الضوء غامضة فقط، وإنما من الظاهر أنها تتعلق أيضا بما نختار قياسه؛ وبالأخذ بعين الاعتبار ما اقترحه الفيزيائي الفرنسي لويس دي بروي Louis de Broglie عام 1924، فإن الأمر لا يتعلق بالضوء فقط، فقد أكدت التجارب بعد ذلك بوقت قصير أن لدى كل الجسيمات الكمّيّة التي تؤلف الواقع المادي هذه الطبيعة الثنائية Dual nature أيضا.

إن العثور على أن الطبيعة الحقيقية للواقع مراوغة لا يزال بعيدا عن وصفها بأنها غير موجودة عندما لا ننظر إليها؛ وهذا تماما ما تقوله نظرية ميكانيكا الكم التقليدية. فوفقا لهذه الصورة -المعروفة غالبا بتفسير كوبنهاغن Copenhagen interpretation، نسبة إلى المدينة الدانماركية حيث تشكّلت الفكرة- يُمثل الجسم الكمّيّ بواسطة دالة موجية Wave function رياضياتية تسمح لنا بوضع تنبؤات احتمالية لما سنجده عند سبرنا للأشياء. و“تنهار” هذا الدالة الموجية عند إجراء القياس فقط، مما يؤدي إلى الكشف عن شيء ما متوضع في المكان والزمن. ووفقا لعبارة فيرنر هايزنبرغ Werner Heisenberg -أحد رواد تفسير كوبنهاغن: “فكرة وجود عالم حقيقي ومؤلف من أغراض تُوجد أصغر أجزائه بالمعنى نفسه لوجود الأشجار والصخور، وبشكل مستقل عما إذا رصدناها… هو أمرٌ مستحيل،” ولايزال هذا هو المشهد المهيمن حتى اليوم.

لا يُمثل هذا التفسير الشرح الوحيد الممكن (انظر: الأوجه العديدة للنظرية الكمّيّة)، فقد اقترح دي بروي تفسيرا آخر: إن الجسيمات حقيقية، ولديها موجات حقيقية -بالدرجة نفسها- مترافقة معها. ووفقا لهذه الصورة، عندما يعبر الجسيم أحد الشقين، فإن المُرشدة Pilot wave المرافقة له تخترق الشقين معا، وتتداخل مع نفسها، ومن ثمّ تُرشد الجسيم إلى موقع ما فوق الشاشة الموجودة خلف الشقين. عرض دي بروي أفكاره هذه في مؤتمر سولفي Solvay Conference الذي عُقد في عام 1927 في بروكسل، والذي ضمّ أعظم عقول المراحل المبكرة من ميكانيكا الكم، لكنه لم يُطور نظريته رياضياتيا، ومن ثم استقبلت استقبالا فاترا. وبهدوء تخلى دي بروي عن تلك الأفكار ولازم تفسير كوبنهاغن.

لم يكن ديفيد بوم على علم بعمل دي بروي، فقد طوّر في خمسينات القرن الماضي نظرية صلبة رياضياتيا تنص على وجود موجة بخواص مطابقة للدالة الموجية تقوم بإرشاد الجسيمات، ويصف عالم الفيزياء شلدون غولدشتاين Sheldon Goldstein -من جامعة روتغيرز Rutgers University في نيوجيرسي- هذه الموجة قائلا: “هذه الموجة عبارة عن موجة مُرشدة، فهي تُصمِّم وتنسّق سلسلة الحركات المؤلفة لحركة الجسيم.”

تنبأت نظرية بوم التنبؤاتِ نفسها التي وضعتها النظرية الكمّيّة القياسية Standard quantum theory. لكن حقيقة أنك تستطيع التنبؤ بالنتائج المحتملة للتجارب، هي بسبب افتقارك للمعرفة بالحالة الابتدائية للجسيمات، وليس بسبب عدم وجود الطبيعة وجودا فعليا عندما لا تنظر إليها. وقد قادت أفكار بوم عالم الفيزياء دي بروي إلى العودة إلى نظرية موجته “المرشدة” من جديد، وقد طوّر نظرية ثنائية الموجة تسمح لكل جسيم بامتطاء موجة مُرشدة تتفاعل بدورها مع موجة أخرى تتصرف كدالة موجية.

تأثيرات شبحية 

تفسر كلتا هاتين الصورتين إحدى الخصائص المركزية الأخرى للعالم الكمّيّ، إذ يبدو أن الطريقة التي ترتبط بها الأجسام الكمّيّة “المتشابكة” Entangled تؤثر في حالة بعضها البعض بشكل لحظي وعن بعد. ولا تقدم نظرية ميكانيكا كم كوبنهاغن القياسية أي تفسير لهذه اللاموضعية Non-locality، أو الفعل الشبحي spooky action كما أشار إليه آينشتاين باستهجان. ولكن، في الصورة البديلة، إذا تشابكت الجسيمات، فستقودها موجة مُرشدة مشتركة، وأي تغيير في موضع أو كمية حركة (زخم) Momentum أحد الجسيمات سيغير في الحال الموجة المُرشدة، ومن ثم سيؤثر في كامل الجسيمات الأخرى. يقول رودريك تومولكا Roderich Tumulka، زميل غولدشتاين في روتغيرز: “إن حقيقة أن ميكانيكا بوم لاموضعية لا تمثل خللا في النظرية، بل هي إحدى الخصائص التي يتعين على النظرية الحقيقية أن تمتاز بها.”

وفي عالم آخر، ربما كان عمل بوم سينظر إليه على أنه اختراق مفاجئ في عالم المعرفة. ولكنه كان في المنفى بالفعل في الوقت الذي نُشرت فيه الفكرة عام 1952. ويقول ديفيد آلبرت David Albert، فيلسوف في الفيزياء من جامعة كولومبيا Columbia University في مدينة نيويورك: “إن الكثير من النظرة إلى نظرية بوم مرتبط بكونه في المنفى.” ولم يساعد موقف آينشتاين الرافض لها، والذي كان وقتها في سنواته الأخيرة وصادحا بنقده للنظرية الكمّيّة. فقد كتب في رسالة إلى ماكس بورن Max Born، رائد آخر من رواد ميكانيكا الكم: “يعتقد بوم، وبالمناسبة كان لدى دي بروي الاعتقاد نفسه منذ 25 عاما، أن بإمكانه تفسير النظرية الكمّيّة بصيغ حتمية…. وبالنسبة إلي يبدو ذلك غاية في السوء.” ومن ثمّ دخلت ميكانيكا بوم منطقة زوال النظريات العلمية؛ فهي لم تمت تماما، ولكنها ليست كذلك مصدرا مباشرا للاهتمام.

بقيت النظرية في تلك المنطقة لفترة كبيرة لتُقدم نتائج غريبة، ما كانت لتسهم إلا في إعاقة نهضتها. فعلى سبيل المثال، أظهرت تجربة ذهنية أنجزها الفيزيائي مارلان سكولي Marlan Scully وزملاؤه في جامعة تكساس أي أند إم Texas A&M University عام 1992 أنّ النظرية تجعل من الممكن سبر أحد الجسيمات أثناء مروره عبر الشق في تجربة الشق المزدوج، لكنّ الجسيم يحط بعد ذلك على الشاشة في موضع يشير ضمنيا إلى أنه مرّ عبر الشق الآخر، ويعلق تيرسلي على ذلك قائلا: “إن مسارات بوم غير واقعية، إنها سريالية.”

ويعود الفضل في تغيير بعض الآراء إلى سلسلة من تجارب غير متوقعة وتتضمن قطرات صغيرة من الزيت. ففي عام 2005، تعثر كل من يفيس كودر Yves Couder وإيمانويل فورت Emmanuel Fort من جامعة دينيس ديدورت Denis Diderot University في باريس بشبيه فيزيائي للموجات المُرشدة، واكتشفوا أنه في حال سقوط قطرة من زيت السيليكون قطرها واحد مليمتر في حوض من الزيت نفسه الذي يهتز إلى الأعلى والأسفل، فإن القطرات سترتد متقافزة فوق السطح إلى أجل غير مسمى. وليس ذلك فحسب: فحين ارتدادها للمرة الأولى، فإنها تؤدي إلى ظهور موجة تصطدم بالقفزة اللاحقة معطية بذلك للموجة حركة أفقية إضافة إلى حركتها العمودية. وتبدأ القطرات المرتدة بالتجول عبر حوض الزيت، موجَّهة بالموجة نفسها التي صنعتها وساعدت على الحفاظ على كل قفزة. والأمر المثير للاهتمام هو ما يحدث حين يواجه هذا النظام (موجة-جسيم) حاجزا، كشق قياسه واحد مليمتر تحت السطح، وبوجود فجوتين فيه، يصبح شقا مضاعفا. وتمرّ هذه الجسيمات العابرة عبر أحد هذين الشقين أو الآخر، في حين تعبر موجتها المُرشدة عبر الاثنين، ونمط الموجة Wave pattern التي ظهرت على الجانب الآخر تقود القطرة قدما. فقد جمع الباحثون 75 من هذه المسارات، ويقترح تحليلهم تشكّل نمط تداخل على الجانب البعيد عن الشقين. وعلى الرغم من وجود قطرة واحدة فقط شبيهة بالجسيم في كل جهاز عند أي لحظة، فإن موجتها المُرشدة كانت تتسبب في اكتسابها سلوكا مشابها للموجة على مايبدو. وإذا لم يكن باستطاعتك رؤية الموجة، فإن نمط التداخل المتكون بمرور الوقت يجعلك تعتقد أن القطرات مرّت عبر الشقين معا (Physical Review Letters, vol 97, p 154101).

من الواضح أن هذا كان مجرد مثال تشبيهي، إذ تشير محاولات قامت بها فرق أخرى لتكرار نتائج التجربة إلى أن أنماط التداخل المفترض من المحتمل أن تكون ناتجة من تيارات هوائية، وحسابات إحصائية غير ملائمة. ومؤخرا، أنجز جون بوش John Bush وزملاؤه من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا Massachusetts Institute of Technology نسخة أكثر دقة للتجربة بوجود حماية مناسبة من التيارات الهوائية. ومرة أخرى، وجدوا أن القطرات المرتدة تخلق موجة مُرشدة تُرشدها، واكتشفوا نمطا موجيا ثانيا. ويُظهر هذا النمط الناشئ عن تفاعل القطرة مع حافة الحوض الدائري، موضع القطرة بمرور الزمن وله خصائص تحاكي التابع الموجي، وهذا هو بالضبط ما ورد في نسخة دي بروي الأكثر تعقيدا عن نظرية الموجة المُرشدة (Journal of Fluid Mechanics, DOI: 10.1017/jfm.2016.537).

سمحت تجارب القطرة المرتدة لفريقي كودر وبوش بمشاهدة سلوك عادة ما يشاهد في الأنظمة الكمّيّة فقط. فعلى سبيل المثال، تُظهر الحسابات الإحصائية حركات فوضوية للقطرة تحمل شبها قويا بتلك العائدة لإلكترون يتحرك داخل مدارات الذرات، ويعلق بوش: “لدينا الآن إدراك ميكروسكوبي للصورة التي اقترحها دي بروي، وهي تعاني العديد من المميزات العصية على الفهم والموجودة في ميكانيكا الكم.”

ربما، ولكن لا تزال هناك مشكلة المسارات السريالية والمتناقضة للجسيمات والتي يبدو أن النظرية البديلة تسمح بوجودها. ففي العام الماضي، أظهرت نسخة مُكرَّرة من تجربة الشق المزدوج قام بها أيفريم ستاينبيرغ Aephraim Steinberg وزملاؤه من جامعة تورنتو University of Toronto في كندا، أن تلك المسألة قد لا تكون مشكلة في نهاية المطاف. الآن، استعد لأن الأمور تُصبح غريبة هنا.

في البداية صنع الباحثون زوجين من الفوتونات باستقطابين متشابكين Entangled polarisations. وأُرسل فوتون من كل زوج عبر الشق المزدوج، المصمم بحيث يعبر الفوتون خلال الشق A إذا كان استقطابه عموديا، وسيعبر الشق B في حال كان استقطابه أفقيا. أما الفوتون الثاني فيؤدي دور المسبار، وبفضل خاصية التشابك Entanglement، فإنّ قياس استقطاب هذا الفوتون مكافئ لمعرفة استقطاب الفوتون الذي عبر الشقين، ومن ثم معرفة أيٍّ من الشقين عبره الفوتون (انظر: حقا سوريالي).

بهذه الطريقة، ضرب الفريق عصفورين بحجر واحد: فقد كانوا قادرين على تحديد موضع الفوتون العابر حين مروره في الجهاز، كما أنهم تمكنوا من قياس حالة استقطاب الفوتون السابر والمرافق له. فعل الفريق الأمر نفسه مع عشرات الآلاف من الأزواج من الفوتونات ليجد -بشكل وسطي- أنه في اللحظة التي يعبر فيها فوتون خلال الشق A، سيكون الفوتون السابر مستقطبا أفقيا كما هو متوقع. أما على الشاشة، فالأمور كانت أكثر غموضا. ففي اللحظة التي يحدد فيها موضع فوتون على الشاشة بالتوافق مع مروره في الشق A، كان استقطاب الفوتون السابر أفقيا على امتداد نصف الفترة الزمنية، مما يُشير إلى عبور الفوتون للشق B أيضا، وقد بدت هذه المسارات سريالية ومكشوفة (Science Advances, vol 2, p e1501466).

موت دماغي

تضفي ميكانيكا الكم حبكة غريبة على قصة ترك قرد يطبع على آلة كاتبة لفترة لانهائية من الزمن. اترك القرد حينها، وخذ بعين الاعتبار التقلبات الكمّيّة التي تحصل في هذا الكون الخالد، وحينها وعند لحظة زمنية ما يُمكن أن يؤدي ذلك إلى شيء ما ذي معنى، بل وقد يكون دماغا. فلو وجد دماغ كدماغ بولتزمان Boltzmann brain هذا، فمن المحتمل وجود أدمغة أخرى. وفي الحقيقة، لو أننا نحيا في كون كهذا، فستكون أدمغتنا من هذا النوع.

يبدو ذلك غير معقول. ويقول رودريك تومولكا Roderich Tumulka من جامعة روتغيرز: “إذا ما تنبأت نظرية ما بأن أغلبية الراصدين هم عقول بولتزمان، فذلك سيكون سيئا بالنسبة إلى هذه النظرية.”

تنص ميكانيكا الكم القياسية على وجود كون خالد مؤلف من حالة “تراكب” Superposition من كل الحالات المحتملة، بما في ذلك تلك المرافقة لأدمغة بولتزمان. لكن في ميكانيكا بوم، فمثل هذا الكون يتطور نحو حالة ساكنة Static state. واحتمال أن تكون هذه الحالة هي حال من حالات أدمغة بولتزمان هو احتمال ضئيل جدا. وحتى لو كانت كذلك، فلا شيء سيتغير، ومن ثم فالدماغ لن يكون فاعلا؛ ويُضيف تومولكا: “وترجيحا عدم وجود أدمغة بولتزمان، ومن ثم تبقى على هذا النحو.”

استعادة الواقع

ما الذي يحدث؟ بكلمة واحدة: اللاموضعية Non-locality. تُبين التجربة أن الفوتون المتحرك يُغير وبشكل مستمر من استقطاب الفوتون السابر له. انظر إلى الفوتون السابر في اللحظة التي يعبر فيها الفوتون المتحرك الشق، ولن تشاهد أي تناقض. لكن عند النظر إليه أثناء صدم الفوتون المتحرك للشاشة، فإنّ استقطابه سيتغير لنصف الوقت تقريبا. فهذا النوع من اللاموضعية مقبول في النظرية الكمّيّة القياسية، لكنه مُتضمَّن في نسخة بوم. وليست التجربة بأي حال من الأحوال دليلا على نظرية بوم، لكنها تُبيّن أن تنبؤها بمسارات سوريالية هو أمرٌ لا يُمكن استخدامه لنفي صحتها. لذلك فإن ميكانيكا بوم Bohmian mechanics كانت ويجب أن تبقى نظرية منافسة، كما يقول آلبرت الذي يتابع قائلا: “إنّ أي صورة واقعية ستكون مفضلة على أي صورة مضادة للواقع.”

لكن كسب العقول والقلوب سيظل كفاحا طويلا. فبداية، صيغت ميكانيكا بوم لتعيد إنتاج تنبؤات نظرية ميكانيكا الكم القياسية، وهذا يعني تجريبيا أنه غالبا ما سيكون من المستحيل التمييز بينهما. كما أن النظرية مُطوّرة فقط للجسيمات التي تتحرك بسرعة أبطأ بكثير من سرعة الضوء.

وعلى العكس من ذلك، فقد جرى توسيع ميكانيكا الكم لتشمل الجسيمات النسبوية Relativistic particles والمتحركة بسرعة قريبة من سرعة الضوء، وبذلك تُشكّل أسس نظرية الحقل الكمّيّ Quantum field theory، والنموذج القياسي في فيزياء الجسيمات Standard model of particle physics.

ويقول غولدشتاين: “إن النسخ البومية المفصّلة بوضوح من مثل هذه الأشياء غير موجودة.”

تُشكل هذه النظرية بالنسبة إلى ديفيد كيسير David Kaiser، عالم الفيزياء وتاريخ العلوم من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، كعب أخيل، إذ يُعلق على الأمر قائلا: “ينصب اهتمامي الجمالي على كونها تبدو، على الأقل بنسختها الأصلية، غير نسبوية، ومعادية للنسبية.”

منذ منتصف تسعينات القرن الماضي يستمر غولدشتاين وزملاؤه بمحاولة المواءمة بين أفكار بوم والنسبية الخاصة لآينشتاين. ويكمن الجزء الأصعب في احتواء التفاعلات اللحظية الحاصلة في ميكانيكا بوم. وهذا يتناقض مع النسبية بخصوص مدى سرعة انتشار التأثيرات -تحديدا سرعة الضوء. إضافة إلى ذلك، لا تُميز النسبية بين النقاط الموجود في الفضاء عند وجودها في أي حاضر وحيد، وقد حاول غولدشتاين وزملاؤه التغلب على هذه المسألة موضحين أنّ بإمكان دالة موجة بوم خلق بُنى أو “صفائح” Foliations في الزمكان، وتلك الأحداث تحصل بشكل متزامن فوق كل تلك الصفائح، مما يقود إلى اللاموضعية. وهذا هو المنهج الأكثر تطورا الذي نمتلكه حتى الآن، لكنه لا يزال بحاجة إلى الكثير من العمل. عندما بدأ غولدشتاين بدراسة ميكانيكا الكم القياسية في ستينات القرن الماضي، انجذب بشكل كبير لغموضه و“شبحيته”، كما يقول، وقد أدرك بمرور الوقت أن أفكار بوم ربما تكون مقبولة. إضافة إلى ذلك، يُضيف غولدشتاين أن لأفكار بوم غموضها الخاص، وخصوصا الطريقة التي يؤثر من خلالها كل جسيم متشابك في الجسيمات الأخرى الموجودة في الكون، إضافة إلى حقيقة كون الدالة الموجية نوعا جديدا من الأشياء، ويُعلق قائلا: “لا يزال الأمر مثيرا. وأنت الآن في المكان الصحيح وليس الخاطئ.”

وعلى الرغم من ذلك، ففي نهاية المطاف لا يتعلق الأمر بكسب العقول، وإنما بالانفتاح على صورة بوم وفقا لشتاينبيرغ، الذي يتابع قائلا: “إن أفضل الأشياء التي بإمكان تجاربنا القيام به هو التذكير بأن هذا التفسير موجود، فالناس غير مدركين لوجوده، ونُريد أن نسلط مزيدا من الانتباه عليه.” لدى بوش الشعور ذاته بالنسبة إلى تجاربه الخاصة بالقطرات المتحركة Walking-droplet experiments. يقول بوش: “لذلك أنا من المؤمنين بهذه المغامرة وحتى لو كانت نتيجتها الوحيدة هي جعل الشباب يتساءل عن وجهة نظرهم حول ميكانيكا الكم.”

الأوجه العديدة للنظرية الكمّيّة

لماذا يظهر الواقع وكأنه يتجه نحو حالة محددة تماما عندما نقيسه؟ تعتمد الإجابة على وجهة نظرك المفضلة بالنسبة إلى العالم الكمّيّ.

تفسير كوبنهاغن

إنها وجهة النظر القائلة: “اصمت وأجرِ الحسابات،” فالعالم الكمّيّ غير موجود بأي منطق ذي معنى دون إجراء القياسات.

تفسير العوالم العديدة

أجرِ القياس، وسينقسم الكون، مما سيأخذك إلى عالم موازٍ حيث تحصل على النتيجة التي حصلت عليها.

الانهيار الغرضي

في هذا الوصف تنهار الحالات الكمّيّة المنتشرة نحو حالة محددة تماما طوال الوقت، وسيساعد القياس حينها الأشياء على سلوك طريقها.

ميكانيكا كم بياز (ميكانيكا الكم الاحتمالي) 

الارتياب الكمّيّ غير جوهري بالنسبة إلى الواقع، فهو يرتبط بمقدار افتقارنا إلى المعرفة حول الموضوع الذي نحاول قياسه.

المعلومات

عندما تقيس شيئا ما، فأنت تستخلص بعض الأشكال الفيزيائية للمعلومات منه، مما يُجبره على أن يأخذ حالة محددة بشكل قوي.

ميكانيكا بوم

الواقع توجّهه موجات مُرشدة، وكل ما يقوم القياس به هو اكتشافه لما انتهى إليه الواقع بالطريقة نفسها التي تتبعها الفيزياء الكلاسيكية (انظر المقال الرئيسي).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مجلة العلوم الامريكية والكويتية المعربة كانت تزخر بالصور التوضيحية للتجارب ولكن هذة مقالات تشبه مقالة الجرائد عبارة عن موضوع انشائى
    المتخصص لن يلتفت لها وهاوى قراءة العلوم سوف يزداد تعقيدا ولن يستفيد اى شىء
    لابد للرجوع لاصل المواضيع فى المجلة الاصليه وكذلك ما كانت عليه مجلة العلوم الكويتية المطبوعة من ثراء الشرح العلمى والرياضى
    الموضح بالرسوم والصور الفنيه والمعادلات الرياضية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق